أسباب السعادة في الدارين | أ.د علي جمعة - ندوات ومحاضرات

أسباب السعادة في الدارين | أ.د علي جمعة

24 دقيقة
  • السعادة هي الحياة الطيبة التي وعد الله بها المؤمنين، وهي تُعرف بالذوق أكثر مما تُعرف بالنطق واللغة.
  • وصفها العلماء بأنها حلاوة الطاعة، أو القناعة، أو الرضا، أو النجوى، أو نسيم القرب من الله سبحانه وتعالى.
  • من أسباب سعادة الدارين جعل الله ورسوله المحبوبين الأولين، والخروج من تدبير النفس إلى تدبير الله.
  • تتحقق السعادة بالعبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس، وتخلية القلب من كل قبيح وتحليته بكل صحيح.
  • الذكر والفكر من أعظم أسباب السعادة، كما قال تعالى: "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض".
  • الاستغفار سبب للسعادة كما قال نوح عليه السلام: "استغفروا ربكم إنه كان غفارا".
  • من علامات السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وحسن الخلق.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

افتتاح اللقاء بالتحية والدعاء وتقديم عنوان أسباب سعادة الدارين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أحييكم أولًا بما أحييكم به بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح أعمالنا.

والعنوان المختار لهذا اللقاء هو أسباب سعادة الدارين.

معنى كلمة أسباب في اللغة والاصطلاح الشرعي وتعريف السبب

تعوّدنا في دراستنا أن نقف عند كل كلمة من العنوان حتى نغوص في معناها وفيما حولها وما يترتب عليها وفي مصادرها ومن أين أتت.

فكلمة أسباب هي كلمة تدل على الجمع، جمع سبب، والسبب هو الوسيلة وما يُتوصَّل به إلى الشيء في لغة العرب. إلا أنه في الاصطلاح هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته؛ أي أنه إذا وُجِد وُجِد المسبَّب، وإذا انعدم انعدم المسبَّب.

مثال زوال الشمس كسبب شرعي لوجوب صلاة الظهر

وضربوا لذلك مثالًا بزوال الشمس أو غروبها أو بخروج الفجر؛ فإنها أسباب للصلوات. فعند زوال الشمس من مكانها يجب على المسلم والمسلمة صلاة الظهر، فهذه الحركة في جرم السماء تُعدّ سببًا.

لماذا؟ لأنها عند وجودها يوجد الوجوب، وعند عدمها فإن الزوال لم يحدث بعد، لا يوجد الوجوب ولا يجوز أن يقوم مسلم يصلي الظهر والزوال لم يتم. فالسبب يُستفاد من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.

معنى السعادة وتفسير الحياة الطيبة في القرآن الكريم

أسباب سعادة الدارين، ونقف هنا عند قوله سعادة. والسعادة كلمة قد تكون في إدراكها ترجع إلى الذوق وإلى الشعور وإلى ما تعجز اللغة عن أن تعبر عنه، وقد تكون محددة وذهب إلى كل فريق من المفكرين والعلماء.

قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]

إذن الحياة الطيبة، فالسعادة هذه هي الحياة الطيبة.

معنى سعادة الدارين وتفسير ابن عباس للحياة الطيبة بالسعادة

وسعادة الدارين أي دار الدنيا لأنها قريبة منا، ودار الآخرة لأنها مؤجلة عنا، سنذهب إليها بعد الالتحاق بالرفيق الأعلى والذهاب إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، نرجو الله السلامة في الدارين.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله حياة طيبة قال: السعادة.

ومن هنا صدّرنا بتلك الآية العظيمة التي تتعلق في القرآن بموضوع هذا اللقاء في ذلك اليوم الأغر.

تفسير القشيري للحياة الطيبة بأنها تُعرف بالذوق لا بالنطق

يقول القشيري في تفسيره: ثم ما تلك الحياة الطيبة؟ فإنه لا تُعرف بالنطق، يعني من جهة اللغة، يعني بأن نتكلم بكلمات وبجمل نفسر فيها هذه الحياة الطيبة، وإنما تُعرف بالذوق، تُعرف بالشعور، يُعرف بما وراء اللغة، يشعر به الإنسان ويعيش فيه لكنه لا يحسن التعبير عنه.

فقوم قالوا إنه حلاوة الطاعة، فهو إذن يُعرف بالذوق. لكن بالرغم من ذلك فإن قومًا أرادوا أن يحددوه، أن يضعوا له تعريفًا.

تعدد تعريفات السعادة عند العلماء بين الطاعة والقناعة والرضا ونسيم القرب

فقالوا هو حلاوة الطاعة، وقوم قالوا إنه القناعة، وقوم قالوا إنه الرضا، وقوم قالوا إنها النجوى، وقوم قالوا إنها نسيم القرب، نسيم القرب من الله سبحانه وتعالى.

فالإنسان يشعر بالحنان ويشعر بالأمان ويشعر بالهدوء النفسي ويشعر بالتوكل على الله وبالتسليم وبالرضا. يشعر بما قاله بعض العباد:

«نحن نشعر بسعادة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها»

فهذا نسيم القرب.

تصديق القشيري لجميع معاني السعادة وتنوع استشعارها بين الناس

يقول القشيري: وكل ذلك صحيح، كل هذه المعاني التي حاولها العباد والمفكرون والعلماء كلها صحيحة، ولكل واحد أهله؛ أي أننا نستشعر السعادة من جهات مختلفة.

بعضنا يستشعر أنها الطاعة، بعضنا يستشعر أنها القناعة — اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا — بعضنا يستشعر أنها نسيم القرب، بعضنا يستشعر أنها النجوى، بعضنا يستشعر أنها الرضا، ولكل واحد أهل.

السعادة في المعية مع الله المحبوب واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم

ويُقال إن الحياة الطيبة لا تكون إلا مع المحبوب، فالمعية هنا هي السعادة، والمحبوب ومحبوب الجميع هو الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

إذن فالحبيب الأعلى والأتم هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومن هنا:

قال النبي ﷺ: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»

فمنا من وُفِّق بأن جعل الله سبحانه وتعالى هو المحبوب، وجعل وسيلة الاتصال بيننا وبينه وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المحبوب.

تطبيق محبة الله ورسوله والتحذير من جعل الدنيا هي المحبوب

وطبّق قوله تعالى:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

ومن ضيّق [على نفسه] فجعل امرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها من مال، من ولد، من جاه، من نحو ذلك هو المحبوب، فندعو الله سبحانه وتعالى من أجل أن نحصل على سعادة الدارين أن نجعل الله ورسوله المحبوب.

تفسير القرطبي للحياة الطيبة عن سهل التستري وجعفر الصادق

يقول القرطبي في تفسيره عن معنى الحياة الطيبة: قال سهل بن عبد الله التستري: هي أن ينزع الله [سبحانه وتعالى] عن العبد تدبيره ويرده إلى تدبير الحق.

وكان جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه يقول: هي المعرفة بالله وصدق المقام بين يدي الله سبحانه وتعالى.

وقيل — هذا كلام القرطبي —: الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق، وقيل: الرضا بالقضاء.

علاقة كلام القرطبي بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله والخروج من تدبير النفس

هذا الكلام للإمام القرطبي كلام عالٍ جدًا، ولكن يحتاج منا أن نقف عند أنه تفسير لكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله. من أدرك بعمق معنى لا حول ولا قوة إلا بالله فإنه يخرج من تدبير نفسه إلى تدبير ربه، فيحدث له التسليم ويحدث له الرضا ويحدث له حسن التوكل ويحدث له أشياء كثيرة.

فسّرها ابن عطاء الله السكندري رضي الله تعالى عنه في حِكَم ابن عطاء، حِكَم ابن عطاء أكثر من مائتي حكمة — مائتان وثلاث عشرة حكمة — ولكنها كلها وكأنها تفسر لا حول ولا قوة إلا بالله.

لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز عرش الرحمن ومفتاح السعادة

لا حول ولا قوة إلا بالله كلمة من كلمات الإسلام، وفي البخاري:

قال النبي ﷺ: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز عرش الرحمن»

إذن فنحن أمام عنوان، أمام مفتاح نستطيع به أن نصل إلى هذه الحالة، إلى أن نرى الله سبحانه وتعالى في كل شيء.

التعمق في أسماء الله الأول والآخر والظاهر والباطن وعلاقتها بالسعادة

ولذلك نلاحظ أن بعضهم وهو يتحدث عن السعادة يتحدث عن أسماء أربعة: الأول والآخر والظاهر والباطن. هذه الأربعة عندما نتعمق في معانيها نشعر بكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله، ونعرف أننا قد عرفنا الدنيا وأننا عرفنا الحقائق.

على حد قول الحكماء: من عرف نفسه فقد عرف ربه. نعرف أنفسنا بالضعف فنعرف ربنا بالقوة، نعرف أنفسنا بالحدوث والبداية فنعرف ربنا بأنه حي قيوم قائم بنفسه، نعرف أنفسنا بأن نعتمد على الظاهر فنعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم الظاهر والباطن.

تزكية الدواخل والتعلق باسم الله الباطن وتحويل المعاني إلى برنامج يومي

ننظر إلى أنفسنا في أنفسنا فنحتاج إلى أن نزكي دواخلنا، ومن هنا فإننا نتعلق باسمه سبحانه وتعالى الباطن.

الأول والآخر والظاهر والباطن، في إدراك معانيها وفي التصديق بها ثم في تحويلها إلى برنامج يومي للعمل، نوع من التفسير لـلا حول ولا قوة إلا بالله.

شهود الله في كل شيء سبب من أسباب سعادة الدارين

هذا سيؤدي بنا إلى سبب آخر من أسباب سعادة الدارين وهو شهود الله، كما قال أبو العتاهية:

وفي كل شيء له آيةٌ ... تدل على أنه واحدُ

إذا تأمل [الإنسان] في الكون وعرف دقة الصانع ودقة الصنعة:

قال تعالى: ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: 11]

لو تأمل في الخلق وتدبّر في معانيه فإنه ليس له إلا أن يسجد لله سبحانه وتعالى؛ لأنه سيرى الله وراء كل شيء.

حديث جبريل والإحسان بين المراقبة والشهود من أسباب السعادة

وهذا يصل بنا إلى حديث جبريل حيث جاءنا يعلمنا أمر ديننا، فسأل عن الإسلام والإيمان ثم سأل عن الإحسان:

قال النبي ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»

المراقبة والشهود والمراقبة في النهاية من أسباب سعادة الدارين.

خلق الله العالم للعبادة وأمرنا بعمارة الأرض ومعناها الشامل

ومن هنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد خلق هذا العالم لأجل هدف محدد وهو العبادة، وجعل الدنيا دار اختبار وابتلاء:

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

وأمرنا في هذه الحياة الدنيا أن نعمر الأرض، وهي كلمة قد يصعب ترجمتها في كثير من اللغات. عمارة الأرض تعني ضد الفساد، تعني البناء، تعني العطاء، تعني الأخلاق، تعني الكرم والحب والسلام، كلمة عجيبة غريبة عمارة الأرض.

قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

فهذا نوع من أنواع العبادة، أو من خلال العبادة ولأجل الله سبحانه وتعالى فإننا نعمر الأرض.

تزكية النفس ركيزة ثالثة للوصول إلى السعادة مع العبادة والعمارة

والثالثة هي تزكية النفس:

قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

بالعبادة والعمارة والتزكية نصل إلى السعادة، إلى الشعور بكل ما قلناه من سعادة هذه الحياة الدنيا.

تخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح من أسباب راحة البال والسعادة

هذه الأمور المرتبة تجعلنا دائمًا ننظر إلى أنفسنا فنخلي القلب من كل قبيح ونحليه بكل صحيح، وهذا من أسباب السعادة وراحة البال وعدم الوقوع في ظلم العباد وعدم التسرع.

فإن الكلمة إذا كانت معك فأنت مالكها، فإن نطقت بها فقد ملكتك. فترى هذا قد أوتي صمتًا، وإذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتًا فإنه تنزل عليه الحكمة:

قال تعالى: ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

منهج التخلية والتحلية طريق السائرين إلى مرتبة الإحسان

قضية التخلية والتحلية من القلب — نخلي القلب من كل قبيح ونحلي القلب بكل صحيح — هي منهج السائرين إلى الله حتى نصل إلى مرتبة الإحسان: أن نعبد الله كأننا نراه.

الوصول إلى ذلك إنما يتم بالذكر والفكر، على حد الآية التي ذكرها الله في سورة آل عمران والتي يقول فيها:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

هذه الآية تحدثت عن الذكر وتحدثت عن الفكر.

الذكر سبب من أسباب السعادة والإعراض عنه يورث المعيشة الضنك

كثير من آيات القرآن تأمرنا بالذكر؛ لأنه سبب من أسباب السعادة:

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124]

والضنك هو النكد والمشقة، ولكن ضده السعادة. فإذا نحن أمام مفارقة بين السعادة وبين ضدها، وذلك بالذكر.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم ترك لنا برنامجًا حافلًا في الذكر:

قال تعالى: ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

وقال تعالى: ﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]

وقال تعالى: ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

وقال النبي ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

آيات كثيرة وأحاديث كثيرة.

أنواع الذكر من تسبيح ودعاء وقرآن والتفكر في كتاب الله المسطور والمنظور

وجعل الله الذكر خالصًا كالتسبيح والتحميد والتهليل، وجعله بأسمائه الحسنى، وجعل الدعاء ذكرًا، وجعل القرآن ذكرًا. ونحن في شهر [رمضان] اجتمعت فيه هذه المعاني كلها.

والأمر الثاني هو التفكر في كتاب الله المسطور [القرآن الكريم] وفي كتاب الله المنظور وهو الكون. وهذا الكون أيضًا يذكر ويسبح:

قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحشر: 24]

وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

وقال تعالى: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الرعد: 15]

إلى آخر الآيات التي تجعل الكون من حولنا في حالة عبادة دائمة لرب العالمين سبحانه وتعالى.

بالصبر والشكر والمحبة والمهابة نعيش برنامج الذكر والفكر وشهود الله

بالصبر والشكر والمحبة والمهابة نستطيع أن نعيش هذا البرنامج الذي يشتمل على الذكر والفكر، والذي يشتمل على الشكر والصبر، والذي يشتمل على شهود الله سبحانه وتعالى، والذي يشتمل على معرفة معنى أسماء الله الحسنى: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، والذي يشتمل على قصد العبادة والعمارة والتزكية.

كل ذلك يلخص لنا سيدنا نوح [عليه السلام]:

قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ [نوح: 10-12]

استغفار النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة وتفسير غين الأنوار

والاستغفار والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله في اليوم مائة مرة، وكان يقول فيما أخرجه مسلم:

قال النبي ﷺ: «إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة»

وهذه غين أنوار كانت تكتنف قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنها تريد تلك الأنوار أن تحجبه عن تبليغ الرسالة، فيستغفر ربه لأنه مكلف تكليفًا إلهيًا بتبليغ الرسالة إلى الناس.

تفسير أبي الحسن الشاذلي لاستغفار النبي ببابي القلب على الحق والخلق

فيفسرها بقوله أبو الحسن الشاذلي أن القلب له بابان: باب على الحق وباب على الخلق. فكان باب الحق مفتوحًا دائمًا، وكان باب الخلق ينغلق، فيستغفر الله سبحانه وتعالى مائة مرة لفتح باب الخلق، وليس أن باب الحق يُغلق لغفلة.

لا، قدّر الله! يا سائلًا عن رسول الله كيف سها؟ وسهوٌ من كل قلب غافل، الله قد غاب عن كل شيء سره، فسها عما سوى الله، فالتعظيم لله.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان معظِّمًا له جل جلاله على الدوام، لكنه كان يستيئس من بعض البشر فيرجع فيستغفر ربه أنه سيرجع إليهم ليبلغهم الرسالة وليعلمهم الطريق.

علامات سعادة ابن آدم المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء

النبي صلى الله عليه وسلم جعل أيضًا علامات من سعادة ابن آدم:

قال النبي ﷺ: «من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة»

فجعل المرأة الصالحة كأنها علامة على سعادة ابن آدم. وكان دائمًا يرشدنا إلى هذا المعنى، فيقول فيما ورد في صحيح ابن حبان:

«أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع»

وهذا يعني أنه يدعونا إلى أن نضبط أنفسنا وأن نتعامل مع الدين تعامل الفاهمين وليس القاصرين الذين يأخذون بعضه ويعرضون عن بعض.

والمسكن الواسع فهو من سعادة ابن آدم، والجار الصالح — الجار قبل الدار — والمركب الهنيء.

وأربعة من الشقاء: الجار السيء، والمرأة السيئة، والمسكن الضيق، والمركب السيء.

حسن الخلق من أعظم أسباب سعادة الدارين في حديث جابر بن عبد الله

أسباب السعادة في الدارين هي حسن الخلق، فكما ورد عند الخطيب البغدادي عن جابر بن عبد الله:

قال النبي ﷺ: «من سعادة ابن آدم حسن الخلق، ومن شقائه سوء الخلق»

فعليك بحسن الخلق، وأحسن الحسن الخلق الحسن.

الدعاء الختامي بسعادة الدارين والعفو والعافية والحشر تحت لواء النبي

نرجو الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا في هذه الليالي المباركات بالعفو والعافية التامة في الدين والدنيا والآخرة، وأن يجمعنا على خير في الدنيا والآخرة، وأن نُحشر تحت لواء نبينا يوم القيامة، نشرب من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.

اللهم يا ربنا نسألك سعادة الدارين ونسألك أسبابها، ونسألك من كل خير سألك منه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.