أكل الربا | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

أكل الربا | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • حذر النبي صلى الله عليه وسلم من سبع موبقات (كبائر الذنوب) في حديث أبي هريرة، منها الشرك بالله والسحر وقتل النفس.
  • أكل الربا من الموبقات المحرمة باتفاق المسلمين، مع اختلاف العلماء في علته وتطبيقاته.
  • اختلف الفقهاء في علة الربا على عشرة أقوال: أبو حنيفة يرى العلة في اتحاد الجنس والمقدار، والشافعي يراها في الطعم، ومالك يراها في القوت المدخر.
  • ظهور الأوراق النقدية والبنوك أدى لاختلاف العلماء في تكييفها الشرعي، مع اتفاق الجميع على تحريم الربا.
  • من الموبقات الأخرى: أكل مال اليتيم، وهو أكل للنار في البطن، والتولي يوم الزحف إلا للكر والفر.
  • قذف المحصنات المؤمنات الغافلات من الموبقات، وكذلك الكذب ونشر الأخبار دون تثبت.
  • ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً موبقات أخرى منها عقوق الوالدين وشهادة الزور.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة حلقة مجالس الطيبين والتحذير من الموبقات السبع

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، نعيش فيها مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرنا من كبائر الذنوب ويسميها الموبقات، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا الموبقات السبع، قالوا: يا رسول الله وما هي؟ فأجاب صلى الله عليه وآله وسلم: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق»

وأكمل الحديث، وهذه الثلاثة كانت قد أخذناها في حلقة سابقة، ونكمل اليوم ونعيش مع هذا الحديث النبوي الشريف.

تحريم أكل الربا واتفاق المسلمين على حرمته مع اختلافهم في تفاصيل المعاملات

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وأكل الربا»، وأكل الربا محرم في الشريعة الإسلامية كتحريم القتل، وكتحريم الزنا، وكتحريم السرقة، وكتحريم الكذب وشهادة الزور.

وكل هذه المعاصي وكل هذه المخالفات باتفاق المسلمين شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا؛ إلا أن هناك اختلافًا بين العلماء فيما إذا كانت هذه المعاملة من الربا أم ليست من الربا. وهذا الاختلاف في الحقيقة قديم.

وهناك نوعان من الربا: ربا البيوع وربا الديون، واختلف العلماء في علة الربا على عشرة أقوال.

اختلاف الأئمة الأربعة في تحديد علة الربا بين الجنس والطعم والقوت

فأبو حنيفة يقول إن علة الربا هي اتحاد الجنس ومسألة المقدار؛ أي ينبغي أن يكون الجنس متحدًا، ولذلك فعنده يجوز أن الربا يقع في مبادلة التراب بالتراب؛ أي شيء جنسه واحد وهو مقدّر. وكلمة مقدّر عنده بمعنى أنه يُكال أو يُوزن، فما دامت عربة التراب هي عبارة عن كيل فلا يجوز بيع عربة التراب أو حمولة بعربتين، هكذا عند الإمام أبي حنيفة.

لأن الشافعي رأى أن العلة هي الطعم، ومعنى أن تكون العلة الطعم حرمة جريان الربا في المطعومات حتى لو كانت مياهًا؛ الماء مطعوم، الدواء مطعوم، فلا يجري فيه هذه الزيادة.

أما الإمام مالك فيقول: القوت المدّخر، ولذلك الدواء والماء لا ربا فيهما عند الإمام مالك. عشرًا، علل مختلفة فيها سفيان الثوري مع أبي حنيفة مع مالك مع غير ذلك إلى آخره، والجميع يحرّم الربا.

اتفاق العلماء على تحريم الربا واختلافهم في بعض المعاملات دون تكفير أو تفسيق

ولذلك فهناك أمور اتفق جميع العلماء على أنها عند جميع العلماء هي من الربا المحرم، وهناك أمور اختلفوا فيها. وعندما اختلفوا فيها لم يكفّر بعضهم بعضًا، ولم يفسّق بعضهم بعضًا، واحتمل بعضهم بعضًا، ولم يدّعِ أحدهم أنه على صواب مطلق وأن الآخرين يخالفون الإسلام ويخالفون المسلمين.

وعندما ظهرت هذه الأوراق النقدية التي بين أيدينا اختلف فيها العلماء: هل هي تحقق معنى النقود الشرعية التي حرّم الله فيها الربا أم أنها خارجة عن ذلك؟

الاختلاف حول البنوك وطبيعة عملها بين الربا والسياسات النقدية المشروعة

وعندما نشأت البنوك اختلف فيها العلماء: هل هي تقوم بأمر فيه ربا، أو أنها تقوم بغير ذلك من السياسات النقدية التي تحكم جريان عرض النقود في المجتمع، وتتحكم في الادخار وفي الاستثمار، وتقود عملية تداول النقود من غير أن توصف بأنها من الربا المحرم الذي يضر بالفقير ويضر بالسياسة النقدية ويضر بحالة استقرار الأسواق إنتاجًا واستهلاكًا.

ولا يجب أن نستمع من بعضهم التكفير والتفسيق والتبديع ما دام قد خالف رأيهم أو قال مقولة لم تصل إلى أذهانهم ولم يفهموها، بل علينا أن نعلم أن جميع المسلمين يحرّمون الربا.

تغيير القانون المصرفي في مصر سنة ألفين وأربعة وأثره على حكم المعاملات البنكية

حتى الذين قالوا إن إجراءات البنك التي تجري في مصر مثلًا الآن بعد تغيير القانون في سنة الألفين وأربعة بقانون جديد يحكم العلاقة بين المدّخر وبين المصرف، وبين المصرف وبين المستثمر، تحكمها بوضوح يبتعد عن الربا.

الآخرون قد يكونون لم يطّلعوا على مثل هذا التغيير ولم ينتبهوا إليه ولم يلتفتوا إليه، وإذا ما ذكرنا ذلك لهم فإنهم يتعجبون. لكن الأمر هنا هو أن أحدًا من المسلمين لم يحلّل الربا.

الفرق بين تحليل المحرّم والاختلاف في تحقيق المناط وتطبيقه على الأعيان

لم يحلّل أحد من المسلمين الخمر؛ لكنه يقول إن هذا ليس خمرًا أصلًا لأنه غير مسكر. لم يحلّ أحد من المسلمين الخنزير؛ لكنه يقول إن هذا الحيوان الذي أمامنا ليس خنزيرًا، ويختلف مع من يظنه خنزيرًا، ولكن الاثنين يحرّمان الخنزير، ولكنهما يختلفان في هذا [التطبيق على العين المعيّنة].

هذه العين بالذات: هل هي خنزير أم ليست بخنزير؟ فيجب على الدعاة أن يتقوا الله في هذا المقام، وأن يوردوا الخلاف، وأن لا يتهموا أحدًا من المسلمين بأنه قد أحلّ الربا.

أكل الربا من الموبقات لتأثيره في الفقراء والأسواق والإنتاج والاستهلاك

وأكل الربا من الموبقات لأنه يؤثر في الطبقة الفقيرة، ويؤثر في الأسواق، ويؤثر في جريان الإنتاج والاستهلاك تأثيرًا في خراب البيوت.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأكل مال اليتيم». أكل مال اليتيم كبيرة من الكبائر ومن الموبقات التي لا تُشعره [اليتيم] أن هناك أمانًا في المجتمع؛ فإن الصغير يُهضم حقه ويُؤكل ماله.

أكل مال اليتيم أكل للنار وفضل كفالة اليتيم ورعايته في الإسلام

على كل حال فإن أكل مال اليتيم إنما هو أكل النار المستعرة في بطن آكل اليتيم حقه. علينا الحنان والأمان [تجاه اليتامى].

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»

ويقول وقد وضع يده على رأس يتيم:

قال رسول الله ﷺ: «إن من وضع يده على رأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة من رأس اليتيم»

وذلك لأن رعاية اليتيم هي رعاية مهمة جدًا تنبئ عن رقي المجتمع من عدمه. ولذلك كان عدم المساس بمال اليتيم أساسًا من أسس رقي المجتمع، وكان أكل مال اليتيم يؤذن بأن هذا المجتمع لا خير فيه.

التولي يوم الزحف من الموبقات ومشروعية القتال لصد العدوان في الإسلام

والتولي يوم الزحف [أي الفرار من المعركة]، القتال في الإسلام شُرع لصد العدوان ورفع الطغيان:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا﴾ [البقرة: 190]

ولذلك أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بأن نقاتل الذين يقاتلوننا، وأن نجعل ذلك في سبيل الله، وألا نعتدي.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

صار مبدأً عامًا عند المسلمين أن الله سبحانه وتعالى أبدًا لا يحب المعتدين، ولذلك لا نكون نحن من المعتدين. إذا كان الأمر كذلك فالقتال إنما هو في سبيل الله، وإنما هو في سبيل القضية أننا لا نريد من أحد أن نستولي على أرضه ولا أن نستولي على ماله ولا عرضه، وإنما نريد الدفاع عن الحق.

ولذلك فإن التولي يوم الزحف من الكبائر، لا يجوز لنا إلا في حالة الكر والفر. والتولي يوم الزحف من الموبقات السبع الكبار التي عدّها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قذف المحصنات المؤمنات الغافلات وخطورة نشر الكلام بلا أساس من الصحة

وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، مظهر آخر من مظاهر شيوع الفساد وضعف أركان المجتمع أن نقذف المؤمنة الغافلة المحصنة التي هي حرة شريفة، فإذا بنا نتكلم بكلام لا أساس له من الصحة.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»

هذه البلية التي ابتُلينا [بها]، يوجد في مجتمعاتنا أن كثيرًا من الناس يتحدثون بمجرد ما يسمعون، ويظنون أن في هذا حرية للرأي أو أن في هذا حرية للتعبير، والأمر ليس كذلك.

حرية الرأي وحرية التعبير مرتبطة بالمصلحة، مرتبطة بالحقائق، مرتبطة بالصدق، وليست مرتبطة بأن يتحدث كل من هبّ ودبّ في كل شيء ثم يرى من حقه أن نصفّق له.

رفض الكذب في الإسلام وحوار النبي مع أبي ذر حول كذب المؤمن وسرقته وزناه

النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا [التحدث بكل ما يُسمع] من أنواع الكذب وقال: ثم ينتشر الكذب. ولذلك فإننا نرفض رفضًا تامًا مبدأ الكذب.

حتى أنه ﷺ قال في هذا الأساس وهو يسأل أبا ذر [رضي الله عنه]:

أيكذب المؤمن؟ قال: لا. بعد أن قال له: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، لعله أن [يكون قد] دفعه شيء من الاحتياج إلى السرقة، والسرقة جريمة كبيرة جعل الله لها حدًا بقطع اليد حتى يردع ويعظّم شأن السرقة ويأمر بالابتعاد عنها.

أيزني المؤمن؟ قال: نعم، بالرغم من أن الزنا جريمة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا يقول:

قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات»

هنا السبع الموبقات وهناك التسع الموبقات [في رواية أخرى]، وزاد عليها عقوق الوالدين وشهادة الزور.

خاتمة الحلقة والتوديع إلى لقاء آخر من مجالس الطيبين

إلى لقاء آخر [من حلقات مجالس الطيبين]، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.