اعرف ما هو النسبي والمطلق من د. علي جمعة #15 | درجات المعرفة
- •اليقين في العقيدة الإسلامية مرتبط بتلقي الرسالة بشكل واضح، فمن لم تبلغه الرسالة بصورة لافتة للنظر لا يحاسب.
- •أهل الفترة بين الأنبياء ناجون بمذهب أهل السنة والجماعة، وهذا ينطبق على والدي النبي صلى الله عليه وسلم.
- •الشخص الذي يتبنى مفاهيم خاطئة عن الدين وتصبح يقيناً عنده سيؤاخذ، فالتكبر والتعاظم على الخلق ومدعاة التقوى قد تكون سفعة من النار.
- •واجب العالم تجاه من يحمل يقيناً خاطئاً هو الاستمرار في النصح والتذكير، فالدين النصيحة.
- •النصيحة ينبغي أن تكون بحكمة وموعظة حسنة مع التسليم بأن الهداية من الله.
- •القاعدة في الإسلام: "لكم دينكم ولي دين" و"لا إكراه في الدين" وهذا احترام ليقين الآخر.
- •الأخلاقيات مطلقة في ماهيتها وإن كانت لها شروط تطبيقية.
- •اليقين النسبي موجود في المسائل الظنية، أما القطعيات فهي مطلقة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وملخص موضوع اليقين
[المذيع]: أهلًا بكم مشاهدينا الكرام وحلقة جديدة من هذه النافذة على المعرفة ودرجات المعرفة التي ننهل فيها من علم فضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بفضيلتك. فضيلة الدكتور، في الحلقة الماضية كنا توقفنا على فكرة اليقين، والمفترض أن اليقين دالٌّ للوهلة الأولى على أن هذا أمر غير قابل للشك، ولكن حضرتك تفضلت وذكرت أنه أمر نسبي، يعني خاضع لأن يكون عليه إجماع أو اتفاق أو لا.
ولكن الإنسان حينما يكون لديه يقين راسخ يُحاسب على هذا اليقين.
مذهب أهل السنة في أهل الفترة وعدم العذاب قبل بلوغ الرسالة
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ربنا سبحانه وتعالى يقول في هذا الشأن:
﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [النجم: 30]
ويقول:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
مذهب الأشاعرة السادة أهل السنة والجماعة أن أهل الفترة ناجون. إذن، سيدنا إبراهيم هذا نبي، فمن هو المحاسَب؟ الذي يُحاسَب هو من بلغته الرسالة. وسيدنا النبي نبيٌّ، فمن الذي يُحاسَب؟ من بلغته الرسالة.
الآباء الأولون الذين لم يأتهم رسول ولا نبي ولم يعرفوه، لا حساب عليهم.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
يبقى لا بد من بلوغ الرسالة.
الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام وخلوها من الأنبياء البارزين
فأهل الفترة - الفترة بين النبيين - جاء عيسى وبعده جاء محمد عليهما السلام، الفترة التي بينهما كانت الستمائة سنة. هذه لم يأتِ فيها نبي في الوسط لافت للنظر؛ لأنه يمكن أن يكون هناك أنبياء غير لافتين للنظر، مثل خالد بن سنان، هذا نبي ضيّعه قومه ولم ينتبهوا له.
وقال [رسول الله ﷺ]:
«ويأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد»
لم ينتبه له أحد، يعني مرت هكذا، لم يصطدم معهم اصطدام نوح مع قومه وإبراهيم مع قومه وموسى وعيسى مع قومهم أو هكذا يعني، فآمن به أناس وكفر به آخرون، لا، لم يحدث هكذا. كان هناك نوع من أنواع التبليغ المحدود، ثم بعد ذلك ضيّع هؤلاء الناس نصيحته وتبليغه وأحواله.
نجاة والدَي النبي ﷺ وعدم العذاب لمن لم تبلغه الرسالة بصورة لافتة
لكن يبقى أنه من محمد إلى عيسى فترة بالمتاهة، يعني خالية من الأنبياء، ولذلك فأهلها غير محاسَبون. وهذا ما اعتمد عليه أهل السنة والجماعة وهم يقولون بنجاة والدَي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
انظر إلى الكلام عن نجاة الوالدين، نجاة الوالدين تعني أنه لا يُعذَّب إلا من كانت قد بلغته الرسالة بصورة لافتة للنظر، ولذلك هؤلاء الناس لم يأتهم أي شيء لافت للنظر، فيدخلون الجنة على ما كان.
قصة إسلام الحصين بن عبيد وسهولة التوحيد عند من لم يبلغه التبليغ الكافي
هذا واحد من الصحابة واسمه الحصين وابنه صحابي، عمران بن الحصين، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو كبير في السن، فقال له:
«يا حصين، كم إلهًا تعبد؟»
قال: إلهًا في السماء وسبعة في الأرض. فقال له:
«يا حصين، دع الذين في الأرض فم ليسوا بآلهة، واعبد الذي في السماء»
قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ليست هناك مشكلة عند الرجل في أنه يعبد رب السماوات والأرض، أما هؤلاء الآلهة فإننا نعظم شأنهم، ربما يوصلوننا إلى الله، أو يقربوننا إلى الله زلفى، فربما يفعلون فينا شيئًا، ربما ربنا أراد هكذا، ربما هناك سلطان بهذا من عند الله.
فلما علّمه من أبسط طريق آمن فورًا، أي هل بدون هؤلاء السبعة؟ نعم بدونهم، فألغى السبعة الذين في الأرض. والتوحيد الخالص هو عبادة رب السماوات والأرض سبحانه وتعالى.
اليقين المطلوب هو عبادة الله كأننا نراه وإخلاص النية
فيكون إذا كان لدي هذا التوجه، اليقين الذي أُمرنا به أن نعبد الله سبحانه وتعالى كأننا نراه، يعني فقط، لا أن نستعمل العقل ونستعمل العمل، بل إننا نخلص النية لله، وكله هذا والله هو الهادي.
هل الشخص الداعشي الإرهابي يُعذر بيقينه المشوه أم يؤاخذ عليه
[المذيع]: حسنًا فضيلة الدكتور، هذا الشخص الداعشي مثلًا هو على يقين، هذا الشخص الإرهابي بصفة عامة، أنه بهذا العمل الذي يفعله يتقرب إلى الله، وهو إنما يموت في سبيل الله أو يستشهد في سبيل الله. هل هذا الشخص سيؤاخَذ على هذا أو سيكون له عذر، عفوًا يعني بأنه كان يرجو اليقين لكنه لم يصل إلى اليقين وكان على صورة مشوهة من اليقين؟
[الشيخ]: سيؤاخَذ؛ لأن قدر الله فيه هو هذا. الله سبحانه وتعالى هو الذي جعله هكذا، جعله لا يلتفت إلى - بسم الله الرحمن الرحيم - جعله لا يقف، جعله كذلك يتكبر ويريد لنفسه القيادة والزعامة والشهرة.
هذه المسألة خطيرة للغاية، ولذلك دعها لله، أي أن الله سبحانه وتعالى عليم بما في الصدور وعليم بذات الصدور وعليم بما في القلوب وعليم بالسر وأخفى من السر.
قصة المقاتل الذي حكم عليه النبي ﷺ بأنه من أهل النار رغم شجاعته
مرة كان سيدنا النبي جالسًا وفي معركة ما، فرأى رجلًا وهم جميعًا يشاهدونه، رأى رجلًا هكذا هو يقاتل في سبيل الله بشراسة وقوة، فقال الناس: انظر إلى الرجل، هو رجل من أهل الجنة!
فنظر النبي إليه وقال:
«هذا من أهل النار»
يا الله! حدث للصحابة نوع من أنواع التعجب والاستغراب، يعني ماذا؟ هذا يقاتل في سبيل الله، يعني هذا يدافع دفاعًا مستميتًا!
فتبعه أحد الصحابة كي يرى كيف يكون هذا الرجل من أهل النار، إذن من سيكون من أهل الجنة؟ إذا كان هذا الأمر هكذا. الناس بنوا كلامهم على الظاهر وهم لا يعلمون حقيقة علاقة هذا الإنسان بربه، وهذا لا يعلمه إلا الله والنبي بالوحي.
فالنبي كبشر لن يعلمها، لكنه بالوحي وبكونه سيد الخلق مما أعطاه الله وأفاض عليه، يعلمها في حينها عن طريق الوحي وعن طريق كشف الله له هذا الغيب.
انتحار المقاتل بعد إصابته وتحقق نبوءة النبي ﷺ بأنه من أهل النار
فتتبعه، فأُصيب [ذلك المقاتل]، فعندما يُصاب المرء يثبت، وعندما يُصاب حتى يزداد الألم عليه إلى أن لا يشعر به، أتفهم؟ من شدة الألم لا يشعر به.
فعندما أُصيب جزِع وانهارت نفسيته، فأخذ السيف وضرب به نفسه وانتحر. إذن هو من أهل النار، من أهل النار.
قصة الصحابي الذي رأى النبي ﷺ على وجهه سفعة من النار رغم عبادته
فالظاهر أنها كانت حادثة [أخرى] عندما كان سيدنا النبي جالسًا هكذا، ثم قالوا له: يا رسول الله، هناك رجل من الصحابة يحضر عندك هنا، ولكنه في حالة أخرى صائم قائم عابد وما إلى ذلك، يعني مستوى إيماني راقٍ.
مَن هذا؟ جلسوا يصفونه، ولكن لم يتذكره النبي عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يراك، كان يرى فيك قصتك كاملة، أتفهم كيف؟ فلم يكن هناك أحد لفت انتباهه من الناس الذين دخلوا عليه، فمَن هذا الرجل؟
فالمهم أنه جاء وبينما هم يتحدثون دخل من خارج المسجد هكذا، فقالوا له: هذا يا رسول الله، ها هو، هذا هو. فناداه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له: تعال يا رجل.
النبي ﷺ يرى سفعة النار على وجه الرجل العابد ويسأله عما حدثته به نفسه
فلما أتى إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - هو قال للصحابة أول ما قال لهم هو هذا - قال، قالوا إنه قال:
«أرى على وجهه سَفْعَةً من النار»
لا حول ولا قوة إلا بالله! هذا الذي هو التقي النقي، الذي بلغ الغاية، والذي هو من أحسن الناس والعباد؟ يعني بشكل تام! نعم، سَفْعَة من سَفْع النار.
فقال له: تعال. وهم جالسون، قال له: السلام عليكم. فرد: وعليكم السلام، اجلس.
«أناشدك الله»
هذه كانت عند العربي تعني يمين غليظ، سيخاف أول ما تقول له: أناشدك الله. النبي الذي يقول له هكذا، النبي الذي يقول له ذلك لكي يسمعهم؛ لأنه رأى في عيونهم التعجب، كيف ذلك؟ إنها سفعة من النار! إذن من سيكون التقي النقي؟
اعتراف الرجل بالكبر وظنه أنه أفضل من الصحابة وخطورة أمراض القلوب
قال له:
«أناشدك الله، عندما دخلت من الباب بماذا حدثتك نفسك؟»
فقال: حدثتني أني أفضل من هؤلاء، أنا أفضل من هؤلاء لأنني أصوم وأقوم الليل، فأنت لا تعرف هؤلاء الناس، لماذا أضلهم الله. سبحان الله!
من الخارج هكذا، نعم، هو يصلي ويصوم ويعمل، وفي الظاهر أنه في عقيدته أنه يجاهد، لكن لا تعرف ما العلاقة التي بينه وبين ربنا، ولا تعرف العاصي ما العلاقة التي بينه وبين ربنا.
وسيأتي يوم القيامة من أنت تظنه فرعون سيتبين أنه موسى، والذي تظنه موسى سيتبين أنه فرعون، وستظهر الحقيقة مختلفة تمامًا طبقًا للقلوب المتضرعة.
خطورة التكبر والتفاخر عند الجماعات الإرهابية والتنصيب نائباً عن الله
هذا الشخص وهو جالس يكذب ويتكبر ويعتقد تفاخرًا كما تربى في الجماعات الإرهابية أنه أفضل من خلق الله كلهم، وأنه أحسن من هؤلاء، وأنه قائم بفرض الشريعة وهم لا يقومون.
من الذي قال لك أن هذا مقبول عند الله؟ من الذي قال لك أن تكون نائبًا عن الله سبحانه وتعالى ومُدخِلًا هؤلاء النار ومُدخِلًا هؤلاء الجنة والأمر ليس بيدك؟
هذا التعاظم والتفاخر والبعد عن ذكر الله والتكبر بغير الحق وعدم الرضا وعدم التسليم والخروج عن محجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يجعل هؤلاء الناس ليسوا على الصراط المستقيم.
سؤال عمن يصله الدين بصورة خاطئة ويترسخ عنده يقين مشوه هل يأثم هو أم من علّمه
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، أستأذن حضرتك نخرج لفاصل ونستكمل إن شاء الله. مع حضراتكم بعد الفاصل، ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام، ونستكمل هذا الحديث الطيب مع فضيلة الدكتور حول فكرة اليقين ما بين المطلق والنسبي.
فضيلة الدكتور، يعني من يصل إليه الدين بصورة خاطئة ويترسخ هذا المفهوم عنده على هذا الشكل الخاطئ وهذا المفهوم الخاطئ، ثم يصبح هذا الشيء وهذا الاعتقاد الخطأ من الدين يصبح يقينًا عند هذا الشخص ولا يريد أن يغير أو يقتنع به، هل الإثم في هذه الحالة يقع على هذا الشخص بما أنه لا يريد أن يغير من يقينه هذا أو يتغير في يقينه، أم على الذي أوصل إليه المعلومة بهذا الشكل الخاطئ؟
واجب التذكير المستمر والتصحيح دون التحكم في هداية الناس
[الشيخ]: ربنا حل هذه المعضلة وأمرنا فقال:
﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ﴾ [الأعلى: 9]
﴿تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
لا مانع أن يتعلم خطأً، وبعد أن تعلم خطأً تراكمت الأخطاء لديه حتى أصبح على ما هو عليه. لكن الذي أنا مكلَّف به هو الاستمرار في التذكير والتصحيح المستمر.
قال رسول الله ﷺ: «بلّغوا عني ولو آية»
أنا لست حفيظًا عليهم ولست مسيطرًا عليهم.
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
وعندما قال: «بلّغوا عني»، فأنا أبلّغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو آية واحدة، ولا أتدخل فيما بيني وبين جلده، ولكن عسى الله أن يجعل في الكلمة البسيطة الهداية؛ لأنها إذا خرجت من القلب دخلت القلب، وإذا خرجت من اللسان توقفت عند الآذان.
الدين النصيحة وأهمية النصيحة بالحكمة واللين والفرق بينها وبين التعيير
المكلَّف به، قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«الدين النصيحة»
انظر كيف عُرِّف [الدين بالنصيحة]، الحج: الحج عرفة، ليس عرفة فقط، بل الحج أشياء كثيرة، ولكن عرفة أهم شيء في الحج يجب أن تكون أنت عرفته. فكذلك الدين، أهم شيء فيه النصيحة.
وقد ألَّف العلماء في هذه النصيحة، ألَّف الإمام النحاس في [كتاب] تنبيه الغافلين، وألَّف الكثير من الناس في كيفية النصيحة والفرق بين النصيحة والتعيير، والفرق بين النصيحة والفضيحة.
فالنصيحة ينبغي أن تكون بهدوء، وينبغي أن تكون باستيعاب، وينبغي أن تصدر من شخص يعرف ما هي القصة والرواية وهكذا، وينبغي أن تكون بلين، كما قال تعالى:
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
الاستمرار في النصيحة مع التوكل على الله والرضا بأن الهداية بيد الله وحده
فإذا وأنه كذلك بقدر ما سأشتغل لأعلمه، فالواجب عليّ أن أذكره، والواجب عليّ أن أنصحه، والواجب عليّ أن أستمر في هذا ولا أيأس، ولا أرمي الأمر خلف ظهري وأتجاهله، بل إنني سأتابعه باستمرار.
وأنا لدي إيمان راسخ بأن الهادي هو الله:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
وإن الذي يخلق التوفيق والهداية هو الله، وأنا أفعل ذلك أُبلِّغ فقط. ولذلك لا تحزن إذا ما فاتك هذا:
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ [فاطر: 8]
﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]
فهناك رضا وهناك تسليم وهناك توكل وهناك رمي حملي على الله سبحانه وتعالى، هو فعال لما يريد، هو صاحب الكون وليس أنا، لا حول ولا قوة إلا بالله.
الفرح بهداية الناس مع الرضا بقدر الله والفرق بين الإرشاد وخلق الهداية
فأنا أنصح وأعلم وأستمر، أنا مطمئن القلب ولست غير مبالٍ، بل أنا مبالٍ لدرجة أنني أفرح بهدايته؛ لأن:
قال رسول الله ﷺ: «يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وما غَرُبت»
يبقى إذا أنا سعيد وأفرح بهدايته، ولكن بالرغم من أنني كذلك إلا أن هناك رضا وسط النفس هكذا، فالله فعال لما يريد، وهناك نسبة الأمر لأهله.
وأنا لست أنا الذي هديته، أنا أرشدته فقط؛ لأن الهداية تأتي بمعنى الإرشاد وتأتي بمعنى خلق قدرة الطاعة في العبد وتوفيق العبد إلى مراد الله.
هذا هو الحل بيني وبينه: أنني سأظل مستمرًا في نصيحته، مستمرًا في تعليمه، مستمرًا في إرشاده، والأمر بيد الله.
هل يأمرنا الدين باحترام يقين الآخر المختلف في الدين أم بزعزعته
[المذيع]: طيب، هل في هذا الإطار، هل الدين يعلمنا والشرع يعلمنا أن نحترم يقين الآخر، ما هو يقيني عند الآخر؟ بمعنى: إذا كان الآخر مثلًا يختلف عني في العبادة أو في الدين، عفوًا يختلف عني في الدين، فهل أنا مأمور باحترام يقينه هذا أم أسعى إلى زعزعة يقينه؟
[الشيخ]: هناك فرق ما بين حياة الدعوة وما بين الحياة اليومية. حياة الدعوة تعني أننا سنتناقش، مثلًا اليهود عندما كانوا في الأندلس عقدوا ندوات مع المسلمين ابتغاءً لماذا؟ للوصول إلى اسم الله الأعظم، وهذا هدفهم.
فقد أرادوا معرفته، لديهم طرق صوفية مثل اليهود الذين يتبعون الكابالاه. هذه الكابالاه تسعى إلى الوصول إلى سر اسم الله الأعظم. المسلمون لديهم تجربة روحية عظيمة، فأصبحوا يجتمعون معًا لمعرفة اسم الله الأعظم؛ لأنه الذي إذا دُعي به أجاب الله.
طقوس أهل القبالة في البحث عن اسم الله الأعظم واحتلالهم لحائط البراق
فيريدون أن يصلوا إليه، هل هو لفظ؟ هل هو تصرف؟ هل هو وفق؟ هل هو حالة نفسية؟ هل هو... ولذلك من ضمن ما كان يفعله أهل القبالة هؤلاء أنهم يقفون على أرجلهم ويضعون الكتاب على رؤوسهم لفترة طويلة لعل الله أن يستجيب.
وهذا هو ما نرى بعضه وهم يحتلون حائط البراق عدوانًا وهم يفعلون ذلك محاولين أن يستعملوا اسم الله الأعظم، وإن شاء الله سيكون اسم الله الأعظم حجة عليهم.
قواعد الإسلام في حرية الاعتقاد وعدم الإكراه في الدين ورفض إنشاء مجتمعات منافقة
لكن ما هي القضية هنا؟ القضية هي أن المسلمين على مر التاريخ، بينما كان هؤلاء اليهود طريدي أوروبا وطريدي العالم كله، كانوا يأتون إلى العالم الإسلامي؛ لأن لدينا قاعدة تجيب على سؤالك:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
لدينا قاعدة تجيب على هذا:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
لدينا قاعدة تجيب على هذا:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
لدينا قاعدة تؤكد هذا:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
لدينا قاعدة تؤكد هذا أننا لا نريد التدخل، هذا التدخل الذي إذا ما كان فيه نوع من إكراه أو إرغام أو شيء من هذا القبيل يكون فيه نوع من أنواع إنشاء جماعة المنافقين:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
نحن لا نريد مجتمعات منافقة، نحن نريد مجتمعات فيها حرية:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
هل الأخلاقيات والقيم نسبية أم مطلقة ومعنى الإطلاق في الأخلاق
[المذيع]: حسنًا مولانا، في إطار المطلق والنسبي أيضًا، مسألة الأخلاقيات، يعني مثلًا الكذب أو الصدق، البعض يراها قد تكون نسبية، ويمكن أن يكون هذا يقينًا وصدقًا شيئًا هائلًا، ولكن هناك من يراها نسبية وهناك من يراها مطلقة. فهل الأخلاقيات بصفة عامة والقيم بصفة عامة ممكن يكون فيها ما هو نسبي وما هو مطلق، متغير بحسب العادة وبحسب الظرف عفوًا؟
[الشيخ]: ماذا يعني مطلق؟ يعني متحرر من الزمان، من المكان، من الأشخاص، من الأحوال. إن كان معنى المطلق هو هذا، وهو التحرر من جهات التغير الأربعة، فالأخلاق كلها مطلقة.
الأخلاق مطلقة، الكذب يظل طوال عُمره معيبًا في أي زمان وفي أي مكان وفي أي حال وفي أي شيء إلى آخره.
الفرق بين شروط الماهية وشروط التطبيق في الأحكام الشرعية كالخمر والخنزير
طيب، ولكن الإطلاق له شروطه، احذر أن تنسى هذه الكلمة، والشروط لم تحوله من الإطلاق إلى النسبي، لا، بل طابعه الإطلاق، إنما له شروطه، سأشرحها لك.
الخمر والخنزير عندنا نحن كمسلمين حرام أم لا؟ حرامٌ أن نأكلهم ونشربهم، حرامٌ. طيب، افترض أنني أمامي خنزير واضطررت لأني سأموت، مثلًا كأن تقع الطائرة ونجونا وأمامنا لحم خنزير، نأكله فقط لكي لا نموت:
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]
هل هذا الشرط يغير من حرمة الخنزير والخمر؟ لا، ستظل محرمةً طوال عمرها، حرامٌ. إنما هذا الشرط لا يتغيَّر، هذا الشرط هو شرط تطبيق.
أما الشرط فهو ماهية، هل تنتبه؟ كيف؟ وهكذا هو شرط تطبيق وليس شرط ماهية. الماهية هي أنه حرام، وحرام دائمًا وباستمرار، والكذب حرام دائمًا، والصدق واجب دائمًا، وهكذا إلى آخره.
المبالغة المحمودة في الكلام مع الزوجة والإصلاح بين الناس ليست كذباً محرماً
فيأتي ويقول لي في التطبيق: أنني أريد أن أقول لزوجتي أنتِ أجمل امرأة في العالم مرت على البشرية منذ عهد حواء إلى قيام الساعة. أهذا كذب أم ليس كذبًا؟ وهل يمكن اعتباره كذبًا بالمقاييس؟ هو كذب، هل تنتبه لهذا؟
طيب، هل يصح القول بأن هذا النوع من الكذب هو من باب المبالغة المحمودة؟ المراد منها تطييب الخاطر، ليست من نوع بناء الأحكام عليه، ليست مثل شهادة الزور، ليست مثل أكل أموال الناس بالباطل، ليست مثل إيقاع الفتنة بين الخلق.
إنه كذب، لكن هنا أنت متخاصم مع شخص فيقول لك رجل: اصطلح معه، إنه يمدحك يا رجل في كل موضع، والحقيقة أنه لا يمدحك ولا شيء من ذلك، ولكن هذا المقصود منه هو مبالغة وليست كذبًا.
حسنًا، إذا سميتها كذبًا، فالكذب هنا شرط، هل تنتبه؟ هذا تطبيق وليس شرط ماهية. فشرط الماهية: الكذب كله حرام.
الكذب في الحرب وقول سيدنا إبراهيم بل فعله كبيرهم ليس كذباً بل ترتيب للأدلة
إذا جاء العدو وأسرني والجيش انسحب هكذا، أقول له إنه انسحب هكذا، لماذا؟ لكي أضلله. إنها حرب، سيذهب ليقتلهم. فإذا كانت هذه تُسمى شروطًا.
انظر إلى سيدنا إبراهيم وهو يقول:
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: 63]
هذا ليس كذبًا يا إخواننا، هذه مبالغة، يعني أنتم تعبدون شيئًا غير عاقل، أنتم تعبدون شيئًا من صنع أيديكم، أنتم تعبدون شيئًا بهذه الكيفية السيئة المضطربة، يريد أن ينبههم.
ولذلك عندما رجعوا إلى أنفسهم قالوا: نعم، صحيح، إننا ضالون جدًا، هكذا هذا الفتى أعاد لنا الرشد. إن الفتى الذي يتحدث عنه هو سيدنا إبراهيم، فقد كان فتى، نعم:
﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُٓ إِبْرَٰهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60]
سيدنا إبراهيم كان فتى صغيرًا لكنه نبههم، فهذا ليس كذبًا، ليس كذبًا، ليس كذبًا.
ترتيب الأدلة عند سيدنا إبراهيم والفرق بين شروط التطبيق وشروط الماهية
ترتيب الأدلة، عندما رأى [سيدنا إبراهيم] الشمس قال:
﴿هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: 78]
هذا ربي، هذا ليس كذبًا بقدر ما هو ترتيب للأدلة. إذن، هذا نسميه شروط التطبيق وليس شروط الماهية.
اليقيني النسبي في الجانب الظني والفرق بين الحقيقة النسبية والحق المطلق
[المذيع]: هل العلم إذن أو المعارف التي نحن أمامها نقول بأنها يقينية نسبية؟ هل يمكن أن نرى الأمور بهذا الشكل: اليقيني النسبي؟
[الشيخ]: موجود، اليقيني النسبي في الجانب الظني، في الجانب الظني نعم، لكن ليس في الجانب القطعي. إذن هذه تحتاج فقط أن يميز المرء بين القطعي وبين الظني.
في الظني نعم يوجد يقيني نسبي. أنا متأكد كشافعي أن لمس المرأة ينقض الوضوء، وأبو حنيفة متأكد أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، هذا يقين وهذا يقين، هذا يقين وهذا يقين، لكن في مساحة الظني يكون نسبيًا.
وهذا ما يجعلنا نقول إن هناك فرقًا بين الحقيقة والحق. نعم، الحقيقة نسبية والحق مطلق، الحقيقة تتغير لكن الحق لا يتغير.
نعم، ولذلك ربنا ليس اسمه الحقيقة، اسمه الحق، وأنه الثابت الذي لا يتغير، الذي هو خارج الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، الذي هو مطلق المطلق وغيب الغيب وهكذا.
فنعم، هذه الألفاظ: العلم يقيني، نسبي، كذا، نعم، في الجانب، في دائرة الظن هو كذلك، نعم.
ختام الحلقة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة على حديث اليقين
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: أشكركم جدًا، أشكرك شكرًا جزيلًا مولانا على هذه المعلومات الجميلة والقيمة. الشكر موصول لحضراتكم، نراكم غدًا إن شاء الله على كل خير، إلى اللقاء.
