كيف يدرك المسلم الواقع وفق النموذج المعرفي الإسلامي وما الفرق بينه وبين النموذج الغربي؟
يدرك المسلم الواقع من خلال نموذج معرفي يجمع بين الوحي والعقل والتجربة، خلافاً للنموذج الغربي الذي يقوم على دراسة الواقع دون الوحي. يُقبل من العلوم الإنسانية جانبها الوصفي القائم على الملاحظة والتجريب، بينما تُبنى التفسيرات والآراء وفق العقيدة الإسلامية ومقاصد الشريعة. والغاية من ذلك كله بناء علوم تنبثق من النموذج المعرفي الإسلامي لتحقيق سعادة الدارين.
- •
كيف يواجه المسلم دعوى أن العلوم الإنسانية الغربية لا تصلح لإدراك الواقع الإسلامي؟
- •
النموذج المعرفي الإسلامي يؤمن بالكتابين: القرآن المسطور والكون المنظور، وكلاهما صادر عن الله.
- •
يُقبل من العلوم الإنسانية جانبها الوصفي القائم على الملاحظة، وتُرفض تفسيراتها المادية المخالفة للعقيدة.
- •
اعترف المبشر زويمر بعجزه عن هدم الإسلام لأن عقيدته واضحة جلية خالية من التناقض بين العقل والنقل.
- •
الحضارة الإسلامية حين أرادت الآخرة عمّرت الأرض دون استعمار أو إكراه، خلافاً للحضارة الغربية التي أفسدت قبل أن تُصلح.
- •
يجب تأسيس علوم اجتماعية وإنسانية إسلامية بمنهج التأصيل بعد التحصيل، لا بالمقاربات ولا المقارنات.
- 0:00
يطرح السؤال إشكالية الاستفادة من العلوم الإنسانية الغربية لإدراك الواقع، والجواب أن النموذج المعرفي الإسلامي يجمع الوحي والعقل معاً.
- 1:54
تُبيّن أركان العقيدة الإسلامية من التكليف والطاعة وعمران الدنيا وختم النبوة بسيدنا محمد ﷺ.
- 3:05
الإيمان عن بصيرة يُحقق اطمئنان القلب وثبات العقيدة، وهو ما أفشل حملات التبشير التي قادها زويمر.
- 4:28
اعترف زويمر بعجزه عن هدم الإسلام لأن عقيدته واضحة خالية من التناقض بين العقل والنقل، مما جعلها منيعة أمام التبشير.
- 5:29
الفارق الجوهري بين النموذجين أن الإسلام يجمع الوحي والكون معاً، بينما يقتصر الغرب على دراسة الواقع المادي دون الوحي.
- 6:34
العقل المسلم لا يتناقض مع الحقائق العلمية لأن الوحي والكون كلاهما من الله، ولا يمانع تطور المعارف إلا من يجهل الفروق الأصولية.
- 7:54
الإسلام يأمر بإعمال العقل واحترام النقل، وإدراك الواقع يرتبط بالعقيدة الإسلامية لا بالعلم التجريبي وحده.
- 9:04
الغرب اخترع الباراسيكولوجي لتعويض قصور العلم المادي، بينما مفهوم العلم عند المسلمين أوسع يشمل المادة وما وراءها.
- 10:17
يُقبل الجانب الوصفي من العلوم الإنسانية لأنه وصف للحقائق المشاهدة، بينما تُرفض التفسيرات المخالفة للعقيدة الإسلامية.
- 11:35
آية الصفا والمروة دليل على أن المؤمن يتبع الحق أينما وُجد، ولا يعني اتباع الصواب اتباعاً للمشركين.
- 12:46
يُقبل الجانب الوصفي من العلوم الإنسانية، وتُبنى الآراء وفق العقيدة الإسلامية والالتزام بالشريعة وتحقيق عمارة الأرض.
- 14:06
مراد الله من الخلق العبادة والاستخلاف وعمارة الأرض، ويجب تأسيس علوم إسلامية تُحقق هذا الهدف وتصل إلى سعادة الدارين.
- 15:18
منهج التأصيل بعد التحصيل هو الصحيح لبناء العلوم الإسلامية، خلافاً للمقاربات والمقارنات التي لا توصل إلى الحقيقة.
- 16:39
تأخر المسلمون في إنشاء أدوات إدراك الواقع بينما أنشأ الغرب علم النفس والاجتماع والاقتصاد فتمكّن من إدراك الواقع وبلوغ مبتغاه.
- 17:39
التطور الغربي الصناعي والعلمي لم يمنع الإفساد لغياب البعد الأخروي، فكانت الحروب الكونية والثورات التي أودت بعشرات الملايين.
- 18:44
إرادة الآخرة جعلت المسلمين يعمّرون الأرض ويبنون حضارة إنسانية خالية من القهر، بينما أفضت إرادة الدنيا عند الغرب إلى الدمار.
- 19:59
الحضارة الإسلامية خلت من الاستعمار ومحاكم التفتيش والإكراه في الدين، وأحالت الحساب إلى الآخرة وفق قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن﴾.
- 20:49
المسلمون مقصّرون في إنشاء علوم اجتماعية إسلامية، والواجب الاستفادة من الجانب الوصفي الغربي مع الانطلاق من العقيدة الإسلامية.
- 22:17
تطبيق النص على الواقع يحتاج إلى ملكة وتوفيق إلهي فوق العلم، مع مراعاة المقاصد الشرعية والمآلات والنية الخالصة.
- 23:24
العلم بلا تقوى يتحول إلى مجرد تاريخ ونسبة أقوال، والتقوى هي التي تحوّل المعلومات إلى علم يُخشى به الله.
- 24:31
التقوى تشمل الخوف من الله والعمل بالتنزيل والاستعداد للآخرة والرضا بالقليل، والزهد فيها يعني الدنيا في الأيدي لا في القلوب.
- 25:34
الرفاهية المشروعة مباحة لأن الله جميل يحب الجمال، أما الترف المذموم فهو ما فيه إسراف وإتلاف كما بيّن القرآن الكريم.
- 27:09
القرآن كتاب هداية متجدد لا تنتهي عجائبه لأنه نبيٌّ مقيم ومعجزة رسالة، يفتح الله به على كل جيل ما لم يُفتح على من قبله.
- 28:39
معجزة الرسول مرتبطة بزمانه، أما القرآن فمعجزة رسالة دائمة تُقدّم المعجزات لكل جيل كأنها نبي مقيم.
- 29:35
السنن الإلهية في القرآن تشمل السنن التاريخية والكونية والاجتماعية، وهي علم عظيم تجاوز الزمان والمكان ورُصد منها نحو تسعين سنة.
- 30:38
سنة التوازن الإلهي تجلّت في نهي النبي ﷺ عن إبادة الكلاب لأنها أمة من الأمم وإهلاكها يُخل باتزان العالم.
- 31:48
الإيمان بالسنن الإلهية يُحقق النضج النفسي والاتزان في التعامل مع مخلوقات الله، وقد رُصد نحو تسعين سنة إلهية في القرآن.
- 33:13
القرآن يتحول إلى كتاب هداية باستخراج مبادئه العامة كمبدأ عدم المسؤولية الجماعية وفورية القوانين المستنبطة من آياته.
- 34:13
الدلالة الاستقلالية للقرآن مكّنت الأئمة من استنباط القياس والإجماع، ومن جهلها لم يستطع فهم القرآن فهماً صحيحاً.
- 35:10
الأئمة الأعلام حموا الأمة أحياءً وأمواتاً بعلمهم الذي كوّن العقل المسلم وأعطاه البصيرة في مواجهة التبشير والانحراف.
- 36:04
زويمر حاول إزالة التدين بالمحاضرات والهدايا، لكن بساطة العقيدة الإسلامية وعمقها في النفوس أفشلت مخططاته.
- 37:18
الشيخ محمد المليجي تصدّى لزويمر بالتنكر في محاضراته وإطلاق كلمة التوحيد في اللحظة المناسبة لإفساد تأثيره على العوام.
- 38:29
كلمة وحّدوه أفسدت محاضرات زويمر لأن المسلمين المتربّين على التوحيد لا يحتاجون إلا لتذكير بسيط يُعيدهم إلى فطرتهم.
- 40:00
بساطة الحقائق الإيمانية تتجلى في مقارنة خلق الله البسيط المعجز بصنع الإنسان المعقد المحدود، مما يدل على عظمة الخالق.
- 41:16
كلمة التوحيد ذات عمق فطري في النفوس، ويسعى الأعداء لإفقاد المسلمين هذا العمق بزرع الشكوك والتساؤلات.
- 42:02
الأفضل ذكر أسماء الله الحسنى مزدوجة كالأول والآخر والظاهر والباطن، وهو المنهج المستحسن في الذكر.
- 43:34
تُثار حول الطريقة النقشبندية الحقانية إشكاليات تتعلق بالانحراف عن الأصل وتصرفات المريدين من رقص وتقبيل رجل الشيخ.
- 44:32
تقبيل الرجل جائز شرعاً لوروده في السنة، لكنه غير مستحب خاصة في عصور الفتن، وإذا أوهم السجود صار فتنة فوق فتنة.
- 45:38
اليوتيوب ليس مصدراً للمعرفة لكثرة التدليس والاقتطاع فيه، ويجب التحقق مما يُسمع ومما يُرى لأن الصورة قد تكون مفتعلة.
- 46:44
الأحوال الصوفية من رقص وقفز إن كانت صادقة فصاحبها غير مكلف، لكنها حال نقص لا كمال، وافتعالها قصداً حرام لأنه رياء.
- 48:17
معيار الحكم على الطرق الصوفية هو مدى قربها من سنة رسول الله ﷺ والتمسك بها، وكلما اقتربت منها كانت أولى وأبرّ.
- 49:14
شهد من لقي الشيخ ناظم الحقاني تمسكه الشديد بتفاصيل السنة النبوية الدقيقة كالاتكاء على اليمين بعد صلاة السنة.
- 50:28
الهوية مشتقة من هُو وتعني المطابقة التامة بين الصورة الذهنية والحقيقة الخارجية، وهي والماهية وجهان لعملة واحدة.
- 51:41
هوية مصر هي الإسلام والعروبة، والإسلام فيها حضارة يندرج تحتها المسيحي المصري بالثقافة واللغة والعادات المشتركة.
- 52:56
هوية الإسلام هي الكتاب والسنة، ولا تعارض بينها وبين الهوية القومية لأن العلاقة بينهما دوائر متداخلة لا متناقضة.
- 54:15
الهويات الوطنية والعربية والإسلامية دوائر متداخلة لا متعارضة، فالإسلام أوسعها والوطنية أضيقها وكلها تتعايش دون تناقض.
- 54:55
الإسلام يقرأ تشابه الحمض النووي كدليل على وحدة الخالق لا على أصل مشترك، وهو ما يُسميه الصوفية بوحدة الخلق.
- 56:49
القراءة الإسلامية لتشابه الحمض النووي تُثبت وحدة الخالق لا وحدة الأصل، والاشتراك في صفة لا يستلزم الاشتراك في المنشأ.
- 57:57
الاستدلال الداروينيّ على الأصل المشترك من تشابه الحمض النووي خطأ منطقي، إذ الاشتراك في صفة لا يستلزم الاشتراك في الأصل.
- 58:52
الحلقة المفقودة إشكالية جوهرية في نظرية التطور، إذ لا نرى مراحل انتقالية بين القرد والإنسان لا في الواقع ولا في الحفريات.
- 59:57
الوصف العلمي للحفريات شيء وتفسيره بالمعيار شيء آخر، والمسلم يقبل الوصف ويرفض التفسير المادي الذي يتجاوز الدليل.
- 61:18
لا يثبت شيء في ليلة الرغائب ولا في صلاة خاصة بشهر رجب، وقد ضعّف ابن حجر العسقلاني كل ما ورد في رجب في كتابه المخصص لذلك.
- 61:53
يجوز للأشعري الأخذ بمسألة ماتريدية أو معتزلية عند الحاجة لأن الخلاف في الفروع لا الأصول وعلة الجواز الفائدة.
- 63:01
الأشاعرة استعاروا مصطلح المعتزلة في تعريف الشيء ليُقنعوا الفلاسفة بإمكانية تسلط القدرة الإلهية على المعدوم.
- 64:18
استُعير مصطلح المعتزلة في القول بأن العدم شيء لإقناع الفلاسفة بإمكانية الخلق من العدم، والمبدأ لا مشاحة في الاصطلاح.
- 65:46
المعتزلة مخطئون لا كفار، ويجوز الأخذ منهم عند الحاجة وعلة الجواز الفائدة، وهذا لا يعني الموافقة على مذهبهم.
- 66:13
الإجماع هو اتفاق المجتهدين في عصر على حكم شرعي، ومن أمثلته تحريم الخمر والزنا وأن الظهر أربع ركعات، وهو يُحوّل الظني إلى قطعي.
- 67:24
الإجماع يُحوّل الظني إلى قطعي فلا يجوز تجاوزه، ومن تجاوزه بحجة الاجتهاد فتح الباب لإحلال المحرمات القطعية.
- 68:44
سند الجرح والتعديل المعتبر انتهى مع البيهقي سنة 458 هجرية، وكتبه ومن قبله هي المرجع في الحكم على الأسانيد.
- 69:51
السند بعد البيهقي للتبرك لا للجرح والتعديل، ولا يجوز النظر فيه لإسقاط المتون التي استقر الحكم عليها قبله.
- 70:59
علم الجرح والتعديل يشمل مليون سند وعشرين ألف راوٍ، وله نحو عشرون درجة بين التعديل والجرح من الثبت الثقة إلى الكذاب الوضّاع.
- 72:41
المصححون المعاصرون نقلوا كلام السابقين في الجرح والتعديل ولم يجتهدوا بأنفسهم، فأحكامهم مستمدة من الملفات القديمة.
- 73:59
منهج البيهقي في حل الإشكاليات جمع الروايات وتتبعها بالشواهد والمتابعات للحكم بالاستقراء، كما فعل مع محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى.
- 75:41
مالك جرّح ابن أبي يحيى بسبب تشيّعه لا لضعف حديثه، والبيهقي أثبت بالاستقراء صحة أحاديثه فكان الشافعي على حق في توثيقه.
- 76:41
التوجيه لأهل الفتن كأهل اليمن هو الدعاء والالتجاء إلى الله بقلوب ضارعة، فالأمر بيده وحده ولا كاشف لهذه الفتن سواه.
- 77:58
القرآنيون على ضلال مبين، والتعامل معهم بالدعاء وإزالة الشبهات، وقد أُلّفت كتب متخصصة في الرد عليهم.
- 79:07
الهداية بيد الله وحده، والواجب قول العلم ورد الشبهة ثم التبرؤ من الحول والقوة إلى الله، فقد بقي مع الخوارج أربعة رغم حجج ابن عباس.
- 80:02
يُختم مجلس العلم بالصلاة والسلام على النبي ﷺ وآله وصحبه بصيغة جامعة تشمل عدد المعلومات ومداد الكلمات.
ما العلوم والأدوات التي يدرك بها المسلم الواقع، وكيف يُجاب على من رفض الاستفادة من العلوم الإنسانية الغربية؟
المسلم يدرك الواقع من خلال نموذج معرفي يقوم على الإيمان بالله خالقاً للأكوان وعلى الوحي المنزَّل على الأنبياء والرسل. المشروع الغربي يدرس الواقع دون الوحي، بينما يجمع النموذج الإسلامي بين الوحي والعقل والتجربة. ولذلك لا يعني الاستفادة من العلوم الإنسانية قبول نموذجها المعرفي كاملاً، بل يمكن الأخذ منها بضوابط تنبثق من العقيدة الإسلامية.
ما أركان العقيدة الإسلامية وما مقتضياتها في الطاعة وعمارة الأرض؟
العقيدة الإسلامية تقوم على الإيمان بأن الله كلّف الإنسان بأوامر ونواهٍ، وجعل الدنيا مزرعة للآخرة، وأن هناك يوماً للحساب والثواب والعقاب. وتقتضي هذه العقيدة الطاعة التي هي عبادة الله والالتزام بأمره. وقد ختم الله الرسل بالنبي محمد ﷺ الذي أمر بعمران الدنيا وتزكية النفس وعبادة الرب.
كيف يُحقق الإيمان الإسلامي الطمأنينة والثبات في مواجهة محاولات التشكيك؟
الإيمان الإسلامي يتوافق مع الفطرة الإنسانية فيُحقق السعادة واطمئنان القلب بذكر الله. وهذه العقيدة الراسخة هي التي أفشلت المبشرين، حتى اعترف زويمر في مطلع القرن العشرين بأنه لم يتبع مسيحيته إلا كل سافل نصاب. والمسلم يعيش على هذه العقيدة ولا يُبالي بمن خالفه.
لماذا اعترف زويمر بعجزه عن هدم الإسلام وما الذي جعل العقيدة الإسلامية منيعة أمام التبشير؟
اعترف زويمر بأنه لا يستطيع هدم الإسلام لأن العقيدة الإسلامية واضحة جلية بيّنة وواقعية، خالية من الخرافات والأوهام. وليس فيها نزاع بين العلم والدين ولا بين العقل والنقل، بل كلما ازداد الإنسان دراسةً اطمأن قلبه واشتدت بصيرته. هذا الوضوح هو الذي جعل المسلمين لا يتركون دينهم لأي دين آخر.
ما الفارق بين النموذج المعرفي الإسلامي والنموذج الغربي في التعامل مع الواقع والوحي؟
الفارق الكبير أن المسلمين يؤمنون بالكتابين ويقرؤون القراءتين: كتاب الله المسطور وهو القرآن، وكتابه المنظور وهو الكون والخلق. أما الغرب فقام مشروعه على دراسة الواقع دون الوحي. وقد أمر الله بقراءة كتابه المسطور والمنظور معاً في سورة العلق، وكلاهما صادر عنه سبحانه.
كيف يتعامل العقل المسلم مع الحقائق العلمية المتغيرة دون تناقض مع الوحي؟
لا تناقض ابتداءً بين كتاب الله المسطور وكتابه المنظور لأن كليهما صادر عنه. فالعقل المسلم يقبل الحقائق العلمية الثابتة بالدليل الحسي ولا يمانع تغيّر المعارف وارتفاع السقوف المعرفية. ولا يمانع في ذلك إلا جاهل لا يفرق بين النص ومفهوم النص، ولا بين الظني والقطعي، ولا بين العلم والمعلومات.
ما موقف الإسلام من إعمال العقل والعلم التجريبي في إدراك الواقع؟
الإسلام يأمر بإعمال العقل واحترام النقل وإدراك الحقيقة، ولا يقتصر على التجريب وحده بل يُقرّ بما هو وراء المنظور. وإدراك الواقع ينبغي أن يرتبط بالعقيدة الإسلامية والنموذج المعرفي الإسلامي. أما الحضارة الغربية فقد استبعدت علوم ما وراء المنظور واعتبرتها خرافة منذ دائرة المعارف البريطانية عام 1760م.
كيف تعاملت الحضارة الغربية مع الظواهر التي لا يفسرها العلم المادي، وما الفرق بين مفهوم العلم عندها وعند المسلمين؟
لما اقتصرت الحضارة الغربية على المادة أكثر من مائتي عام وجدت حقائق كثيرة غابت عنها، فاخترعت الباراسيكولوجي لدراسة الظواهر الغريبة التي لا تفسير لها في العلم المادي. أما مفهوم العلم عند المسلمين فأوسع وأشمل، إذ يشمل المادة وما وراءها، فالنار المحرقة والشمس المشرقة والشجرة المورقة لكل منها مصدر للمعرفة.
ما الفرق بين الجانب الوصفي والمعياري في العلوم الإنسانية الغربية، وأيهما يقبله المسلم؟
الجانب الوصفي هو وصف الحقائق المشاهدة التي يدركها المؤمن وغير المؤمن على حدٍّ سواء، وهذا لا يُنكره المسلم. أما التفسير والبناء على هذه الحقائق فقد يُنكره المسلم إذا خالف عقيدته. وإذا أصاب المشركون في شيء اتُّبع الصواب دون أن يكون ذلك اتباعاً للمشركين.
كيف استدل العلماء بآية الصفا والمروة على أن المؤمن يتبع الحق أينما وُجد؟
نزلت آية الصفا والمروة رداً على من تحرّج من السعي بينهما لأنه ظن أن الحق مخالفة المشركين في كل شيء. والحق أن نفعل ما كان على ملة إبراهيم، فنسعى بسعي إبراهيم لا بسعي المشركين. ومن هنا أخذ العلماء أن غاية المؤمن البحث عن الحق، وأينما وجده فهو أحق به من غيره سواء اعتنقه مسلم أو غيره.
كيف يتعامل المسلم مع العلوم الإنسانية الغربية وفق النموذج المعرفي الإسلامي؟
يجب قبول الجانب الوصفي من العلوم الإنسانية لأنه قائم على التجريب والملاحظة والتسجيل. أما الآراء المبنية عليه فتُصاغ من منظور العقيدة الإسلامية والنموذج المعرفي الإسلامي مع مراعاة المآلات والالتزام بالشريعة. والهدف أن يكون الكلام متوجهاً نحو عمارة الأرض وتزكية النفس.
ما مراد الله من خلقه وكيف يتحقق ذلك من خلال العلوم الاجتماعية والإنسانية؟
مراد الله من خلقه العبادة والاستخلاف وعمارة الأرض كما في الآيات الكريمة. والعلوم الاجتماعية والإنسانية في حالتها الراهنة محل التباس على كثير من الناس، ويجب التعامل معها بفطنة. والواجب تأسيس علوم تتفق مع النموذج المعرفي الإسلامي لإدراك الواقع والوصول إلى سعادة الدارين.
ما منهج بناء العلوم الإسلامية الصحيح وما الفرق بين التأصيل والمقاربات والمقارنات؟
المنهج الصحيح هو التأصيل بعد التحصيل، لا المقاربات التي تقول إن كل ما ذهب إليه الغرب موجود في الإسلام، ولا المقارنات التي تذهب عكس الغرب في كل شيء. كلا المنهجين باطل ولا يوصل إلى الحقيقة. وقد تأخر المسلمون كثيراً في هذا المجال بينما تغيّر وجه العالم تغيراً تاماً بين 1830 و1930م.
لماذا تأخر المسلمون في إنشاء أدوات إدراك الواقع المتغير وما الذي فعله الغرب في هذا الشأن؟
كان ينبغي للمسلمين أن يستعدوا لفهم الواقع شديد التغيّر بوضع أدوات مناسبة، لكنهم لم يفعلوا. بدأ الغرب من أواسط القرن التاسع عشر بإنشاء علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وغيرها، فتمكّن من إدراك الواقع وبلغ مبتغاه. ومن تمكّن من إدراك الواقع وصل إلى أهدافه.
لماذا أفسد الغرب رغم تطوره العلمي والصناعي الكبير؟
لأن التطور الغربي كان لتحصيل الدنيا دون البعد الأخروي، فأفسدوا قبل أن يُصلحوا. أسفر ذلك عن حربين كونيتين ذهب فيهما أكثر من ستين مليون إنسان، وثورة بلشفية شيوعية راح فيها نحو عشرين مليون. وهذا دليل على أن التطور المادي دون القيم الأخروية يُفضي إلى الدمار.
كيف أثّرت إرادة الآخرة في بناء الحضارة الإسلامية وما الفارق بينها وبين الحضارة الغربية؟
حين أراد المسلمون الآخرة عمّروا الأرض وبنوا حضارة إنسانية رائقة لم تقهر الإنسان. وخلت حضارتهم من احتقار المرأة وخطف العبيد، وجعلوا عبيدهم حكاماً وهو ما لم تفعله أمة غيرهم. أما حين أراد الغرب الدنيا فأهلك بعضهم بعضاً ولا يزالون.
كيف تعاملت الحضارة الإسلامية مع الحرية الدينية وما الذي ميّزها عن الحضارات الأخرى؟
خلت الحضارة الإسلامية من الاستعمار ونهب ثروات البلاد، ومن محاكم التفتيش، ولم تُكرِه الناس على ترك أديانهم ولم تُذلّهم. وكان شعارها قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وحوّلت المسألة إلى الآخرة حيث يجتمع الخصوم عند الله.
ما واجب المسلمين تجاه إنشاء العلوم الاجتماعية والإنسانية الإسلامية؟
المسلمون مقصّرون في إنشاء علوم اجتماعية وإنسانية تنبثق من نموذجهم المعرفي. والواجب الاستفادة من الجانب الوصفي عند الغرب ومما صحّ من استنباطاتهم المعيارية، لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. وينطلق كل ذلك من العقيدة الإسلامية والنموذج المعرفي الإسلامي.
لماذا لا يكفي العلم وحده في إدراك النص وتطبيقه على الواقع؟
إدراك النص وتطبيقه على الواقع ليس علماً فقط بل هو ملكة ومهارة تحتاج إلى توفيق إلهي ونور البصيرة. ويشترط في ذلك مراعاة المقاصد الشرعية والمصالح المرعية والمآلات المعتبرة، مع نية خالصة لا تخرج عن سقف الإجماع ولا عن دلالات اللغة. وهذا التوفيق هو ما يُسميه المسلمون بأن الله فتح عليك.
ما الفرق بين العلم الذي يُخشى به الله والعلم الذي يتحول إلى مجرد تاريخ؟
العالم بالأحكام الشرعية إذا لم يكن تقياً تحوّل علمه إلى تاريخ: الشافعي قال، مالك قال، الصحابي قال، مجرد نسبة أقوال إلى قائليها. أما العلم الحقيقي فهو الذي يُخشى به الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. والفارق بين الحالتين هو التقوى.
ما تعريف التقوى ومكوناتها وما الفرق بين الزهد والترف؟
التقوى معرفة محددة: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، والرضا بالقليل. وتشمل الإيمان بالله واليوم الآخر على سنة رسول الله. ومن مكوناتها الزهد وهو أن تكون الدنيا في الأيدي لا في القلوب، والابتعاد عن الترف الذي فيه إسراف وإتلاف، مع جواز الرفاهية المشروعة.
ما الفرق بين الرفاهية المشروعة والترف المذموم في القرآن الكريم؟
الترف والسرف ليسا الرفاهية والسعادة، فالله جميل يحب الجمال وأباح الزينة والطيبات. والترف المذموم هو ما فيه إسراف وإتلاف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. وأصحاب الكهف مع جوعهم أمروا صاحبهم أن ينتقي أجود الطعام رفاهاً لا ترفاً، لأن الله جميل يحب الجمال.
كيف يتحول القرآن الكريم إلى كتاب هداية متجدد لا تنتهي عجائبه؟
قال النبي ﷺ إن القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، فتراه جديداً كأنه نزل الآن. ومعنى ذلك أن الله يفتح على القارئ بما لم يُفتح على المفسرين من قبل، فكل يوم يُكتشف في القرآن جديد. وذلك لأن القرآن نبيٌّ مقيم ومعجزة رسالة لا معجزة رسول فحسب.
ما الفرق بين معجزة الرسول ومعجزة الرسالة وما تفرّد القرآن به؟
معجزة الرسول هي ما يُشاهَد في حياته كإحياء الموتى وانفلاق البحر والإسراء والمعراج، وهي معجزة مرتبطة بزمانه. أما القرآن فهو معجزة رسالة، أي معجزة في حد ذاتها تُقدّم للناس المعجزات كل يوم وكأنها نبي يعيش بينهم. وهذا ما يجعل القرآن متجدداً في هدايته عبر الأجيال.
ما السنن الإلهية في القرآن الكريم وما أنواعها وأهميتها؟
تكلّم الله في القرآن عن سننه التي تشمل السنن التاريخية والسنن الكونية والسنن الاجتماعية. وهذه السنن تجاوزت الزمان والمكان والأشخاص والأحوال وكأنها تطبع الكون من قبل ومن بعد. وهي علم عظيم منفتح يتولّد منه فوائد كثيرة، وقد رُصد منها نحو تسعين سنة في كتاب الله.
كيف تجلّت سنة التوازن الإلهي في قصة النبي ﷺ مع الكلاب؟
أرشد الله إلى سنة التوازن وأن الكون مبني على الاتزان. ولما أراد النبي ﷺ إبادة الكلاب بسبب نفور الملائكة منها، نزل جبريل وأخبره أن الله يبلغه أن الكلاب أمة من الأمم، وأن إهلاكها سيُخل باتزان العالم. وهذا يدل على أن أي خلل في اتزان الكون يكون ضد السنن الإلهية.
ما النضج النفسي الذي يُحققه الإيمان بالسنن الإلهية في التعامل مع مخلوقات الله؟
النضج النفسي عند المسلم يجمع بين معرفة أن الملائكة تنفر من الكلاب وأن الكلاب في الوقت ذاته مخلوق رباني أودعه الله الوفاء والمحبة والفائدة. وهذا اتزان عجيب في النفس يُحققه الإيمان بالسنن الإلهية. وقد رُصد من هذه السنن نحو تسعين سنة في كتاب الله وهو علم لم يُخدم بعد.
كيف يتحول القرآن إلى كتاب هداية باستخراج المبادئ العامة منه؟
يتحول القرآن إلى كتاب هداية باستخراج المبادئ العامة التي تحكم الذهن البشري، كمبدأ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ومبدأ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الذي أخذ به أهل القانون في فورية القوانين. وهذه المبادئ العامة تُشكّل أساساً للتشريع والفكر الإنساني عبر الزمان.
ما الدلالة الاستقلالية للقرآن وكيف استنبط منها الأئمة القياس والإجماع؟
الدلالة الاستقلالية هي استنباط الأحكام من الآيات بصورة مستقلة عن السياق المباشر. فمن قوله تعالى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ استُنبط القياس، ومن ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ استُنبط الإجماع. ومن جهل الدلالة الاستقلالية صار بينه وبين القرآن حجاب لا يعرف كيف يفهمه.
كيف حمى الأئمة الأعلام الأمة الإسلامية أحياءً وأمواتاً بعلمهم؟
الأئمة الأعلام الأتقياء حموا الأمة بعلمهم وفكرهم وفضلهم حتى بعد وفاتهم. فالإمام الشافعي بعلمه وتكوينه للعقل المسلم هو الذي حمى الأمة من التتار ومن المبشر زويمر. وذلك ليس شركاً بل هو أثر العلم والفضل في تكوين عقل المسلم الذي يرى حقائق الأمور ببصيرة.
ما الاستراتيجية التي اتبعها زويمر لإزالة الإسلام وكيف واجهها المسلمون؟
أراد زويمر تشويه الإسلام وإزالة التدين من نفوس المسلمين، وكان يجمع العوام بتوزيع الحلوى والهدايا ثم يُلقي عليهم محاضرات تبشيرية. لكن بساطة العقيدة الإسلامية وعمقها في النفوس جعلت هذه المحاولات تفشل، إذ كان يكفي المسلمين كلمة واحدة لإفساد مجالسه.
كيف تصدّى الشيخ محمد المليجي لمحاضرات زويمر التبشيرية؟
كان الشيخ محمد المليجي صاحب مكتبة في الأزهر يؤلف كتيبات صغيرة يرد فيها على شبهات المبشرين. وكان يدخل متنكراً في محاضرات زويمر ويجلس في آخر الصفوف، وحين يشعر أن الكلام بدأ يؤثر في الحاضرين يقول كلمة واحدة تُفسد على زويمر أمره.
لماذا كانت كلمة وحّدوه كافية لإفساد محاضرات زويمر على الحاضرين؟
لأن الحاضرين كانوا متربّين على التوحيد وليسوا في حيرة، فالمسألة واضحة عندهم: الرب ربٌّ والعبد عبدٌ والفارق بين المخلوق والخالق جليٌّ. فحين يسمعون وحّدوه يضجّ المسجد بلا إله إلا هو والصلاة على النبي وتنتهي المحاضرة. وهذا دليل على أن التربية الإيمانية الصحيحة هي الحصن الأول.
كيف تتجلى بساطة الحقائق الإيمانية في مقارنة خلق الله بصنع الإنسان؟
الحقائق الإيمانية في منتهى البساطة كما خلق الله الكون: بذرة تنبت شجرة، ورجل وامرأة ينجبان طفلاً. أما الإنسان فيحتاج لملء كرة الأرض بالترانزستور لكي يصنع عقلاً واحداً. وهذا يدل على عظمة الخلق الإلهي وبساطته في الوقت ذاته، كما قال تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾.
ما الذي يجعل كلمة التوحيد ذات عمق في نفوس البشر وكيف يُحاول الأعداء إفقادها هذا العمق؟
كلمة التوحيد ذات عمق راسخ في نفس البشر لأنها تتوافق مع الفطرة وتُجيب عن أعمق الأسئلة الوجودية. ويحاول الأعداء إفقاد المسلمين هذا العمق بزرع التساؤلات والشكوك حتى يصبح المسلم حائراً يتساءل: لماذا وكيف؟ فيضيع في عالم محير بدلاً من أن يعيش بيقين الفطرة.
هل الأفضل ذكر أسماء الله الحسنى مزدوجة أم مفردة؟
الأفضل أن تُقال أسماء الله الحسنى مزدوجة، فيُقال: الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعال، البر والتواب، المنتقم العفو، وهكذا. وهذا هو المنهج المستحسن في ذكر الأسماء الحسنى.
ما الإشكاليات المثارة حول الطريقة النقشبندية الحقانية وتصرفات بعض مريديها؟
تتمحور الإشكاليات حول ثلاثة أمور: انحراف الشيخ ناظم الحقاني عن النقشبندية الأصيلة، وتصرفات بعض المريدين من رقص وقفز أثناء الحضرة، وتقبيل بعضهم رجل الشيخ بصورة توحي بالسجود له. وهذه أمور تحتاج إلى تمييز وتفصيل بين ما هو جائز وما هو مذموم.
ما حكم تقبيل رجل الشيخ وهل هو جائز شرعاً؟
تقبيل الرجل وارد في سنن أبي داود حيث قبّل وفد عبد قيس يدي النبي ﷺ ورجليه، فهو جائز من حيث الورود. لكنه لم يكن عادة الصحابة، وخاصة في عصور الفتن والالتباسات لا يُستحب. وإذا صار عادة تُمارَس أمام الناس حتى يبدو كالسجود فهو وضع فتنة فوق فتنة وليس من الحكمة.
لماذا لا يصلح اليوتيوب مصدراً للمعرفة الدينية؟
اليوتيوب ليس مصدراً للمعرفة لأن التدليس والتلبيس والاقتطاع والتغيير فيه شيء رهيب، حتى صار مصداقاً لقوله ﷺ: ويفشو الكذب. فالمقاطع المقتطعة توهم المشاهد أن ما يراه هو الحقيقة وهو ليس كذلك. ولذلك انتقلنا من القاعدة القديمة تأكد مما تسمع إلى: تأكد مما تسمع ومما ترى.
ما حكم الأحوال التي تعترض الذاكرين من رقص وقفز وهل هي دليل كمال؟
إذا كانت الأحوال صادقة غير مقصودة فصاحبها غير مكلف. لكن الكُمَّل لا تحدث لهم هذه الأحوال، ولم تُرَ في الصحابة ولا التابعين، وإنما ظهرت عند ضيق القلوب وكثرة المعارف. وهي حال نقص لا حال كمال. أما من يقفز قاصداً فهو يُمثّل الأحوال وهذا حرام لأنه رياء وسمعة.
ما المعيار الذي يُحكم به على أي طريقة صوفية بالصحة أو الانحراف؟
الحكم على طريقة صوفية بعينها يحتاج إلى دراسة كتبها والاطلاع على تطبيقاتها لمعرفة هل الانحراف في التطبيق أم في الأصل. لكن المطلق الثابت هو أنه كلما اقتربت الطريقة من سنة رسول الله ﷺ والتمسك بها كان ذلك خيراً وأولى. وهذا هو المعيار الجامع.
ما الذي شهده من لقي الشيخ ناظم الحقاني من تمسكه بالسنة النبوية؟
شهد من لقيه في أمريكا أنه كان متمسكاً جداً بالسنة حتى في تفاصيلها الدقيقة، إذ كان إذا صلى ركعتين اتكأ على يمينه في المسجد تحقيقاً للسنة ثم يقوم. وهذا التمسك بالتفاصيل الدقيقة يدل على حرصه على اتباع النبي ﷺ في كل صغيرة وكبيرة.
ما تعريف الهوية لغةً واصطلاحاً وما الفرق بينها وبين الماهية؟
الهوية مشتقة من هُو، ومعناها أن ما في الذهن هو ما في الخارج وما في الخارج هو ما في الذهن، أي المطابقة التامة. وما في الذهن هو الصورة وما في الخارج هو الماهية، فسُمّيت الهوية بالماهية. وهما وجهان لعملة واحدة، وأصبحت الهوية دالة على حقيقة الشيء.
ما الهوية المصرية وهل الإسلام فيها دين أم حضارة؟
هوية مصر هي الإسلام والعروبة. والإسلام في هذا السياق حضارة لا مجرد دين، مما يعني أن المسيحي المصري يندرج تحت الحضارة الإسلامية ويشترك فيها بالثقافة واللغة والعادات والنظام اليومي. والهوية المصرية هي الحضارة الإسلامية واللغة العربية.
ما هوية الإسلام الحقيقية وهل تتعارض مع الهوية القومية؟
هوية الإسلام هي الكتاب والسنة، وهذا هو ما تركه النبي ﷺ للأمة. ولا تعارض بين هوية الإسلام والهوية القومية لأن الهوية القومية كهوية مصر هي الإسلام ذاته. والعلاقة بينهما علاقة دوائر متداخلة: دائرة مصر أوسع منها دائرة العرب وأوسع منها دائرة الإسلام.
كيف تتداخل الهوية الوطنية والعربية والإسلامية دون تعارض؟
المصري يكون مسلماً أو تحت حضارة الإسلام وناطقاً بالعربية، لكن هناك من ينطق العربية وليس مصرياً، وهناك مسلم خارج النطاق العربي كالماليزيين. فالإسلام له دائرة أوسع من العروبة والعروبة أوسع من المصرية، وهذا التداخل يُثبت أنه لا تعارض بين الهويات.
ما موقف الإسلام من نظرية التطور وتشابه الحمض النووي بين الإنسان والحيوان؟
الصوفية حلّوا هذه المسألة بمبدأ وحدة الخلق: تشابه الحمض النووي بين الإنسان والحيوان دليل على أن الخالق واحد لا على أصل مشترك. فالقراءة الإسلامية لهذه الحقيقة العلمية تختلف عن القراءة الداروينية، إذ الاشتراك في التركيب لا يعني الاشتراك في الأصل.
كيف تختلف القراءة الإسلامية لتشابه الحمض النووي عن القراءة الداروينية؟
القراءة الداروينية تقول إن تشابه الحمض النووي يعني أصلاً مشتركاً بين الإنسان والقرد. أما القراءة الإسلامية فتقول إن تشابه الحمض النووي يعني أن الخالق واحد، فالذي خلق هذا خلق ذاك. والاشتراك في صفة لا يعني الاشتراك في الأصل، كما أن داروين يتنفس والحمار يتنفس ولا يعني ذلك أنهما من أصل واحد.
ما الخطأ المنطقي في استدلال الداروينيين على الأصل المشترك من تشابه الحمض النووي؟
الخطأ هو الاستنتاج من اشتراك في صفة دون حدٍّ أوسط صحيح، وهو نفس خطأ ابن الراوندي حين قال إن القرآن شعر لأن كليهما ألفاظ. فالاشتراك في الحمض النووي لا يستلزم الأصل المشترك، كما أن الاشتراك في التنفس لا يجعل داروين حماراً. والقراءة الصحيحة هي وحدة الخلق لا وحدة الأصل.
ما الإشكالية التي تطرحها الحلقة المفقودة على نظرية التطور الداروينية؟
إذا كان القرد قد تحول إلى إنسان فلماذا توقف هذا التحول ولا نرى قرداً يتحول إلى إنسان كل فترة؟ ولو كان هذا قد حدث في التاريخ فيجب أن نجد مراحل انتقالية متعددة بين القرد والإنسان، لكننا لا نرى إلا قرداً وإنساناً دون مراحل وسيطة. وهذا ما يُسمى بالحلقة المفقودة في نظرية داروين.
كيف يُفرّق المسلم بين الوصف العلمي والمعيار في التعامل مع نظرية التطور؟
الحفريات أحضرت لنا القرد والإنسان لكن لم تُحضر الحلقات الوسيطة بينهما، وهذا هو الوصف. أما المعيار فهو تفسير هذا الوصف وقراءته، وهنا يختلف المسلم عن الداروينيين. الوصف شيء وقراءة الوصف بالمعيار شيء آخر، كما أن النص شيء ومفهوم النص شيء آخر.
هل ثبتت ليلة الرغائب وهل هناك صلاة خاصة في شهر رجب؟
لا يثبت شيء في ليلة الرغائب ولا في صلاة خاصة بشهر رجب. وقد ألّف الإمام ابن حجر العسقلاني كتاباً ضعّف فيه كل ما ورد في رجب وسمّاه تبيين العجب فيما ورد في شهر رجب، وليس هناك شيء فيه صحة.
هل يجوز للأشعري أن يتبنى مسألة ماتريدية أو معتزلية وما علة ذلك؟
الأشعرية والماتريدية متقاربتان جداً ولم يختلفا إلا في بضع وعشرين مسألة أغلبها لفظي وثمانية حقيقية في الفروع لا الأصول. فيجوز للأشعري أن يتبنى مسألة ماتريدية لأنها من ألف وخمسمائة مسألة. ويجوز الأخذ من المعتزلة عند الحاجة لأن الحكمة ضالة المؤمن، وعلة الجواز الفائدة.
كيف واجه الأشاعرة إشكالية الفلاسفة حول تسلط القدرة الإلهية على المعدوم؟
الفلاسفة أشكل عليهم كيف تتسلط القدرة الإلهية على المعدوم فيتحول إلى موجود كما في قوله تعالى كن فيكون. والأشاعرة يقولون إن الشيء هو الموجود سواء كان واجباً كالله أو ممكناً كالإنسان. فاستعار الأشاعرة مصطلح المعتزلة القائل بأن الشيء هو الممكن سواء كان معدوماً أو موجوداً لإقناع الفلاسفة.
كيف استُعير مصطلح المعتزلة في القول بأن العدم شيء لإقناع الفلاسفة؟
المعتزلة يقولون إن الشيء هو الممكن سواء كان معدوماً أو موجوداً. فاستُعير هذا المصطلح وقيل للفلاسفة: العدم شيء، فتسلطت القدرة على شيء فحوّلته من العدم إلى الوجود. وقبل الفلاسفة هذا التفسير. والمبدأ هنا لا مشاحة في الاصطلاح، وسيبويه يقول إن الشيء في اللغة يُطلق حتى على المستحيل.
ما موقف أهل السنة من المعتزلة وما علة جواز الأخذ منهم؟
المعتزلة عند أهل السنة مخطئون لا كفار، ويجوز الأخذ منهم عند الحاجة. وعلة جواز الأخذ منهم هي الفائدة، فإذا كان في مصطلحهم أو رأيهم فائدة في الرد على الفلاسفة أو غيرهم جاز الاستعارة منهم. وهذا لا يعني الموافقة على مذهبهم بل هو توظيف للأدوات المتاحة لخدمة الحق.
ما تعريف الإجماع الصحيح عند الأصوليين وما أمثلته؟
الإجماع عند الأصوليين هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ في عصر من العصور على أمر من الأمور الشرعية. ومن أمثلته: تحريم الخمر وتحريم الزنا وإن لم يُصرَّح بالتحريم بهذا اللفظ، ووجوب الوضوء قبل الصلاة، وأن صلاة الظهر أربع ركعات. والإجماع يُحوّل الدليل الظني إلى قطعي.
لماذا لا يجوز تجاوز الإجماع بحجة أن الدليل ظني؟
لأن الإجماع يُحوّل الدليل الظني إلى قطعي، فلا يجوز بعده الاجتهاد في المسألة. ومن تجاوز الإجماع بحجة الاجتهاد الفردي فتح الباب لإحلال المحرمات القطعية كالخمر والزنا. وهذا ما يفعله بعض المتجرئين الذين يدّعون الاجتهاد دون امتلاك أدواته، فيخرجون بأقوال تُخالف الإجماع.
متى انتهى سند الجرح والتعديل المعتبر في علم الحديث؟
سند الجرح والتعديل المعتبر انتهى مع الإمام البيهقي المتوفى سنة 458 هجرية. فكتب البيهقي ومن قبله هي التي يُنظر فيها إلى الأسانيد للحكم عليها بالصحة أو الحسن أو الضعف. وما جاء بعد البيهقي من أسانيد فهو للتبرك لا للجرح والتعديل.
ما حكم النظر في الأسانيد بعد البيهقي وما الغرض منها؟
بعد كتب البيهقي أصبح السند للتبرك لا للجرح والتعديل، فلا يجوز النظر فيه لإسقاط المتن. فمن يأتي بسند حديث إنما الأعمال بالنيات ويقول إن راوياً فيه ضعيف فيُسقط الحديث، فهذا لا يصح لأن الحكم على هذا الحديث قد استقر قبل البيهقي. والمعتبرون من المحدثين المتأخرين نقلوا عن السابقين ولم يجتهدوا من عند أنفسهم.
كم عدد الرواة والأسانيد في علم الجرح والتعديل وما درجاته؟
بلغت الأسانيد من البيهقي إلى النبي ﷺ مليون سند، يتضمنون عشرين ألف راوٍ. وهذه العشرون ألف ملف هي محل الجرح والتعديل. ودرجات التعديل سبعة ودرجات الجرح سبعة أخرى، فتصبح أربعة عشر تؤول إلى نحو عشرين درجة من الثبت الثقة إلى الكذاب الوضّاع.
هل اجتهد المصححون والمضعّفون المعاصرون في الجرح والتعديل أم نقلوا عن السابقين؟
المصححون والمضعّفون المعاصرون لم يجتهدوا من عند أنفسهم بل نقلوا كلام السابقين وجمعوا الملفات الموجودة في العشرين ألف راوٍ. فمن قال إن ابن لهيعة ثقة أو ضعيف إنما نقل عمن كتبوا فيه قديماً، وبعضهم وثّقه وبعضهم ضعّفه وبعضهم فصّل. وهذا كله منقول لا مجتهد فيه.
كيف كان البيهقي يحل الإشكاليات في الأسانيد المتعارضة؟
كان البيهقي يجمع الروايات ويتتبعها بالشواهد والمتابعات حتى يحكم على الراوي بالاستقراء. فمثلاً في قضية محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى الذي وثّقه الشافعي وجرّحه مالك، جمع البيهقي أحاديثه حديثاً فحديثاً فوجدها كلها صحيحة نظيفة، فحكم بأن الرجل سليم. وهذه مسألة موضوعية لا جدال فيها.
لماذا جرّح الإمام مالك محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى رغم توثيق الشافعي له؟
الإمام مالك جرّح محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى بسبب تشيّعه لا بسبب أحاديثه. أما الشافعي فقد روى عنه صغيراً وكان يُعظّمه. والبيهقي حسم المسألة بالاستقراء: جمع أحاديثه كلها فوجدها صحيحة نظيفة، فثبت أن الشافعي على حق في توثيقه. وهذا يُبيّن أن الجرح قد يكون لأسباب غير حديثية.
ما التوجيه الشرعي لمن يعيش في ظل الفتنة والحرب كأهل اليمن؟
التوجيه هو الدعاء والالتجاء إلى الله بقلوب ضارعة، فليس لهذه الفتن من دون الله كاشفة. والمسلمون وصلوا إلى هذا الحال بتراكم المظالم والظلمات. والأمر بيد الله وحده الذي يؤلف بين القلوب ويُبصّر الناس، فالواجب تعليق القلب بالله والدعاء: يا رب يكفي.
كيف يتعامل المسلم مع القرآنيين المنكرين للسنة النبوية؟
القرآنيون على ضلال مبين لأنهم يُحلّون الزنا والخمر والمحرمات بإنكار السنة. والواجب الدعاء لهم وإزالة شبهاتهم إذا أرادوا السؤال. وقد أُلّفت كتب متخصصة في الرد على شبهاتهم كحجية السنة لعبد الغني عبد الخالق وثلاثين شبهة في الحديث النبوي للمطعني والدفاع عن السنة لأبي شهبة.
كيف يتعامل المسلم مع من لا يقتنع بالحق ويرفض الهداية؟
الهداية بيد الله وحده كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. والعلم يُقال والشبهة تُردّ، لكن القبول بيد الله. وقد ذهب ابن عباس إلى الخوارج فرجع معه ألفان وبقي أربعة، فليس الأمر بيد أحد. والواجب التبرؤ من الحول والقوة إلى حول الله وقوته.
بم يُختم مجلس العلم وما صيغة الصلاة على النبي ﷺ في ختامه؟
يُختم مجلس العلم بالصلاة والسلام على النبي ﷺ وآله وصحبه. ومن صيغ الختام: اللهم صلِّ أفضل صلاة على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم، عدد معلوماتك ومداد كلماتك، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
النموذج المعرفي الإسلامي يجمع الوحي والعقل والتجربة، ويقبل الوصف العلمي ويرفض التفسير المادي المخالف للعقيدة.
إدراك الواقع في الإسلام لا ينفصل عن العقيدة؛ فالنموذج المعرفي الإسلامي يؤمن بالكتابين: القرآن المسطور والكون المنظور، وكلاهما صادر عن الله. ولذلك يُقبل الجانب الوصفي من العلوم الإنسانية القائم على الملاحظة والتجريب، بينما تُبنى التفسيرات وفق مقاصد الشريعة ومراعاة المآلات، لا وفق الرؤية المادية الغربية التي استبعدت الوحي من دائرة المعرفة.
أثبتت العقيدة الإسلامية صمودها أمام حملات التبشير، إذ اعترف زويمر بعجزه عن هدم الإسلام لخلوّه من التناقض بين العقل والنقل. وعلى صعيد الفقه والأصول، يُحوّل الإجماع الأدلةَ الظنية إلى قطعية، وتُستعار المصطلحات من المعتزلة أو غيرهم عند الحاجة بضابط الفائدة. والغاية الكبرى هي تأسيس علوم اجتماعية إسلامية بمنهج التأصيل بعد التحصيل لتحقيق سعادة الدارين.
أبرز ما تستفيد منه
- النموذج المعرفي الإسلامي يجمع الوحي والعقل والتجربة ولا يقبل الفصل بينها.
- الجانب الوصفي من العلوم الإنسانية مقبول، والتفسيرات المادية تُرفض إذا خالفت العقيدة.
- الإجماع يحوّل الدليل الظني إلى قطعي ولا يجوز تجاوزه.
- الحضارة الإسلامية حين أرادت الآخرة عمّرت الأرض دون استعمار أو إكراه.
سؤال حول أهمية إدراك الواقع والعلوم والأدوات اللازمة لذلك عند المسلمين
سمعنا كثيرًا القول بأهمية إدراك الواقع قبل إصدار الحكم، فما العلوم والأدوات التي ندرك بها الواقع كمسلمين؟ لأن هناك بعض الناس الذين رفضوا فكرة الاستفادة بالعلوم الإنسانية في إدراك الواقع، بحجة أن هذه العلوم جاءت إلينا من الغرب وفيها نموذجهم المعرفي، وهو غير ما عندنا كمسلمين. وقالوا بأن هذا سيؤدي إلى تحريف في فهم كلام الله؛ لأننا اعتمدنا في إصدار الحكم الشرعي على الواقع المدروس بأدوات غربية.
كيف نجيب على مثل هذا الكلام؟ المشروع الغربي مبني على إدراك الواقع دون الوحي، أما المسلمون فإن عقيدتهم تقوم على الإيمان بالله خالقًا للأكوان، وأن الله لم يتركنا عبثًا، بل أوحى إلى أسميناهم الأنبياء والرسل، نزلت عليهم الشرائع والكتب.
أركان العقيدة الإسلامية من التكليف والطاعة إلى ختم النبوة
وأن الله قد كلفنا بأوامر ونواهٍ: افعل ولا تفعل، وأن الله قد جعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة، وأن هناك يومًا آخر نعود فيه إلى ربنا للحساب، للثواب أو العقاب. وهذه العقيدة هي عقيدة المسلمين، ولذلك فلا بد عندهم من الطاعة، والطاعة هي عبادة الله وهي الالتزام بأمره سبحانه وتعالى.
وأن الله سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل وأنزل الكتب، وجعل طاعته من طاعة رسله، وأنه قد ختمهم بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم. وأننا لما نظرنا فيما تركه لنا وجدناه قد أمر بالخير، وأمر بعمران الدنيا، وأمر بتزكية النفس، وأمر بعبادة الرب سبحانه وتعالى.
الإيمان عن بصيرة واطمئنان القلب بذكر الله والثبات على العقيدة
ووجدنا أن هذا يتفق مع ما عرفناه من أنفسنا في إنسانيتنا وفطرتنا، فآمنّا بالله عن بصيرة، وصدّقنا رسوله صلى الله عليه وسلم عن إيمان. ثم رأينا أن السعادة تنال قلوبنا بأنوار وكشف أستار وطمأنينة، فاطمأنت قلوبنا لذكر الله.
ولذلك فنحن على هذه العقيدة نعيش ولا يهمنا من خالفنا. وهذه العقيدة بذلك الملخص هي التي أفشلت المبشرين، وجعلت زويمر في بدايات القرن العشرين - كما نشر له صاحب مجلة الفتح في إبريل سنة ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين - أنه قال: إننا لم يؤمن بنا ولم يتبع مسيحيتنا إلا كل سافل نصاب.
اعتراف زويمر بعجزه عن هدم الإسلام وأسباب صمود العقيدة الإسلامية
لماذا [لم يستطع زويمر التبشير بالمسيحية بين المسلمين]؟ لأنه لم يستطع الهدم. وقال: الهدم أخف من البناء، إلا أننا عندما نهدم الإسلام فإننا لا نستطيع، فيأتينا كل نصاب يضحك علينا ويأخذ القناطير المقنطرة ولا يدخلون المسيحية ولا شيء. وحتى يدخل المسيحية لا بد من هدم الإسلام، ونحن غير قادرين على هدم الإسلام.
ما الذي جعلهم غير قادرين على هدم الإسلام؟ هذه العقيدة: واضحة جلية بيّنة واقعية حقيقية، ليست فيها خرافات ولا أوهام، تسعى لمعرفة الحق. ليس هناك نزاع بين العلم والدين ولا بين العقل والنقل، وكلما ازداد الإنسان دراسةً كلما اطمأن قلبه واتضحت أمامه الدنيا واشتدت بصيرته في الإدراك.
تمسك المسلم بدينه وعدم انجذابه لأي دين آخر والفارق بين النموذجين المعرفيين
فكيف يترك هذا [المسلم دينه] إلى شيء لا يعرفه من توهُّمات أو من خرافات لا يعرفها؟ هذا، ولذلك هو لا يدخل في أي دين كان؛ لأن دينه يكفيه.
لكن مشروع الغرب عندما قام، قام على دراسة الواقع دون الوحي، فهذا فارق كبير بين ما نسميه بنموذجنا المعرفي ونموذج الآخر. نحن نؤمن بالكتابين ونؤمن بالقراءتين:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
ثم يقول بعد ذلك:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3-5]
فأمرنا بقراءة كتابه المسطور وبكتابه المنظور. أما المنظور فهو الخلق، وأما المسطور فهو القرآن، وكلاهما صدر من الله.
لا تناقض بين كتاب الله المسطور والمنظور وموقف العقل المسلم من الحقائق العلمية
أما القرآن فقد صدر من عالم الأمر، وأما الأكوان فقد صدرت من عالم الخلق.
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
ولذلك ابتداءً فلا تناقض عندنا بين كتابه المسطور وبين كتابه المنظور؛ لأن كليهما صدر عنه. فالعقل المسلم عندما يثبت له بالدليل الحسي أن الأرض كرة يقول بكرويتها، أو أن الأرض مبسوطة يقول ببسطها، أو أنها تدور حول نفسها أو حول الشمس يقول بذلك.
أو تتغير المعارف وتزيد السقوف المعرفية فلا يمانع من هذا، ولا يمانع في ذلك إلا كل جاهل عقليته ليست العقلية الفارقة، فلا يفرق بين النص ومفهوم النص، ولا بين الحديث الصحيح والحديث المقبول، ولا بين العلم والمعلومات، ولا بين الدين والتدين، ولا بين الظني والقطعي، ولا بين شيء من هذا أبدًا.
وجوب إعمال العقل واحترام النقل وارتباط إدراك الواقع بالعقيدة الإسلامية
فحياته يسير فيها سبهللة، سيبها على الله يعني سبهللة. الله ما أمرنا بهذا، بل أمرنا بإعمال العقل وباحترام النقل، وبأن ندرك الحقيقة. والمعارف ليست وحدها عن التجريب؛ فإن هناك ما هو وراء هذا المنظور.
ولذلك فإن إدراكنا للواقع ينبغي أن يرتبط بتلك العقيدة وبذلك النموذج المعرفي. ولما نشأت العلوم التي تدرس الواقع الجديد، بعدما نحت دائرة المعارف البريطانية الصادرة سنة ألف وسبعمائة وستين علوم ما وراء المنظور واعتبرتها خرافة، وأن الساينس وحده - يعني العلم التجريبي المشاهد بالتجربة والملاحظة والاستنتاج - وحده هو مصدر المعرفة، تم استبعاد هذه المعلومات والمعارف عن درجة العلوم بهذا المعنى.
الحضارة الغربية تدرس الإنسان كالمادة واختراع الباراسيكولوجي لتعويض الغياب
وأصبحت الحضارة الغربية تدرس الإنسان كالبنيان، والشجر والحجر كالبشر، ليس هناك شيء إلا المادة تدرسها إذا استطاعت أن تسيطر عليها. ولما صاروا على ذلك أكثر من مائتي عام ووجدوا أن حقائق كثيرة في الكون قد غابت عنهم، فإنهم اخترعوا قسمًا لهذا الغياب أسموه بـ الباراسيكولوجي.
والباراسيكولوجي يدرسون فيه تلك المظاهر العجيبة الغريبة التي لا تفسير لها في العلم. واتسعت معهم هذه الباراسيكولوجي حتى ظهرت عندهم أمور، لكنها ما زالت لم تدخل في مفهوم العلم.
ومفهوم العلم عند المسلمين أوسع وأبرّ؛ فالنار المحرقة والشمس المشرقة والشجرة المورقة، كل واحد من هذه له مصدر للمعرفة.
التفريق بين الجانب الوصفي والمعياري في العلوم الإنسانية الغربية
ولذلك فلما وضعوا هذه العلوم التي تدرك الواقع، وضعوها من عقيدتهم ووجهة نظرهم، فهي لا تصلح لنا. لكن حدث التباس بين ما هو وصفي وما هو معياري.
أما الذي هو وصفي فتلك حقائق يدركها المؤمن وغير المؤمن؛ لأنها وصف مشاهدة حقائق. ولذلك فالقدر الوصفي من العلوم الاجتماعية والإنسانية لا ننكره.
إنما تفسير هذه الحقائق والبناء على هذه التفاسير قد ننكره؛ قد ننكره لأننا إذا ما فعل المشركون شيئًا من الصواب، اتبعنا الصواب ولا نكون بذلك قد اتبعنا المشركين.
الاستدلال بآية الصفا والمروة على اتباع الحق أينما وُجد
قال تعالى في ذلك:
﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 158]
إجابةً على من تحرّج أن يطوف بهما وأن يسعى بين الصفا والمروة؛ لأنه ظن أن الحق أن نخالف المشركين في كل شيء. والحق ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك.
الحق أن نفعل ما كان على ملة إبراهيم، وإبراهيم سعى بين الصفا والمروة، فنحن نسعى بسعي إبراهيم لا بسعي المشركين الذين أبقوا على سعي إبراهيم.
ومن هنا أخذ العلماء أن غاية المؤمن البحث عن الحق وعن الحقيقة، وأينما وجد الحق فهو أحق به من غيره، سواء اعتنقه غير المسلمين أو اعتنقه المسلمون أو اعتنقه أيًّا كان.
قبول الجانب الوصفي من العلوم الإنسانية وبناء الآراء وفق النموذج المعرفي الإسلامي
﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]
إذن يجب علينا أن ندرك أن الحق أحق أن يُتبع. ولذلك فهذه العلوم لا نرفضها جملةً، بل نقبل منها الجانب الوصفي؛ لأنه ما هو إلا عن تجريبٍ وملاحظةٍ ومحاولةٍ للحصر والتسجيل.
ثم بعد ذلك إذا كانت هناك آراءٌ تُبنى عليه، فمن وجهة نظرنا نحن، ومن عقيدتنا ونموذجنا المعرفي، ومن مراعاة المآلات، أن هذا الكلام الذي أقوله ينبغي أن يكون فيه التزامٌ بالشرع الشريف، وأن يكون فيه أن أتغيّا وأقصد عمارة الأرض، وأن يكون فيه أن أقصد وأسعى لتزكية النفس.
مراد الله من خلقه بين العبادة والاستخلاف وعمارة الأرض
وهذا هو مراد الله من خلقه:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
فالحاصل أن العلوم الاجتماعية والإنسانية على حالتها الحالية محل التباس على كثير من الناس، ويجب أن نتعامل معها تعامل الأكياس أصحاب الفطنة. ويجب علينا أن نؤسس من عند أنفسنا علومًا تتفق مع نموذجنا المعرفي، وليس الغرض منها هدم علوم الآخر، بل الغرض منها أن ندرك الواقع على ما يمكن أن ندركه عليه حتى نصل إلى سعادة الدارين: الدنيا والآخرة.
منهج التأصيل بعد التحصيل لا المقاربات ولا المقارنات في بناء العلوم الإسلامية
وأن يكون ذلك ليس بمنهج المقاربات ولا المقارنات، وإنما بمنهج التأصيل.
المقاربات أن أقول: أنهم ذهبوا إلى كذا وهذا عندنا في الإسلام، كل شيء ذهبوا إليه عندنا في الإسلام - منهج باطل. أو أقول: هم ذهبوا إلى اليمين أذهب أنا إلى اليسار - منهج باطل.
لا المقاربات ولا المقارنات توصلنا إلى الحقيقة، إنما التأصيل بعد التحصيل هو الذي يوصلنا إلى الحقيقة.
وعلى ذلك فإننا قد تأخرنا كثيرًا؛ لأن الدنيا تغيرت تغيرًا تامًّا في برنامجها اليومي من ألف وثمانمائة وثلاثين إلى ألف وتسعمائة وثلاثين، تغير وجه العالم في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة، حتى لم يعد الإنسان يعيش أمسه في يومه ولا يومه في غده.
ضرورة الاستعداد لفهم الواقع المتغير وإنشاء أدوات إدراكه
وأصبحت الأمور غاية في التطور، غاية في التدهور، غاية في التغيُّر. ومن أجل هذا ينبغي علينا - أو كان ينبغي علينا - أن نستعد لهذا، وأن نضع من الأدوات ما يُمكّننا من فهم هذا الواقع شديد الالتباس، شديد التغيُّر والتدهور والتطور، حتى نعلم خيره من شرّه.
ولكننا لم نفعل. بدأوا هم في الفعل من أواسط القرن التاسع عشر، فأنشأوا علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم وعلم وعلم، حتى زادت العلوم فتمكنوا من إدراك الواقع. ومن تمكن من إدراك الواقع وصل إلى مبتغاه.
تطور الغرب في الصناعة والاقتصاد وإفساده بسبب غياب البعد الأخروي
فأصبح معهم صناعة السلاح، ودخلوا في التراستات الكبيرة - التراست يعني الثقة - والشركات عابرة القارات، وأنشأوا أفكارًا حول هذا كسوق المال وكالشخصية الاعتبارية، وتطوروا تطورًا عظيمًا في قضايا الطب والفضاء إلى آخره.
لكن لأن هذا كان لتحصيل الدنيا فإنهم أفسدوا قبل أن يصلحوا، وقاموا بحرب كونية ذهب فيها أكثر من عشرين مليون، وبحرب كونية أخرى ذهب فيها أكثر من أربعين مليون، وبثورة بلشفية شيوعية ماركسية ذهب فيها نحو العشرين مليون. ملايين مملينة من البشر ماتوا من أجل هذه المسألة البسيطة.
الفارق بين إرادة الدنيا وإرادة الآخرة وأثر ذلك على الحضارة الإسلامية
هي أن نختار: هل نريد الآخرة أم أننا نريد الدنيا؟ فعندما أرادوا الدنيا أهلك بعضهم بعضًا ولا يزالون. وعندما أردنا الآخرة عمرنا الأرض وبنينا حضارة تملأ الأسماع، بنينا البنيان ولم نقهر الإنسان.
ليس هناك أمة جعلت عبيدها حكامها سوى المسلمين. هذا له علاقة بهذا [بإرادة الآخرة]؛ عندما تمكنا من أن نعيش الدنيا والآخرة معًا، فإننا وصلنا إلى الحضارة الإنسانية الرائقة الفائقة.
خلت حضارتنا من احتقار المرأة كما كانوا يجرّونها بساجور الكلب في لندن في القرن الرابع عشر الميلادي. خلت حضارتنا من خطف العبيد وخطف الإنسان.
خلو الحضارة الإسلامية من الاستعمار والإكراه في الدين وتحويل الحساب إلى الآخرة
خلت حضارتنا من الاستعمار وأن نأخذ ثروات البلاد ونذهب بها لنبني مترو الأنفاق في لندن أو هنا أو... خلت حضارتنا من محاكم التفتيش، ما فعلنا هذا قط، ولم نُكرِه الناس على أن يخرجوا من أديانهم، ولم نُذل الناس بأي طريقة.
وإنما كان عنواننا:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]
فحوّل المسألة إلى الآخرة:
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]
وعند الله تجتمع الخصوم.
الأمة الإسلامية أمة مضروبة لم تعتدِ على أحد والتقصير في إنشاء العلوم
أما نحن [فما] أفسدنا في الأرض أبدًا. نحن أمة مضروبة: ضربنا الفرس والرومان، بعد ما ضربنا المشركون واليهود، بعد ذلك ضربنا التتار والصليبيون، بعد ذلك ضربنا الاستعمار، ونحن لم نضرب أحدًا.
ولذلك يحاولون أن يلصقوا بنا التهم، أوهام ما قام عليها دليل، لكن قامت عليها دعاوى.
فإذا رجعنا إلى أصل السؤال فإننا مقصرون. ثانيًا: يجب علينا أن ننشئ من العلوم الاجتماعية والإنسانية، مستفيدين من مجال الوصف عندهم، ومستفيدين مما صح من الاستنباط في المعيار عندهم؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، وينطلق كل ذلك من عقائدنا ونموذجنا المعرفي.
إدراك النص وتطبيقه على الواقع علم وفن يحتاج إلى توفيق إلهي
إدراك النص هذا ليس علمًا فقط، بل هو علم وفن، أي ليس معلومات فقط، بل هو أيضًا ملكة ومهارة في سرعة إدراك النص. وكذلك تطبيق النص على الواقع ليس علمًا فقط، بل هو أيضًا مهارة وملكة تحتاج إلى ما يسميه المسلمون بأن الله قد فتح عليك، أي وفقك، أي نوّر بصيرتك.
أي جعلك تدرك هذا الواقع وتدرك كيف توقع فيه، مع مراعاة المقاصد الشرعية والمصالح المرعية والمآلات المعتبرة، بنية خالصة، لا تخرج فيها عن سقف الإجماع ولا عن دلالات اللغة.
كيف هذا؟ هذا ليس علمًا فقط، هذا توفيق.
ربط العلم بالتقوى وأثر غياب التقوى في تحويل العلم إلى مجرد تاريخ
قال تعالى في هذا الشأن حتى لا تفعل هذه الثنائية الغريبة العجيبة التي فعلها الغرب:
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
فربط العلم بالتقوى. فإذا كان عندنا عالم بالأحكام الشرعية وهذا العالم ليس تقيًّا، تحول علمه الذي في صدره وعقله إلى تاريخ: الشافعي قال، مالك قال، الصحابي قال، أو سيدنا الرسول قال - تاريخ.
ما الفرق بين أن تكون تلك المعلومات من قبيل التاريخ - نسبة الأقوال إلى قائلها - وبين أن تكون علمًا يُخشى به الله؟
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
ما الفرق بين هذا وذاك؟ التقوى.
تعريف التقوى ومكوناتها من الخوف والعمل والزهد والرضا
والتقوى معرفة محددة: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، والرضا بالقليل. وترى فيها إيمانًا بالله وباليوم الآخر على سنة رسول الله، إيمانًا بالشريعة والكتاب والرسول.
ثم نوع من أنواع السلوك المعتمد الذي فيه أن تكون الدنيا في أيدينا وأن لا تكون في قلوبنا، وهو ما يُسمى بـ الزهد. وقد أُلِّف في الزهد كثيرٌ، جمعوا فيها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالزهد.
وأننا نبتعد عن الترف، والترف ليس هو الرفاهية، فنحن نعيش في رفاهية ولكن ليس في ترف، فالترف فيه إسراف وإتلاف.
الفرق بين الرفاهية المشروعة والترف المذموم في القرآن الكريم
قال تعالى:
﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
وقال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 45-46]
فالترف والسرف ليس هو الرفاهية والسعادة، بل إن الله سبحانه وتعالى بيّن لنا أن:
«الله جميل يُحِبُّ الجَمالَ»
وبَيَّنَ لَنا في قَولِ أصحابِ الكَهفِ:
﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 19]
إذن مَعَ جُوعِهِمْ واحتِياجِهِمْ لِلطَّعامِ، يَأمُرونَ صاحِبَهُمْ أَنْ يَنْتَقِيَ أَجْوَدَ الطَّعامِ رَفاهًا وَلَيسَ تَرَفًا؛ لِأَنَّهُ في مَكانِهِ، ولِأَنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ.
كيف يتحول القرآن الكريم إلى كتاب هداية متجدد لا تنتهي عجائبه
كيف تحول القرآن الكريم إلى كتاب هداية؟ ذلك تحول قول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد»
فأنت تراه جديدًا كأنه نزل الآن. ومعنى هذا أن الله يفتح عليك بما لم يفتح على المفسرين من قبل، وهو كذلك. فكل يوم نكتشف في القرآن الكريم جديدًا لم يقله أحد من قبل؛ لأنه نبيٌّ مُقيمٌ، ولأنه معجزة رسالة وليست معجزة رسول فحسب.
معجزة الرسول أن تُلقي بالعصا فتصير ثعبانًا يأكل ثعابين السحرة، معجزة الرسول أن تضرب بعصاك الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينًا تُطعم الأسباط، أو أن تضرب به البحر فينفلق كل فِرق كالطود العظيم.
الفرق بين معجزة الرسول ومعجزة الرسالة وتفرد القرآن بكونه معجزة دائمة
هذه معجزة فقط، ولكن أرأيت هذا؟ ما رأيناه، إذن فهي معجزة رسول. أو أن يُحيي الموتى، أو أن يفعل كذا وكذا، أو حتى أن يصعد إلى السماء في الحضرة القدسية الربانية - الإسراء والمعراج - كل هذا معجزة رسول.
أو يُسبِّح الحصى بين يديه، أو أنه ينبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وأفضل المياه ماء قد نبع من بين أصابع النبي المُتَّبَع.
ولكن القرآن معجزة رسالة، يعني هو معجزة في حد ذاته، وكأنه نبي يقدم للناس المعجزات كل يوم.
السنن الإلهية في القرآن الكريم وأنواعها التاريخية والكونية والاجتماعية
فإذا تقرر هذا، فإن من العلوم الجديدة التي يمكن أن تولد فنستفيد منها في علوم شتى، أن الله تكلم عن سننه في كتابه. هذه السنن اشتملت على السنن التاريخية وكتب فيها كاتبون، وهناك سنن كونية وكتب فيها آخرون، وهناك سنن اجتماعية وكتب فيها آخرون.
إذن فالسنن الإلهية التي أراد الله أن تكون حاكمة هي سنن تجاوزت الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وكأنها تطبع الكون من قبل ومن بعد، وفي ما نحن فيه في هذه السنن. وهذه السنن يتولد منها من الفوائد والعوائد ما الله به عليم.
سنة التوازن في الكون وقصة النبي مع الكلاب كنموذج للاتزان
أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى سنة التوازن، وأن هذا الكون مبني على الاتزان. ولذلك فإن أي نوع من أنواع خلل اتزان الكون يكون ضد سنن الله الإلهية.
ومن أجل هذا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جاءه جبريل وتأخر في الإتيان، وظهر أن ذلك بسبب جرو - أي كلب - كان تحت سريره صلى الله عليه وآله وسلم، ففكر وبما أن الكلاب بهذه الصفة والملائكة تنفر منهم، أن يبيد الكلاب.
فنزل له جبريل ونهاه وقال:
«إن الله يبلغك أن الكلاب أمة من الأمم»
يعني لو أهلكتها لاختل اتزان العالم.
النضج النفسي عند المسلم في التعامل مع مخلوقات الله والاتزان العجيب
فقال [النبي ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «كنت أمرتكم بقتل الكلاب، ثم نزل جبريل فأخبرني أنها أمة من الأمم»
يعني ليس لك شأن بها. هذا النضج النفسي الذي عند المسلم، الذي يعرف أن الملائكة تنفر من الكلاب، وفي نفس الوقت أن الكلاب مخلوق رباني أودعه الله سبحانه وتعالى الوفاء والحب لصاحبه والفائدة فيه.
هذا اتزان عجيب غريب حتى في النفس. فالسنن الإلهية إذا دخلنا فيها لا ننتهي. ولقد حاولنا منذ أكثر من عشرين سنة أن نتتبع السنن الإلهية فوجدناها نحو تسعين في كتاب الله.
إذن هو علم عظيم منفتح، لكنه لم يُخدم بعد. ألّف فيه كثيرون تحت مسمى السنن الإلهية، السنن الكونية، السنن كذا، ولكن ما زال هو في أول الطريق.
تحول القرآن إلى كتاب هداية باستخراج المبادئ العامة كالدلالة الاستقلالية
هذا الكتاب [القرآن] يتحول إلى كتاب هداية إذا نحن استخرجنا منه المبادئ العامة التي تحكم الذهن البشري.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
هذا مبدأ عام.
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
هذا مبدأ عام يأخذ به أهل القانون مثلًا في فورية القوانين. إلا ما قد سلف، فليس هناك قانون يصدر اليوم يعاقبك على فعل قبل القانون منذ سنين، ليس هذا عدلًا.
فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ صار مبدأً، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ هذه قضية أخرى صارت مبدأً، ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ صارت مبدأً.
الدلالة الاستقلالية للقرآن واستنباط القياس والإجماع منها عند الأئمة
وهكذا من تلك العلوم: الدلالة الاستقلالية التي جهلها كثيرون وكتب فيها علماء الأزهر.
﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]
أخذوا منها القياس.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾ [النساء: 115]
أخذوا منها الإجماع. سيدنا الإمام الشافعي لأنه يعرف الدلالة الاستقلالية.
فعندما نأتي ونقول لبعض المغرّرين:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
يقولون: كم مرة اسألوا أهل الذكر؟ هؤلاء كانوا الأنبياء! أقول لهم: يا غافل، هل كان هناك نبي في زمن النبي ﷺ؟ لأنه جهل الدلالة الاستقلالية، فبينه وبين القرآن حجاب، لا يعرف كيف يفهمه ولا كيف يقرأه.
دور الأئمة الأعلام في حماية الأمة أحياءً وأمواتاً بعلمهم وفضلهم
أما الأئمة الأعلام الأتقياء الأنقياء الذين حموا الأمة أحياءً وأمواتًا بعلمهم وفكرهم وفضلهم، فقد بينوا للناس. الشافعي هذا وهو ميت هو الذي حمانا من التتار، هو الذي حمانا من زويمر المبشر.
كيف يكون هذا؟ هل هذا شرك؟ لا، ليس شركًا. علمُ وفضل وتكوين عقل المسلم الذي نتج من مجهود الشافعي هي التي جعلت هذا الإنسان له بصيرة ينظر إلى الأمور فيعرف حقائقها.
فعندما جاء زويمر وقال له: ألا تأتي وتتمسّك [بالمسيحية]؟ فقال له: لم يعجبني الكلام. حتى قال زويمر في خطبته الأخيرة: لا يأتينا إلا كل سافل نصاب.
محاولة زويمر إزالة التدين وفشله أمام بساطة العقيدة الإسلامية الراسخة
وأراد [زويمر] تشويه الإسلام، وقال: أريد أن أزيل الإسلام، وهذا لن يحدث إلا إذا أزلت التدين. قالوا: حسنًا، سنزيل التدين. قال: إذا أزلنا التدين نصبح ملاحدة، ونحن لسنا ملاحدة.
إذن ماذا نفعل الآن؟ ليست مشكلتنا بالمناسبة، ولكن من نحن وما الذي جعلنا هكذا؟
كان زويمر يأتي بالحلوى والشوكولاتة والأشياء الحلوة من أمريكا وإنجلترا ويوزعها على الناس حتى يجتمع العوام، ويقدم لهم محاضرة ويوزع عليهم الفوسفوس - أي الحلويات - وهذه الأشياء، بعض الفستق وبعض البيناتس التي تسمى الفول السوداني وما إلى ذلك، ثم يلقي عليهم المحاضرة.
قصة الشيخ محمد المليجي في إفساد محاضرات زويمر التبشيرية بكلمة التوحيد
وكان شيخنا رحمه الله يبيع كتبًا، اسمه محمد المليجي. محمد المليجي، أين مكتبته؟ إنها في الأزهر. أين بالتحديد؟ عند موقف الحافلة الذي أمام جامع الأزهر، عند موقف الحافلة هذا، وأنت صاعد من النفق كانت هنا مجموعة مكتبات، ومن بينها مكتبة الشيخ محمد المليجي.
وكان يؤلف كتيبات صغيرة هكذا من ستة عشر ورقة أو اثنتين وثلاثين، يرد فيها على شبهات الآخرين. فكان الشيخ يرتدي عباءة ويخفي وجهه بها - أي يضعها هكذا - ويدخل مع الناس العوام ويجلس في آخر صف، وزويمر يلقي درسه ويوزع الفستق على الناس، والناس مسرورة غاية السرور يأكلون ويسمعون.
كلمة وحِّدوه التي أفسدت على زويمر أمره وبساطة الحقائق الإيمانية
حتى يشعر الشيخ [المليجي] أن كلامه [كلام زويمر] بدأ يؤثر قليلًا، أو يعني الناس بدأت تتأثر، فيصبح قائلًا كلمة واحدة وهي: وحِّدوه! فيضج المسجد بـ: لا إله إلا هو. ثم يقول: صلوا على النبي المختار، اللهم صلِّ وسلم عليك. وحِّدوا الرحمن وصلوا على النبي من بني عدنان.
ثم ينتهي ويبدأ بالمغادرة. أفسد عليهم الأمر.
لماذا؟ ما السبب؟ لأن هؤلاء الناس متربّين، ليس كمن يسمع ويبقى في حيرة، حائر في عالم محير. لا، فالمسألة واضحة: الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق. الحكاية واضحة عند هؤلاء العوام، فيكفيهم: وحِّدوه فقط. وحِّدوا الرحمن وصلوا على النبي من بني عدنان، فيصلون على النبي وانتهينا.
بساطة الحقائق الإيمانية وعمق كلمة التوحيد في نفوس البشر
ولا مناقشات ولا مصائب ولا أي شيء في أي شيء، وتلبيس وتدليس وقلة ديانة وقلة أدب. لا، هذه عملية بسيطة؛ لأن الأمر بسيط. الحقائق في منتهى البساطة، هكذا خلق الله الكون: ترمي البذرة فتنبت شجرة، ما هذا؟ إنها أمور عجيبة!
أما عمل الإنسان فيظل يخترع ويصنع وهكذا، وفي النهاية يصنع تلفزيونًا على عكس ما خلقه الله. انظر إلى ما خلقه ربنا: شيء بسيط، رجل يتزوج امرأة فينجبان طفلًا، ما هذا؟ كيف يعني؟ هذا الطفل لكي تصنع عقله يجب أن تضع في كرة الأرض الترانزستور لتحصل على عقل إنسان واحد! وهي أمور مكلفة جدًّا.
عند الله لا، هذا خلق الله:
﴿فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: 11]
إنها مسألة سهلة جدًّا.
عمق كلمة التوحيد في النفوس ومحاولات إفقاد المسلمين هذا العمق
ولذلك كانت كلمة وحِّدوه كافية وانتهينا؛ لأنها ذات عمق في نفس البشر، وليست هكذا جاءت كأنها مثلًا كلمة تكفي في ذاتها؛ ليس هكذا، بل إنها كلمة لها عمق.
أرادوا أن نفقد هذا العمق، ويأتي أحدهم حين يسمع كلمة وحِّدوه يتساءل: لماذا؟ لماذا وكيف؟ وتائه يا عيني، حائر في عالم محير.
حكم ذكر أسماء الله الحسنى مزدوجة أم مفردة والأفضل في ذلك
هل الأفضل أن نقول الأسماء [الحسنى] المزدوجة: الأول والآخر، المقدم والمؤخر، أم مفردة؟ وكيف نفهم المؤخر وأسماء الجلالة وكذا؟
لا، الأفضل عندنا أن تُقال مزدوجة، فنقول: الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعال، البر والتواب، المنتقم العفو، وهكذا.
وهل الأفضل أن نترك أنفسنا ونرى ماذا يريد الله منا، أم الأفضل أن نأخذ؟ لا أعرف ماذا [يقصد السائل بالتحديد]، نترك أنفسنا ونرى ماذا يريد الله منا، أم الأفضل أن نترك أنفسنا؟ إذن هل الأفضل أن نأخذ، أم كما قال ربي: من كل عمل لك ما فيه ما يريد الله منك، كما قال ولو كان صالحًا، ولا تخاف من كل ما أنت له. لا أستطيع قراءة هذا.
سؤال عن الطريقة النقشبندية الحقانية وتصرفات بعض المريدين
تفضل مولانا، نود أن نستفسر من فضيلتكم في القصيدة التي تعرفت عليها في اليابان عن الطريقة النقشبندية، وعلى أولئك من قبل الحزن البشري، فولاء لمن يقفل الطريقة النقشبندية الحقانية.
والشيخ ناظم الحقاني بدأ وشيخه الشيخ عبد الله بن أبي سالم، وهذا انحرف عن النقشبندية الأصيلة. وثانيًا عن تصرفات بعض الحقانية في الرقص والقفز أثناء الحضرة التي نُشرت كثيرًا في الإنترنت. وثالثًا انتشار الصور في الإنترنت أن بعض المريدين يقبلون رجل الشيخ حتى يتواضعوا كأنهم يسجدون للشيخ.
حكم تقبيل الرجل بين الجواز الشرعي وعدم الاستحباب في عصور الفتن
لا، هذا يعني أنك خلطت ما بين ثلاثة أمور.
الأمر الأول هو تقبيل الرجل [القدم]. هذا وارد في سنن أبي داود، أن وفد عبد قيس قبّل فوق يديه ورجليه [أي يدي النبي ﷺ ورجليه]، ولكن لم تكن عادة الصحابة هكذا. ولذلك خاصة عند الالتباسات وعصور الفتن وما إلى آخره، لا يُستحب هذا.
إنما هو جائز من ناحية الورود؛ لأنه ورد أن وفد عبد قيس دخل على النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود فقبّل على يديه وقبّل رجليه عليه الصلاة والسلام. فالتقبيل هو نوع من أنواع الاحترام وما إلى ذلك.
أما أن تصير عادة وأن يُصنع هذا أمام الناس حتى يظهر كأنه سجد له، فهي تعني وضع فتنة فوق فتنة، وهذا ليس من الكياسة وليس من الحكمة في شيء.
التحذير من اعتماد اليوتيوب مصدراً للمعرفة بسبب التدليس والاقتطاع
الأمر الثاني هو قضية اليوتيوب وما شابهه. أنا لا أراه أبدًا مصدرًا للمعرفة؛ لأن التدليس والتلبيس والاقتطاع والتغيير فيه شيء رهيب، حتى صار مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «ويفشو الكذب»
هم يقتطعون ويتلاعبون حتى يتوهم الإنسان أن ما يراه بعينه هو الحقيقة، لكن هذا ليس صحيحًا أبدًا.
ففي البداية كنا نقول: تأكد من كل ما تسمع ولا تقدم ما تسمع على ما ترى. إلى أن ظهر اليوتيوب وغيره، فانتقلنا إلى القول: تأكد من كل ما تسمع ومن كل ما ترى؛ لأنها ليست رؤية حقيقية، قد تكون - وفي غالب الأحيان - مفتعلة.
الأحوال التي تعترض الذاكرين بين الصدق والافتعال وحال الكمّل
القضية الثالثة هي قضية الأحوال التي تعترض الذاكرين. فإذا كانت الأحوال صادقة فهو غير مكلف، يعني هو رجل دخل وكأنه مُغمى عليه، كأنه حدثت له أحوال.
وهذا ليس حد الكمال؛ فإن الكُمَّل لا تحدث لهم هذه الأحوال. الكُمَّل لا تحدث لهم هذه الأحوال، ولذلك لم نرَ مثل هذا لا في الصحابة ولا حتى في التابعين. وإنما ظهر عندما أصبحت هناك قلوب ضيقة، كثُرت المعارف على قلب العارف فاختل نظامه.
وهذا حال نقص لا حال كمال. إنما هو ليس أصلًا مالكًا له [أي لا يتحكم في هذا الحال]. فإن فعل ذلك قاصدًا بأن يقفز هكذا وهو قاصد هذا، إذن فهو يمثل الأحوال وهذا حرام؛ إذ يُظهر أنه صاحب حال وهو ليس لديه حال ولا شيء، إنه يفتعل هذا، فيدخل في الرياء والسمعة والعياذ بالله تعالى، وهذا عكس ما يقصده أهل الله من التصوف في هذا الحال.
الحكم على طريقة صوفية بعينها يحتاج إلى دراسة والمعيار هو التمسك بالسنة
السؤال الخامس: هو يسأل عن شيء مُشخص ويقول أنه فلان الفلاني وشيخه فلان الفلاني، هل هم على النقشبندية الأصيلة؟
وهذا يحتاج إلى درس، ويحتاج إلى اطلاع على كتبهم، ويحتاج إلى اطلاع على كتب الطريقة، ثم نرى هل هناك انحراف، وهل هذا الانحراف هو نوع من أنواع التطبيق أم أنه انحراف مخالف للشريعة إلى آخره. وهذا ما لا يتوفر عندنا؛ لأن هذا معناه أن تطَّلع على هذا وتطَّلع على هذا.
ولكن لنا المُطلقات، وهو أنه كلما اقتربت الطريقة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسك بها، كان ذلك خيرًا وأولى وأبرّ من أي شيء.
شهادة عن تمسك الشيخ ناظم الحقاني بتفاصيل السنة النبوية الدقيقة
والذي رأيناه عندما التقينا بالشيخ ناظم [الحقاني] في أمريكا أنه متمسك جدًّا بالسنة، لدرجة أنه كان إذا ما صلّى ركعتين ثم اتكأ على يمينه حتى يحقق السنة وهو في المسجد، فينام على يمينه هكذا ثم يقوم.
فرجل مثل هذا يعني متمسك بالتفاصيل الدقيقة، حتى لا تغيب عن ذهن الإنسان أنه بعدما يصلي الإنسان السنة ينام على يمينه تأسيًا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
هذا يعني كما تقولون: نحرص ألا نتكلم معه هكذا باستخفاف أو ما شابه. رحمه الله تعالى.
تعريف الهُوية لغةً واصطلاحاً والفرق بين الهُوية والماهية
هل هناك مفهوم للهُوية في الإسلام؟ نعم. كلمة هُوية تأتي من "هُو"، هُو في الذهن هُو في الخارج، وهُو في الخارج هُو في الذهن، يعني معناها هُو هُو. ولذلك فهي بالضم، وليست هَو هَو؛ هَو هَو تصبح هَوية، لكن هذا خطأ ولحن شائع، إنما الصحيح هُوية.
ومعناه: هُو في الذهن هُو في الخارج، هُو في الخارج هُو في الذهن. ومعنى هذا المطابقة أو تمام المطابقة. ولذلك ما في الذهن هي الصورة، وما في الخارج هي الماهية، فسميت الهُوية بالماهية.
يعني الهُوية والماهية وجهان لعملة واحدة، وجهان لعملة واحدة. فبدلًا من دلالتها الأولى على المطابقة، أصبحت دالة على حقيقة الشيء.
هُوية مصر الإسلام والعروبة والإسلام حضارة يندرج تحتها الجميع
والسؤال: هل هناك هُوية إسلامية أو هُوية لمصر أو هُوية لماليزيا؟ نعم، هناك هُوية وهي حقيقة الشيء. نعم، توجد هُوية لمصر.
وما هي الهُوية المصرية؟ الإسلام والعروبة.
ويأتي السؤال: هل إسلام مصر دين أم حضارة؟ فتقول: بل حضارة. وهذا معناه أن المسيحي المصري يندرج تحت الحضارة الإسلامية وموافق عليها، فتراه يتكلم اللغة العربية، وتراه يعامل أبناءه نفس معاملة جاره المسلم، وتراه يحب من المأكولات ما يحبه المصريون، ونظامه اليومي هو نظام المصريين، وهكذا.
هذه هي الهُوية: الحضارة الإسلامية واللغة العربية.
هُوية الإسلام هي الكتاب والسنة ولا تعارض بين الهُوية القومية والإسلام
هُوية الإسلام في الحقيقة هي دين الإسلام، حقيقة هذا الاسم هو الدين. والدين معناه هذا الذي تركه لنا النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة. هُوية الإسلام: الكتاب والسنة، نستطيع أن نقول هكذا.
فيقول: طيب، كأنه ينتقل إلى سؤال آخر لا يُحسن التعبير عنه، فأعبر أنا عنه. يقول: طيب، أليس هناك تعارض بين هُوية الإسلام والهُوية القومية؟
ها نحن رأينا وأجبتُ أنا أن الهُوية القومية - مصر والعرب على سبيل المثال يعني - هُوية مصر هي الإسلام، فكيف يكون التناقض؟ إنها دوائر: فدائرة مصر أوسع منها دائرة العرب، وأوسع منها دائرة الإسلام.
الدوائر المتداخلة للهُوية الوطنية والعربية والإسلامية وعدم التعارض بينها
فتجد مصريًّا فيكون مسلمًا أو تحت حضارة الإسلام وناطقًا بالعربية، لكن هناك من ينطق العربية وليس مصريًّا، وهناك من هو خارج النطاق العربي وهو مسلم وليس عربيًّا ولا مصريًّا، وهم جماعة الماليزيين.
إذن فلا تعارض بين الهُوية القومية أو الوطنية وبين الإسلام؛ لأن الإسلام له دائرة أوسع، وليس هناك تعارض.
موقف الإسلام من نظرية التطور وقراءة الصوفية لوحدة الحمض النووي
أعلن المحدثون الآن عن نظرية التطور، ويقال إنها تحققت وأصبحت واقعًا، وأثبت العلماء تلك الظاهرة من حيث إيجاد الحمض النووي في خلايا الإنسان والحيوان والنبات، وقال بعد ذلك أن الإنسان والقرد جاءا من أصل واحد، فالفرق بينهما في القدر فقط وليس في النوع.
ما هو موقف الإسلام من هذه القضية؟ الصوفية حلّوها. نعم حلّوها، حيث قالوا بـ وحدة الخلق. عندما أحضرت الحمض النووي الخاص بالإنسان ووجدته متشابهًا بالحمض النووي (DNA) - أن أي شيء سواء الخاص بالحمار أو الخاص بالقرد أو الخاص بأي شيء - نعم، فهو خالق واحد فقط وانتهى الأمر.
قراءة تشابه الحمض النووي كدليل على وحدة الخالق لا على أصل مشترك
أرأيت هذه القراءة؟ عندما يمسك أحدهم هذه الحقيقة - لأن هذه حقيقة أن الحمض النووي (DNA) هنا هو الحمض النووي (DNA) هنا - حسنًا، وهذا أصدقه. لماذا؟ لأن المختبر قال بهذا ولا أستطيع أن أقول إن هذا كذب. لا، حسنًا، فهذا هو ذاك.
حسنًا، ما معناه؟ هو يقول معناه أنك حمار أو قرد، وهذا لم يحدث. لماذا؟ قلت له: أنا قرأتها قراءة أخرى، فهمتها فهمًا آخر. ما هو؟ أن الخالق واحد، الذي خلق هذا خلق ذاك.
وما الذي يمنعك من قول ذلك؟ قلت له: لأن داروين يتنفس والحمار يتنفس، فداروين حمار! حسنًا، وهل هذا منطق؟ هذا شغب! من قال لك أن الاشتراك في النَّفَس يشير إلى العلاقة؟ هذا كلام غير صحيح.
خطأ القياس المنطقي عند الداروينيين وقصة ابن الراوندي مع القرآن والشعر
انتبه! هذا الكلام قالوه لابن الراوندي عندما قال: إن القرآن ألفاظ والشعر ألفاظ، فالقرآن إذن شعر. فقالوا له: لا، فابن الراوندي يتنفس والحمار يتنفس أيضًا، فابن الراوندي حمار!
يريدون أن ينبّهوه إلى خطأ هذا المنطق، خطأ هذه الطريقة؛ لأنه ليس هناك اشتراك في حدٍّ أوسط لكي تستنتج النتيجة.
فهؤلاء الناس: الحمض النووي هنا هو نفسه الحمض النووي هنا، ليكن، لكن قراءتي غير قراءتك. قراءتي أن الخالق واحد، وهي وحدة الخلق وتنتهي المسألة.
إشكالية الحلقة المفقودة في نظرية التطور وتوقف التحول من القرد إلى الإنسان
تقول هذا صحيح. رقم اثنين: لو أن القرد أصبح إنسانًا، فلماذا توقفت هذه الحكاية؟ لماذا لا نرى كل فترة قردًا يأتينا ويتحول إلى إنسان؟ أين هذا التحوّل؟
أليس هذا قد حدث في وقت معين من التاريخ؟ قال: نعم. قلت له: حسنًا، فمن المفترض أن يستمر هذا التحول ويخرج لنا كل يوم قرد من الغابة! الحمد لله، ونجد في القرود كل المراحل: فهذا هو القرد الأصلي، وهذا هو القرد الذي بلا ذيل، هذا هو القرد الذي بدأ يمشي على رجلين، وهذا هو القرد الذي نصف نصف قرد أو الربع ربع، وهذا الإنسان.
أين هم؟ نحن نرى قردًا ونرى إنسانًا. حتى يصبح هذا القرد إنسانًا فإنه يحتاج إلى خمسة أو ستة مراحل، أين هم؟
غياب الحلقة المفقودة في الحفريات والفرق بين الوصف والمعيار في نظرية التطور
حسنًا، لنترك هذا جانبًا. أين هم في التاريخ؟ أي أن الحفريات أحضرت لنا هذا المخلوق القرد، وأحضرت لنا هذا المخلوق الإنسان، لكن أين الذين بينهما؟
وقد حاولوا كثيرًا الإجابة على هذه المشكلات، لدرجة أنهم بدأوا يخترعون أشياء ويقولون لك: إن هذا كان مخه ضيقًا هكذا صغيرًا، وذاك كان مخه كبيرًا، وهكذا. لا يا أخي، كل هذا إنسان! أين إذن المرحلة (الحلقة المفقودة) كما يسمونها في نظرية داروين؟
وهذه هي التي جعلت أهم شيء للداروينية الحديثة؛ لكن تحققت والعلماء وأثبتوها. هذا الكلام لا ينطلي علينا؛ لأن الوصف شيء وقراءة الوصف بالمعيار شيء آخر. نعم، هناك فرق بين الوصف والمعيار، كما أن هناك فرقًا ما بين النص ومفهوم النص. نفس الألاعيب التي تُستخدم معنا يستخدمونها أيضًا.
ليلة الرغائب وصلاة رجب وتضعيف ابن حجر لكل ما ورد فيها
السلام عليكم وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هل اليوم هو ليلة الرغائب؟ هذا تسألون فيه الشيخ أحمد، وهو المختص بالرغائب وما شابهها.
وهل هذه صحيحة، وهل هناك صلاة معينة في شهر رجب؟ لا، يعني الإمام ابن حجر العسقلاني ألَّف كتابًا ضعّف فيه كل ما ورد في رجب، وسماه «تبيين العجب فيما ورد في شهر رجب»، وليس هناك شيء فيه صحة.
جواز الأخذ من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة عند الحاجة وعلته الفائدة
هل يجوز لأحد أن يكون أشعريًّا في مسألة ويكون ماتريديًّا في مسألة أخرى، وقد يكون أيضًا معتزليًّا في أخرى، وما علة جوازها أو منعها؟
هي الأشعرية مثل الماتريدية والماتريدية مثل الأشعرية، ولم يختلفوا إلا في بضع وعشرين مسألة أغلبها لفظي، وهناك ثمانية حقيقية، والأمر فيها بسيط لأنها في الفروع لا في الأصول.
وعلى ذلك فالكلام منحصر في ثمان أمثلة فقط. فهل يجوز للأشعري أن يتبنى مسألة ما عند الماتريدية؟ نعم بالطبع يجوز؛ لأنها تكون مسألة من ألف وخمسمائة مسألة لا يحدث فيها شيء.
حسنًا، وهل يجوز أن نأخذ من المعتزلة ونحن أهل السنة؟ نعم يجوز؛ لأن أنا وابن عمي على الغريب، أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب.
استعارة مصطلح المعتزلة في الرد على الفلاسفة حول تسلط القدرة على المعدوم
فلما جاءت الفلاسفة وقالوا: إنه لا يمكن تخيل عندهم أن تتسلط القدرة على المعدوم فيتحول من حالة العدم إلى كونه شيئًا، وأنتم تقولون أن الله يقول:
﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
كيف هذا؟ فهذا لا يدخل عقلي - هكذا يقول الفلاسفة - أنهم غير مقتنعين بأن الله على كل شيء قدير. لماذا هم غير مقتنعين بأن العالم حادث؟ لأنه كيف يأمر الله سبحانه وتعالى العدم؟ القدرة هكذا، ليس هناك أصلًا [شيء] لكي نحوله.
قلنا لهم: سنهدئ بالكم ونصلح حالكم إن شاء الله. الأشاعرة تقول ماذا؟ أن الشيء هو الموجود، الشيء هو الموجود، سواء كان واجبًا وهو الله، أو كان ممكنًا كالإنسان.
المعتزلة يقولون الشيء هو الممكن واستعارة مصطلحهم لإقناع الفلاسفة
المعتزلة تقول ماذا؟ الشيء هو الممكن، سواء كان معدومًا أو موجودًا.
ونحن عندما نتكلم مع الفلاسفة استعرنا المصطلح الخاص بمن؟ بالمعتزلة. وقلنا لهم: تايهة ولقيناها. ما معنى تايهة ولقيناها؟ قلنا لهم: العدم شيء. هذا ليس مذهبي، هذا مذهب من؟ ابن عمي المعتزلي.
ابن عمي المعتزلي الذي أنا أختلف معه في كل شيء، نعم، ولكن أمام الفلاسفة وحتى يهديهم الله، قلت لهم: العدم شيء، فتسلطت القدرة على شيء فحولته من حالة العدم إلى حالة الوجود.
قالوا: نعم، هكذا فهمنا، موافقون. قالوا: يمكننا أن نوافق، لا مانع، لكن لابد أن تقول عن العدم أنه شيء. قلنا لهم: لا مشاحة في الاصطلاح، العدم شيء يا سيدي، خاصة وأن سيبويه يقول أن الشيء في اللغة يُطلق حتى على المستحيل. سيبويه، أتنتبه؟
المعتزلة ليسوا كفاراً بل مخطئون ونستعير منهم عند الحاجة وعلة الجواز الفائدة
نعم، فيكون إذن فأنا استعرت ممن؟ من المعتزلة. فالمعتزلة عندي ليسوا كفارًا، المعتزلة مخطئون، لكن عندما نحتاجهم نقول: نعم هكذا.
حسنًا، إذن وما علة جوازها أو منعها؟ علة ذلك الفائدة.
تعريف الإجماع الصحيح عند الأصوليين وأمثلته من تحريم الخمر والزنا
حسنًا، ما هو تعريف الإجماع الصحيح المتفق عليه بين العلماء؟ وهل هناك مثال لهذا؟
نعم، الإجماع عند الأصوليين هو الإجماع المعتبر، وهو موجود بلا شك، وهو: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على أمر من الأمور الشرعية. هذا هو التعريف.
ومثاله أن الخمر حرام، وهذا إجماع بالرغم من أنه لم توصف بالحرمة هكذا. وأن الزنا حرام لكنه لم يقل حُرم عليكم، بل قال:
﴿إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]
وقال:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ﴾ [الإسراء: 32]
وأن الوضوء قبل الصلاة وليس بعدها، وهذه إجماعات كلها. وأن الظهر أربعة بالرغم من أن الحديث آحاد، فمن الممكن أن يأتي أحد ويقول هذا حديث آحاد، لكن لا، الإجماع يحوّل الظني إلى قطعي.
أهمية الإجماع في تحويل الأدلة الظنية إلى قطعية وخطورة إنكاره
فلا يجوز إطلاقًا القول بحل هذه القاذورات - الخمر والزنا وما شابه - ولا يجوز ادعاء أن الوضوء بعد الصلاة، ولا يجوز أن الظهر ثلاثة ولا خمسة أبدًا، ولا نفكر ولا ينفع.
لماذا؟ لأنه وإن ثبت هذا بأدلة ظنية إلا أن الإجماع قد حوَّله إلى قطعي. فهذه أمثلة لا تتناهى عن الإجماعات.
فالإجماع مهم؛ لو سحبنا الإجماع وكان كل هذا من دليل ظني، فلماذا لا تتركني أجتهد؟ ويخرج علينا أحلام السبيعي وإقبال البحيري ويتكلمون كلامًا غير مفهوم.
هل هذا إسلام جديد؟ قال: نعم، إسلامًا جديدًا، فأنا اسمي إسلام! الله الله! لماذا؟ لأنه لا يملك النظارة التي يرى بها، عقليته ليست قادرة على التفريق بين هذا وهذا، لم يتعلم.
انتهاء سند الجرح والتعديل مع البيهقي وعدم جواز النظر في الأسانيد بعده
نعم، تفضل. مَن يريد أن يسأل سؤالًا آخر واحدًا وسنقوم لنصلي ونذهب؟ هل سنبيت حتى الغد؟ مالك، لم أرَ مثل ذلك من قبل! كم سؤالًا هذا؟ تسعون سؤالًا أجبنا عليها، يعني يكفيكم اليوم هكذا.
حسنًا، ماذا يقول؟ لدي ثلاثة أسئلة. ها هي ثلاثة أسئلة.
بعد ظهور كتب الصحاح في الحديث النبوي، كيف لا زال يظهر البعض وما زالوا يقولون بأنهم علماء جرح وتعديل منذ عهد الألباني إلى زمننا هذا؟
إن السند الذي به الجرح والتعديل انتهى مع البيهقي، انتهى مع البيهقي سنة أربعمائة وثمانية وخمسين. فتكون كتب البيهقي هي التي يُنظر فيها إلى الأسانيد، هو ومن قبله، بحيث نرى هذا السند مضبوطًا ولا غير، يعني صحيح ولا غير صحيح، حسن، ضعيف، مردود إلى آخره.
السند بعد البيهقي للتبرك فقط ولا يجوز الطعن فيه لإسقاط المتن
بعد كتب البيهقي وجيله، أصبح السند للتبرك. فلو أعطيتكم سندًا الآن، فلا تبحثون في هذا السند بـ «إنما الأعمال بالنيات»، فلا يأتي أحد ويقول: عليٌّ ضعيف.
لماذا؟ لأنه ضعيف فعلًا، وعليٌّ ضعيف وهو في السند، إذن «إنما الأعمال» خطأ! فهذا لا يصح؛ لأن آخرنا البيهقي، وبعد البيهقي لا يجوز النظر في السند.
فلما ظهر هؤلاء نظروا في السند الأول وليس في السند من هنا إلى الدفاتر. أنا معي سند للبخاري وهو لم ينظر فيه، بل هو ذاهب لينظر في ذات البخاري نفسه أو ذات مسلم نفسه أو ما شابه.
إذن فهؤلاء عندما خرجوا لم ينظروا إلا في الأسانيد التي هي محل النظر فعلًا.
عدد الأسانيد والرواة في علم الجرح والتعديل ودرجاته العشرون
حسنًا، كم عدد هذه الأسانيد؟ كم سندًا؟ مليون سند من البيهقي إلى النبي. في كم سند؟ مليون سند، مليون سند. فيهم كم شخصًا؟ عشرون ألفًا.
إذن العشرون ألفًا كوّنوا مليون سندًا. مالك، نافع، ابن عمر، فهؤلاء ثلاثة. طبعًا هناك أسانيد كثيرة فيها مالك ونافع عن ابن عمر، سنجدهم من المليون، لكن عندما نأتي لتحليلهم سيكون مالك ثلاثة فقط: مالك ونافع وابن عمر، وهكذا.
إذن نحن أمامنا عشرون ألف ملف، عشرون ألف شخص حدث فيهم الجرح والتعديل، إما أن يكون مقبولًا أو مردودًا أو لا نعرفه (مجهول) وهكذا. درجات الجرح أو التعديل حوالي سبعة أساسًا، والجرح سبعة آخرين، فأصبحنا أربعة عشر يؤولون إلى عشرين: ثبت، ثقة، ثقة أمير المؤمنين في الحديث - شيء هكذا - وهناك ثقة فقط، وهناك صدوق أقل منه قليلًا، وهناك يُروى حديثه يعني لا يوجد مانع هكذا، درجات.
المصححون والمضعفون المعاصرون نقلوا عن السابقين ولم يجتهدوا بأنفسهم
حسنًا، هناك تعديل وهناك جرح، وعندما تجمعهم هكذا، سيكون لديك نحو عشرين صنفًا إلى آخرهم من كذاب وضَّاع ومجرم.
هل تدرك كيف؟ فعندما خرج هؤلاء الناس يصححون ويضعفون وما شابه، أخذوا كلام السابقين وأخذوا الملفات التي في العشرين ألفًا. ليس هم من قالوا، ليس هم من قالوا إن والله نرى أن ابن لهيعة المصري ثقة مثلًا من عند نفسه هكذا.
لا، هو نقل عن أولئك الذين كتبوا في ابن لهيعة: بعضهم وثقه، وبعضهم ضعفه، وبعضهم فصّل وقال: روايته عن العبادلة وضع، وعن غير العبادلة وضع آخر.
إذن هذا كله منقول.
منهج البيهقي في حل المحيرات بجمع الروايات والشواهد والمتابعات
فهل العشرون ألف تامة يعني ملفات كاملة أم هناك أمور محيرة؟ في الحقيقة هناك أمور محيرة.
ماذا كان يفعل أمثال البيهقي في تلك المحيرات؟ كان يجمع الروايات ويتتبعها بالشواهد والمتابعات حتى يحكم على ذلك الشخص بالاستقراء.
يروي الشافعي عن محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى، ومحمد بن إبراهيم بن أبي يحيى يوثقه الشافعي. فيأتي الإمام مالك يقول: فاسق، انتهى الأمر.
هل هو ثقة أم فاسق؟ فيأتي الإمام البيهقي ويجمع حديث محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى ويتتبعها حديثًا فحديثًا، شيئًا فشيئًا، فيجد كل أحاديثه نظيفة وصحيحة تمامًا. قال: إنها صحيحة تمامًا، أصلًا هو لم يروِ حديثًا خاطئًا، فيكون هذا الرجل سليمًا. هذه مسألة موضوعية لا جدال فيها.
سبب غضب الإمام مالك من محمد بن إبراهيم وتبرئة البيهقي له بالاستقراء
فلماذا إذن الإمام مالك غاضب منه؟ والمالكية يقولون: وكيف خُدِع فيه الشافعي؟ يعني كيف خُدع الشافعي؟
فقالوا إن الشافعي روى عنه صغيرًا، والتعليم في الصغر كالنقش على الحجر، فالشافعي كان يراه فيعظمه رجلًا كبيرًا هكذا وهيئة ويلبس عمامة.
والآخر [البيهقي] قال: لا، فأنا لا شأن لي بأنه هابه أو شيء من هذا القبيل، فأنا لي شأن فقط بأحاديثه: هل هي صحيحة؟ فالبيهقي ثبت أنها صحيحة، فيكون الشافعي على حق.
إذن لماذا غضب منه مالك؟ قال: لأنه كان فيه تشيع. أتنتبه كيف؟ فهذه أبحاث، هذه الأبحاث حصلت قديمًا وليسوا هم الذين أجروها الآن، ولذلك هم هكذا.
توجيه لأهل اليمن في ظل الفتنة بالدعاء والالتجاء إلى الله
حسنًا، السؤال الثاني: الفقير السائل من اليمن، في ظل الفتنة القائمة هناك، ما توجيهكم لنا؟
الدعاء. ليس لها من دون الله كاشفة. المسلمون تراكمت مظالمهم وظلماتهم إلى أن وصلوا إلى هذا الحد: يقتل بعضهم بعضًا والعياذ بالله تعالى.
الدعاء، التجئوا إلى الله بقلوب ضارعة، قولوا: يا رب، يكفي، لأجل النبي ارفع عنا البلاء؛ لأن هذا الحال الذي فيه المسلمون حالٌ لا يصدقه عقل.
قالوا: «أو معهم عقولهم يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: يومئذٍ يسلب الله عقول أهل هذا الزمان، يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء»
حسنًا، وماذا نفعل إذن؟ ارجع إلى ربنا، فهو الذي يؤلف بين القلوب، وهو الذي يصحح، وهو الذي يُبصّر الناس. الأمر بيد الله وليس بأيدينا، ولا بيد أحد، ولا توجيهات ولا ما شابه ذلك. ادعُ وعلّق قلبك بالله وقل: يا رب.
التعامل مع القرآنيين المنكرين للسنة بالدعاء وإزالة الشبهات دون يأس
لديّ صديق من القرآنيين، كيف السبيل إلى تصحيحه وتوجيهه؟
لا توجد فائدة. هذا ضلال مبين. هؤلاء القرآنيون هذا ضلال مبين؛ إنهم يحلّون الزنا ويحلّون الخمر ويحلّون المحرمات وينكرون السنة، وهذا أمر سيء.
ادعُ لهم:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
إذا أراد أن يسأل في مسألة، فأهلًا وسهلًا به، نزيل شبهته ونفعل كذا إلى آخره. إذا كان عنده شبهات، نزيل الشبهات. في ثلاثين شبهة حول الحديث النبوي والاستدلال به أجبنا عنها ومؤلَّف فيها: الشيخ عبد الغني عبد الخالق عمل حجية السنة، الشيخ عبد العظيم المطعني عمل ثلاثين شبهة في الحديث النبوي، والشيخ أبو شهبة قدم كتاب الدفاع عن السنة، وهكذا كل الموضوع جاهز.
الهداية بيد الله وحده والتبرؤ من الحول والقوة إلى حول الله وقوته
حسنًا، إذا لم يقتنع فلا بأس؛ فأبو لهب لم يصدق بسيدنا [رسول الله ﷺ]، وكذلك أبو جهل، حتى قُتلوا أو ماتوا أو هلكوا أو ذهبوا إلى الجحيم، ونزل فيه قرآن يُتلى إلى يوم الدين:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]
إذن، احذر: إياك أن تعتقد أنك تهدي أو أنك سوف تغير أو أنك كذا إلى آخره. قل: يا رب.
nعم، العلم نقوله، الشبهة نردها، إنما هو سيقبل أم لن يقبل؟ ذهب ابن عباس إلى الخوارج، رجع معه ألفان وبقي أربعة مع حبر الأمة [ابن عباس رضي الله عنه]. ليست بيد أحد.
فتبرأ من حولك وقوتك إلى حول الله وقوته.
الصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وآله وصحبه ختام المجلس
اللهم صلِّ أفضل صلاة على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّم، عدد معلوماتك ومداد كلماتك، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الفارق الجوهري بين النموذج المعرفي الإسلامي والنموذج الغربي في إدراك الواقع؟
الإسلام يجمع الوحي والعقل والتجربة والغرب يدرس الواقع دون الوحي
ما الذي اعترف به المبشر زويمر في خطبته الأخيرة عن محاولاته التبشيرية بين المسلمين؟
اعترف بعجزه عن هدم الإسلام لأنه لم يستطع الهدم
ما المقصود بالكتاب المسطور والكتاب المنظور في الإسلام؟
المسطور هو القرآن الكريم والمنظور هو الكون والخلق
ما الجانب الذي يُقبل من العلوم الإنسانية الغربية وفق النموذج المعرفي الإسلامي؟
الجانب الوصفي القائم على الملاحظة والتجريب والتسجيل
ما تعريف التقوى كما وُصفت في هذا المجلس؟
الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل والرضا بالقليل
ما الفرق بين الرفاهية والترف في الإسلام؟
الرفاهية مباحة والترف مذموم لأنه فيه إسراف وإتلاف
ما الذي يجعل القرآن الكريم معجزة رسالة لا مجرد معجزة رسول؟
أنه لا تنتهي عجائبه ويتجدد هداه لكل جيل كأنه نبي مقيم
ما الذي أثبته البيهقي بالاستقراء في قضية محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى؟
أن أحاديثه كلها صحيحة نظيفة فكان الشافعي على حق في توثيقه
متى انتهى سند الجرح والتعديل المعتبر في علم الحديث؟
مع الإمام البيهقي سنة 458 هجرية
ما القراءة الإسلامية لتشابه الحمض النووي بين الإنسان والحيوان؟
دليل على وحدة الخالق الذي خلق الجميع
ما الإجماع عند الأصوليين وما أثره في الأدلة الظنية؟
اتفاق المجتهدين في عصر على حكم شرعي ويُحوّل الدليل الظني إلى قطعي
ما الذي ميّز الحضارة الإسلامية عن الحضارة الغربية في التعامل مع الشعوب المفتوحة؟
الحضارة الإسلامية خلت من الاستعمار ومحاكم التفتيش ولم تُكرِه أحداً على تغيير دينه
ما السنن الإلهية في القرآن وكم عدد ما رُصد منها؟
السنن الإلهية في القرآن تشمل السنن التاريخية والكونية والاجتماعية، وقد رُصد منها نحو تسعين سنة في كتاب الله، وهي علم عظيم لم يُخدم بعد.
ما سنة التوازن الإلهي وكيف تجلّت في قصة النبي ﷺ مع الكلاب؟
سنة التوازن تعني أن الكون مبني على الاتزان وأي خلل فيه يخالف السنن الإلهية. تجلّت حين أراد النبي ﷺ إبادة الكلاب فنهاه جبريل قائلاً إن الله يبلغه أن الكلاب أمة من الأمم وإهلاكها يُخل باتزان العالم.
ما الدلالة الاستقلالية للقرآن وما الأحكام المستنبطة منها؟
الدلالة الاستقلالية هي استنباط الأحكام من الآيات بصورة مستقلة. من قوله ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ استُنبط القياس، ومن ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ استُنبط الإجماع.
ما منهج التأصيل بعد التحصيل وكيف يختلف عن المقاربات والمقارنات؟
التأصيل بعد التحصيل هو بناء علوم إسلامية أصيلة من داخل النموذج المعرفي الإسلامي. المقاربات تقول كل ما عند الغرب موجود في الإسلام، والمقارنات تذهب عكس الغرب دائماً، وكلاهما باطل لا يوصل إلى الحقيقة.
ما الباراسيكولوجي ولماذا اخترعه الغرب؟
الباراسيكولوجي قسم علمي اخترعه الغرب لدراسة الظواهر الغريبة التي لا تفسير لها في العلم المادي، بعد أن اقتصر على المادة أكثر من مائتي عام ووجد حقائق كثيرة غابت عنه.
ما الفرق بين العلم الذي يُخشى به الله والعلم الذي يتحول إلى تاريخ؟
العلم الذي يُخشى به الله هو علم مقرون بالتقوى يُحرّك صاحبه نحو الله. أما العلم بلا تقوى فيتحول إلى مجرد تاريخ: الشافعي قال، مالك قال، مجرد نسبة أقوال إلى قائليها دون أثر في القلب والسلوك.
ما الهوية المصرية وهل الإسلام فيها دين أم حضارة؟
هوية مصر هي الإسلام والعروبة، والإسلام فيها حضارة لا مجرد دين، مما يعني أن المسيحي المصري يندرج تحتها بالثقافة واللغة والعادات والنظام اليومي المشترك.
ما حكم تقبيل رجل الشيخ وما الضابط في ذلك؟
تقبيل الرجل جائز لوروده في سنن أبي داود حين قبّل وفد عبد قيس يدي النبي ﷺ ورجليه. لكنه غير مستحب خاصة في عصور الفتن، وإذا صار عادة توهم السجود فهو وضع فتنة فوق فتنة.
ما الحلقة المفقودة في نظرية التطور وما دلالتها؟
الحلقة المفقودة هي المراحل الانتقالية بين القرد والإنسان التي لم تُعثر عليها لا في الواقع ولا في الحفريات. وهي إشكالية جوهرية تُضعف نظرية التطور الداروينية.
ما علة جواز الأخذ من المعتزلة عند أهل السنة؟
علة الجواز هي الفائدة. المعتزلة مخطئون لا كفار، ويجوز الاستعارة من مصطلحاتهم أو آرائهم عند الحاجة لخدمة الحق كما فعل الأشاعرة في الرد على الفلاسفة.
ما كتاب ابن حجر العسقلاني في شهر رجب وما خلاصته؟
كتابه اسمه تبيين العجب فيما ورد في شهر رجب، وخلاصته أنه ضعّف كل ما ورد في رجب وليس هناك شيء فيه صحة، بما في ذلك ليلة الرغائب وأي صلاة خاصة بهذا الشهر.
ما المبادئ العامة التي استُنبطت من آيات القرآن الكريم وطُبّقت في القانون؟
من أبرزها: مبدأ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وهو عدم المسؤولية الجماعية، ومبدأ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الذي أخذ به أهل القانون في فورية القوانين وعدم رجعيتها.
ما الأحوال الصوفية وما الفرق بين الصادق منها والمفتعل؟
الأحوال الصوفية كالرقص والقفز إن كانت صادقة غير مقصودة فصاحبها غير مكلف، وهي حال نقص لا كمال. أما من يفتعلها قاصداً فهو يُمثّل الأحوال وهذا حرام لأنه رياء وسمعة.
كم عدد الأسانيد والرواة في علم الجرح والتعديل؟
بلغت الأسانيد من البيهقي إلى النبي ﷺ مليون سند، يتضمنون عشرين ألف راوٍ، وهذه العشرون ألف ملف هي محل الجرح والتعديل بنحو عشرين درجة.
ما الذي جعل كلمة وحّدوه كافية لإفساد محاضرات زويمر التبشيرية؟
لأن المسلمين الحاضرين كانوا متربّين على التوحيد وليسوا في حيرة، فالمسألة واضحة عندهم: الرب ربٌّ والعبد عبدٌ. فحين يسمعون وحّدوه يضجّ المسجد بلا إله إلا هو وتنتهي المحاضرة.
