إحترام الحيوان | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

إحترام الحيوان | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • قيمة احترام الدواب والحيوانات في الإسلام ظهرت في حديث النبي: "إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد".
  • نهى النبي عن الوقوف على الدواب للخطب الطويلة حفاظاً عليها، وجعل التعامل مع الحيوان سبباً لدخول الجنة أو النار.
  • روى عن امرأة دخلت النار لحبسها هرة دون إطعامها، وأخرى دخلت الجنة لسقيها كلباً عطشاناً.
  • قصة الجمل الذي حنّ وذرفت عيناه عند رؤية النبي، فمسح دموعه وعاتب صاحبه قائلاً: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها".
  • قال النبي: "في كل ذات كبد رطبة صدقة"، وأوصى بالإحسان في كل شيء حتى في القتل والذبح.
  • احترام الحيوان جزء من احترام الذات والآخرين، فمن يحترم الحيوان والجماد يحترم الإنسان بالضرورة.
  • يدعو الإسلام للجمال في النفس الذي يؤدي إلى احترام الكائنات جميعها.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا وأهلًا بكم وسهلًا في هذه الحلقة من حلقات مجالس الطيبين.

نجلس معكم اليوم في قيمة جديدة من القيم الإسلامية التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي يحتاج إليها الناس في المشارق والمغارب. ومن هذه القيم قيمة الاحترام التي لها وجوه كثيرة تحدثنا عن بعضها في حلقات سابقة.

حديث أبي هريرة في النهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر

أما اليوم فمعنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

قال رسول الله ﷺ: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجتكم»

بعض الناس في عكاظ وفي غيرها من أسواق العرب يركبون الدابة أو يقفون عليها من تمكنهم في التعامل مع الطبيعة ومع الدواب، ويخطبون الناس على هذه الحالة وهم على الدابة، والدابة تئن تحتهم لا تستريح.

تعليم النبي قيمة احترام الدواب والبيئة المحيطة بالإنسان

فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم قيمة احترام الدواب فيما لا يتناهى في قيمة احترام الأشياء والدواب والحيوان، ويجعل هذا احترامًا للبيئة التي خلقها الله سبحانه وتعالى حولنا.

شيء غريب عجيب هذا الدين الذي يأمرنا أن نحترم دابة! ويقول لنا: إذا أردت أن تجلس ساعتين وثلاث ساعات وتخطب الناس وتحدث أحاديث وما إلى ذلك، فعليك أيها الإنسان أن تجلس على الأرض التي خلقها الله سبحانه وتعالى لتتحمل منكم هذا كله.

ولكن أن تقف على الدابة أو تركب الدابة وتجلس بالساعات من غير حاجة إلى ذلك فهذا ممنوع.

التعامل مع الحيوان دليل على دخول الجنة أو النار

والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل التعامل مع الحيوان دليلًا على دخول الجنة أو النار. هو الذي كان يقول:

قال رسول الله ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»

النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يقول:

قال رسول الله ﷺ: «دخلت امرأة بغي من بني إسرائيل الجنة في كلب رأته عطشانًا فسقته، فأدخلها الله به الجنة وغفر لها ما كان من عمل»

هذه ليست استهانة بالكبيرة [أي بكبائر الذنوب]، إنما الرحمة هي من قلوب الرحماء. ولذلك أكد [النبي ﷺ] على هذا المعنى أننا نحترم هذا الحيوان، واحترامنا لهذا الحيوان هو جزء من ديننا.

حديث عبد الله بن جعفر وقصة الجمل الذي بكى عند رؤية النبي

عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه أرضاه قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم، فأسرّ إليّ حديثًا لا أحدّث به أحدًا من الناس. وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدفًا أو حائش نخل [أي مجموعة من النخيل].

قال: فدخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ وذرفت عينه. هذا الجمل حنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الدموع من عينيه.

النبي طاقة حب وحنان تحن إليه الكائنات فيمسح دموع الجمل

النبي صلى الله عليه وسلم كان طاقة حب، طاقة من الحب. النبي صلى الله عليه وسلم كان شعلة من الحنان، فكانت تراه الكائنات فتحنّ إليه.

فهذا الجمل المقهور عندما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل إلى البستان، والحائط يعني بستان يعني حديقة، كان فيها هذا الجمل. فلما رأى رسول الله ﷺ ذرفت عيناه، الحيوان الأعجم ذرفت عيناه!

فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ظفره أي مسح الدموع من عينيه، هكذا عليه الصلاة والسلام يعلمنا أننا نفعل هكذا مع الحيوان.

سؤال النبي عن صاحب الجمل وتوبيخه على تجويع البهيمة

فسكت [الجمل] أي خطره هدأ. الجمل، نحن نتحدث عن الجمل الآن لسنا نتحدث عن الإنسان، فما بالك بالإنسان!

فسكت [الجمل]، فقال [النبي ﷺ]: من ربّ هذا الجمل؟ من صاحب هذا الجمل؟ ربّ أي صاحب مالكه.

﴿ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 42]

لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، هذا ملكي أنا. فقال [النبي ﷺ]: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟ فإنه شكا إليّ أنك تجيعه.

فهم لغة الحيوان معجزة خاصة بالأنبياء والعبرة من الحديث

فيبقى إذن الجمل [شكا حاله للنبي ﷺ]، سيدنا رسول الله نبي وينكشف له ما لا ينكشف لنا؛ ينكشف له لغة الطيور، لغة الحيوان، لغة كذا [أي سائر المخلوقات] على سبيل المعجزة، كما حدث لسليمان [عليه السلام] مع الهدهد ومع بقية الحيوانات. فهذا شأن ثابت للأنبياء فقط.

فالمهم أن نأتي للعبرة من الحديث وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن لنا كيف نتعامل مع الحيوان.

نماذج معاصرة من رحمة الناس بالحيوان وعلاج القرد المصاب

نرى إلى الآن بعض الناس الذين ألقى الله في قلوبهم الرحمة. رأيت طبيبًا ورأيت واحدة من السيدات الفاضلات، طبيب متخصص يعالج قردًا لأن يده التوت فآلمته.

فجاءت به السيدة وهي لا تعرف القرد ولا تربي قرودًا ولا شيئًا، وإنما وجدت حيوانًا فيه حياة فاحترمته، فأتت به من أجل العلاج فعالجه. وتعجبت من أنه يبكي ويتألم ويرتاح مثل الإنسان.

حديث في كل ذات كبد رطبة صدقة وحكم التعامل مع الخنزير

والنبي صلى الله عليه وسلم تعجب الصحابة من هذه الأحاديث التي ذكرها، فقال لهم:

قال رسول الله ﷺ: «إن في كل ذات كبد رطبة صدقة»

ذات الكبد التي هي الثدييات، التي ليس لها كبد وهي الحشرات. فكل شيء له كبد يحتاج أن يشرب ماء ويحتاج [إلى الرعاية]، مثل الخروف ومثل القطة ومثل الكلب ومثل القرد، في كل ذات كبد رطبة صدقة.

فواحد يقول لي: فماذا عن الخنزير؟ أليس مخلوقًا؟ ما هو حياة! نعم، ولكن الله حرّمه. قال [السائل]: نعم ربنا حرّم أكله، ولكن [ماذا عن التعامل معه؟].

قال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة»

التوازن في الإسلام بين إحسان القتل والذبح واحترام الحيوان

انظر إلى التوازن! يعني أمرنا [الإسلام] بإحسان الذبح وبإحسان [القتل]، حتى لو أردنا أن نقتل صرصارًا فلا بد علينا أن نقتله ليس فيها تعذيب له. لو أردنا اصطياد حيوان وأردنا أن نقتله فلا نقتله بصورة فيها تعذيب، خاصة التعذيب بالنار أو شيء من هذا القبيل.

بل نحسن القتل ونحسن الذبح، الذي هو في الأشياء المأكولة والأشياء غير المأكولة التي منها الكلب والخنزير والقرد. وكذلك أيضًا لو كان من الأرحم لو قتلناها لقتلناه ولكن بطريقة مناسبة.

أباح النبي ﷺ قتل الكلب الضار العقور الذي يسبب العدوان على الإنسان والمصاب بهذه الأمراض. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا كيف نتعامل التعامل المحترم مع الحيوان.

دعوة لاحترام النفس والآخرين والكائنات اقتداء بهدي النبي

فهيا بنا مرة أخرى لنحترم أنفسنا ولنحترم مشاعرنا، ولنعد إلى هذا الجمال الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال»

هذا الجمال في النفس الذي يؤدي إلى احترام الآخرين، ويؤدي إلى الثقة بالنفس واحترام الذات، ويؤدي أيضًا إلى احترام الكائنات؛ لأن لها حقوقًا تجعل الإنسان يحترم الإنسان.

إذا كان هو يحترم الجماد ويحترم الحيوان، فكيف لا يحترم أخاه الإنسان؟ يحترم بناء الرب [سبحانه وتعالى].

إلى لقاء آخر من الغد إن شاء الله، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.