أنماط التفكير مع د. علي جمعة #5 | درجات المعرفة
- •يتحدث العلماء المسلمون عن ثلاثة مستويات للتفكير: الفكرة والمفهوم وشعور الأعماق.
- •الفكرة سطحية وقابلة للتغيير بسهولة عبر المناقشة.
- •المفهوم أعمق وأرسخ، يتشكل عندما تستمر الفكرة زمناً وتتصل بتصرفات حياتية، ويصعب تغييره.
- •شعور الأعماق هو الأكثر رسوخاً، مثل الدين، لا يمكن تغييره بسهولة.
- •التفكير ينقسم إلى ثلاثة مستويات: سطحي وعميق ومستنير.
- •التفكير السطحي يرتبط بإدراك ظاهر الأشياء كما تراها العين المجردة.
- •التفكير العميق يتعمق في الحقائق العلمية والتحليل وفهم ماهية الأشياء.
- •التفكير المستنير هو عندما ينتقل التفكير من العقل إلى القلب، فتحصل البصيرة ويتم ربط المعلومات.
- •العقل يتوقف عند حدود معينة والقلب يكمل الطريق للوصول إلى الإيمان.
- •الشريعة علقت أحكامها بالواقع الظاهر لا بنفس الأمر لأن الواقع يشترك فيه جميع البشر.
مقدمة البرنامج وسؤال عن أنماط التفكير المتعددة عند الإنسان
[المذيع]: أهلًا بكم مشاهدينا الكرام في حلقة جديدة من برنامج درجات المعرفة مع فضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: مولانا، في فكرة التفكير هناك عمليات عقلية يقوم بها الإنسان لكي يصل إلى رغباته أو يدرك الأهداف التي يسعى من خلالها، فبالتالي هناك أنماط أو طرق متعددة للتفكير، هل يمكن أن نستعرض بعضًا من هذه الأنماط؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. تحدث العلماء المسلمون حول درجات العمق للتفكير، فذكروا أن هناك ثلاثة مستويات: المستوى الأول هو مستوى الفكرة، والمستوى الثاني هو مستوى المفاهيم، والمستوى الثالث هو مستوى شعور الأعماق.
المستوى الأول للتفكير: الفكرة وسهولة تغييرها بالمناقشة والأدلة
فالفكرة تأتي للإنسان وبسهولة يمكن مناقشته فيها، مثل البرامج الحوارية وهذه الأشياء، يتم مناقشته فيتغير فكرك؛ لأنها فكرة قابلة للتغير.
عندك قناعات معينة بمعلومات معينة، فإذا تبين أن المعلومات غير سليمة، فإن قناعاتك تتغير بناءً على المعلومات السليمة التي تلقيتها من الدراسة أو من المناقشة أو غير ذلك إلى آخره.
المستوى الثاني للتفكير: المفهوم الراسخ وصعوبة تغييره بالمناقشات
لكن الفكرة عندما تستمر زمنًا ما وتتصل بمجموعة من التصرفات الحياتية فتصير مفهومًا راسخًا في النفس. المناقشات لا تصل عادةً إليه، وإلا فإنها تحتاج إلى زمن طويل من المناقشات والعرض وإقامة الأدلة والبراهين حتى تبدأ الفكرة تتخلخل قليلًا.
لكن شعور الأعماق أصبح من الممكن جدًا أن تقول له: حسنًا، لقد اقتنعت، ولا يفعل ذلك. إذن هناك فكرة ومفهوم وشعور أعماق، هذا أول ترتيب سيوصلنا إلى أنماط التفكير المختلفة كما سنرى الآن.
مثال ارتفاع الدولار للتفريق بين الفكرة والمفهوم في التفكير
المستويات الثلاثة هذه: الفكرة، والمفهوم، وشعور الأعماق. أضرب لك لهم مثلًا وهو الأحداث وأسبابها: الدولار ارتفع، حسنًا، لماذا ارتفع؟ هذه هي الأفكار.
من الممكن جدًا أن يجلس شخص ما ويقنعك أنه ارتفع لزيادة الطلب عليه، أو لسياسات الدولة، أو لأنه ارتفع في العالم كله، أو كذا وكذا إلى آخره. وأنت ستكون وفقًا لمعلوماتك وتجربتك تقرر أنك تترك الفكرة التي معك أو ستنفذها. هذا حدث وفكرة لكنها لا تمثل في حياتك أهمية بالغة.
الدين كأعمق المفاهيم ومثال إنكار المسجد الأقصى وردة فعل المستمع
لكن عندما ننتقل إلى عالم المفاهيم هو أعلى وأعمق أنواع المفاهيم، فالدين من أهمها. فعندما يأتي شخص ويقول لك أنه لا يوجد مسجد أقصى، أو أن المسجد الأقصى هذا وهم، أو أن المسجد الأقصى لم يكن موجودًا في القدس بل في مكان آخر تمامًا.
فالمستمع يفهم أن هذا مفهوم درج عليه طيلة عمره، يملك قناعة بدون أدلة وبدون أي شيء، فلا يرضى أن يطاوعه ويبدأ بالسخرية منه ويصنع عليه النكات. لماذا؟ لأنه مسّ مفهومًا وليس فكرة.
الفرق بين مسّ الفكرة ومسّ المفهوم وإمكانية تغيير المفهوم بصعوبة
اعلم أنه لو كان مسّ فكرة لكانت قابلة للنقاش، لكن عندما يمسّ مفهومًا فلا يصح ذلك.
[المذيع]: المفهوم أرسخ إذن من الفكرة يا مولانا؟
[الشيخ]: بالطبع أرسخ وأعمق من الفكرة. افترض أننا بقينا نهتّ ونعيد ونزيد في هذه المسألة حتى غيرناها في ذهن واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر إلى آخره، هل ستتغير؟ لقد تغيرت بالفعل عند الأستاذ الفلاني أو الدكتور الفلاني أو الكاتب الفلاني، تغيرت فعلًا.
إذن المفهوم قابل للتغيير لكنه صعبٌ، صعبٌ جدًا أن تُكلّم الناس في مفهومٍ مستقرٍ وراسخٍ وتريد أن تغيّره.
شعور الأعماق كأعمق مستوى للتفكير ومثال الخروج عاريًا
تعال إليّ الآن في شعور الأعماق، شعور الأعماق هذا يُشبه ماذا؟ يُشبه الملابس. أنا أخرج بملابسي هكذا، فجاء شخصٌ يريد أن يُقنعني أن أخرج عاريًا، لا أستطيع.
حتى لو بيّن لي بكل ما يستطيع من خلال الدجل والتلبيس والتدليس أن يقنعني أن هذه الحركة نافعة أو غير ذلك، لكنني لا أستطيع، لست قادرًا. فشعور الأعماق أثبت وأعمق وأكثر استقرارًا من المفاهيم.
قصة الصبي مع الحجاج والدين كشعور أعماق لا يتغير بسهولة
ولذلك لا تجد الناس مثل ذلك الصبي الصغير مع الحجاج، حين سأله: أمعك شيء من القرآن؟ فقال له: نعم.
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2]
فقال [الصبي]: يخرجون من دين الله أفواجًا. قال له [الحجاج]: يا ولد، يدخلون في دين الله. قال له: هذا كان في أيام النبي، لكن في أيامك أنت يخرجون.
طيب، لماذا الناس لا تخرج من دين الله أفواجًا؟ لأنه شعور في الأعماق، لأن الدين عندهم في شعور الأعماق. ولذلك لا تستطيع أن تغير دين شخص واحد إلا بعد إقامتك لكلام كثير وأدلة عديدة لكي يحصل هذا النوع من أنواع التخلي عن شعور الأعماق.
دعوات سقوط عمود النسب في المدارس الحديثة ورفض شعور الأعماق لها
اليوم في المدارس الحديثة وما إلى ذلك، يدعون إلى سقوط عمود النسب. من الأشياء التي هي يعني العصر الجديد أو العصر الحديث، ما هو سقوط النسب هذا؟ يعني أن يتزوج المرء عمته أو أمه أو ابنته، لا مانع يعني.
يا الله! أنتم جننتم، هذا المجتمع البشري ينهار! يا الله، من أين أتيتم بهذه؟ عمته وكذا، من عند ربنا. قال: حسنًا، لقد قلنا لا يوجد رب أساسًا، ألا تتركوننا من عمود النسب هذا؟
بالطبع الناس حين تسمع هكذا تضحك وتقول لك: يا الله! لقد جُنّ. لماذا؟ لأنه شعور الأعماق.
تلخيص المستويات الثلاثة وانتقالها إلى درجات التفكير السطحي والعميق والمستنير
إذا كان لدي مفهوم يخص فكرة، ولدي ما هو أعمق منها وأرسخ، ثم لدي ما هو أعمق وأرسخ منها أيضًا، فما هو هذا الشعور؟ إنه شعور الأعماق.
هذا الشعور يقودنا إلى - كما يقولون - التفكير في درجاته الثلاث.
[المذيع]: فهل لديك وقت الآن أم بعد الفاصل؟
[الشيخ]: يمكنني أن أتحدث لدقيقتين أيضًا معك. دقيقتان أخريان، لنقول إن هناك تفكيرًا سطحيًا.
[المذيع]: نعم، هذه أول بداية، حسنًا، هذه بداية التفكير.
[الشيخ]: نعم، هذا هو التفكير السطحي الذي يليه التفكير العميق، والذي يلي التفكير العميق هو التفكير المستنير. إذن التفكير أيضًا على ثلاثة مستويات.
التفكير السطحي هو إدراك ظاهر الأشياء كرؤية ورقة الشجرة الخضراء
ما هو التفكير السطحي؟ دعني أضرب لك مثالًا بأنني أرى ورقة الشجرة لونها أخضر، وفي الصباح عليها ندى جميل، يُسمى الندى، أي قطرة ماء لطيفة تنزل في حفظ الله.
هذا عبارة عن إدراك سطحي للمسألة، أنني رأيت الورقة وعرفت أنها خضراء ومندية وفيها حياة وما إلى ذلك.
التفكير العميق هو التأمل في حقائق الأشياء كالتمثيل الضوئي وتركيب الماء
أما التفكير العميق فهو أن آخذها وأتأمل فيها وأتعرف عليها وأعرف عنها قضية التمثيل الضوئي، أنها تحدث فيها تفاعلات وعمليات، وأن هذه العمليات تجعل الوردة أو النبات هذا يُطلق ثاني أكسيد الكربون بالليل، ويجعل في النهار يُطلقون أكسجين، وأن هذا هو الذي يجعل الحدائق تحتوي على هواء نقي وما إلى ذلك.
أكسجين بالنهار وثاني أكسيد الكربون بالليل، وأعرف الخلية والسليلوز والنواة وما إلى ذلك تحت المجهر، الذي هو تخصص وتعمق في الفكرة وليس على ظاهرها فقط، ليس على ظاهرها فحسب.
أعرف أن الماء مكون من غازين: الهيدروجين والأكسجين، وبعد ذلك أعرف أن الهيدروجين هذا يشتعل وأن الأكسجين هذا يساعد على الاشتعال. هذا هو التفكير العميق.
التفكير المستنير هو إرسال العقل إلى القلب فيوحّد الله ويعبده
أما التفكير المستنير فهو أنه بعد ذلك يقول: سبحان الله. هذا هو التفكير المستنير، هو الذي أرسل العقل إلى القلب، فأصبح للقلب بصيرة، فانبهر فوحَّد الله وعبده.
هذا هو التفكير المستنير، وهو يتدرج من السطحي إلى العميق ثم إلى المستنير.
[المذيع]: أستأذن حضرتك بعد الفاصل لنستفيض أكثر وننهل أكثر في مسألة التفكير المستنير، خصائصه ومواصفات هذا التفكير المستنير وطريق للتفكير المستنير. اللهم ارزقنا هذه النعمة إن شاء الله جميعًا، إن شاء الله. ابقوا معنا بعد الفاصل.
سؤال عن كيفية الوصول إلى التفكير المستنير وتدريب العقل عليه
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى. مولانا، قبل الفاصل تفضلتَ وشرحتَ لنا التفكير، بداية التفكير السطحي ثم العميق الذي لديه نظرة ثاقبة ودراسة وتحليل بشكل أكبر، ثم المستنير الذي أصبح في قمة الهرم. كيف يصل الإنسان ويدرب عقله حتى يكون من أصحاب هذه الطريقة المستنيرة في التفكير؟
[الشيخ]: التفكير السطحي هو رؤية الواقع المعيش الذي يشترك في إدراكه أنا وسيدنا آدم. سيدنا آدم عندما كان يشرب المياه هي المياه نفسها التي أشربها، وعندما كان ينظر إلى الوردة أو إلى النبات أو إلى الحيوان هو ذاته الذي أعرفه. وفي هذا ما يسمونه الواقع، أي الشيء الواقع في نفس ذات الحياة.
الفرق بين الواقع الظاهر ونفس الأمر عند الفلاسفة مع أمثلة علمية
ولكن هذا الواقع له ما يسمى بنفس الأمر. الفلاسفة يسمون هذا الواقع الظاهر، وبعد ذلك هذا الظاهر له حقيقة. وكما ضربنا المثل بالخلية، وكما ضربنا المثل بتكوين الماء، وكما ضربنا المثل بالتمثيل الضوئي، وكما ضربنا هذه الأمثلة.
سنجد فيها أنه من الظاهر شيء أن الشمس تجري من الشرق إلى الغرب، والأمر نفسه أننا نحن الذين ندور وأن الأرض هي التي تدور. هذا نفس الأمر.
الظاهر أن المياه أكسجين وهيدروجين، ولكن الظاهر أنها ماء، يعني سائل لطيف أكثر الله الحاجة إليه، ليس سائلًا لا لون له ولا جرم له ولا كذا إلى آخره. لكن الحقيقة نار الله الموقدة؛ هيدروجين يشتعل وهذا يساعد على الاشتعال، فيكون هذا نفس الأمر.
الشريعة تعلق أحكامها بالواقع الظاهر لا بنفس الأمر رحمة بالبشر
عندما جاءت الشريعة علّقت أحكامها بالواقع، لا بنفس الأمر. لماذا؟ لأن الواقع هو الذي يشترك فيه البشر جميعًا دون واسطة، دون جهاز، دون تسليح.
نذهب لنرى الهلال، فإن رأيناه صمنا، وإن لم نره لا نصوم، نفطر هذا اليوم الثلاثين من شعبان، دون عين مسلحة. العين المسلحة هي التي تستخدم المجهر فترى الهلال أنه موجود وهو في الحقيقة لا أراه بالعين المجردة. مجردة عن ماذا؟ عن السلاح.
فدائمًا يجب أن تكون منتبهًا للواقع، ونفس الأمر؛ لأنه بعد ذلك التفكير السطحي سيتعلق بالواقع والتفكير العميق سيتعلق بنفس الأمر.
الشريعة تقر نفس الأمر لكنها لا تعلق عليه أحكامًا حتى لا تكلف ما لا يُطاق
وسنجد أن هذا الأمر نفسه لا تنكره الشريعة لكنها لا تعلق عليه أحكامًا، وإلا ستكلفني ما لا أطيق. الشريعة تقره؛ لأنه واقع خلقه الله هكذا، فهو الذي خلق الماء على هذه الصفة وهو الذي خلق النبات على هذه الصفة وهكذا.
ولكن هو كلفني بالصلاة حسب جريان الشمس في ظاهر العين في السماء، فعندما تأتي في المنتصف وتكون هكذا، يكون ذلك أذان الظهر، وعندما تكون هكذا، يكون ذلك أذان العصر، وعندما تغرب، يكون أذان المغرب ويفطر الصائم، وعندما تكون من هنا على الدرجة كذا، يكون أذان الفجر ويمتنع الإنسان عن الطعام إلى آخره.
الحركة الظاهرية ليست دليلًا على الحركة الحقيقية لها، فهذا هو التفكير السطحي.
التفكير المستنير ينتقل من العقل إلى القلب ويطلب النور والهداية من الله
أما التفكير العميق فهو متعلق بالواقع وبنفس الأمر. تعال إليّ الآن لندخل إلى التفكير المستنير. المستنير هذا انتقل مباشرة إلى القلب.
لقد انتهينا هنا في مرحلتي التفكير السطحي والعميق عند حدود العقل.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ونحن نقول لهم: لا يا إخواننا، هذه درجة ثانية أرجوكم لا تُهمِلُوها من أجل سعادة الدارين. لقد غمضت عليهم هذه الدرجة الثالثة وهي التفكير المستنير، التفكير الذي يطلب النور ويطلب الهداية، والهداية لا تكون إلا من عند الله سبحانه وتعالى.
كيفية الوصول إلى التفكير المستنير بإعطاء العقل الإحداثيات للقلب
[المذيع]: كيف إذن نصل إلى التفكير المستنير المستقيم؟
[الشيخ]: ذلك بأن العقل يُعطي للقلب الإحداثيات، فالقلب يربط بين تلك المعلومات ببصيرته. عندما يعطيها هذه الإحداثيات كلها يتدبر ويتأمل، وقد يتحير العقل فيجيبه القلب فيسكن من حيرته.
[المذيع]: هنا القلب يا مولانا يساند العقل في الأمور لكي يصل إلى التفكير المستنير.
[الشيخ]: نعم، دور القلب هنا مع العقل أنه ينير للعقل الطريق.
مثال انقلاب الصورة في العين ودور القلب في الإجابة عما يعجز عنه العقل
الإنسان ينظر هكذا، وبعد ذلك عندما درسنا العين ودرسنا الضوء منذ زمن ابن الهيثم كان عندنا عالمًا كبيرًا في هذا المجال، واسمه ابن الهيثم، وأبحاث ابن الهيثم هي التي أسست لاختراع الكاميرا، هي التي جعلتهم يتوصلون إلى صناعة الكاميرا.
فيقول لك: أنت لديّ الآن في القرنية مقلوب، وبعد ذلك يقوم العقل بتعديل الصورة، فأنا أراك رأسك في الأعلى وقدماك في الأسفل، وأنت تراني كذلك.
هل يوجد نوع من أنواع الأمراض والخلل ولو كان نادرًا يمنع تعديل الصورة فأرى الناس بالمقلوب؟ لا يوجد. إذن من الذي منع هذا؟ إن القلب يجيب على العقل، والعقل يحتار.
حائط القدر وعجز العقل عن تفسير عدم وجود مرض انقلاب الصورة
ما المانع؟ ما المانع أنه بموجب الضياء وانقلاب الصورة في القرنية أن تظل مقلوبة وتنقطع الصلة ما بين التعديل؟ العقل لها والواقع مانع من هذا، يعني لا إجابة.
وهذا الذي يسمونه حائط القدر، أنه يصطدم بحائط القدر.
[المذيع]: هذه الأمور يا مولانا التي لا يوجد فيها دور للعقل، فالأصل أن العقل هنا احتار فيتوقف عند نقطة معينة؟
[الشيخ]: نعم، لماذا؟ يعني لماذا؟ يقول لك: ماذا؟ أنت الآن خرجت من بيتك، فعندما خرج الشخص من بيته سقط عليه قالب طوب وضرب رأسه بشدة.
مثال سقوط الحجر وتزامن الأحداث كأسباب غير فلسفية يتدخل فيها القلب
حسنًا، لقد علمنا الآن أن خروجك إضافة إلى سقوط هذا القالب أدى إلى نتيجة. وعلى فكرة، نحن نعرف من أين سقط هذا الحجر وبأي سرعة - أطلقوا عليها العجلة - وبأي سرعة استمر حتى ضرب الرأس فجرحه، كل هذا نعرفه.
لكن هذا ليس معروفًا: لماذا جاء هذا مع ذاك؟ أي لماذا تزامنت هذه اللحظة مع تلك اللحظة عند نقطة التقائهما؟ فيقول لك إنها أسباب غير فلسفية، أسباب غير رياضية، أو هكذا نحن.
فالقلب دائمًا يتدخل هنا في الأسباب غير الفلسفية وغير الرياضية وغير المنطقية وغير المعقولة. لماذا؟
أمراض العين بين الواقع والغياب ودلالتها على حائط القدر وأسئلة العلم المفتوحة
حسنًا، الصورة لا تبقى هكذا ويكون هناك مرض اسمه مرض الانقلاب، ومرض الانقلاب أن أرى الناس بالمقلوب، لا يوجد شيء كهذا.
لدينا مرض يسمى عمى الألوان نرى الألوان مختلفة، ولدينا مرض العمى لا نرى شيئًا أصلًا، لدينا ولدينا ولدينا، وليس لدينا هذا. لماذا؟
قس على هذا أن آلاف الأسئلة عندما يتعمق الإنسان في العلم فيجدها ويجد أنها لم تُحل بعد أو أنها ليس لها إجابة، فيدخل القلب ليسد الفجوة بشكل جيد جدًا، ويبني الجسر، ويطمئن أنه بكلمة. ماذا أصبح هذا كله؟ سبحان الله.
كلمة سبحان الله تقر بالحقيقة العليا بينما التسويف ليس علميًا
هذه الكلمة هي التي أصبحت، لكن لو خادع الإنسان نفسه وقال: لعله يأتي في يوم من الأيام وانتهى الأمر، يكون أنه لم يُجب، فهو ليس علميًا؛ لأنه لم يُجب على السؤال ولم يُطمئن حتى العقل ولا غير ذلك إلى آخره.
إنما سبحان الله أقرّت بالحقيقة العليا التي تبدو هكذا.
نظرية الاحتمالات ودلالتها على استحالة وجود الكون بلا خالق
دعني أعطيك مثالًا آخر وهو نظرية الاحتمالات. نظرية الاحتمالات هذه تقول لك: ليكن لديك كيس فيه كرات وهذه الكرات مكتوب عليها من واحد إلى عشرة. احتمال أن تخرج كرة فتخرج رقم واحد، قال: واحد على عشرة.
قال: طيب، احتمال أن تخرج كرة رقم واحد وبعدها كرة رقم اثنين؟ قال: هذا احتمال من تسعين، احتمال واحد على عشرة في واحد على تسعة، يساوي واحد على تسعين.
قال له: طيب، واحد واثنان وثلاثة؟ قال إنه احتمال واحد، واثنان وثلاثة هذا يكون تسعين في ثمانية يساوي سبعمائة وعشرين، يعني لو قمت بسبعمائة وعشرين محاولة ستخرج واحد اثنان ثلاثة مرة واحدة.
احتمال وجود الكون بلا إله يساوي صفرًا ودخول القلب في المسألة
حسنًا، تعال الآن في الكون وقل لي: من الذي جعل القمر في هذا المكان؟ لو ابتعد يحدث المد والجزر، ولو قرُب أن يُغرق الدنيا، ولو اقتربت الشمس لاحترقنا، ولو ابتعدت لتجمدنا، وهكذا.
أريد أن أعرف عدد الاحتمالات. رجل ألّف في العلم يدعو إلى الإيمان بالفرنسية وتُرجم إلى العربية يقول: هذا معناه أن واحد على ما لا نهاية - التي يسميها أهل الرياضة صفرًا - هو احتمال كون هذا الكون بلا إله وبلا خالق. صفر، غير ممكن، غير ممكن أن يكون هذا.
فيبدأ القلب في التحرك عندما ينتهي العقل وينتهي بهذه الصورة ليصل مباشرة إلى دخول القلب في هذه المسألة. وفي كل العلوم، في الفيزياء هكذا، في ميكانيكا الكم هكذا، في قضايا الرياضيات هكذا، إلى آخره.
هل يختلف إدراك ظاهر الواقع بين التفكير السطحي والعميق ومثال قبة الجامعة
[المذيع]: طيب، هل يا مولانا الإدراك ظاهر الواقع يختلف في التفكير السطحي عن التفكير العميق، أي هل إدراك ظاهر الأمور كما أراها بهذا الشكل سيختلف عندما أفكر بطريقة سطحية أو بطريقة متعمقة؟ هل الظاهر له درجات؟
[الشيخ]: يقول لك مثلًا: أنت واقف عند كوبري الجامعة بالقرب من القصر العيني هكذا، وأنت ترى قبة الجامعة صغيرة تمامًا، كلما اقتربت كلما كبرت، وكل هذا في الظاهر فقط، لم ندخل بعد في العمق.
نحن فقط في الظاهر، لم أحلل هذا. وهذا هو السبب، أنا حللت ولكن لم أعرف إن كانت هذه القبة من خرسانة أم من خشب بغدادلي أم من أي شيء آخر.
تجليات الظاهر المختلفة والفرق بين رؤية القبة من بعيد وقريب
أنا بالكاد أسير من عند القصر من عند مسجد صلاح الدين، كلما اقتربت كلما كبرت القبة، فهذا يُسمى الظاهر.
ما هي الحقيقة؟ الحقيقة أن هذه القبة أكبر مني، لكنني أراها من هناك بعيدًا أصغر مني. وما بين هذا وذاك، يتبين أن الظاهر له تجليات مختلفة.
انظر كيف أن الظاهر له تجليات مختلفة.
تأثير البيئة الظاهرة على نفسيات الشعوب وتشكيل قبول الغيب
ومن أجل هذه التجليات المختلفة للظاهر فقط حدثت في دراسات عن نفسيات الشعوب. عندما تذهب إلى جنوب شرق آسيا تجدها كلها خضراء، في كل مكان وأنت واقف في أي مكان، الدنيا خضراء ومغلقة.
ما الذي بالداخل؟ لا تعرف ما يوجد بالداخل في عمق الغابة، هل يوجد بها ثعبان أم بشر أم ماذا يوجد بها هكذا، لا أحد يعرف بشكل كامل. فتكونت النفسية لقبول الغيب في دراسات كهذه.
وانتبه، يقول لك إن الإنجليز محصورون بين البحار فحصلت عندهم نفسية الصياد. اليونان ضيقة وأمورها بعض الشيء، فتجد فيها بخلًا قليلًا وهذه التصرفات هكذا.
خلاصة تشكل نفسيات الشعوب من الظاهر وتجلياته المختلفة وختام الحلقة
تتشكل نفسيات الشعوب، فنفسيات الشعوب هذه آتية من البيئة التي هو منها، الظاهر يعني من الظاهر فقط. فالظاهر له تجليات، وهذه التجليات لها إدراكات، ما بين هذا وما بين ذاك، وما بين السطحي والعميق.
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، أهلًا وسهلًا بحضرتك.
[الشيخ]: مرحبًا.
[المذيع]: شكرًا جزيلًا لحضرتك، وشكرًا.
