ما أهمية الإفتاء ودوره في تطبيق الشريعة وتخفيف العبء عن القضاء؟
الإفتاء بالغ الأهمية لأنه البوابة التي تحوّل الشريعة من أحكام ربانية إلى واقع معيش مطبق في حياة الناس. وهو يؤدي دورًا تربويًا في بناء الإنسان بتحديد مساحة الإقدام والإحجام، ودورًا اجتماعيًا بتخفيف العبء عن القضاء وتحقيق الاستقرار النفسي والطمأنينة. وقد نُسب الإفتاء إلى الله سبحانه وتعالى وإلى النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على جلالة هذا المنصب.
- •
هل تعلم أن الإفتاء نُسب إلى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم مما يدل على جلالة هذا المنصب وعلو مكانته؟
- •
الإفتاء هو الجسر بين الوحي الإلهي وتطبيق الشريعة في الواقع المعيش، فبدونه تبقى الأحكام نظرية لا تُطبَّق.
- •
للإفتاء دور تربوي محوري في بناء الإنسان من خلال تحديد مساحة الإقدام على الواجب والمندوب والإحجام عن الحرام والمكروه.
- •
ثقافة الاستفتاء خاصية إسلامية فريدة لا نظير لها في الأديان والثقافات الأخرى، وهي مرتبطة بطبيعة الإسلام الذي يخاطب جميع أتباعه.
- •
الإفتاء يخفف العبء عن القضاء إذ تُحل آلاف النزاعات بمجرد الفتوى الشرعية دون الحاجة إلى المحاكم، وهو غير ملزم مما يمنح المستفتي فرصة المراجعة.
- •
دار الإفتاء المصرية تجيب على نحو أربعة آلاف سؤال يوميًا، مما يؤكد الحاجة اليومية الماسة إلى الإفتاء في تحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي.
- 0:00
تقديم الحلقة الخامسة من مفاهيم إفتائية التي تتناول أهمية الإفتاء في الإسلام وأثره في حياة المسلمين.
- 0:32
الإفتاء منصب رفيع نُسب إلى الله والنبي في القرآن والسنة، وهو من مقام النبوة كالتعليم والقضاء، والعلماء ورثة الأنبياء.
- 1:53
الإفتاء يحوّل الأحكام الشرعية الربانية إلى واقع معيش مطبق، وهو الجسر بين الوحي الإلهي وتطبيق الشريعة في حياة الناس.
- 3:21
الإفتاء بوابة الشرع إلى التطبيق العملي، وبدونه تبقى الشريعة نظرية لا يعرف الناس كيف يطبقونها في واقع حياتهم.
- 4:24
الإفتاء يؤدي دورًا تربويًا في بناء الإنسان بتحديد مساحة الإقدام على الخير والإحجام عن الشر، وهو جوهر التربية الإسلامية.
- 5:33
يفصّل الإفتاء مساحة الإقدام على الواجب والمندوب والإحجام عن الحرام والمكروه، وغايته بناء الإنسان وتحقيق سعادته.
- 6:52
ثقافة الاستفتاء ومنصب المفتي خاصية إسلامية فريدة غائبة في الأديان والثقافات الأخرى، مرتبطة بطبيعة الإسلام الشاملة.
- 8:03
الإسلام فرض الصلاة على جميع أتباعه وجعلهم الأمة الوحيدة التي تسجد لله، وهذا ما يميزه عن سائر الأديان.
- 9:11
الإسلام يسّر الصلاة لجميع المكلفين بجعل الأرض مسجدًا والتراب طهورًا، ووظيفتها الأساسية النهي عن الفحشاء والمنكر.
- 10:11
الصلاة اليومية أفرزت ثقافة السؤال عن الحلال والحرام، مما أبرز أهمية الإفتاء بأدواره التربوية والدينية والاجتماعية.
- 11:30
الإفتاء يخفف العبء عن القضاء لأن كثيرين يرضون بالفتوى، والفرق أن الإفتاء غير ملزم بينما القضاء ملزم ونافذ.
- 12:48
القضاء ملزم ظاهرًا وباطنًا، ومن قضاء عمر استُنبطت قاعدة الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد لأن الحكم القضائي نافذ ولا يُغيَّر.
- 13:50
القضاء يرفع النزاع ويلزم الطرفين ظاهرًا وباطنًا، بينما الإفتاء يبين الحكم الشرعي دون إلزام وللناس حرية الأخذ به.
- 14:52
غياب الإفتاء يُثقل القضاء بقضايا تُحل بالفتوى، والأنظمة التي لا إفتاء فيها يلجأ أهلها مباشرة إلى المحاكم.
- 15:52
في الغرب يلجأ الناس مباشرة إلى القضاء لغياب الإفتاء، وظهرت برامج تلفزيونية بقضاة حقيقيين تعكس هذه الثقافة المختلفة.
- 16:47
برامج القضاء التلفزيوني الأمريكي دليل على غياب الإفتاء في تلك الثقافة، مما يؤكد أهمية الإفتاء في تخفيف العبء عن القضاء.
- 17:32
الإفتاء يحقق الاستقرار النفسي والطمأنينة الاجتماعية، وميزة كونه غير ملزم أنه يتيح اللجوء إليه بلا حساسية أو ضغط.
- 18:45
حاجتنا إلى الإفتاء يومية ومتعددة: بيان الحكم الشرعي وتطبيق الشريعة والاستقرار الاجتماعي والتربية وفرصة المراجعة.
- 19:54
دار الإفتاء المصرية تجيب على أربعة آلاف سؤال يوميًا، مما يؤكد أهمية الإفتاء في تحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي.
- 20:54
الإسلام يحث على الصدق مع المفتي والقاضي على حد سواء، والمؤمن الحق يلتزم بالحقيقة في جميع الأحوال.
- 21:46
من يخدع نفسه عند المفتي علته افتقاد المفاهيم الإسلامية الصحيحة وعدم تقدير معنى الصدق، لا عيب في مؤسسة الإفتاء.
- 22:41
يجوز ذهاب طرف واحد أو طرفين إلى المفتي، والحلقة القادمة ستتناول موضوع المستفتي وأحكامه في الفقه الإسلامي.
ما موضوع برنامج مفاهيم إفتائية وما الذي تناولته الحلقة الخامسة؟
الحلقة الخامسة من برنامج مفاهيم إفتائية تتناول موضوع أهمية الإفتاء في الإسلام. يُقدّم البرنامج نقاشًا علميًا حول المفاهيم المتعلقة بالإفتاء وأدواره المختلفة في حياة المسلمين.
لماذا يُعدّ الإفتاء من مقام النبوة وما دلالة نسبته إلى الله في القرآن؟
الإفتاء مهم للغاية لأن الله سبحانه وتعالى تولى هذا الفعل بنفسه في القرآن الكريم، وما نُسب إلى رب العالمين يدل على جلالته. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسأل الفتوى ويستفتي، فالإفتاء من مقام النبوة كالقضاء والتعليم وقيادة الجيوش. ومن هنا قيل إن العلماء ورثة الأنبياء، فالمفتي والمعلم والداعية كلهم يحملون شيئًا من هذا المقام الرفيع.
كيف يحوّل الإفتاء الشريعة من أحكام نظرية إلى واقع معيش مطبق؟
الإفتاء يحوّل الشريعة من كونها أحكامًا ربانية إلهية إلى نظام بشري مطبق في الحياة اليومية. فهو الجسر بين الوحي الإلهي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وبين ترجمة هذه الأحكام إلى واقع معيش جميل. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم على قمة المفتين المسلمين لأنه بيّن من خلال سيرته وسنته كيف تتحول الأحكام إلى برنامج عمل.
ماذا يحدث لو أُغلقت بوابة الإفتاء وتوقف دوره في تطبيق الشريعة؟
لو أُغلقت بوابة الإفتاء لما دخل التطبيق العملي للشريعة إلى واقع الناس، ولأصبحت الشريعة نظرية يؤمن بها الناس دون أن يعرفوا كيف يطبقونها. النصوص مقدسة لكن الإفتاء هو الذي يجعلها تُطبَّق في الواقع. فالإفتاء هو الباب الذي يلج الشرع الشريف من خلاله إلى حياة الناس ويومهم ومعيشتهم.
ما الدور التربوي للإفتاء في بناء الإنسان وكيف يحدد مساحة الإقدام والإحجام؟
للإفتاء دور تربوي في بناء الإنسان لأنه في جوهره يقوم على افعل ولا تفعل، وهذه غاية التربية. الإسلام اهتم بالإنسان قبل البنيان، فالساجد قبل المساجد، وكل المؤسسات والبنيان إنما هي لبناء الإنسان. والإفتاء يبين للإنسان مساحة الإحجام التي يجب أن يتوقف عندها ومساحة الإقدام التي ينبغي أن يتقدم فيها.
كيف يفصّل الإفتاء مساحة الإقدام والإحجام بين الواجب والمندوب والحرام والمكروه؟
الإفتاء يحث على العمل سواء كان واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا، ويحذر من الدخول في الحرام والمكروه. فمساحة الإحجام تعني التحذير من الدخول في مجال محرم أو مكروه، ومساحة الإقدام تعني الحث على فعل الواجب والمندوب. وغاية هذا كله بناء الإنسان وسعادته استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
لماذا تُعدّ ثقافة الاستفتاء خاصية إسلامية فريدة لا نظير لها في الأديان الأخرى؟
الثقافة الإسلامية مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالاستفتاء، ولا نجد مثل هذه الثقافة شائعة في كثير من الثقافات والأديان الأخرى. منصب المفتي الذي يبين للناس أحكام دينهم على الوقائع المتجددة ويحقق مقاصد الشريعة ليس موجودًا في الأديان الأخرى بصورة واسعة ومستقرة. ولذلك لا توجد في تلك الأديان ثقافة السؤال عن الحلال والحرام بهذا الشكل.
كيف تجلّت خصوصية الإسلام في مخاطبته جميع أتباعه بالصلاة والسجود؟
الإسلام دين مختلف لأنه خاطب الجميع وفرض الصلاة على جميع المنتمين إليه، وهذا غير موجود في أي دين آخر. لا يوجد دين يقول لجميع أتباعه أن يصلوا خمس مرات في اليوم بسجود. والمسلمون هم الأمة الوحيدة التي تسجد، ويسجدون لله رب العالمين بعزة المؤمن وسلطان الإيمان لا بكبر.
كيف يسّر الإسلام أداء الصلاة لجميع المكلفين وما وظيفتها الأساسية؟
الإسلام كلّف الرجال والنساء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى بالصلاة كل يوم، وجعل الأرض مسجدًا والتراب طهورًا تيسيرًا للعبادة. فالمسلم يصلي حيثما أدركته الصلاة وبأي كيفية، ولو فقد الماء تيمّم وصلى. ووظيفة الصلاة الأساسية أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾.
كيف أفرزت الصلاة اليومية ثقافة السؤال عن الحلال والحرام وأبرزت أهمية الإفتاء؟
لأن هناك صلاة يومية في حياة الناس نشأت ثقافة السؤال عن الحلال والحرام وعن الإحجام والإقدام. ومن هنا برز الإفتاء وتجلت أهميته، فللإفتاء دور تربوي ودور ديني لأنه يزيل الغموض عن السؤال الحائر. وتتلخص أهمية الإفتاء في ثلاثة محاور: أنه بوابة لتطبيق الشريعة، وأن له مهمة تربوية، وأن له مهمة دينية.
كيف يخفف الإفتاء العبء عن القضاء وما الفرق بين الإفتاء الغير ملزم والقضاء الملزم؟
الإفتاء يخفف العبء عن القضاء لأن كثيرًا من الناس ترضى بكلمة المفتي وتكتفي بها دون اللجوء إلى المحاكم. والفرق الجوهري أن الإفتاء غير ملزم بينما القضاء ملزم، فالمفتي يبين الحكم الشرعي والناس مخيّرون في الأخذ به. أما القاضي فحكمه نافذ ويُغلق باب النزاع.
ما معنى أن القضاء ملزم ظاهرًا وباطنًا وكيف استُنبطت قاعدة الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد؟
القضاء في الإسلام ملزم ظاهرًا أي في الدنيا بين الناس، وباطنًا أي عند الله، فحكم القاضي هو ما أراده الله في تلك الواقعة. ولما اجتهد عمر رضي الله عنه وقضى في واقعة ثم غيّر اجتهاده في واقعة أخرى قال: هذا على ما قضينا وهذا على ما قضينا. ومن هذا استُنبطت القاعدة الفقهية: الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، لأن كل حكم قضائي نافذ في وقته ولا يُغيَّر.
ما الفرق بين الإفتاء الذي يبين الحكم والقضاء الذي يرفع النزاع ويلزم الطرفين؟
القضاء في الإسلام يرفع النزاع بين المتخاصمين ظاهرًا وباطنًا، والأحكام القضائية ثابتة لا تتغير وإلا لم يستقر الحال بين الناس. أما الإفتاء فليس بهذه القوة، لأن الإفتاء يبين الحكم الشرعي ولا يحكم به إلزامًا. ولذلك يمكن للناس أن تأخذ بالفتوى أو لا تأخذ، وإن كان أغلب المسلمين يأخذون بها ويعتبرونها حكمًا عليهم.
كيف تُثقل غياب الإفتاء كاهل القضاء وما أثر الفتوى الشرعية في تقليل القضايا؟
لو لم يوجد الإفتاء لوصلت كثير من الخلافات إلى القضاء وأثقلته بقضايا تُحل فعلًا بمجرد تقديم الفتوى الشرعية الصحيحة. الأنظمة التي ليس فيها إفتاء يذهب الناس فيها إلى القاضي مباشرة ومن غير حرج، بينما في الثقافة الإسلامية يُعدّ الذهاب إلى القضاء أمرًا يُتحاشى لأنه يعني العجز عن حل المشكلات بالتراضي. فالفتوى الشرعية تحل كثيرًا من النزاعات قبل وصولها إلى المحاكم.
كيف تختلف ثقافة اللجوء إلى القضاء في الغرب عن الثقافة الإسلامية التي فيها الإفتاء؟
في الثقافات الغربية كأمريكا يلجأ الناس إلى القاضي مباشرة لحل نزاعاتهم لأنه لا يوجد لديهم مرجع كالمفتي. وقد وصل الأمر إلى وجود برامج تلفزيونية يمثّلون فيها القضاء بقاضٍ حقيقي يحكم بين الناس وتتكفل الشركة بتنفيذ الأحكام. هذه ثقافة مختلفة تمامًا نشأت لأنه لا يوجد بديل كالإفتاء يحل النزاعات قبل وصولها إلى القضاء.
كيف تكشف برامج القضاء التلفزيوني الأمريكي عن أهمية الإفتاء في تخفيف العبء عن القضاء؟
برامج القضاء التلفزيوني الأمريكي تأتي بقاضٍ حقيقي يحكم بين الناس وتتحمل الشركة المنتجة تكاليف الأحكام، وهي ظاهرة نشأت لأنه لا يوجد إفتاء يحل النزاعات قبل وصولها للقضاء. هذه الفكرة لم تظهر في المجتمعات الإسلامية لأن الإفتاء يقوم بهذا الدور. وهذا يؤكد أن أهمية الإفتاء تكمن في تخفيف العبء عن القضاء.
كيف يحقق الإفتاء الاستقرار النفسي والطمأنينة الاجتماعية وما ميزة كونه غير ملزم؟
الإفتاء يؤدي إلى الاستقرار النفسي والطمأنينة الاجتماعية لأن الناس يشعرون بوجود جهة موثوقة يلجؤون إليها. وميزة كون الإفتاء غير ملزم أن المستفتي يذهب إلى المفتي بلا حساسية ودون ضغط، بينما الذهاب إلى القاضي يكون بحساسية لأن حكمه نافذ. فالإفتاء هو الوجه الآخر للعدالة لكنه أكثر مرونة وأقل توترًا.
ما الحاجات الأساسية التي يلبيها الإفتاء في حياة المسلمين اليومية؟
حاجتنا إلى الإفتاء متعددة ويومية: فهو بيان للحكم الشرعي، وباب لتطبيق الشريعة في حياة الناس، وسبيل للاستقرار الاجتماعي والطمأنينة النفسية. كما أن فيه تربية للإقدام والإحجام، وهو نابع من ثقافتنا المرتبطة بطبيعة ديننا. وميزته أنه يتيح فرصة المراجعة قبل اللجوء إلى القضاء الملزم الذي يُغلق الباب نهائيًا.
كم سؤالًا تجيب عليه دار الإفتاء المصرية يوميًا وماذا يدل ذلك على أهمية الإفتاء؟
دار الإفتاء المصرية تجيب على نحو أربعة آلاف سؤال يوميًا، مما يعني أن أربعة آلاف مشكلة تُحل وثمانية آلاف شخص على الأقل يطمئنون. هذا الرقم يدل على أهمية الإفتاء وأهمية كون ثقافة الاستفتاء شائعة ومستقرة في المجتمع. والإفتاء يقوم بدور مؤكد في الاستقرار والأمن والتربية والتطبيق والثقة والعدالة.
هل يلتزم المستفتي بالصدق أمام المفتي أكثر من التزامه به أمام القاضي وما موقف الإسلام من الكذب؟
الإسلام حثّ على الصدق في جميع الحالات وكرّه الكذب كرهًا شديدًا، فالمؤمن أولى به أن يصدق سواء مع المفتي أو مع نفسه أو أمام القاضي. والفارق أن من يذهب إلى المفتي يريد معرفة حكم الشرع فيلتزم بالحقيقة، بينما قد يحاول بعضهم خداع القاضي بشهود الزور. غير أن الإسلام يجعل الصدق واجبًا في كلتا الحالتين.
من يخدع نفسه عند المفتي ما علته الحقيقية وكيف يعالجها الإسلام؟
من يذهب إلى المفتي ليطمئن على باطل ويخدع نفسه لا يخدع المفتي، علته الحقيقية أنه افتقد المفاهيم الإسلامية الصحيحة. فهو لم يقدّر معنى الصدق ولم يدرك جريمة الخداع والكذب والخيانة. والمشكلة ليست في مؤسسة الإفتاء بل في الشخص نفسه الذي يحتاج إلى تصحيح مفاهيمه الإسلامية.
هل يمكن أن يذهب طرف واحد أو طرفان إلى المفتي وما موضوع الحلقة القادمة؟
يمكن أن يذهب إلى المفتي طرف واحد أو طرفان معًا، حتى الطرفان اللذان يتنازعان ويمكن أن يذهبا إلى القاضي يمكنهما أيضًا أن يأتيا إلى المفتي ليُفتي في حالهما. وقد أُعلن أن الحلقة القادمة ستتناول موضوع المستفتي وأحكامه.
الإفتاء بوابة لا غنى عنها لتطبيق الشريعة في الواقع وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والطمأنينة النفسية للمسلمين.
أهمية الإفتاء تتجلى في كونه الجسر الحقيقي بين الأحكام الشرعية الربانية وتطبيقها في حياة الناس اليومية. فهو منصب نُسب إلى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وإلى النبي صلى الله عليه وسلم، مما يجعله من أرفع المناصب الدينية. وبدون الإفتاء تبقى النصوص المقدسة نظرية لا يعرف الناس كيف يطبقونها في واقعهم المعيش.
يؤدي الإفتاء ثلاثة أدوار متكاملة: دور تربوي يحدد للمكلف مساحة الإقدام على الواجب والمندوب والإحجام عن الحرام والمكروه، ودور اجتماعي يخفف العبء عن القضاء إذ تُحل آلاف النزاعات بالفتوى دون المحاكم، ودور نفسي يمنح الاستقرار والطمأنينة. وميزة الإفتاء أنه غير ملزم مما يتيح للمستفتي فرصة المراجعة قبل اللجوء إلى القضاء الملزم ظاهرًا وباطنًا.
أبرز ما تستفيد منه
- الإفتاء منصب نُسب إلى الله والنبي وهو من مقام النبوة.
- الإفتاء بوابة تحويل الشريعة من أحكام نظرية إلى واقع مطبق.
- الإفتاء يخفف العبء عن القضاء ويحقق الاستقرار الاجتماعي.
- الإفتاء غير ملزم وهذا ميزة تتيح المراجعة قبل اللجوء للقضاء.
- دار الإفتاء المصرية تجيب على أربعة آلاف سؤال يوميًا.
تقديم البرنامج والتعريف بضيف الحلقة الخامسة من مفاهيم إفتائية
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، مفتي ديار مصر.
أهلًا ومرحبًا بك.
[الشيخ]: أهلًا بك، أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: اليوم الحلقة الخامسة يا مولانا من مفاهيم إفتائية، نريد من فضيلتكم أن تحدثونا عن أهمية الإفتاء.
أهمية الإفتاء وارتباطه بمقام النبوة في القرآن الكريم والسنة
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
الحقيقة أن الإفتاء مهم للغاية، قال تعالى:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 176]
إذن فرب العالمين يتولى هذا الفعل، ولما يُنسب فعلٌ إلى رب العالمين يدل على جلالة هذا الفعل.
وهنا النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يُسأل الفتوى ويستفتي، إذن فمن مقام النبوة الإفتاءُ، كما كان من مقام النبوة القضاء، وكما كان من مقام النبوة قيادة الجيوش، وكما كان من مقام النبوة التعليم.
فالمدرس هذا، يعني، من مقام النبوة ما شاء الله:
قُمْ للمعلم وفِّهِ التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولًا
والداعية من مقام النبوة، والعلماء من مقام النبوة، يقول أي أن العلماء ورثة الأنبياء.
الإفتاء بوابة تحويل الشريعة من أحكام ربانية إلى واقع معيش مطبق
فهذا معنى مقام النبوة، أن هذا المنصب، منصب الإفتاء، في غاية الأهمية؛ لأنه أسند الله جل جلاله سبحانه وتعالى، والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام وهو يبلغ عن ربه، الإفتاءَ.
فيه بيان للحكم الشرعي، ولذلك أهميته تتمثل في أنه يحول الشريعة من كونها أحكامًا ربانية إلهية إلى كونها نظامًا بشريًا مطبقًا؛ فهو الذي يبين للناس، وهو الجسر بين الوحي الإلهي المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، وبين ترجمة هذا الشرع الشريف وهذه الأحكام المباركة الربانية الإلهية إلى واقع معيش جميل.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن لنا كيف تتحول الأحكام إلى واقع معيش وإلى برنامج عمل، من خلال سيرته العطرة ومن خلال سنته الشريفة، فكان على قمة المفتين المسلمين إلى يوم الدين.
الإفتاء بوابة الشرع إلى التطبيق العملي في حياة الناس
الإفتاء أهميته أنه بوابة الشرع إلى التطبيق، بوابة الشرع والمحكمة الشرعية إلى التطبيق العملي.
جميل، فهو إذن في غاية الأهمية؛ لأنه لو أُغلقت هذه البوابة لما دخل التطبيق العملي للشريعة إلى واقع الناس، ولأصبح نظريًا يعتقده الناس ويؤمنون به، ويفتقرون إلى كيفية تطبيقه في الواقع.
أن النصوص مقدسة، ولكننا لا نعرف كيف نطبقها. نعم، الإفتاء هو الذي يجعلها تُطبَّق في الواقع، فهذه أهميته.
حسن، فمن أهمية الإفتاء أنه بوابة، أو الباب الذي يلج الشرع الشريف من خلاله إلى حياة الناس ويومهم وتطبيق معيشتهم وواقعهم.
الدور التربوي للإفتاء في بناء الإنسان وتحديد مساحة الإقدام والإحجام
حسن، إذن فالإفتاء له دور تربوي في بناء الإنسان، اهتم الإسلام به كثيرًا وقدّمه على البنيان، حتى قال المسلمون: الساجد قبل المساجد، الساجد قبل المساجد، والإنسان قبل البنيان ما شاء الله.
أي اهتم بالشخص قبل أن اهتم بزخارف في المسجد، اهتم بشخص الذي يسجد. كل المؤسسات والبنيان وعمارة الدنيا إنما هي لبناء الإنسان، إنما الهدف منها أن تُسخَّر ذلك كله للإنسان ما شاء الله، يصب في النهاية لبناء الإنسان.
أي أن الإفتاء يقوم بدور تربوي؛ لأن الإفتاء في النهاية هو: افعل ولا تفعل، وافعل ولا تفعل، وهي غاية التربية. فهو يبين للإنسان مساحة الإحجام ومساحة الإقدام.
تفصيل مساحة الإحجام والإقدام في الإفتاء بين الواجب والمندوب والحرام والمكروه
يعني أن أقول للمكلف فيها: احجم، إياك أن تدخل، معناها إياك أن تدخل هنا، فيكون فيه حذر، يكون فيه لا تفعل، يكون فيه تحذير من أن تدخل هذا المجال أو تُقدم عليه.
فيكون حثًا على العمل، سواء كان هذا الحث لواجب، أو سواء كان هذا الحث لمندوب، أو سواء كان هذا [الحث لمباح].
وأقول له: اعزف عن كل حرام، واعزف أيضًا ولو على سبيل النافلة عن كل مكروه.
جميل، غاية هذا بناء الإنسان وسعادته؛ لأن هذه هي التجربة أولًا البشرية عبر تاريخ المسلمين، وهي الأنوار الإلهية والمنح الصمدانية؛ لأن هذا الشرع الشريف ليس من إنشاء البشر، وإنما هو من توجيه الله الذي خلقهم:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]
فالإفتاء له دور تربوي يبني فيه الإنسان.
ارتباط ثقافة الاستفتاء بالإسلام وغيابها في الأديان والثقافات الأخرى
ثقافتنا الإسلامية مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالاستفتاء، لا نجد مثل هذه الثقافة شائعة في كثير من الثقافات ولا في كثير من الأديان.
ليس هناك هذا المنصب، أو هذه الوظيفة، أو هذا الدور، أو سمّها ما تشاء، هو منصب المفتي، يعني شخص يبين للناس أحكام دينهم على الوقائع المتجددة، بحيث أنه يصل بهم إلى تحقيق مقاصد الشريعة وتحصيل المصالح الدنيوية ومراعاة المآلات المستقبلية إلى آخره.
يعني ليس هناك شيء مثل هذا في أديان أخرى ما شاء الله، فلم يكن هناك ثقافة بالتالي؛ لأن هذا ليس موجودًا في هذه الأديان بصورة واسعة ومستقرة وواضحة مثل هذا، فليس هناك ثقافة مثل هذا، أي لا تجدهم يسألون.
خصوصية الإسلام في مخاطبة الجميع بالصلاة وجعل الأرض مسجداً وطهوراً
إنما المسلمون يسألون عن الإحجام والإقدام كجزء من ثقافتهم وهويتهم وخصوصية دينهم.
صحيح أن دين الإسلام دين مختلف قليلًا؛ لأنه دين خاطب الجميع. ما معنى خاطب الجميع؟ أي فرض الصلاة على الناس المنتمون إليه، هذا غير موجود في دين. نعم، لا يوجد دين يقول لجميع أتباعه: صلوا خمس مرات في اليوم، لا يوجد دين يقول لجميع أتباعه أن يصلوا خمس مرات بسجود.
هذا نحن الأمة الوحيدة التي تسجد ما شاء الله، ولا نفتخر لأننا نسجد لله رب العالمين، ونحن نسجد لله رؤوسنا في العالمين من غير كبر، إنما بعزة المؤمن وبسلطان الإيمان، ونقول لهم: نحن نسجد لله رب العالمين.
انظر إلى غاية التواضع أن أضع جبهتي على الأرض لله رب العالمين جميل.
تكليف الإسلام جميع أتباعه بالصلاة وجعل الأرض مسجداً وطهوراً تيسيراً للعبادة
ليس هناك دين كلّف الرجال والنساء والصغار والكبار والشيوخ والأصحاء والمرضى بالصلاة كل يوم، وجعل الأرض مسجدًا والتراب طهورًا.
أي ليس هناك بيع للناس الماء، هذا الذي جاء بعد ذلك أنه ذهب مخففًا عني، فجعل لي الأرض مسجدًا:
«فأصلي حيثما أدركتني الصلاة وبأي كيفية، وطهورًا جميلًا»
يعني لو فقدت المياه فإنني أصلي جميلًا ما شاء الله، كلام متناسق بعضه مع بعض حتى تكون الشريعة في الحياة.
فلما كانت الصلوات خمسًا، ووظيفة الصلاة الأساسية ما هي؟
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
فإذن الصلاة مهمتها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
علاقة الصلاة اليومية بنشوء ثقافة السؤال عن الحلال والحرام والإفتاء
والذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، أي لا ثواب له، أي لا أجر له عند الله.
فلا بد لهذه الصلاة أن تؤثر في حياة الناس، فلأن هناك صلاة يومية وفي حياة الناس، فهناك ثقافة السؤال عن الحلال والحرام، عن الإحجام والإقدام، عن أفعل أو لا أفعل.
فجاء وبرز هنا الإفتاء وأهمية الإفتاء، فالإفتاء له دور تربوي، والإفتاء له دور ديني؛ لأنه يزيل الغشاوة والغموض عن السؤال الحائر، هناك سؤال حائر يأتي للإنسان.
من هنا جاءت أهمية الإفتاء باعتباره بوابة لتطبيق الشريعة، أيضًا يبقى إذن عندنا هذه الأهمية: أنه بوابة لتطبيق الشريعة، أنه له مهمة تربوية، أنه له مهمة دينية.
استئناف الحلقة بعد الفاصل وتقديم دور الإفتاء في تخفيف العبء عن القضاء
[المذيع]: جميل، طيب، نأخذ الفاصل يا مولانا.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: بعد إذن فضيلتكم، ونأتي لنستكمل، بعد نعود إليكم فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة.
قبل أن نخرج إلى الفاصل قال مولانا لنا إن الإفتاء مهم جدًا، وأنه نُسب إلى الله سبحانه وتعالى:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ فِيهِنَّ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 127]
وكنا خارجين أن الإفتاء هو البوابة لتطبيق شرع الله. تفضل يا مولانا.
[الشيخ]: القضية في دور الإفتاء أنه، كما، بالإضافة إلى ما قدمنا، هو يخفف العبء في حياة المسلمين عن القضاء، يخفف العبء عن القضاء.
نعم، أجل؛ لأنه كثير جدًا من الناس ترضى بكلمة الإفتاء. الإفتاء غير ملزم، الإفتاء غير ملزم، يعني إذا عرف القضاء أنه ملزم فلا بد أن يكون القضاء ملزمًا.
الفرق بين القضاء الملزم ظاهراً وباطناً وقاعدة الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد
نعم جميل، كيف يرفع القاضي الخلاف بين المتنازعين؟ يعني انتهى، وحكم القاضي ينفذ في الشريعة الإسلامية ظاهرًا وباطنًا ما شاء الله.
ظاهرًا يعني في الدنيا فيما بين الناس، وباطنًا يعني عند الله، يعني عند الله يعني هذا الله الذي أراده في هذه الواقعة ما شاء الله.
ولذلك لما اجتهد عمر وقضى بين الناس في واقعة، ثم غيّر اجتهاده فقضى في واقعة أخرى، قال: «هذا على ما قضينا وهذا على ما قضينا»، ولذلك أخذوا منها قاعدة وقالوا: الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، لا ينقض الاجتهاد.
لأنه نعم، لأنه لن يغير الأحكام السابقة؛ لأن القضاء عندما حكم فإنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا، فلما القضية الأولى حكم فيها هذا شرع الله وهذا حكم الله ولا يتغير.
قضاء عمر وتطبيق قاعدة الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد في رفع النزاع
فلما جاء وحكم بخلاف حكمه الأول لتغيّر اجتهاده، أصبح القضاء الثاني ملزمًا أيضًا، فجاءه الأولون وقالوا: يا عمر، حكمت لهم فاحكم لنا كما حكمت لهم.
الثاني: القضية نريد أن نقضي على القضاء. أجل، إنه لا يوجد تأثير راجع، لا يوجد تغيير للأحكام، الأحكام الثابتة وإلا لا يستقر الحال بين الناس.
ولذلك كان القضاء في الإسلام يرفع النزاع بين المتخاصمين ظاهرًا وباطنًا.
الإفتاء ليس بهذه القوة، الإفتاء يبين وليس يحكم، يبين الحكم، ولذلك لما أنه يبين يمكن للناس أن تأخذ به ويمكن أن لا تأخذ.
أغلب المسلمين يأخذون ويرضون بكلام المفتي ويعتبرونه حكمًا عليهم.
الإفتاء يخفف العبء عن القضاء ويمنع تراكم القضايا في المحاكم
فهذا لو تخيلنا عدم وجوده، فإن هذا الأمر المختلف فيه سوف يصل إلى القضاء صحيح، فكان سيُثقل القضاء بقضايا كثيرة جدًا تُحل فعلًا بمجرد تقديم الفتوى الشرعية الصحيحة السليمة وبيان الحكم الشرعي.
فالناس ترتدع من الذهاب إلى المحاكم، أي خلاف، أي خلاف كان هو الجوهر للقاضي، إنما في خلافات كثيرة تنتهي عند فضيلتك، عند المفتي نعم.
ولذلك الأنظمة التي ليس فيها إفتاء ترى الناس يذهبون إلى القاضي مباشرة ومن غير حرج، يعني الذهاب إلى القاضي يمكن عندنا عيب؛ لأنه معناه أننا لسنا نعرف كيف نحل مشاكلنا مع بعضنا البعض، وعندما يقولون حسنًا سأرفع عليك قضية، فإنه يغضب أيضًا ويأخذ الأمر على محمل شخصي، فلماذا تذهب إلى ساحات القضاء؟
مقارنة ثقافة اللجوء إلى القضاء في الغرب وبرامج القضاء التلفزيونية في أمريكا
ولكن في الثقافات الأخرى، في أمريكا مثلًا، يقول له: حسنًا فلنذهب إلى القاضي، أي هكذا؛ لأنه ليس لديه أحد يحكم كبير إلا القاضي، فيذهبون إلى القاضي الخاص بالحي ليحل لهم المشكلة بحكم قضائي.
لدرجة أن في بعض البرامج التلفزيونية يمثلون القضاء، يعملون تمثيلية وينفذ هذا الحكم وينفذ.
نعم، والشركة التي تعمل الدعاية للبرنامج هذا تأتي بقاضٍ حقيقي نعم، يحكم بين الناس وهي تتكفل بما يحكم به ما شاء الله.
هذه ثقافة أخرى مختلفة تمامًا، فعندما وُجدت هذه الثقافة، اثنان تصادما ببعضهما بالسيارة، فمن المخطئ؟ يريدون أن يغرموا، فليذهبوا إلى القاضي، حكم القاضي على هذا بألف دولار، فلتدفع الشركة ألف دولار.
تفاصيل برامج القضاء التلفزيوني الأمريكي وكيف تتحمل الشركات تكاليف الأحكام
قالت لهم: تعالوا، لكن أنتم ماذا؟ مثّلوا هذه التمثيلية، لكنها ليست تمثيلية، إنها حقيقة أمام هذا القاضي الذي ليس تابعًا للدولة أم لا، هذا قاضٍ كان قاضيًا أو هو يعمل فعلًا بالقضاء الفعلي ويحكم فعلًا بالحق وبالعدل بين الطرفين.
والشركة تقوم بسداد الغرامات التي حكم بها القاضي أو بما يستوجب حكمها، تتحمل هذه التكلفة، أي تتحمل هذه التكلفة.
وعلى ذلك أصبح هناك إعلانات وغير ذلك إلى آخره من الثقافة الأخرى.
أي الإفتاء لماذا مثلًا هذه الفكرة لم تأتِ عندنا؟ لم تأتِ عندنا لأن يوجد إفتاء، فأهمية الإفتاء أنه يخفف العبء عن القضاء.
الإفتاء يحقق الاستقرار النفسي والطمأنينة الاجتماعية وميزة عدم الإلزام فيه
وعندما لا يوجد إفتاء يُنشئ الإنسان من ذهنه صورًا أخرى لتخفيف العبء على القضاء، مثل هذه الصورة التي فيها نوع من أنواع يعني الضحك، أو نوع من أنواع الغرابة.
نعم، ولكنها تحل مشكلات وتخفف أيضًا العبء عن القضاء.
فإذا كان الإفتاء من مهامه أيضًا أنه يخفف العبء عن القضاء، فإن أهمية الإفتاء أيضًا أنه يؤدي إلى الاستقرار النفسي والطمأنينة الاجتماعية، استقرار نفسي وطمأنينة اجتماعية.
نعم، كل من يحس أن هناك جهة هي جهة موثوق بها، نفس شعورنا على فكرة بوجود العدالة في القضاء.
نعم، الإفتاء هو الوجه الآخر، ولكن إفتاء وإن كان غير ملزم إلا أن عدم الإلزام هذا ميزة فيه؛ لأنه عندما تذهب إلى المفتي لا تذهب بأي حساسية، عندما تذهب إلى القاضي تذهب بحساسية.
ميزة الإفتاء في إتاحة فرصة المراجعة قبل اللجوء إلى القضاء الملزم
عندما تذهب إلى المفتي أنت لديك فرصة للمراجعة، وإنك تذهب بعد ذلك إلى القاضي، لكن عندما تذهب إلى القاضي ليس لديك فرصة نهائيًا؛ لأنه سيتم المقصود ويُغلق الباب.
فهذا يُحدث شيئًا من الطمأنينة النفسية والاستقرار الاجتماعي، فهذا جزء من أهمية الإفتاء.
بعض الناس يقول لك: أي إننا ما حاجتنا إلى الإفتاء؟
حاجتنا إلى الإفتاء هو أنه بيان للحكم الشرعي، حاجتنا للإفتاء هي أنه باب لتطبيق الشريعة في حياة الناس، حاجتنا إلى الإفتاء هي الاستقرار الاجتماعي والطمأنينة النفسية، حاجتنا إلى الإفتاء هي أن فيه نوعًا من التربية للإقدام والإحجام، حاجتنا إلى الإفتاء أنه نابع من ثقافتنا التي تتصل بطبيعة ديننا، حاجتنا إلى الإفتاء كثيرة ومهمة ويومية.
دار الإفتاء المصرية تجيب على أربعة آلاف سؤال يومياً دليل على أهمية الإفتاء
ولذلك مثلًا نجد مثل دار الإفتاء المصرية أصبح الآن يجيب على نحو أربعة آلاف سؤال يوميًا.
لماذا؟ أربعة آلاف سؤال يعني أن هناك أربعة آلاف مشكلة حُلّت بين اثنين على الأقل، ثمانية آلاف شخص استراحوا، في أربعة آلاف واحد على الأقل اطمأنوا.
صحيح، ثمانية، وقد يكون أكثر من ذلك، ولكن القضية إن هذا يدل على أهمية الإفتاء وأهمية كون الثقافة شائعة ومستقرة، وأن هذه الثقافة تحتاج إلى هذا الأمر وهو الإفتاء.
وأن هذا الأمر يقوم بدور مؤكد في الاستقرار والأمن والتربية والتطبيق والثقة والعدالة التي تجعل الناس أكثر طمأنينة وأكثر سلامًا.
الفرق بين الذهاب إلى المفتي والقاضي من حيث الصدق والنية والالتزام بالحقيقة
[المذيع]: مولانا، فضيلتكم، ونحن نعمل مقارنة بسيطة ما بين الإفتاء والقضاء، أنا جاء في بالي خاطر، يعني في روعي، قُذف في روعي أن أنا لما أذهب لفضيلة المفتي لست أحاول أن أخدعه، أنا أحاول أن أعرف حكم الشرع. إنما ما أذهب للقاضي أحاول أن أخدعه، أحاول أن آتي بشهود زور. إنما أعتقد أن الذي يتقدم إلى المفتي يلتزم بالحقيقة قدر المستطاع حتى يأخذ حكم الشرع أو حكم الله. هل هذا الكلام صحيح أم أن هناك فرقًا؟
[الشيخ]: هو في الحقيقة الإسلام حثّنا على الصدق في جميع الحالات وكرهنا جدًا الكذب، فقد جعل الكذب هذا شيئًا عجيبًا مشكوكًا فيه، بحيث قال: لا يعني شيئًا، إنه أمر سيء جدًا.
فالمؤمن هذا أولى به أن يصدق سواء مع المفتي أو مع نفسه أو كان أمام القاضي.
من يخدع نفسه عند المفتي مشكلته افتقاد المفاهيم الإسلامية الصحيحة لا المؤسسة
القضية هنا هي: من الذي يذهب إلى المفتي؟ هل هو متشبع وفاهم لمفاهيم الإسلام الصحيحة؟
بعض الناس تريد أن تخدع نفسها، تخدع نفسها لا تخدع غيرها، بل تخدع نفسها، يريد أن يطمئن ولكن بالباطل، بغير الحق، يعني يريد أن تشجعه على ما هو فيه حتى لو كان ما هو فيه خطأ.
فهذا لن يرتدع، وهذه علته ليس أنه ذاهب إلى المفتي أو إلى القاضي، لا، بل علته هي أنه قد افتقد المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وأنه لم يقدّر معنى الصدق ومعنى جريمة الخداع والكذب والخيانة وأمثال هذه المعاني القبيحة.
إمكانية ذهاب طرف واحد أو طرفين إلى المفتي وختام الحلقة والتشويق للقادمة
في الناس عندما نذهب إلى الإفتاء قد يذهب طرف واحد وقد يذهب طرفان، قد يذهب طرف واحد وقد يذهب طرفان أيضًا، يعني حتى الطرفان اللذان يذهبان إلى القاضي يمكن أن يأتيا إلى المفتي له الحال كي يُفتي في هذه الحالة.
[المذيع]: قضينا مولانا وقت البرنامج، انتهى، بعد إذن فضيلتكم، يمكن أن نأخذ الطرف الذي يأتي أو الطرفين في الحلقة القادمة إن شاء الله.
[الشيخ]: هو على كل حال تم الكلام هكذا في قضية الفقه والقضاء، في قضية فقه والقضاء، يعني الحلقة القادمة نتحدث إذن عن المستفتي إن شاء الله.
[المذيع]: إن شاء الله، طيب، اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر مولانا العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى وعده باللقاء إن شاء الله مولانا في الحلقة القادمة. إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الدليل القرآني على جلالة منصب الإفتاء؟
نسبة فعل الإفتاء إلى الله سبحانه وتعالى في القرآن
ما القاعدة الفقهية التي استُنبطت من قضاء عمر رضي الله عنه في واقعتين مختلفتين؟
الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد
ما الفرق الجوهري بين الإفتاء والقضاء من حيث الإلزام؟
الإفتاء غير ملزم بينما القضاء ملزم ظاهرًا وباطنًا
كم سؤالًا تجيب عليه دار الإفتاء المصرية يوميًا تقريبًا؟
أربعة آلاف سؤال
ما وظيفة الصلاة الأساسية كما وردت في القرآن الكريم؟
تنهى عن الفحشاء والمنكر
ما الذي يميز الإسلام عن سائر الأديان فيما يتعلق بالصلاة؟
فرض الصلاة خمس مرات بسجود على جميع أتباعه
ما الدور التربوي للإفتاء في حياة المسلم؟
تحديد مساحة الإقدام على الخير والإحجام عن الشر
لماذا لا توجد ثقافة استفتاء واسعة في الأديان الأخرى؟
لأن منصب المفتي غير موجود فيها بصورة واسعة ومستقرة
ما ميزة كون الإفتاء غير ملزم مقارنة بالقضاء؟
يتيح للمستفتي فرصة المراجعة قبل اللجوء إلى القضاء
ما علة من يذهب إلى المفتي ليطمئن على باطل ويخدع نفسه؟
افتقاد المفاهيم الإسلامية الصحيحة وعدم تقدير معنى الصدق
ما الذي يجعل الأرض مسجدًا والتراب طهورًا في الإسلام؟
تيسير العبادة على جميع المكلفين في كل مكان وزمان
ما الأدوار الثلاثة الرئيسية للإفتاء كما وردت في المحتوى؟
دور تربوي ودور ديني ودور اجتماعي في تخفيف العبء عن القضاء
ما معنى قولهم إن الإفتاء من مقام النبوة؟
يعني أن الإفتاء كان من وظائف النبي صلى الله عليه وسلم كالقضاء والتعليم وقيادة الجيوش، فمن يقوم به يحمل شيئًا من هذا المقام الرفيع، والعلماء ورثة الأنبياء.
كيف يكون الإفتاء جسرًا بين الوحي والواقع؟
الإفتاء يحوّل الأحكام الشرعية الربانية من كونها نصوصًا نظرية إلى نظام بشري مطبق في الحياة اليومية، فهو الذي يبين للناس كيف يطبقون الشريعة في واقعهم المعيش.
ما الفرق بين مساحة الإقدام ومساحة الإحجام في الإفتاء؟
مساحة الإقدام هي الحث على فعل الواجب والمندوب والمباح، ومساحة الإحجام هي التحذير من الدخول في الحرام والمكروه، وكلتاهما تهدف إلى بناء الإنسان وتحقيق سعادته.
ما معنى أن القضاء ملزم ظاهرًا وباطنًا؟
ملزم ظاهرًا أي في الدنيا بين الناس وينفذ بالقوة، وملزم باطنًا أي عند الله، فحكم القاضي يُعدّ ما أراده الله في تلك الواقعة.
ما قاعدة الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد ومن استُنبطت منه؟
هي قاعدة فقهية تعني أن الحكم القضائي الصادر باجتهاد لا يُلغى بسبب تغيّر الاجتهاد لاحقًا، وقد استُنبطت من قضاء عمر رضي الله عنه حين حكم في واقعتين بحكمين مختلفين.
لماذا يذهب الناس في الغرب مباشرة إلى القاضي لحل نزاعاتهم؟
لأنه لا يوجد لديهم منصب المفتي الذي يبين الحكم الشرعي ويحل النزاعات قبل وصولها إلى المحاكم، فالقاضي هو المرجع الوحيد لديهم.
ما الذي تكشفه برامج القضاء التلفزيوني الأمريكي عن ثقافة تلك المجتمعات؟
تكشف أن غياب الإفتاء دفع تلك المجتمعات إلى ابتكار بدائل لتخفيف العبء عن القضاء، فظهرت برامج بقضاة حقيقيين تتكفل الشركات بتنفيذ أحكامها.
ما الفرق النفسي بين الذهاب إلى المفتي والذهاب إلى القاضي؟
الذهاب إلى المفتي يكون بلا حساسية لأن حكمه غير ملزم وللمستفتي فرصة المراجعة، بينما الذهاب إلى القاضي يكون بحساسية لأن حكمه نافذ ويُغلق الباب.
ما الصلة بين الصلاة اليومية وثقافة السؤال عن الحلال والحرام؟
لأن الصلاة اليومية تنهى عن الفحشاء والمنكر وتؤثر في حياة الناس، نشأت ثقافة السؤال عن الحلال والحرام والإقدام والإحجام، مما أبرز أهمية الإفتاء.
ما الذي يجعل ثقافة الاستفتاء خاصية إسلامية فريدة؟
الإسلام خاطب جميع أتباعه بالصلاة والعبادة وفرض عليهم أحكامًا تفصيلية في كل شأن من شؤون الحياة، مما أوجد حاجة دائمة لمن يبين هذه الأحكام على الوقائع المتجددة.
ما موقف الإسلام من الكذب أمام القاضي أو المفتي؟
الإسلام حثّ على الصدق في جميع الحالات وكرّه الكذب كرهًا شديدًا، فالمؤمن أولى به أن يصدق سواء مع المفتي أو مع نفسه أو أمام القاضي.
ما الأثر الاجتماعي لوجود دار الإفتاء التي تجيب على آلاف الأسئلة يوميًا؟
يعني أن آلاف المشكلات تُحل يوميًا وآلاف الأشخاص يطمئنون، مما يحقق الاستقرار والأمن الاجتماعي والثقة والعدالة في المجتمع.
ما الهدف الأسمى من جميع المؤسسات والبنيان في الإسلام؟
الهدف الأسمى هو بناء الإنسان، فالساجد قبل المساجد والإنسان قبل البنيان، وكل المؤسسات إنما هي وسيلة لتحقيق هذا الهدف.
هل يمكن أن يذهب طرفا النزاع معًا إلى المفتي؟
نعم، يمكن أن يذهب طرف واحد أو طرفان معًا إلى المفتي، حتى الطرفان اللذان يمكنهما الذهاب إلى القاضي يمكنهما أيضًا اللجوء إلى المفتي ليُفتي في حالهما.
ما الموضوع الذي أُعلن أن الحلقة القادمة ستتناوله؟
أُعلن أن الحلقة القادمة ستتناول موضوع المستفتي، أي الشخص الذي يطلب الفتوى وأحكامه في الفقه الإسلامي.
