إنا كفيناك المستهزئين 2 | خطبة بتاريخ 2006 02 10 | أ.د علي جمعة - خطب الجمعة, سيدنا محمد

إنا كفيناك المستهزئين 2 | خطبة بتاريخ 2006 02 10 | أ.د علي جمعة

26 دقيقة
  • الحمد لله ونحمده ونستعينه، فمن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
  • نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
  • في سورة النحل يُبين الله تعالى أن أمره قد أتى فلا يستعجلوه، وهو إشارة للتوكل والرضا وتعلق القلب بالله.
  • يسمي الدارسون سورة النحل بسورة الاقتصاد لما فيها من كلام عن الموارد والهياكل الأساسية للثروة.
  • أراد النبي ﷺ أن يدلنا على مكمن القوة في الإنتاج، فقال عن سيف في يده: "وددت أن يُصنع هذا هنا".
  • ما اعتدى النبي ﷺ على أحد بل هم من جاؤوا لقتاله في بدر وأحد والخندق.
  • يجب نصرة النبي ﷺ والدفاع عنه وتبليغ دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة.
  • ينبغي أن نعمل مع عبادة الله تعالى على عمارة الكون وتزكية النفس.
  • علينا أن نجعل من المحن منحًا وأن نبلغ دين الله للعالمين.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

خطبة الاستفتاح بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ ونستهديهِ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ونبيُّهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ.

بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصَحَ للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين. اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في العالمين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار إلى يوم الدين.

الآيات القرآنية في التقوى والأمر بالقول السديد

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد رسول الله

أما بعد، فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وإنَّ خيرَ الهديِ هديُ سيدنا محمدٍ رسولِ الله، وإنَّ شرَّ الأمورِ محدثاتُها، فكلُّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلُّ ضلالةٍ في النارِ.

توجيه الله لنبيه في آخر سورة الحجر بالصدع بالحق والإعراض عن المشركين

وبعد، فإنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى في آخرِ سورةِ الحجرِ، وبعد أن وجَّهَ نبيَّه صلى اللهُ عليه وآله وسلم في علو مقامه كيف يتعامل مع السفلة المجرمين، وقال له:

﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ * ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ * وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 94-99]

فامتثل [النبي ﷺ] وتجاوز عن السفلة المجرمين، وقام بما أمره الله سبحانه وتعالى من تبليغ دينه للعالمين، ولم ينشغل بكيد الكائدين ولا حقد الحاقدين، وتجرع جرعة الغيظ في صدره الشريف.

الدعاء للنبي والتزام الأمة بالدفاع عنه والاهتداء بسنته

فجزاه اللهُ عنا خيرَ ما جازى نبيًا عن أمته، وهدانا إلى سنته وأقامنا ندافع عنه في حياتنا بحياتنا وأرواحنا وأبنائنا وأموالنا وأنفسنا. اللهم اهدنا إلى سواء السبيل وإلى الصراط المستقيم وإلى حبيبك يا رحمن يا رحيم.

افتتاح سورة النحل بأمر الله وبيان نعمه في الخلق والأنعام

بعد هذا بدأت سورة النحل:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِٓ أَنْ أَنذِرُوٓا أَنَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا فَٱتَّقُونِ * خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 1-8]

مشيئة الله في الهداية والاختلاف وخلق الناس للجنة والنار

﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: 9]

لكنه شاء غير ذلك:

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]

فخلق للنار أقوامًا وخلق للجنة آخرين، فالحمد لله أن جعلنا مسلمين من أتباع حبيبه المصطفى المجتبى الأمين.

سورة النحل سورة الاقتصاد والموارد والثروات التي خلقها الله

لكنه [الله سبحانه وتعالى] يسلي قلوبنا ويظهر الحقائق لنا. والدارسون لسورة النحل يُسمونها بـسورة الاقتصاد؛ لأن فيها كلامًا عن الموارد الاقتصادية والهياكل الأساسية والتراكم باعتباره من الثروة التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وسوف نفصل في ذلك تفصيلًا بعد ذلك.

الربط بين التوكل على الله والتسليم وبين تأسيس الاقتصاد للعالمين

ولكن المقصود الآن أن نعلم كيف يكون هذا الربط بين:

﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]

وهو حقيقة التوكل والرضا والتسليم وتعلق القلب برب العالمين، وبيَّنَ [الله سبحانه وتعالى] أن هذه هي الصورة التي أسست للاقتصاد للعالمين.

كل ما يفعلونه [الكفار] معنا مبني على الاقتصاد، كل كفرهم يريدون به أن ينالوا الشهوات وأن يسدوا حاجات الجسد وأن يشبعوا رغباتهم في هذه الحياة الدنيا. يتحايلون علينا ويستعمروننا ويفعلون أشياء كثيرة في السياسة والاجتماع والثقافة والفكر، كلها تصب في الاقتصاد؛ يريد [العدو] أن يأخذ ثرواتنا وأموالنا وأن يعطينا بعد أن يكسب ويربح بضائعه وأحواله.

حديث النبي عن تمني صناعة السيف محلياً وأهمية الإنتاج والاكتفاء الذاتي

أمسك النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيفًا في يده وقال:

«وددتُ أن يُصنع هذا هنا»

وكان السيف يُصنع في الهند ويُسمى بالمهند، وفي اليمن ويُسمى باليماني. فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين كيف يخرجون إلى القوة وإلى تنفيذ قوله تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]

أراد [النبي ﷺ] أن يدلنا على مكمن القوة، ومكمن القوة هو الإنتاج، هو أن تكون أيها المسلم عاملًا منتجًا. وددت أن يُصنع هذا هنا، وعندما ندخل في الإنتاج الوفير نستطيع أن نجهز للدفاع عن أنفسنا بـالاكتفاء الذاتي أولًا، وبإرهاب العدو إذا ما صنعنا له السلاح قوةً للردع ثانيًا.

أمر الدين بعدم الاعتداء والقتال فقط دفاعاً عن النفس والديار

ويأمرنا ديننا ألا نقاتل إلا من قاتلنا، وأن لا نخرج من ديارٍ إلا من أخرجنا من ديارنا:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 190-191]

دائمًا هكذا يبين لنا [الله سبحانه وتعالى] كيف نصد العدوان وكيف نرفع الطغيان.

النبي لم يبدأ بالقتال بل بالموعظة الحسنة وأعداؤه هم من جاؤوا إليه

ما بدأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالموعظة الحسنة وبالحكمة الطيبة، وعلّمنا الحكمة ونهانا أن نقاتل في مكة. ولما كان في المدينة جاؤوا إليه في بدر، وبدر من المدينة أو بقريب منها، ثم جاؤوه في أحد، وأحد من المدينة أو هي قريبة منها، ثم جاؤوه في الخندق الذي حفره ليحمي المدينة.

ما اعتدى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يتركوه، بل أرادوا أن يقاتلوه وأن يقتلوه، وحاولوا معه ذلك بكل وسيلة، ولكن الله عصمه من الناس:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

ولكن الله رفع ذكره وأعلى شأنه.

حديث تداعي الأمم على المسلمين كالأكلة على قصعة الطعام وبيان الوهن

وكان من الممكن أن تنتهي الدعوة المحمدية إلى دين قليل يؤمن به بعضهم ثم يموتون، ولكن الله هو الذي بلغه في أقطار الأرض وكثّر من أتباعه. وهو [النبي ﷺ] يقول:

«تُوشِكُ أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعة الطعام»

قالوا: أمِن قلةٍ نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكن غثاءٌ كغثاء السيل، ينزعُ اللهُ المهابةَ من قلوبِ عدوكم، ويُلقي الوهنَ في قلوبكم».

قالوا: وما الوهنُ يا رسولَ الله؟ قال: «حُبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت».

دلائل نبوة محمد في إخباره بمستقبل أمته وحفظ الله لكتابه وأهل بيته

مَن الذي أدرى محمدَ بنَ عبدِ اللهِ إذا لم يكن مُرسَلًا من عند ربه، أن قومَه سوفَ يكونون يملأون الأرضَ وأنهم يومئذٍ كثير؟ من الذي أخبره بأن الله يحفظ كتابه وقد فعل، ويُكثر من أهل بيته وينشرهم؟

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]

أي أهل الكوثر [الخير الكثير والذرية المباركة]، فكانوا كثيرين يملؤون الأرض نورًا وهداية وبركة. نلتمس منهم البركة وننظر إليهم فكأننا ننظر إلى نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتمثل هو فيهم.

حديث الثقلين وتصديق الله لنبيه في كل ما أخبر به

قال رسول الله ﷺ: «تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وعترة أهل بيتي»

من الذي أخبر هذا الرجل؟ بأبي أنت وأمي يا سيدي يا رسول الله، ما أخبر به عن ربه فصدق وصدقه ربه. إنه في المقام الأعلى.

إعجاز القرآن الكريم في مخاطبة كل زمان وتفضيل كلام الله على سائر الكلام

﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]

أمرٌ من مئات السنين ولكنه كأنه ينزل علينا اليوم وكأنه يتكلم. وهذا هو إعجاز كلام الله الذي فضله على سائر الكلام، وفضل الخالق على المخلوق.

آيات من سورة الأنبياء في اقتراب الحساب وغفلة الناس وتكذيبهم للرسل

أيها الناس:

﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوٓا أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ * مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ فَسْـَٔلُوٓا أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَـٰلِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: 1-9]

دعوة المسلم للعمل وعمارة الكون نصرةً لرسول الله وتحقيقاً للتوفيق الإلهي

لا تحزن عليهم [على الكفار المكذبين] ولا تكن في ضيق مما يمكرون. ربنا ينصر نبيه ويكفينا فيه المستهزئين، ولكن التفت إلى نفسك: كم تعمل في اليوم؟ عليك أن تعمر هذا الكون حبًا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تقوم بنصرته.

ولو فعلت هذا لوجدت الله يوفقك، ولوجدت الله يؤيدك، ولوجدت البركة تحصل، ولوجدت القوة تنزل عليك فتكون مؤمنًا قويًا كما أحب الله ورسوله.

تحويل المحنة إلى منحة والمقاطعة وحب النبي في القلوب بلا قرار حكومي

أيها الناس، لنجعل من هذه المحنة منحة، ولنجعلها بداية طريق نؤسس فيه الخطاب. لا تكفي المقاطعة؛ فإن الإنسان يشمئز أن يأخذ شيئًا بعد ذلك من هؤلاء [المعتدين على النبي ﷺ]، ونفسه لا تطيق أن يأكل شيئًا من أيديهم ولا أن يأكل شيئًا مما يأتي من عندهم.

وأنوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القلوب من غير قرار حكومي ولا تحرك دول، إنما حبه في قلوبنا يمنعنا من ذلك.

هل سيرغموننا على أن نأكل أو نشرب أو نلبس ما مسته أيديهم وهم يتخاذلون؟

جهل الغرب بالنبي محمد وتقصير المسلمين في تبليغ الدعوة

سُئل أحدهم [من غير المسلمين]: ماذا تعرف عن محمد بن عبد الله؟ قال: لا أعرف شيئًا، أعرف أنه رجل مات منذ مئات السنين. هذا هو حالهم، فأين نحن من تبليغ الدعوة؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«بلغوا عني ولو آية»

أين نحن من قوله تعالى:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]

أين نحن مما فعله رسول الله؟ وقد نزل إليه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين [جبلي مكة]، فقال:

«اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»

الالتزام بقلب رسول الله والجمع بين عبادة الله وعمارة الكون وتزكية النفس

كن على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينصرك ربك. وهذا معناه أن تعمل مع عبادة الله عمر الكون، ومع عمارة الكون زكِّ نفسك:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

ادعوا ربكم وصلوا على نبيكم.

الحمد لله والشهادة والصلاة على النبي الذي بلّغ الرسالة وتركنا على المحجة البيضاء

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء يا رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وتركنا على المحجة البيضاء.

فاللهم ارزقه الفردوس الأعلى الذي طلب.

الدعاء بالمغفرة والرحمة والتطهير من الخطايا والثبات على الإيمان

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، وارزقنا قلبًا خاشعًا وعلمًا نافعًا وشفاءً من كل داء. اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.

أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، نقنا من خطايانا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب، واغسلنا بالماء والثلج والبرد.

اللهم تقبل منا صالح أعمالنا وتب علينا، وحبب الإيمان في قلوبنا وزينه لنا، وكره لنا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع القوم الصادقين.

الدعاء بالحشر تحت لواء النبي والشرب من يده ودخول الجنة بلا حساب

اللهم احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

اجمع قلوب أمة محمد على الخير صلى الله عليه وآله وسلم.

الدعاء باسم الله الأعظم بالهداية والتوفيق والانتقال من دائرة السخط إلى الرضا

ندعوك يا ربنا يا رحمن يا رحيم يا عظيم يا قهار يا شديد المحال، ندعوك باسمك الأعظم الذي إذا ما دُعيتَ به أجبت، يا حي يا قيوم أن تهدينا وأن تهدي بنا.

اللهم بلّغ بنا دينك، اللهم حنّن القلوب علينا، وارفع أيدي الأمم عنا، ووفقنا إلى ما تحب وترضى. لا يوفقنا إلا أنت، لا نعبد ربًا سواك ولا نعرف إلا إياك، فاستجب دعاءنا، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك.

اللهم يا ربنا اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، علمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.

الدعاء بتحرير القدس وبلاد المسلمين وكفاية شرور المعتدين

اللهم حرر لنا القدس وحرر سائر بلاد المسلمين، اللهم حرر لنا العراق، اللهم حرر لنا الشيشان، اللهم حرر لنا كشمير.

اللهم يا أرحم الراحمين نجعلك في نحور من اعتدى على المسلمين ونعوذ بك من شرورهم. اللهم يا رب العالمين اكفنيهم كما وعدتنا ووعدت نبيك يا أرحم الراحمين، يا ذا الجلال والإكرام يا ذا العرش الكريم.

الدعاء بالاستجابة والرحمة والسكينة وتغيير الحال إلى أحسنه

اللهم استجب دعاءنا ولا تردنا خائبين، وهب مسيئنا لمحسننا، واستجب لنا وارحم جمعنا هذا واجعله جمعًا مرحومًا، وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا، وأنزل علينا السكينة كما أنزلت البلاء.

اللهم يا رب العالمين قد استجبت لنا في مواطن كثيرة، فاللهم أظهر لنا آياتك يا أرحم الراحمين. اللهم يا أرحم الراحمين ائتنا بهم مسلمين. اللهم يا أرحم الراحمين اجعلنا سببًا لهداية العالمين. اللهم يا أرحم الراحمين اجعلنا سببًا لأمن العالمين.

الدعاء بتغيير الحال والصلاة على النبي وإقامة الصلاة

اللهم يا أرحم الراحمين غير حالنا إلى أحسن حال، واجعل ألسنتنا تلهج بالصلاة على نبيك كما أمرتنا. وفقنا فلا يوفقنا إلى كل ذلك إلا أنت يا رحمن يا رحيم يا رؤوف، استجب دعاءنا ولا تردنا خائبين بجاه المصطفى الأمين.

اللهم يا أرحم الراحمين انظر لنا بنظر الرحمة، ولعلها أن تكون ساعة الإجابة، استجب لنا، أرنا آياتك يا رب العالمين، وثبت قلوب المؤمنين على الإيمان، ووحد قلوب المسلمين على العمل الصالح، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنة الخلد يا رب العالمين.

اللهم صلِّ أفضل صلاة على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]