أخلاق المعلم | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

أخلاق المعلم | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • ينبغي على المعلم بناء علاقة مع تلاميذه كعلاقة الوالد بالولد، وعدم اليأس من الإصلاح.
  • أثنى الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم بحسن تعليمه، فلم يزجر ولا عنف ولا وبخ معاوية بن الحكم عندما تكلم في الصلاة.
  • كان النبي يحب أن يسمع القرآن من غيره كابن مسعود، وطلب من عمرو بن مرة أن يقرأ عليه حتى تأثر وذرفت عيناه.
  • يمنح النبي طلابه الثقة بأنفسهم ويدربهم على التفاعل لا مجرد التلقي.
  • علَّم النبي السائب بن عبد الله أن يحافظ على أخلاقه الحسنة التي كان عليها في الجاهلية ويستمر عليها في الإسلام.
  • الأخلاق الحسنة قيمة عامة ينبغي أن تكون مشتركة بين جميع الناس بغض النظر عن دينهم.
  • رفع النبي من مكانة العلم فجعل طلبه طريقاً إلى الجنة.
  • التربية والتعليم والأخلاق منظومة متكاملة تستحق الصبر والاهتمام.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

الحالة النبوية في التعليم وضرورة تأسي المعلم بها وعدم اليأس من الإصلاح

أنا منكم مثل الوالد للولد، هذه الحالة النبوية ينبغي أن يستمع إليها كل معلم، وأن يتجاوز كل المشكلات التي يعيشها، وأن يُنشئ علاقة بينه وبين تلاميذه، وأن يعي ما أقامه الله فيه من غير يأس من الإصلاح؛ لأن كثيرًا من الناس قد يصلون إلى مرحلة اليأس.

يفعل هذا [المعلم] لوجه الله تأسيًا بسيدنا رسول الله ﷺ، والعجيب أنه سيرى التوفيق والسداد والنتائج المبهرة من أقرب طريق وفي أقصر وقت.

شهادة الصحابة بحسن تعليم النبي ﷺ ورفقه وعدم تعنيفه

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه صحابته:

«ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا عنّفني ولا وبّخني»

يعني لم يشتدّ عليّ، ومعناها أنه لم يُعجل عليّ، معناها أنه لم يقصد أن يتسلّط عليّ ولا ضربني ولا شتمني، وقال [النبي ﷺ]:

«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»

ليس هناك نهرٌ أو [زجرٌ]، في المعجم يقول: كهرني أي نهرني، يعني شتمه، سبّه، ضربه، عاقبه، كل هذه معانٍ، لا والله لا كهرني ولا ضربني ولا شتمني.

قصة معاوية بن الحكم وتشميت العاطس في الصلاة واعتراض الصحابة عليه

وقال هذا [الكلام] معاوية بن الحكم رضي الله تعالى عنه، كان قد جاء ووقف في الصف، يعني أن هذا الحديث له قصة: وقف في الصف فعطس أحد المصلين، فقال له: رحمك الله، لم يكن منتبهًا إلى أن الإنسان عندما يعطس في الصلاة لا يُردّ عليه أحد.

فوجد الصحابة كلهم يعترضون عليه، وشعر بشيء، فرماني القوم بأبصارهم إليه، فابتدأ يحدث له شيء من الاضطراب، ولكنه قال لهم وهو في الصلاة: لِمَ تنظرون إليّ؟ ألا تعلمون أن الصلاة لا يُتكلّم فيها؟

نزول آية القنوت في الصلاة وتعليم النبي ﷺ معاوية بن الحكم برفق

وكانت الصلاة قبل ذلك يجوز أن يحدث فيها هذا؛ أن نقول عندما يعطس أحدهم فيقول: يرحمك الله، والآخر يقول: والله أنت تنظر إليّ لماذا هكذا؟ شيء من هذا القبيل، حتى نزل قوله تعالى:

﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]

فقاموا ساكتين، وجاء رسول الله ﷺ فعلّمه هذا: أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتهليل وتحميد، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني.

تربية! يبقى التربية والتعليم مهم جدًا أن نعيش هذه المعاني.

طلب النبي ﷺ من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه القرآن وبكاؤه عند سماعه

النبي صلى الله عليه وسلم عن عمرو بن مرة في حديث آخر قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليّ، يريد أن يسمع القرآن من غيره. كان سيدنا رسول الله ﷺ يحب أن يسمع القرآن من غيره، ويوجّه الناس ويقول:

«من أراد أن يسمع القرآن كما أُنزل فليسمعه بقراءة ابن أم عبد»

وهو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. كان عبد الله بن مسعود متقنًا للقرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب تلاوته ويحب أن يستمع إليه، وكان يبكي أيضًا من تلاوة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

بكاء النبي ﷺ عند سماع آية الشهادة على الأمم وأهمية تدريب الطلاب

ففي مرة وهو مع عمرو بن مرة قال له: يا عمرو اقرأ عليّ، قلت: أقرأ عليك وعليك نزل؟ قال:

«فإني أحب أن أسمعه من غيري»

فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت:

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]

قال: أمسك، يعني كفى هكذا، فإذا عيناه تذرفان، أي تدمعان؛ من أنه يعني سمع من القرآن شيئًا يخصّ نفسه.

علاقة بين الطالب وبين الأستاذ: أولًا أعطاه الثقة في نفسه، ثانيًا أنه يحب أن يسمع القرآن من غيره، هذا نوع من أنواع التدريب فكان يدرّبه. ونحن أيضًا يمكن لنا أن ندرّب طلبتنا وألّا نوقفهم عند حدّ التلقّي، بل حدّ التفاعل مع المعلم.

قصة السائب بن عبد الله وتوجيه النبي ﷺ له بالحفاظ على أخلاق الجاهلية في الإسلام

وعن السائب بن عبد الله قال: جيء بي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة، جاء بي عثمان بن عفان وزهير، فجعلوا يُثنون عليّ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا تُعلّموني به، قد كان صاحبي في الجاهلية»

قبل النبوة كان السائب ابن عبد الله كثيرًا ما يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله ﷺ يعلم منه الخير، وكان يعلم منه أخلاقًا كثيرة حميدة.

فلما جاء السائب مع سيدنا عثمان مع زهير من الصحابة، جلسوا يكلّمونه عن محاسن أخلاق السائب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إنني أعرفها. فقال: يا سائب، سيدنا رسول الله ﷺ انظر إلى أخلاقك التي كنت عليها وكنت تصنعها في الجاهلية فاجعلها في الإسلام: أقرِب الضيف، وأكرم اليتيم، وأحسن إلى جارك.

حسن الخلق قيمة إنسانية عامة لا تختص بالمسلمين وحدهم والفرق بين الأخلاق والعقيدة

يعلّمونا أن حسن الخلق ليس له علاقة في ذاته بالدين؛ فإذا كنت حسن الخلق وأنت غير مسلم فلتكن حسن الأخلاق مسلمًا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمنا هذا كثيرًا: أن التربية ينبغي أن تكون عامة، وينبغي أن تكون الأخلاق شائعة عند المسلمين وعند غير المسلمين.

في تنوّع في الوطن لا بدّ أن يكون منهج الأخلاق واحدًا، والقيم لا بدّ أن تكون واحدة بين الجميع. أما قضية الدين فهذه قضية تتعلق بالعقيدة، قضية تتعلق بالرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة وما قبل ذلك وما بعد ذلك، قضية تتعلق بموقفنا من الألوهية أو بما يُنجي الإنسان يوم القيامة.

لكن الأخلاق مردّها إلى هذا المجتمع وإلى هذه التربية: انظر أخلاقك التي كنت تصنعها في الجاهلية فاجعلها في الإسلام.

وصايا النبي ﷺ في حسن الخلق وفضل طلب العلم وطريقه إلى الجنة

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمنا ويقول:

«خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»

وكان يقول:

«أحسن الحسنِ الخُلُقُ الحسن، خالقوا الناس بخلق حسن»

كان يهتم كثيرًا بهذه التربية. إذن فنحن معنا كنز عظيم علّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتداءً من الأمر بالعلم:

قال ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا يسّر الله له طريقًا إلى الجنة»

يعني ما هذا؟ هذا كلام لم يقله أحد في العالمين في شأن العلم، معناه أنك وأنت تسير كمعلم إلى المدرسة فكأنك تذهب إلى الجنة، وأنت تسير من أجل أن تشتري كتابًا أو تطّلع على كتاب في مكتبة أو تُبلّغ كتابًا لغيرك فكأنما وصلت إلى طريق الجنة.

التربية والتعليم والأخلاق منظومة متكاملة ينبغي الصبر عليها

والتربية والتعليم والأخلاق هي المنظومة التي ينبغي أن نصبر عليها.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.