اجتنبوا الموبقات | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •يُحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات السبع التي تهلك المجتمع وتسبب له المصائب.
- •هذه الموبقات موجودة في كل عصر ومكان بدرجات متفاوتة، والمطلوب محاصرتها ونبذها واعتبارها جرائم ومعاصي.
- •الموبقة الأولى هي الشرك بالله الذي يضيع قضية الكون ومراد الله من خلقه.
- •الموبقة الثانية هي السحر وله وجود حقيقي لكنه أضعف مما يتخيله الناس، وتكمن خطورته في الاعتماد على غير الله وإلحاق الأذى بالآخرين.
- •الموبقة الثالثة هي قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وهو هدم لبنيان الرب.
- •انتشرت جرائم القتل لأسباب تافهة بسبب استهانة الناس بعظم هذه الجريمة.
- •ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قصة من قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أكمل المائة، ودلالة ذلك على خطورة القتل.
- •بقية الموبقات هي أكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات.
مقدمة حلقة مجالس الطيبين وتحذير النبي من الموبقات المهلكة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، نعيش فيها في هذا الشهر العظيم مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرنا من كبائر تصيب المجتمع بكل مصيبة؛ ولذلك أسماها بالموبقات لأنها تهلك المجتمع وتهلك الناس لو شاعت وذاعت وظهرت.
الموبقات موجودة في كل عصر والمطلوب محاصرتها ونبذها
هذه الموبقات موجودة في كل عصر، وموجودة في كل مِصر [أي في كل بلد]، وموجودة في كل الناس في جميع الأديان، حتى أصحاب الأديان وأصحاب الإلحاد هي موجودة، ولكنها موجودة في كل ذلك بدرجات مختلفة.
المطلوب محاصرتها، المطلوب أن تكون تحت النبذ؛ يعني الإنسان لو وقع فيها يعرف أنه وقع في خطيئة، وليس أنه وقع في شيء طيب جميل ينبغي عليه أن يدعو الآخرين إليه، وينبغي عليه أن يفتخر به. أبدًا، هذه نجاسات، موبقات، يجب أن نصفها بأنها جرائم وأنها معصية وأنها مهلكات.
حديث اجتنبوا السبع الموبقات وسؤال الصحابة عنها
والنبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»
أي في هذا الحديث حدّد هذه الموبقات المهلكات، المعاصي الكبائر التي تصيب المجتمع بالغ الضرر، حددها في سبعة. فقالوا: يا رسول الله وما هن؟
تأمّل، الصحابة تحب أن تتعلم من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قليلة السؤال لا تسأل، والنبي صلى الله عليه وسلم يشجعهم على هذا [أي على السؤال عند الحاجة].
أدب الصحابة في السؤال وانتظارهم الأعرابي العاقل ليسأل النبي
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 101]
فكان الصحابة [يتأدبون في السؤال]، والنبي يقول لهم:
قال رسول الله ﷺ: «اتركوني ما تركتكم، فقد أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم لأنبيائهم»
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا كل الحرص على أن يقللوا من الأسئلة؛ ولذلك فإن ابن عباس يقول إن الصحابة سألوا سيدنا رسول الله ثلاثة عشر سؤالًا فقط، جميعها موجودة في القرآن الكريم: يسألونك ماذا ينفقون، يسألونك عن الشهر الحرام، يسألونك عن الخمر والميسر، يسألونك عن المحيض قل هو أذى، يسألونك... وهكذا.
انتظار الصحابة الأعرابي العاقل ليسأل النبي نيابة عنهم
ولكن كانوا [أي الصحابة] ينتظرون أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا [أي يبادر بالتعليم]، حتى إن بعضهم قال: كنا لا نسأل رسول الله صلى عليه وسلم، فكنا ننتظر الأعرابي العاقل.
وما هو كثير من أهل البدو، يعني عندهم حماقة في الكلام وعندهم ترتيب أولويات قد يكون مختلًّا؛ ولذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبدّي [أي الانتقال من الحضر إلى البادية]، عن أن نحن بعد أن نكون في الحضر نأخذ بعضنا ونذهب إلى البادية؛ لأن البادية أنقص [في العلم والأدب].
حكمة الأعرابي العاقل وحرص الصحابة على الاستفادة من أسئلته
كان أهل الحضر يحبون أن يأتي الأعرابي العاقل، والأعرابي عندما يكون عاقلًا يصبح حكيمًا، لديه مساحة في عقله للتأمل والتفكر والتدبر، يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما لا يعرفه.
إذ إنه [أي النبي ﷺ] لم ينهَ عن الأسئلة [مطلقًا]، فكانوا يحبون أن يأتي رجل غريب من الأعراب فيسأله، فيجلسون يستمعون إلى إجابة رسول الله، يقول لهم: مثل هذا فلا يتركون السؤال عنه والاستفسار.
«اتقوا السبع الموبقات»، هذا جيد، فما هي السبع الموبقات يا رسول الله؟ قالوا: يا رسول الله وما هن؟
الموبقة الأولى الشرك بالله وأثره في ضياع مراد الله من خلقه
قال [النبي ﷺ]: الشرك بالله. والشرك هذا يعني يضيّع قضية الكون ومراد الله من خلقه؛ يعني يجعل الإنسان غير مؤمن، ويخلط كثيرًا بين الأمور، ويضيّع الحقائق.
الموبقة الثانية السحر وحقيقته عند أهل السنة وضعف أثره
والسحر رقم اثنين [من الموبقات السبع]. السحر والسحر له وجود فعلي عند أهل السنة وله حقيقة واقعة، إلا أنه أضعف بكثير جدًّا مما بدأ الناس يتخيلونه ويبنون عليه أشياء كثيرة.
وفي البخاري أن أحدهم وكان اسمه لبيد بن الأعصم سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابه شيء من الحمى؛ يعني شيئًا كهذا مثل فيروس كالإنفلونزا، وبعد ذلك تزول بإذن الله.
أما أن يقول لك أحدهم: هذا أنا مسحور منذ ثلاثين سنة، فلا يوجد شيء اسمه كذلك أن يكون مسحورًا منذ ثلاثين سنة. فالسحر هذا أثره ضعيف:
﴿إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]
﴿وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69]
إن هذا السحر ضعيف ويزول بأقرب طريقة.
التفريق بين السحر والمرض العضوي ووجوب الذهاب إلى الطبيب
أما شخص يقول لي أنه قرأ القرآن كله ولم يذهب منه هذا الذي يظنه سحرًا، فهذا ليس بسحر، هذا مرض عضوي ينبغي عليه أن يذهب إلى الطبيب من أجل علاجه.
خطورة السحر من جهة الاعتماد على غير الله وإلحاق الأذى بالناس
ولكن السحر أمر مؤثر، لماذا؟ لأن الذي يذهب أو التي تذهب من أجل أن يعمل سحرًا لتحقيق شيء ما في عقله أو عقلها، هذا الإنسان يعتمد على غير الله، هذا الإنسان يريد إلحاق الأذى بالناس، هذا الإنسان لا يعرف حقيقة الحياة.
هناك أشياء مؤذية كثيرة، فأنا يمكن أن أفكر أن أمسك سكينًا وأضرب بها أحدًا، فالسكين موجودة في الكون، وإنني أصيب بها أحدهم أيضًا موجود في الكون، لكن هذا ذنب؛ لأنني إذا فعلت ذلك ارتكبت ذنبًا وجرحت شخصًا. هكذا معصية [السحر كذلك].
السحر موجود في الكون لكن يحرم استعماله لما فيه من ضرر ومعصية
ولذلك فهذا الذنب [ذنب السحر] سيترتب عليه أولًا الأذية وثانيًا الأذى، ولا نقول إنه هذا غير موجود في الكون، هذا موجود في الكون، لكن هذا الوجود يحرم استعماله؛ لما فيه من ضرر، ولما فيه من معصية، ولما فيه من أذية تقع بالغير.
ويُضاف في السحر أنه اعتمد على غير الله سبحانه وتعالى من شياطين الجن والإنس.
الموبقة الثالثة قتل النفس التي حرم الله وتعظيم حرمة الجسد البشري
وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، الموبقة الثالثة: القتل. والقتل هذا مصيبة كبيرة، القتل هذا معناه أنه قد هدم بنيان الرب، كما ورد في حديث أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني:
«ملعون من هدم بنيان الرب»
يعني كأنه سمّى الجسد البشري هذا بنيان الرب؛ ربنا الذي بناه وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، فهذا بنيان الرب، فإنك ذهبت فهدمته.
وهذا الهدم هو القتل بغير حق، والحق هذا يكون عن طريق أحكام تستوجب شرعًا أن نعاقب هذا الإنسان من أجل مصلحة المجتمع.
شيوع القتل في المجتمع واستهانة الناس بحرمة النفس البشرية
أما القتل هكذا [بغير حق]، وقد شاع جدًّا في السنة الأخيرة قضية القتل وتسرّع الناس في القتل: قتلوا من أجل ربع جنيه، وقتلوا من أجل أن يسرقوا ليشربوا مخدرات، وقتلوا من أجل أن يغتصبوا فتاة صغيرة، وقتلوا من أجل عشيقها.
ما هذا؟ هذا لأنهم يستهينون بعملية القتل. يجب علينا أن نراجع أنفسنا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عظّم شأن القتل جدًّا.
قصة قاتل المائة نفس وتوبته بين العابد الجاهل والعالم الحكيم
وحدّثنا [النبي ﷺ] أن هناك عابدًا، وأن هناك شخصًا قتل تسعة وتسعين نفسًا، فذهب إلى عابد وسأله قائلًا له: إنني قتلت تسعة وتسعين نفسًا، قتلت، وماذا فعلت؟ قال [العابد]: لا توبة لك. ما كانوا سوى دجاج فراخ! تسعة وتسعين نفسًا! فقتله فأكمل به المائة.
وذهب إلى عالِم، فالعالِم وهو يعرف سنن الله في الاجتماع وسنن الله في النفس، قال له: من ذا الذي يمنعك عن التوبة؟ تُب إلى الله.
نصيحة العالم بالهجرة من أرض السوء إلى أرض الصلاح وعاقبة التائب
ولكن في نقطة يجب أن تنتبه إليها: أنها أرض قوم سوء، الناس الذين معك هؤلاء الذين تركوك تقتل مائة نفس دون أن يقتلوك ودون أن يعاقبوك، هؤلاء ناس غير صالحين، هؤلاء ناس سوء الذين أنت ساكن في وسطهم.
اذهب إلى أرض كذا فإن فيها أقوامًا يعبدون الله، فذهب فمات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وأدخلوه في النهاية الجنة.
الدرس المستفاد من القصة وبقية الموبقات السبع المؤجلة للحلقة القادمة
اليوم النقطة التي نريد أن نركز عليها: أن هؤلاء لمّا سكتوا عن هذا القتل فإنهم يعني كانوا قومًا غير صالحين [فالسكوت عن الجريمة يدل على فساد المجتمع].
الحديث فيه أيضًا: أكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات. وهذه سنكملها في حلقة قادمة إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
