اجتهاد الصحابة | رب لترضى جـ 1 | حـ 15 | أ.د علي جمعة
- •يناقش الشيخ قضية التسبيح بالسبحة والحصى والخلاف حولها، مبيناً أن الحديث المنسوب لابن مسعود في نهيه عن التسبيح بالحصى غير صحيح.
- •أوضح أن الصحابة لم يكونوا معصومين ولم يكن علمهم متساوياً، فما يعلمه بعضهم قد يغيب عن الآخرين.
- •استشهد بأمثلة من اختلاف الصحابة في فهم الأحاديث، كاعتراض عائشة وابن عباس على حديث "يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار".
- •بيّن أن النبي ﷺ أقر حلقات الذكر حين قال "هؤلاء على خير وهؤلاء على خير".
- •أشار إلى خطورة انتقاء النصوص وفصلها عن سياقها، ضارباً مثلاً بمن يستدل بقوله تعالى "فويل للمصلين" دون النظر في سياقها.
- •حذر من الأخذ بالنصوص منفصلة عن سياقها ومعناها الكامل ومقاصدها، وبيّن أن هذا منهج غير صحيح ولا يرضاه الله.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشباب لمناقشة قضايا التصوف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات "ربِّ لترضى"، وعلى ما اعتدنا عليه نصطحب مجموعة من الشباب الطيب لديهم أسئلة حول قضية التصوف. أهلًا يا شباب، أهلًا بفضيلتكم، مع من السؤال اليوم؟ تفضل يا سيد أحمد.
سؤال عن حديث ابن مسعود في إنكار التسبيح بالحصى وحكم السبحة
[السائل]: حضرتكم كنت من قبل ذكرت لنا حديث السيدة صفية عن التسبيح بالحصى، نعم، وحضرتك قلت لنا إن التسبيح بالحصى بعد ذلك تطور إلى السبحة. في حديث آخر عن سيدنا عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد مع سيدنا أبي موسى الأشعري ووجد أناسًا جالسين في حلقات وكانوا يسبحون بالحصى، فنهرهم وقال لهم إن هذا لم يكن موجودًا في أيام النبي عليه الصلاة والسلام. فحضرتك بعض الناس يحتجون بهذا الحديث بأنه لا يجوز أن نسبح بالحصى أو بالسبحة، يعني فما رأي حضرتكم؟
[الشيخ]: لا، هذه رواية غير صحيحة أصلًا، ولكن أيضًا لن نقول له رواية غير صحيحة وانتهى الأمر ونغلق الباب. لا، الهيئة الاجتماعية في ثلاثة أمور في هذا إن صح هذا، إن صح.
حديث قطع الصلاة بالمرأة والكلب ومبلغ علم الصحابي في الرواية
الأمر الأول أن نهيه إنما كان على حد علمه؛ يقول لك هذا الجزء هو غاية علم عائشة وهو حدها هكذا، أو أن هذه القضية غاية علم أبي هريرة.
عندما جاء هذا الحديث، فأبو هريرة وفي البخاري ومسلم: يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار. ربما يكون أبو هريرة قد سمعه من رسول الله هكذا، لكنه لم ينتبه إلى ما قبله، ولم ينتبه إلى ما بعده، ولم ينتبه إلى أن هذا واقعة عين.
من الذي اعترضت عليه السيدة عائشة؟ وقالت: أسويتمونا بالكلاب والحمير! هو هذا. هكذا السيدة عائشة الفقيهة المجتهدة شعرت أن الحديث هذا فيه شيء.
اعتراض ابن عباس على حديث قطع الصلاة والفرق بين صحة اللفظ وصحة المعنى
الحديث الفضل عند البزار في أنه كانت تسرح أمامه الكلب وما إلى ذلك ولا أعرف ماذا وما من شيء. لما عُرض الكلام هذا على ابن عباس فقال: هذا! أجعلتم النساء المسلمات الحرائر كالكلاب والحمير؟ هذا لم يعجبه هذا الكلام، هذا ناقص في شيء ناقص.
وهو صحيح، الصحيح في ماذا؟ إن أبا هريرة قاله. طيب هذا غيره قاله، نعم ما هو كانوا يروون عن بعض، الصحابي سمعه من أبي هريرة إذن سيقوله. فالصحة هو أنه قاله، لكن ليس الصحيح أنه ما معناه [أي ليس المعنى الظاهر هو المراد].
الرد على من يتهم بتوهيم أبي هريرة والتفريق بين صحة النقل وفهم السياق
فالسيدة [عائشة] اعترضت وابن عباس اعترض وقال: لا. فيأتي واحد يقول لكم: أنتم توهمون أبا هريرة! لا، لسنا نوهمه. أبو هريرة قال هكذا فعلًا. يعني أنتم تكذبونه؟ لا، ولا نكذبه.
لكن نقول الحديث هذا له ما حوله، وأن ما حوله هذا لم يُنقل. والدليل على أنه لم يُنقل: كلام السيدة عائشة وكلام السيد ابن عباس، والكل يصبح صحيحًا؛ أبي هريرة سمع كذلك.
لكن في أحاديث أخرى تنقض هذا، ولذلك لم يأخذ بها الأئمة الأربعة. هذا الحديث وهو في البخاري وصحيح وكل شيء في أمانة الله.
تفاوت علم الصحابة في التسبيح بالحصى والسبحة وعدم عصمة الصحابي
فإذا هناك فرق ما بين علم الصحابة بعضهم مع بعض؛ سعد بن أبي وقاص الذي كان عنده الذنبيل، وأبو هريرة الذي كان عنده الحبل، وفاطمة بنت الحسين التي كان عندها السبحة، والسيدة صفية التي كان عندها كذا، والآخر ذلك مبلغ علمه لا يجري شيئًا.
ولذلك الصحابي ليس معصومًا، هذا كله على فرض الصحة، على فرض الصحة. الصحابي ليس معصومًا، وهكذا كان يتعامل الأئمة مع الأحاديث.
خلاف الإمام مالك والشافعي في صلاة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة
الإمام مالك جاء وقال: يا جماعة، عندما يدخل أحدكم والخطيب يخطب يوم الجمعة فليجلس ولا يصلي تحية المسجد.
فالإمام الشافعي قال له: كيف هذا والنبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه سُليك الغطفاني وجلس قال له:
«هلّا حييت يا سُليك، قم فحيِّ الله بركعتين، قم يا سُليك هكذا حتى تصلي ركعتين»
فالإمام مالك قال: ما هذه العبارة! إنني لم أرَ أحدًا من أبناء الصحابة جاء متأخرًا وصلى، فكل أهل المدينة لا يصلون. أمعقول أن يكون هذا الحديث صحيحًا أم لا؟
حقيقة قصة سُليك الغطفاني وسبب أمر النبي له بالصلاة
فضيلة الإمام [مالك] قال: هل هو صحيح حدث أم لا مع سُليك؟ أنه حدث هكذا، قال: نعم حدث. فقالوا: فماذا نفعل إذن؟ الصحابة أولادهم جميعًا لم يصلوا!
قال: لكنني أفترض أن أهل المدينة الحجة في الأمور العملية، وهؤلاء الأولاد أولاد الصحابة وكانوا أتقياء أنقياء علماء، فليس من المعقول أن جميعهم لا يفعلون هذا الأمر.
والإمام مالك ذهب يبحث ما هذا الأمر وأين الذي لم يُذكر في الحديث، والحديث في البخاري. فوجد أن سُليكًا كان صعلوكًا فقيرًا، وكان بعض أهل المدينة يحبون أن يساعدوه لأنه كان غريبًا يأتي هكذا كل شهر مرة أو نحو ذلك.
مقصد النبي من أمر سُليك بالصلاة وتنبيه الصحابة لمساعدته
فالنبي أراد أن ينبه إليه [أي إلى سُليك حتى يراه الناس]، انتبهوا سُليك وصل! ولا يريد أن يُحرج سُليكًا أو يمنّ عليه، على سُليك.
وهكذا يقول للصحابة: يا سُليك ألا تقوم فتصلي ركعتين؟ يعني أرِ نفسك هكذا. والصحابة فهموا بالهدوء وبالأدب وبالرقي وبالأشياء الحسنة هذه، وأحضروا له أشياء أعطوها له بعد الصلاة؛ لأنهم كانوا ينتظرون الناس الغرباء مثل زاهر ومثل سُليك ومثل هؤلاء ويعطونهم الذي فيه القسمة.
فهذا [سُليك] لا يريد يصلي ركعتين ولا شيء، كل من دخل والخطيب يخطب فليقم يصلي ركعتين.
موقف الإمام الشافعي من إجماع أهل المدينة وتمسكه بظاهر الحديث
لكن الإمام الشافعي لم يقتنع بهذه الحيثيات، فقال: يعني كيف تكون هذه الحيثية وحسب؟ لا، لقد انتبهت إلى أن أي شخص يدخل ليصلي لا يحدث شيئًا ويصلي ركعتين خفيفتين حتى يتابع الإمام بعد ذلك.
وإجماع أهل المدينة ليس لديهم حجة عندي، إذن يبقى لي الحديث، فيبقى أنا سآخذ بالحديث. كان هكذا يفكر الأكابر [من العلماء المجتهدين].
مبلغ علم الصحابي وأدلة جواز حلقات الذكر من السنة النبوية
فحضرتك عندما يأتي واحد يدخل ويجد حلقة ويقول لهم: يا إخواننا أنا ما كان هذا الكلام عند رسول الله، هذا مبلغ علمي ومبلغ علمه هو هكذا أنه ما كان عند رسول الله.
لكن ورد أيضًا في الحديث من غير هذه الرواية أن رسول الله دخل فوجد حلقة فقال: ما تفعلون؟ قالوا: نتدارس العلم. وذهب إلى حلقة أخرى فكانوا يذكرون الله، لا حلقة هكذا وحلقة هكذا.
الذين كانوا يذكرون ربهم، يذكرون ربهم معًا، فقال:
«هؤلاء على خير وهؤلاء على خير وإنما بُعثت معلمًا»
وانضم إلى حلقة العلم، فتبقى حلقة الذكر جائزة وكل شيء.
أدلة مشروعية الذكر الجماعي من الحديث القدسي والقرآن الكريم
وكذلك كلام سيدنا [الله سبحانه وتعالى] هو يقول في الحديث القدسي:
«وما ذكرني عبدي في ملإٍ إلا ذكرته في ملإٍ خيرٍ منه»
والله يقول:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]
هذه مجموعة [من الأدلة]، وهكذا في أحاديث كثيرة وروايات كثيرة.
خطورة الانتقاء وفصل النصوص عن سياقها في فهم الشريعة
ولذلك عندما يأتي أحد فماذا يفعل هنا؟ يقوم بعملية انتقاء، فينتقي الذي على مزاجه، ثم بعد الانتقاء يفصل فيفصلها عن بقية الشريعة ولا يقرأ بالإجمال.
ففي النهاية ماذا يفعل؟ يفعل شيئًا خطيرًا جدًا:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
هذا ما نعى الله على هذا الأسلوب، على أنهم يأتي ويقول لك:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
أنا لن أصلي!
قصة أبي نواس وتلاعبه بفصل الآيات عن سياقها للتهرب من الصلاة
يقولون لأبي نواس: يا أبا نواس، ألا تتقي الله وتصلي وتترك الخمر التي تتعاطاها؟ وكان أبو نواس هذا عالمًا كبيرًا، وكان الشافعي يقول: لولا مجونه لرويت عنه. أبو نواس هذا إنما ابتلاه الله بالمعصية.
فقال: ما قال ربك ويل للذين سكروا؟ ربنا قال ويل للسكارى؟ ولكن قال:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
هذا تلاعب! هذا يلعبه أبو نواس. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى فرض الصلاة وحرّم الخمر.
التحذير من فصل النص عن سياقه وأخذ الأحاديث والآيات منفردة
فحضرتك لأنه لم يقل فويل للذين سكروا وإنما قال:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
يعني حضرتك لا تصلي؟ مبتسرًا هو ارتكب خطأه، ما هو؟ خدعته ما هي؟ فصل النص عن سياقه.
فإياك أن تفصل النص عن سياقه، وإياك أن تأخذ الحديث من مجموع الأحاديث والسيرة والمواقف، وإياك أن تأخذ الآية من سياقها وما سبقها وما لحقها؛ لأن هذا منهج غير صحيح والله لا يرضى عنه.
إذن نعم، يدخل أحدهم ويقول ويعيد وهكذا إلى آخره، هذا مبلغ علمه. هذه نقطة أولى، ولكنه لا يعلم بقية المسألة، ولو علم لانصاع، ولنا في هذا أمد طويل في حكاية لو علم لانصاع، هذه آلاف الأمثلة في السنة وعند الصحابة. وبعد الفاصل نواصل.
مقدمة الجزء الثاني من الحلقة والترحيب بالمشاهدين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة والأخوات المشاهدون في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات "ربِّ لترضى"، وعلى ما اعتدنا عليه نصطحب مجموعة من الشباب الطيب لديهم أسئلة حول قضية التصوف. أهلًا يا شباب، أهلًا بفضيلتك، مع من السؤال اليوم؟ تفضل يا سيد أحمد.
إعادة سؤال حديث ابن مسعود في إنكار التسبيح بالحصى وبداية الجواب
[السائل]: حقيقة كنت من قبل ذكرت لنا حديث السيدة صفية عن التسبيح بالحصى، نعم، وحقيقة قلت لنا أن التسبيح بالحصى بعد ذلك تطور إلى السبحة. في حديث آخر عن سيدنا عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد مع سيدنا أبي موسى الأشعري ووجد أناسًا جالسين في حلق وكانوا يسبحون بالحصى، فزجرهم وقال لهم أن هذا لم يكن موجودًا في أيام النبي عليه الصلاة والسلام. فحقيقة بعض الناس يحتجون بهذا الحديث أنه لا يجوز أن نسبح بالحصى أو بالسبحة، يعني فما رأي سيادتكم؟
[الشيخ]: لا، هذه الرواية رواية غير صحيحة أصلًا، ولكن أيضًا لن نقول لك رواية غير صحيحة وانتهى الأمر ويُصَدّ. لا، الهيئة الاجتماعية في ثلاث أمور في هذا الأمر لو صح هذا، لو صح.
حد علم الصحابي وحديث قطع الصلاة بالمرأة والكلب عند أبي هريرة
الأمر الأول أن ننهي [أي نهي ابن مسعود] إنما كان على حد علمه؛ يقول لك هذه المسألة هي غاية علم عائشة هي حدها هكذا، أو هذه القضية هي غاية علم أبي هريرة.
لما جاء هذا الحديث، أبو هريرة وفي البخاري ومسلم: يقطع الصلاة المرأة والكلب. يمكن أن يكون أبو هريرة قد سمعه من رسول الله هكذا، ولكن لم ينتبه إلى ما قبله، ولم ينتبه إلى ما بعده، ولم ينتبه إلى أن هذه واقعة معينة.
من التي اعترضت عليها السيدة عائشة؟ وقالت: أجعلتمونا مثل الكلاب والحمير! هو هذا. هكذا السيدة عائشة الفقيهة المجتهدة شعرت أن هذا في الحديث المذكور.
اعتراض ابن عباس على ظاهر الحديث والتفريق بين صحة النقل وصحة الفهم
عند البخاري أنه كان يصرح أمامه بالكلب وغير ذلك ولا يعلم ما هو، وليس في ذلك شيء. فلما عُرض هذا الكلام على ابن عباس قال: ما هذا؟ أجعلتم النساء المسلمات الحرائر كالكلاب والحمير؟ فلم يرق له هذا الكلام، وهناك نقص في شيء ما.
وهو صحيح في الصحيح ما أن أبا هريرة قاله. حسنًا هذا في غيره قاله، نعم ما هو كانوا يروون عن بعض، الصحابة سمعوا أن أبا هريرة سوف يقوله. فالصحيح هو أنهم قالوا، لكن ليس الصحيح أنه ماذا يعني [أي ليس المعنى الظاهر هو المراد].
الرد على تهمة توهيم أبي هريرة وبيان أن للحديث سياقًا لم يُنقل
فالسيدة [عائشة] اعترضت وابن عباس اعترض وقال: لا. فيأتي أحد يقول لكم: أنتم توهمون أبا هريرة! لا، لسنا نوهمه. أبو هريرة قال ذلك فعلًا. أي أنكم تكذبونه؟ لا، ولسنا نكذبه.
ولكن نقول إن هذا الحديث له ما يحيط به، وأن ما يحيط به هذا لم يُنقل. والدليل على أنه لم يُنقل: كلام السيدة عائشة وكلام السيد ابن عباس وكل ذلك.
فيبقى صحيحًا أن أبا هريرة سمع هذا، ولذلك ما أخذت بها لا أما [أي لم يأخذ بها] الأئمة الأربعة، هذا وهو في البخاري وصحيح وكل شيء في أمانة الله.
تفاوت علم الصحابة وعدم عصمة الصحابي في الاجتهاد
فإذا كان هناك فرق ما بين علم الصحابة بعضهم مع بعض؛ سعد بن أبي وقاص الذي كان عنده الذنبيل، وأبو هريرة الذي كان عنده الحبل، وفاطمة بنت الحسين التي كان عندها [السبحة]، والسيدة صفية التي كان لديها كذا، والآخر ذلك مبلغ علمه ما جاء بشيء.
ولذلك الصحابي ليس معصومًا، هذا كله، هذا على فرض الصحة، على فرض الصحة. الصحابي ليس معصومًا، وهكذا كان يتعامل الأئمة مع الأحاديث.
خلاف الإمام مالك والشافعي في تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة وقصة سُليك
الإمام مالك جاء ويا جماعة: عندما يدخل أحدكم والخطيب يخطب يوم الجمعة يجلس ما صلّ تحية المسجد.
فالإمام الشافعي قال له: كيف هذا والنبي عليه الصلاة والسلام لما جاء سُليك الغطفاني وجلس قال له:
«أهلًا مرحبًا يا سُليك، أهلًا مرحبًا بالله بركعتين، قم يا سُليك هكذا صلِّ ركعتين»
فالإمام مالك قال: والله هذا أنا ما رأيت ولا واحدًا من أبناء الصحابة جاء متأخرًا وصلى.
مقصد النبي من أمر سُليك بالصلاة لتنبيه الصحابة إلى حاجته
لا [أي لم يكن المقصود تحية المسجد بل] يريد [النبي ﷺ] أن ينبه إليه [أي إلى سُليك]، ولا يريد أن يُحرج سُليكًا أو يمنّ عليه.
وهكذا يقول للصحابة: يا سُليك قم فصلِّ ركعتين وأظهر نفسك هكذا. والصحابة فهموا بالهدوء والأدب والرقي والأشياء الجميلة هذه، وأحضروا له أشياء أعطوها له بعد الصلاة؛ لأنهم كانوا ينتظرون الناس الغرباء مثل زاهر ومثل سُليك وأمثالهم وأعطوا لهم الذي فيه الاسم [أي القسمة والعطاء].
فهذا [سُليك] لا يريد أن يصلي ركعتين ولا شيئًا، كل واحد دخل والخطيب يخطب قم صلِّ ركعتين.
رفض الإمام الشافعي لحجة إجماع أهل المدينة وتمسكه بالحديث
لكن الإمام الشافعي لم يقتنع بهذه الحيثيات، فقال: يعني كيف يعني هي لهذه الحيثية هو انتهى؟ لا، أنا انتبهت إلى أنه أي واحد يدخل يصلي لا يجري شيئًا ويصلي ركعتين خفيفتين لكي يتابع الإمام بعد ذلك.
وإجماع أهل المدينة ليس حجة عندي، فيبقى لدي الحديث، إذن سآخذ بالحديث. هكذا كان يفكر الأكابر [من العلماء المجتهدين].
مبلغ علم الصحابي وأدلة جواز حلقات الذكر الجماعي من السنة
فحضرتك عندما يأتي أحد ويدخل ويجد حلقة ويقول لهم: يا إخواننا لم يكن هذا الكلام عن رسول الله، عند رسول الله، هذا مبلغ علمي ومبلغ علمه هو كذلك أنه لم يكن هذا عند رسول الله.
لكن ورد في الحديث من غير هذه الرواية أن رسول الله دخل فوجد حلقة فقال: ما تفعلون؟ قالوا: نتدارس العلم. وذهب إلى حلقة أخرى فكانوا يذكرون الله، لا حلقة كذلك وحلقة كذلك، التي كانوا يذكرون ربنا يشكرون ربنا مع بعض مع بعض، فقال:
«هؤلاء على خير وهؤلاء على خير وإنما بُعثت معلمًا»
وانضم إلى حلقة العلم، فتبقى حلقة الذكر جائزة وكل شيء.
أدلة مشروعية الذكر الجماعي من الحديث القدسي والقرآن الكريم
وكذلك كل سيدنا [الله سبحانه وتعالى] هو يقول في الحديث القدسي:
«وما ذكرني عبدي في ملإٍ إلا ذكرته في ملإٍ خيرٍ منه»
والله يقول:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]
هذا مجموعة هي، وهكذا في أحاديث كثيرة وأقوال كثيرة.
خطورة الانتقاء وفصل النصوص عن سياقها والتحذير القرآني من ذلك
ولذلك عندما يأتي أحد ماذا يفعل هنا إذن؟ يقوم بعملية انتقاء، ينتقي الذي على مذهبه، ثم بعد الانتقاء يفصل، يفصلها عن بقية الشريعة لا يقرأ بالإجمال.
ففي النهاية ماذا يفعل؟ شيئًا خطيرًا جدًا:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
هذا ربنا نهى عن هذا الأسلوب، عن أن يأتوا ويقولوا لك:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
أنا لن أصلي!
قصة أبي نواس في التلاعب بالآيات وفصلها عن سياقها
يقولون لأبي نواس: يا أبا نواس، ألا تتقي الله وتصلي وتترك الخمر التي تتعاطاها هذه؟ وكان أبو نواس هذا عالمًا كبيرًا، وكان الشافعي يقول: لولا مجونه لرويت عنه. أبو نواس هذا إنما ربنا ابتلاه بالمعصية.
فقال: ما قال ربك ويل للذين سكروا؟ ربنا قال ويل للسكارى؟ ولكن قال:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
هذا تلاعب يلعبه أبو نواس! لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى فرض الصلاة وحرّم الخمر.
التحذير الشامل من فصل النصوص عن سياقها ومنهج لو علم لانصاع
فأنت لأنه لم يقل فويل للذين أسكروا وإنما قال:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
إذن أنت لا تصلي؟ مسرعًا ما هو الخطأ الذي ارتكبه أو ما هي الخدعة التي استخدمها؟ فصل النص عن سياقه.
فإياك أن تفصل النص عن سياقه، إياك أن تأخذ الحديث من مجموع الأحاديث والسيرة والمواقف، إياك أن تأخذ الآية من سياقها وما سبقها وما لحقها؛ لأن هذا منهج غير صحيح والله لا يرضى عنه.
إذن وكذلك إلى آخره، لكن هذا مبلغ علمه. هذه النقطة الأولى، ولكنه لا يعلم بقية المسألة، ولو علم لانصاع، ولنا في هذا أمثلة طويلة في قضية لو علم لانصاع، هذه آلاف الأمثلة في السنة وعند الصحابة. وبعد الفاصل نواصل.
