أسباب التحريم الخمسة | نور الحق | حـ 12 | أ.د علي جمعة
- •الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، أما الأصل في الأبضاع التحريم والأصل في الأفعال التقييد.
- •أسباب تحريم تناول الأشياء خمسة: النجاسة، وذهاب العقل، والضرر، والاستقذار، والاحترام.
- •النجاسة سبب للتحريم كما في الخمر الذي يعتبر نجساً.
- •يحرم كل ما يذهب بالعقل أو يفتر فيه كالحشيش والأفيون والكوكايين والهيروين.
- •الضرر سبب للتحريم كالسموم من النباتات والأسماك والفطريات السامة.
- •المستقذرات محرمة كبعض الحيوانات التي تستقذرها العرب مثل الفيل.
- •الاحترام سبب للتحريم كما في تحريم أكل لحم الإنسان.
- •هناك محرم لذاته وهو ما توفر فيه أحد الأسباب الخمسة، ومحرم لغيره.
- •اقتناء الكلاب مختلف فيه، فعند الإمام مالك الكلب ليس نجساً وكل حي طاهر.
- •غسل الإناء بعد ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب تعبدي وليس لنجاسة عند الإمام مالك.
مقدمة الحلقة والترحيب بفضيلة الشيخ علي جمعة والسؤال عن أسباب التحريم
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مرحبًا بك يا سيدنا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: يا سيدنا، نريد في البداية مع فضيلتكم أن نتعرف على أسباب التحريم؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أظن أنك تقصد بأسباب التحريم أسباب تحريم ما يتناوله الإنسان من الطعام أو يتناوله. أسباب التحريم عند العلماء، والمتتبع والمفصّل لها، خمسة أسباب؛ بموجبها إذا توفر واحد من هذه الخمسة أو أكثر طبعًا فيحرم على الإنسان أن يتناول هذا الشيء.
قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وتطبيقها على المأكولات والمشروبات
فالأصل في الأشياء الإباحة، وهذه قاعدة مقررة أن الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأبضاع التحريم، والأصل في الأفعال التقييد.
جميل، يعني ما هذا؟ نحن لدينا أشياء تريد تناولها، الأصل فيها الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم. الأصل فيها الإباحة معناها أنه ما لم يرد النص فيكون خلاف ما أباحه الله لنا عندما عرض علينا مائدته في الكون، ما شاء الله جميل.
أي عندما جئنا كان هذا كون وفيه جوافة ومانجو وفواكه وخضار وطعام وشراب، وفيه أيضًا خنزير وخمر. فالأصل فيه الإباحة؛ لأن ربنا خلقه فيكون مباحًا. صحيح، فيكون للإنسان مباحًا أن يأكل كل شيء، هذا هو الأصل هكذا.
ما حرمه الله من المأكولات بالنص وبقاء الأصل في الإباحة لما لم يرد فيه نص
ولكن ربنا سبحانه وتعالى جاء وقال: والله إن الخنزير حرام، والخمر حرام، والميتة حرام، وكل ذي ناب من السباع كالأسد والفهد والنمر، وما له مخلب وناب وهكذا.
إذا بقي هنا حرّم عليّ أشياء، في الأشياء كلها الإباحة، والباقي كله المباح أكثر، يعني انتهى. فلما يأتي إليّ نبات جديد ظهر لي ما لم يكن موجودًا، مثل الكاكاو، نعم، فالأصل فيه الإباحة. جميل، مثل الشاي فالأصل فيه الإباحة، نعم، مثل البن حبوب البن فالأصل فيه الإباحة.
تطبيق قاعدة الإباحة على النباتات المستحدثة كالدخان والقات والبات
فلما تظهر لي أشياء مثلًا كالدخان، نعم، فالأصل فيه الإباحة. كالبات الذي يمضغه الهنود، هؤلاء القات أو شيء كهذا. القات هذا في اليمن، نعم.
لكن البات هو أيضًا عبارة عن ورق شجر، ورق شجر فقط، يجعل البصاق لونه أحمر، نعم. البات والقات، الشيء الصغير هكذا التي في جذر القات تسمى الكفتة، نعم، الكفتة مثل الكفتة التي يعملونها مشوية، نعم، الكفتة؛ لأنها صغيرة هكذا ومكفوتة داخل الورقة.
فالمهم أنه عندما تظهر لي هذه الأشياء ولم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم نعلمها، يبقى الأصل فيها الإباحة. تمام، جميل.
اكتشاف المواد المخدرة كالحشيش والأفيون وتحريمها بناء على أسباب التحريم الخمسة
وبعد ذلك فقد وجدت أن والله أبا الخشخاش أبا النوام هذا، نعم، إنه مخدر ويذهب العقل، وإن القنب الهندي [الحشيش] يذهب العقل، والأفيون هذا هو الذي يأتي من الخشخاش نستخرج منه كوكايين وبعدئذ مورفين وهيروين، وإن هذه الأشياء تسبب الإدمان.
وأنه ينبغي أن نبدأ فنقول: آه، فأين المحرمات الخمس التي نحن نقول عليها؟ ونبدأ نقول بالرغم من أنها لم ترد [في النصوص بأسمائها]، أن الدخان حرام، وأن الحشيش حرام، وأن الأفيون حرام، وأن القات حرام، وأن وهكذا.
نبدأ نخرج منها هكذا، فما هي الخمسة هؤلاء الذين وضعهم الفقيه أمامه ليقول هكذا: أن الكاكاو حلال والشاي حلال والقهوة حلال، وأن الحشيش حرام والأفيون حرام والقات حرام والكحول [حرام]؟ ما الذي يجعله يفعل ذلك؟ خمسة.
السبب الأول للتحريم النجاسة والسبب الثاني ذهاب العقل
رقم واحد: النجاسة، لا تكون شيئًا نجسًا، إنها تكون شيئًا نجسًا، نعم. ولذلك قال العلماء إن هذه الخمر نجسة، نعم. ولذلك هذه النجاسة هي أحد أسباب التحريم، نعم، فيحرم تناول النجس. جميل.
رقم اثنان: ذهاب العقل. ذهاب العقل، الأشياء التي تذهب بالعقل تكون محرمة، تكون محرمة. ولذلك حرّمنا الحشيش وحرّمنا الأفيون وحرّمنا القات وحرّمنا كذلك؛ لأنها تعمل عملية إضعاف للقوى وتشويش للذهن وذهاب للعقل بدرجات.
درجات ذهاب العقل في المسكرات وقاعدة ما أسكر كثيره فقليله حرام
نعم، ألست ترى أنه عندما يشرب والله العظيم هذا الحشيش، عندما يتناوله متناول، فإن الذي يتناول مرة واحدة يختلف عن الذي يتناول عشرة، نعم، مختلف عن الذي يشرب مائة، ولكنه في النهاية يذهب العقل. صحيح.
عندما يشرب قطرة خمر مختلف، عندما يشرب كأسًا مختلف، عندما يشرب زجاجة كاملة. صحيح، هذا عبارة عن درجات.
بالمناسبة هو حرام من القطرة، نعم، حرام.
قال النبي ﷺ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»
فأُغلق هذا الباب، نعم.
السبب الثالث للتحريم الضرر وأمثلة النباتات والأسماك السامة والفطر السام
رقم ثلاثة: الضرر. فالسمّ طاهر، نعم، يوجد نباتات سامة ويوجد أسماك سامة، نعم. يوجد فطر، نعم، الفطر هذا يوجد أصناف منه هذا حلو جيد، يعني وموصوف ويحل محل البروتين وشيء جميل جدًا هكذا.
ولكن منه أصناف سامة، لو تناولها الإنسان يموت حقًا من السم الذي فيها. فهذا يكون حرام، يبقى حرام تناول فطر عش الغراب الذي يسمّم، هذا السام. جميل، ولكن فطر عش الغراب حلو وحلال، لكن الذي يسمّم هذا مصيبة سوداء، هذا يمكن أن تقتل به كذلك.
هناك أسماك يجب أن تزيل منها غدة، هذه الغدة إن لم تزلها تسمّم لك السمكة، يا ستار. صحيح، فيكون حرامًا ما شاء الله؛ لأنه هنا في ضرر.
السبب الرابع للتحريم الاستقذار وأمثلته كالبصاق والنخامة ولحم الفيل
[المذيع]: هذا علم يا مولانا، شيء مترتب يعني.
[الشيخ]: نعم طبعًا، أجل طبعًا، ما شاء الله. رقم أربعة: الاستقذار. تعتبر هذه الحاجة شيئًا قذرًا، يعني قذرًا. ولذلك حرام البصاق والنخامة وهذه الأشياء.
ما رأيك بالمناسبة، البصاق والنخامة هذان طاهران، أجل، يعني ليسا نجسة. ويجوز للإنسان وهو يصلي أو كذلك أن يأخذ طرف ثوبه وعنده زكام فيمسحه؛ لماذا؟ لأنها طاهرة، نعم.
ولكنها مستقذرة، شيء مؤذٍ. ولذلك حرّم الفقهاء ما كان مستقذرًا عند العرب من الحيوان، ما كان مستقذرًا عند العرب من الحيوان. فيقول لك الفيل حرام، نعم، أن تذبحه وتأكله.
سبب تحريم أكل الفيل بالاستقذار رغم أنه ليس من آكلات اللحوم
لماذا؟ عندما تفتح، إذا ذبحته تجده على فكرة هذا الفيل ليس من آكلات اللحوم، نعم، إنه يأكل النباتات في أمان الله هكذا هو، نعم.
فعندما تحصل عليه تجده هلاميات لزجة هكذا، شيء هلامي مقزز، نعم. ما الذي يجعلنا نحرّم الفيل؟ قيل إن العرب كانت تستقذر، إن العرب كانت تستقذر، العرب كانت تستقذر [أكل لحم الفيل].
تطبيق أسباب التحريم على التدخين والمخدرات والمواد المستخرجة من الخشخاش
يبقى إذن أنا بطمأنينة سأفتي بأن التدخين حرام؛ لأنه مضر، نعم. سأفتي بأن القات حرام هو ومجموعته الماريجوانا وغيرها من هذه الأشياء.
إذن يعني هكذا هو الحشيش والمورفين والهيروين والكوكايين وكل هذا الكلام، هو ما هو المادة الفعالة التي في الخشخاش. فإذن كل هذا يكون حرامًا من أجل إما الضرر إما ذهاب العقل.
وطبعًا نحن نرى في المخدرات أحيانًا يقال لك: حسنًا، أبو صليبة هذا ما اسمه مخدرات. حسنًا إنه يسبب ضررًا، أي قد لا يذهب العقل ولكنه [يُفتّر الجسم].
قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود عن أم سلمة: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومُفتِّر»
أي أن المُفتِّر هذا يدخل تحت الضرر.
أنواع الضرر المحرم من السم والشلل وضعف القوى والجلطة وملخص الأسباب الأربعة
فالضرر إما أن يكون بالسم، وإما أن يتناول شيئًا فيُشَلّ، وإما أن يتناول شيئًا فتضعف قواه وينهار، وإما يتناول شيئًا فتأتيه جلطة، هذا في أدوية تجلب جلطة، تجلب جلطة وهكذا.
فكل ما هو من هذه الأربعة، سواء كان نجسًا أو كان ذهاب العقل أو كان الضرر أو كان الاستقذار، يبقى حرامًا.
[المذيع]: فأين الخامسة؟
[الشيخ]: الخامسة نعرفها يا مولانا بعد الفاصل.
[المذيع]: بعد إذن فضيلتكم نعرف بعد الفاصل الخمسة [أي السبب الخامس]، فاصل نعود إليكم لكي نعرف ما هي الحاجة الخامسة التي تسبب تحريم تناول الأشياء، ولكن بعد الفاصل إن شاء الله.
السبب الخامس للتحريم وهو الاحترام وتحريم أكل لحم بني آدم
يا نور أنر لي طريقي، أرى السبيل والمسار يظهر.
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. فضيلتكم يا مولانا قلنا أربعة أشياء وهي الاستقذار والنجاسة وإذهاب العقل والضرر، هناك شيء خامس؟
[الشيخ]: إذن صحيح، الخامسة هي الاحترام، نعم. شيء يكون محترمًا فيحرم تناوله، الاعتداء عليه، يعني لأنه محترم فيحرم تناوله لأنه محترم.
نعم، وهو ابن آدم، لا يجوز أكل بني آدم، لا يجوز أكل بني آدم. لماذا؟ حسنًا لا يجوز، لماذا؟ ما هو ليس نجسًا ولا مستقذرًا ولا كذلك. لا، هذا محترم، ما شاء الله محترم.
التفريق بين المحرم لذاته والمحرم لغيره تحت أسباب التحريم الخمسة
وتحت الاحترام أيضًا، ما هي هذه الأشياء التي نحن نسميها ماذا؟ نسميها إنها محرمة لذاتها، محرمة لذاتها، نعم.
لكن تحت الخمسة هؤلاء يوجد شيء محرم لغيره، محرم لغيره. يوجد محرم لذاته هم هؤلاء الخمسة هؤلاء، وتحتهم محرم لغيره. فالمحرم لغيره يندرج تحت هذه الخمسة.
فمثلًا نأخذ شيئًا مثل الضرر، نعم، فهناك فرق بين السم الذي يميت وبين السم الذي يسبب مغصًا يجعلنا نسرع لكي نقوم بغسيل المعدة أو غسيل المعدة الصحيح، وهناك ضرر يكون طويل الأمد.
نعم، ذهاب العقل، ذهاب العقل في كمية صغيرة لا تذهب العقل لكن من شأنها أن تذهب بالعقل، فهذه هنا أشياء [محرمة] لغيرها.
حكم جوزة الطيب بين الحلال والحرام والفرق بينها وبين الخمر في القليل والكثير
فمن ضمن هذه مثلًا جوزة الطيب، نعم، جوزة الطيب هذا ما هو بالضبط؟ هذا نبات تستعمله المرأة في بشره هكذا وتضعه على الطعام لكي يعطي للطعام رائحة، نعم.
القليل منه حلال؛ لأنه لا يفعل شيئًا إلا هذه الرائحة. والكثير منها يحدث فتورًا في الجسم وخمولًا وكسلًا وأمرًا كهذا، سيدخلنا في نطاق ذهاب العقل. سبحان الله.
فيبقى الكثير منها هو الذي حرام. وهذا بعكس الخمر، هنا القليل منها حلال لكن كثيرها حرام، هنا القليل منها حلال والكثير حرام. جميل، ما شاء الله.
تصنيف جداول المخدرات ودرجات التخدير بين الجدول ألف وغيره
وهناك، ولذلك عندما تكون الجماعة لا علاقة لها بالشريعة، التي هم أصحاب الأعشاب أم المخدرات، يعني المخدرات، عندما يأتون في لكي يصنفوا النباتات التي منها المخدرات، أي فيقول لك الجدول ألف، الجدول باء، جدول جيم، نعم.
التي هي الجداول التي على المخدرات الخاصة بالأجزخانات، هذه يجب أن تُصرف بوصفة الطبيب. أي أن الجدول ألف هذا يسبب على الفور التخدير، يسبب أي التخدير مثلًا، أي تأخذ التخدير على الفور تغيب عن الوعي وتتهيأ؛ لأنه يحدث جرح فيك وأنت لست تشعر.
صحيح، التي هي التخدير الذي نعمله في العمليات، نعم، هذا شيء، هذا شيء قوي جدًا. لكن هذا لا يحدث لديه شراب الحشيش، نعم.
درجات الإدمان بين الحشيش والهيروين وموقف الفقهاء من سد باب المخدرات
ولكن هل الحشيش يسبب الإدمان الذي يسببه الهيروين أو الكوكايين؟ نعم، الهيروين أو الكوكايين هذا مصيبة، هذا يسبب إدمانًا مباشرًا، نعم، بمجرد أن يقول له تناول وجرّب يصبح مدمنًا، يصبح مدمنًا. ولكن هذا [الحشيش] يحتاج إلى فترة قليلة.
إذن هناك درجات في الكلام الذي نقوله، ولكننا يأتي الفقهاء ليقولوا لك ماذا: أنا سأسدّ هذا الأمر من البداية إلا إذا كان واضح المعالم ومعروف الحدود.
فيأتي في الحشيش ويحرّمه، ويأتي في الأفيون فيحرّمه. كل هذه المخدرات يحرّمونها، الماريجوانا يحرّمها، البانجو الذي تجرأ الناس عليه الآن ويزرعونه في الشرفات وما شابه ذلك، نعم، هذا البانجو حرام؛ لأنه مخدر. كل هذا يندرج تحت الحرمة.
حكم جوزة الطيب بالتفصيل والقدر المباح منها والقدر المحرم
[المذيع]: فكيف إذن بالنسبة لجوزة الطيب؟
[الشيخ]: أجل، جوزة الطيب هذا يمكن أن نستعمل القدر غير المُفتِّر منه؛ لأنه معلوم بجرعتين أو ثلاث من هذا الشيء الصغير لا بأس بها. ولكن إذا زاد عن ذلك وبلغ الحد المُفتِّر فيصبح ممنوعًا.
ما شاء الله، وهكذا تعمل النباتات، تكون فيها اختلاف في قوتها وفي ضعفها.
الثقافة الموسوعية عند الفقهاء وأهمية قراءة الفقه والتاريخ معًا
[المذيع]: فضيلتكم في الحلقة من حلقات أوائل البرنامج يا مولانا كنتم قلتم لنا إن ربنا أعطانا الكون لكي نتعلم فيه، وكان هناك مثل الدميري الذي ألف كتاب الحيوان. يعني إذا كان علماء الشريعة وعلماء الدين يجب أيضًا أن يكونوا عارفين معلومات عن الطبيعة وعن الكائنات الحية الأخرى.
[الشيخ]: هو عندما نطالع الفقه نواجه ثقافة موسوعية ما شاء الله عجيبة غريبة. كان الأستاذ الدكتور عبد الحميد العبادي، نعم، وهو أستاذ كبير في التاريخ رحمه الله تعالى، كان له مقولة صادقة وعجيبة، يقول: إنه لا يبلغ المؤرخ مبلغ المؤرخين العظام إلا إذا قرأ الفقه، إلا إذا قرأ الفقه. جميل.
ولا يبلغ الفقيه مبلغ الفقهاء العظام إلا إذا قرأ التاريخ، ما شاء الله.
شمولية علم الفقه واحتواؤه على علوم الحيوان والنبات والطب والفلك
هو الفقيه وهو يقرأ التاريخ عينه على الفقه، أي لكن التاريخ هذا هو الذي كان محيطًا بالفقه. ما شاء الله.
فعندما تأتي لتقرأ الفقه تجدهم أنهم تكلموا في الحيوان وفي النبات وفي التواريخ، في الفلك، في الطب، في الإقرباذين التي هي علم الأدوية [الفارماكولوجي]. تجدهم تكلموا كلامًا موسوعيًا عجيبًا غريبًا.
ولهم رؤية للعالم، ولهم رؤية للتصنيف، التصنيف نفسه، التصنيف المكتبي الذي عمله بعد ذلك ديوي من وجهة نظر مختلفة، كان لهم وجهة نظر أخرى لتصنيف العلوم بناء على رؤيتهم للكون. ما شاء الله.
فحتى التصنيف المكتبي كان له أثر في ثقافتهم، في طريقة تعليمهم، في طريقة تعلمهم، في طريقة إشاعة الثقافة بين الناس وهكذا.
ضرورة اطلاع الفقيه على العلوم المختلفة بطريقة خادمة للفقه
فليقرأ الفقه، الحقيقة لا بد عليه أن يكون ناظرًا لكل هذه العلوم ولو بطريقة خادمة، يعني هو لن يصبح متخصصًا في كل هذه العلوم، هذا مستحيل، وإنما يقرأ هذه العلوم من أجل خدمة الفقه الذي تخصص فيه.
سؤال عن حكم اقتناء الكلاب وهل الكلب نجس ورأي الإمام مالك في طهارة الكلب
[المذيع]: جميل سيدنا، نحن تحدثنا مع فضيلتكم اليوم عن أسباب تحريم تناول الشيء، كان من ضمن الأسباب النجاسة. كان باقيًا بعض الدقائق القليلة على انتهاء الحلقة يا مولانا، فنريد أن نعرف؛ لأن هناك أيضًا نقطة خلاف نريد أن يظهر لنا نور الحق في هذا الأمر: موضوع اقتناء الكلاب، هناك أناس يقولون إن الكلب هذا حيوان لطيف والطفل الصغير يأنس به، وهناك أناس يقولون لا تدخل الكلب بيتك لأنه نجس، كلب الحراسة حاجة والكلب الصغير ليس حاجة، فنريد من فضيلتكم أن تحسموا لنا هذا الأمر: اقتناء الكلاب هل هو حلال أم حرام وهل نجسة أم لا؟
[الشيخ]: هو الإمام مالك يرى أن الكلاب ليست نجسة، وأمره في هذا مبني على أن كل حي طاهر، كل كائن حي في الأصل طاهر، نعم، كل حي طاهر.
استدلال الإمام مالك بكلب الصيد على طهارة الكلب وعدم الأمر بالتحرز منه
وأكد هذا وقال: إذا كان الكلب نريد معرفة حكمه فلننظر إلى كلب الصيد. والكلب معروف بخصلتين:
الخصلة الأولى: أنه لصيق بصاحبه، يحب صاحبه كثيرًا، نعم، يتمسح به هكذا، يتمسح به. صحيح، فالراعي الذي يرعى الغنم والكلب، والصياد، لم يُؤمر بالتحرز منه، نعم، بالرغم من أن فيه هذه الصفة، صفة طبيعية أنه دائمًا يحتضن صاحبه.
نعم، لو كان نجسًا لقلنا للصياد: احذر أن يقترب منك، وقلنا لراعي الغنم: احذر أن لا يحدث هكذا.
والأمر الثاني: أنه كثيرًا ما يخرج لسانه، يلهث دائمًا، نعم.
حتى ربنا قال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: 176]
لو كان لسان الكلب نجسًا لحُذّر الصياد والراعي ولكان عضّ الصيد نجسًا
نعم، فالكلب شكله هكذا دائمًا مُدلّى لسانه يقعد يلعب ويهتز. آه صحيح.
فلو كان لسانه نجسًا لحذّرنا الزارع ولحذّرنا الصياد، وكنا حذّرنا صاحب الغنم، وكان عضّ الكلب في الصيد يكون نجسًا. صحيح، عضّ الكلب لما الكلب أمسك الصيد هكذا وجاء به يبقى هذا نجسًا.
ولكن رسول الله ﷺ لم يقل هذا. كلام مالك هذا، كلام مالك.
اختيار مذهب الإمام مالك في طهارة الكلب لخدمة صورة الإسلام واستعمال الكلاب لإرشاد المكفوفين
فالحقيقة أننا في عصرنا الحاضر صورة الإسلام في العالم نريد أن نحسّنها أمام الناس، حتى لا نكون حجابًا. نحن نعمل ذلك لوجه الله، لسنا خائفين من أحد، نحن نعمل ذلك لأننا نريد ألا نكون حجابًا بين الخالق وخلقه.
فلما أتيت وجدت الغرب استعمل الكلاب لإرشاد الضرير كفيف البصر، كفيف. وبعدين أقول له على الفور: هذا الكلب امشِ وراء مالك، الإمام مالك، وهذا طاهر، نعم.
والقضية كلها أنه إذا أراد أن يستعمل الإناء الذي يستعمله الكلب فإنه يغسله سبع مرات إحداهن بالتراب، التراب بنص الحديث الشريف، بنص الحديث تعبدًا وليس لنجاسة، تعبدًا.
غسل إناء الكلب تعبدًا لا لنجاسة واكتشاف الجرثومة في لعاب الكلب
فالإمام مالك يقول هكذا، يقول أنه ليس نجاسة، نعم، يقول تعبدًا وليس لنجاسة، نعم. هذا ليس بسبب النجاسة، تعبدًا أي طاعة سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، نعم.
هذا في أمر لم نكن نعرفه، بعد ذلك اكتشفنا أن هناك جرثومة في لعاب الكلب لا تزول إلا بالتراب، سبحان الله، نعم. هذا هو الذي لم نكن نعرفه وعرفناه بالأبحاث وما شابه ذلك.
لكن الكلب ليس نجسًا عند الإمام مالك، عند الإمام مالك. وعلى هذا فسّر أننا تمامًا نختار من الفقه الواسع ما فيه مصالح المسلمين وما فيه خدمة للدعوة.
الرد على من يفصل بين الفقه والدعوة وأهمية الاجتهاد الفقهي الواسع
فقال أحدهم: وما شأن الدعوة وما شأن هذه القضية؟ يعني كان يريد أن يعيش في برجه العاجي وينعزل على نفسه. لا، هذا هو الإمام مالك المجتهد العظيم صاحب المدينة.
كان إن هو اختار هذا الكلام، وهذا الكلام بفهم الإمام مالك يفيدنا، فيكون أهلًا وسهلًا ومرحبًا من غير دخول في هذه التناقضات.
ختام الحلقة والدعاء والتوديع
[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا مولانا وينفعنا بعلمك ويزيدك علمًا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا الوقت، وعلى هذا وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم نور الحق.
وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
