ما معنى تقديم الأدب على العلم وما الفرق بين معايشة عصر النبي وحياته؟
تقديم الأدب على العلم يعني أن المعلومات المجردة دون أدب وتقوى لا توصل إلى الله، فإذا اضطررت للاختيار فالأدب أولى من المعلومات. أما الفرق بين عصر النبي وحياته فهو أن عصره مرتبط بزمان ومكان محددين، بينما حياته منهج متجاوز للزمان والمكان صالح لكل عصر. ولذلك نحن مطالبون بمعايشة حياة النبي لا محاكاة عصره حرفياً.
- •
هل يمكن تقديم الأدب على الفرائض والامتثال المباشر لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم؟
- •
العلم الحقيقي في الإسلام هو ما اقترن بالأدب والتقوى، وما خلا منهما فهو مجرد معلومات متفرقة لا توصل إلى الله.
- •
قدّم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب الأدب على الامتثال المباشر في مواقف صريحة من السنة النبوية.
- •
السنة النبوية جاءت بنسق مفتوح في الذكر والدعاء والتلبية، ومن يغلق هذا النسق يكون ضد السنة لا مع السنة.
- •
الفرق بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياته جوهري: عصره مرتبط بزمان ومكان، أما حياته فمنهج صالح لكل زمان ومكان.
- •
اتهام أهل التصوف بالبدعة هو هدم لمرتبة الإحسان التي هي ركن أساسي في الدين.
- 0:30
افتتاح حلقة رب لترضى لمناقشة أسئلة الشباب حول التصوف الإسلامي بجزئياته المختلفة.
- 1:16
العلم الحقيقي يجمع المعلومات والمنهج والأدب والتقوى، وما خلا من الأدب فهو مجرد معلومات لا توصل إلى الله.
- 2:48
تعريف علي بن أبي طالب للتقوى يجمع العمل والخشية والرضا والاستعداد، وهو يوضح أن الأدب أولى من المعلومات المجردة.
- 3:54
موقف أبو بكر الصديق في الصلاة نموذج صريح من السنة على تقديم الأدب على الامتثال المباشر لأمر النبي.
- 5:52
رفض علي بن أبي طالب محو عبارة رسول الله في صلح الحديبية تقديماً للأدب على الامتثال المباشر لأمر النبي.
- 6:56
النبي محا بيده الشريفة عبارة رسول الله لأن علياً قدّم الأدب، وهذا يُثبت أن الأدب قد يعلو على الامتثال المباشر.
- 7:39
النبي علّمنا منهج الذكر المفتوح لا نصاً مغلقاً، والإمام الشافعي أقرّ التكبير المصري المعروف تطبيقاً لهذا المنهج.
- 8:41
النبي ترك التلبية والدعاء نسقاً مفتوحاً ولم يتدخل إلا عند مخالفة العقيدة، مما يدل على حرية الذكر في الإسلام.
- 9:57
أدعية الطواف لم ترد في السنة بنصوص محددة لكن المنهج من السنة، فكل دعاء حسن ما لم يخالف العقيدة.
- 10:24
قصة بلال وركعتي الوضوء دليل على أن العمل الصالح المنبثق من المنهج النبوي مقبول وإن لم يُؤمر به تحديداً.
- 11:09
الصحابي الذي زاد في دعاء الرفع من الركوع نال إقرار النبي وفرحت به الملائكة، دليل على مشروعية الزيادة في الذكر.
- 12:02
الفرق بين عصر النبي وحياته جوهري: العصر انقضى، أما الحياة النبوية فمنهج متجاوز للزمان والمكان.
- 12:28
ملخص ما قبل الفاصل: الأدب أولى من المعلومات، وقد يُقدَّم على الامتثال، والهدف معايشة حياة النبي لا عصره.
- 13:32
المشركون كانوا يحبون النبي ويودعون عنده أماناتهم، وهذا دليل على أن حياته كانت نموذجاً في التعامل مع الجميع.
- 14:50
أبو جهل سلّم الوديعة فور طلب النبي دون تردد، وهذا يكشف عمق المهابة والاحترام الذي كان يحظى به النبي حتى عند أعدائه.
- 15:55
حياة النبي مع الآخرين تعني أن يحبنا الناس حتى المشركون، لأنهم زبائن الدعوة الذين نريد هداية الله لهم.
- 16:59
حياة النبي تُطبَّق مع كل تغيرات العصر الحديث لأنها منهج لا شكل، بينما عصره مرحلة تاريخية انقضت.
- 17:51
تطبيق الطب النبوي حرفياً دون مراعاة تغير البيئة والغذاء والظروف خطأ يضر لا ينفع، لأن الشاة العربية اليوم غير الشاة البدوية.
- 18:47
تغير زراعة الأعشاب والتلوث وأسلوب الحياة يجعل الجرعات القديمة في الطب النبوي غير مناسبة لأجسام الإنسان المعاصر.
- 19:51
حياة النبي في الطب تعني البحث عن الدواء المناسب بالأوضاع الحديثة، لا تطبيق الجرعات القديمة حرفياً دون مراعاة تغير الظروف.
- 20:57
النبي ترك نماذج متعددة للحياة في الحبشة ومكة والمدينة لتمكين المسلمين من تطبيق منهجه في كل زمان ومكان.
- 21:55
المسلم يستطيع معايشة حياة النبي في أي نظام كما فعل المسلمون في الحبشة، والأحوال تتغير والإسلام يتكيف مع كل زمان.
- 23:03
الحياة النبوية منهج أبدي متجاوز للزمان والمكان، بينما عصر النبي قدر مضى، ونحن مطالبون بمعايشة الحياة لا العصر.
- 23:42
اتهام أهل التصوف بالبدعة هدم لمرتبة الإحسان التي هي ركن في الدين، وينبع من قسوة وتشدد وصفه النبي بما يستحقه.
ما الموضوعات التي تناقشها حلقات رب لترضى حول التصوف الإسلامي؟
تتناول حلقات رب لترضى أسئلة الشباب حول التصوف الإسلامي بجزئياته المختلفة. وتُعدّ هذه الحلقات منبراً للحوار المفتوح بين الشيخ والشباب حول قضايا التصوف والسلوك الإسلامي.
ما معنى تقديم الأدب على العلم وما علاقة العلم بالتقوى والوصول إلى الله؟
العلم في القرآن والسنة كان يعني دائماً ما يوصل إلى الله، فإذا لم يوصلك العلم إلى الله فهو علم لا ينفع. والعلم الحقيقي هو نسق مكوّن من المعلومات زائد المنهج إضافة إلى الأدب، فالعلم الخالي من الأدب لن يوصل صاحبه إلى الله. وقد أكد القرآن الكريم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ فالعلم يأتي نتيجة للتقوى والأدب.
كيف عرّف علي بن أبي طالب التقوى وما علاقتها بتقديم الأدب على المعلومات؟
عرّف سيدنا علي بن أبي طالب التقوى بأنها: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وقد استشهد القرآن بأن العلماء هم من يخشون الله حقاً. وعندما يُقال إن الأدب فضل على العلم، فالمقصود أنك إذا اضطررت للاختيار بين المعلومات والأدب فالأدب أولى.
كيف قدّم أبو بكر الصديق الأدب على الامتثال المباشر لأمر النبي في الصلاة؟
كان أبو بكر الصديق يصلي إماماً بالناس فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالبقاء في مكانه، تأخّر أبو بكر أدباً مع النبي رغم الأمر. وبعد الصلاة سأله النبي عن سبب تأخره فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله. وقد وصف النبي هذا الموقف بأنه أدب عالٍ، مما يدل على أن الأدب قد يُقدَّم على الامتثال المباشر.
كيف قدّم علي بن أبي طالب الأدب على الامتثال في صلح الحديبية؟
في صلح الحديبية أمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً بمحو عبارة رسول الله من وثيقة المعاهدة، فرفض علي قائلاً: والله لا أمحوها أبدًا. وهذا الرفض لم يكن عصياناً بل كان أدباً رفيعاً إذ لم يقدر قلبه على محو لقب النبوة بيده.
لماذا أمسك النبي بيده الشريفة ومحا عبارة رسول الله بنفسه في صلح الحديبية؟
النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسم خطة كبيرة لتحييد أهل مكة وكسر الطوق المضروب على المسلمين، فأمسك بيده الشريفة الكتاب ومحا عبارة رسول الله بنفسه. وقد قدّم علي الأدب لأنه لم يقدر على محوها بيده، وهذا الموقف يُثبت أن الأدب قد يُقدَّم على الاتباع المباشر.
هل يجب أن يكون الذكر والدعاء وارداً بنص محدد عن النبي أم يجوز الذكر بما يجد المرء قلبه؟
النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا المنهج لا النص الحرفي المغلق، فالذكر مفتوح والدعاء مفتوح. وقد فهم الإمام الشافعي هذا المنهج فلما دخل مصر ووجد المصريين يكبّرون التكبير الطويل المعروف قال: فإن كبّر بما يكبّر عليه الناس الآن فحسن. فمن يُلزم الناس بنص بعينه يكون ضد السنة لا معها.
ما المقصود بالنسق المفتوح في السنة النبوية وكيف يظهر في التلبية والدعاء؟
النسق المفتوح يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الذكر والدعاء والتلبية مفتوحة غير محصورة في نص واحد، فقد سمع تلبيات متعددة وتركها. والدليل أنه لم يتدخل إلا عندما خالف أحدهم العقيدة بقوله إلا شريكاً هو لك، فأوقفه عند ذلك الحد فقط.
هل أدعية الطواف واردة في السنة النبوية وما الموقف الصحيح منها؟
كل أدعية الطواف لم ترد في السنة النبوية بنصوص محددة، لكن المنهج من السنة. فإن دعا المرء بما يدعو به الناس فحسن، وإن لبّى بما يلبّي الناس فحسن، لأن النبي علّمنا المنهج المفتوح لا النص المغلق.
ما قصة بلال وركعتي الوضوء وكيف تدل على مشروعية العمل الصالح غير المأمور به تحديداً؟
رأى النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً في المنام وسمع خشخشة نعليه في الجنة قبله، فسأله بمَ نال ذلك. فأجاب بلال أنه ما توضأ إلا وصلى ركعتين، وهاتان الركعتان لم يأمر بهما النبي تحديداً. فقال النبي: فهما بهما يا بلال، مما يدل على أن العمل الصالح المنبثق من المنهج مقبول وإن لم يُنص عليه بعينه.
ما قصة الصحابي الذي زاد في دعاء الرفع من الركوع وكيف كان رد النبي والملائكة؟
زاد أحد الصحابة في دعاء الرفع من الركوع فقال: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً طاهراً مباركاً فيه ملء السماوات والأرض. فبعد الصلاة أخبر النبي أنه رأى بضعاً وثلاثين ملكاً يتسابقون أيهم يصعد بهذا الدعاء إلى السماء. وهذا يدل على أن الزيادة في الذكر والدعاء بما لا يخالف العقيدة مقبولة ومحمودة.
ما الفرق بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياة النبي صلى الله عليه وسلم؟
معايشة عصر النبي تعني محاولة تقليد الزمان والمكان والشكل الخارجي لحياته، وهذا خطأ لأن ذلك العصر انقضى. أما معايشة حياة النبي فتعني تطبيق منهجه وأخلاقه في كل زمان ومكان. والفرق جوهري لأن الحياة النبوية متجاوزة للزمان والمكان بينما العصر النبوي قدر مضى.
ما القاعدة الجامعة في موضوع الأدب والعلم وحياة النبي التي تلخص ما سبق؟
القاعدة الجامعة هي أن الأدب جزء لا يتجزأ من العلم، وإذا كانت هناك مقارنة بين الأدب والمعلومات فالأدب أولى. كما أن الأدب قد يُقدَّم في كثير من المواقف على الامتثال والاتباع المباشر. وكل هذا يصبّ في الفرق الجوهري بين أن نعيش عصر النبي وبين أن نعيش حياة النبي.
كيف كانت مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند المشركين وما دلالة إيداعهم أماناتهم عنده؟
كان المشركون يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويحترمونه حتى إن أبا لهب أحبه قبل البعثة وأعتق جاريته ثويبة فرحاً بمولده. وكان المشركون يضعون أماناتهم ووودائعهم عنده لثقتهم به، حتى إنه عند الهجرة أقام علياً ليرد الودائع لأصحابها. وهذه المهابة والمحبة جاءت من مواقف النبي مع الجميع.
كيف تجلّت مهابة النبي صلى الله عليه وسلم في قصة استرداد الوديعة من أبي جهل؟
جاء رجل يشكو أن أبا جهل لا يعطيه وديعته، فأشار الناس عليه بالذهاب إلى النبي. فلما طرق النبي باب أبي جهل وطلب منه تسليم الوديعة، دخل أبو جهل وأحضرها وأعطاها للرجل دون تردد. وهذه المهابة والاحترام جاءت من مواقف النبي مع المشركين وغيرهم.
كيف يكون المسلم داعية بأخلاق النبي ولماذا يجب أن يحب الناس المسلمين حتى المشركون منهم؟
النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبه الجميع حتى المشركون، وهذا هو النموذج الذي ينبغي أن يحتذيه المسلم. فالمشرك وعابد الوثن هو الزبون الذي يُراد هدايته على أيدي المسلمين، فكيف تهديه إذا كرهك؟ ونحن نريد أن نحيا حياة النبي بأخلاق السيد المصطفى لنكون دعاة للستة مليارات على وجه الأرض.
كيف تُطبَّق حياة النبي في عصر التكنولوجيا والتغيرات الحديثة؟
حياة النبي صلى الله عليه وسلم ستُطبَّق مع كل تغيرات العصر لأنها منهج لا شكل، فالاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة لا تتعارض مع حياة النبي. أما عصر النبي فقد تجاوزناه بتغير الزمان والمكان. والفرق أن عصره كان مرحلة، أما حياته فمنهج صالح لكل مرحلة.
لماذا لا يصح تطبيق الطب النبوي حرفياً دون مراعاة تغير البيئة والظروف؟
الطب النبوي مرتبط ببيئة محددة، فألية الشاة العربية التي تعالج عرق النسا كانت فعّالة لأن الشاة كانت ترعى نباتات البادية فتتركز فيها المواد المؤثرة. أما اليوم فالشاة تُربّى في صوب زراعية وتأكل ورقاً، فتناول ألية شاة اليوم يسبب ارتفاع الكوليسترول. ومن يطبق الطب النبوي حرفياً دون مراعاة هذا التغير يعيش عصر النبي لا حياته.
كيف أثّر تغير طريقة زراعة الأعشاب والتلوث وأسلوب الحياة على تطبيق الطب النبوي؟
الأعشاب اليوم تُزرع في صوب زراعية فتكون جرعتها أضعاف ما كانت عليه في الزمن القديم. يُضاف إلى ذلك التلوث البيئي والأدوية الكيميائية التي أضعفت أجسامنا، فضلاً عن أن الإنسان القديم كان متصلاً بالطبيعة يمشي ويركب ويصعد الجبال، بينما الإنسان اليوم يعيش في راحة تامة. كل هذه العوامل تجعل الجرعات القديمة غير مناسبة لأجسام اليوم.
ما الفرق بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياته في مجال العلاج والطب؟
معايشة عصر النبي في الطب تعني تطبيق الجرعات والأساليب القديمة حرفياً دون مراعاة تغير الظروف، وهذا خطأ. أما معايشة حياة النبي في الطب فتعني الأخذ بمبدأ أن لكل داء دواء والبحث عنه، واستخدام الأعشاب بأوضاعها المجرّبة الحديثة وبالجرعة المناسبة. وكذلك الأمر في مسألة السيف والدبابة، فحياة النبي تعني الأخذ بأفضل الوسائل المتاحة.
كيف يكون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان وما النماذج التي تركها النبي لذلك؟
الإسلام صالح لكل زمان ومكان لأنه منهج حياة لا مقتصر على مكان أو عصر بعينه. وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم نماذج متعددة للحياة: نموذج الحبشة، ونموذج مكة، ونموذج المدينة أولاً وأخيراً. وهذه النماذج المتعددة تُمكّن المسلم من العيش في كل مكان وزمان بحياة النبي.
كيف يعيش المسلم حياة النبي في ظل أنظمة معادية للإسلام أو غير إسلامية؟
النبي ترك نموذج الحبشة للمسلمين الذين يعيشون في ظل أنظمة غير إسلامية، فكما عاش المسلمون في مكة وسط المشركين يمكن للمسلم أن يعيش في أي نظام. وقد تغيّرت الأحوال عبر الزمن، فالدول التي كانت تحرق المصاحف أصبحت اليوم تطبع أحسن طبعاتها وتُقيم المراكز الإسلامية. وهذا يدل على أن حياة النبي قادرة على التعايش مع جميع الأنظمة.
لماذا الحياة النبوية متجاوزة للزمان والمكان وكيف نظل معها أبداً؟
الحياة النبوية متجاوزة للزمان والمكان والأشخاص وجميع الأحوال لأنها منهج رباني لا مرحلة تاريخية. أما عصر النبي فهو قدر لو خُلقنا فيه لعشناه، لكننا لم نُخلق فيه. ولذلك سنظل أبد الآبدين مع حياة النبي لأنها الثابت الذي لا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.
لماذا يتهم بعض السلفيين أهل التصوف بالبدعة وما الرد على ذلك؟
اتهام أهل التصوف بالبدعة هو في حقيقته هدم لجزء كبير من الدين وهو مرتبة الإحسان. وهذا الموقف ينبع من قسوة في القلوب ومشرب عنيف يريد التكفير والتشدد. وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب هذا التوجه بما يستحقونه، وسيُفصَّل الحديث عن مفهوم البدعة وتحديدها في حلقة قادمة.
الأدب جزء لا يتجزأ من العلم الحقيقي، وحياة النبي منهج مفتوح متجاوز للزمان والمكان لا يُختزل في عصره.
الأدب والعلم في الإسلام وجهان لعملة واحدة؛ فالعلم الخالي من الأدب والتقوى لا يوصل صاحبه إلى الله ويبقى مجرد معلومات متفرقة. وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، فالعلم النافع ثمرة للتقوى والأدب معاً، وإذا اضطُرّ المرء للاختيار فالأدب أولى من المعلومات المجردة.
الفرق الجوهري بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياته يتجلى في أن عصره مرتبط بزمان ومكان انقضيا، بينما حياته منهج مفتوح صالح لكل زمان ومكان. وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم نماذج متعددة للحياة في الحبشة ومكة والمدينة، كما ترك السنة نسقاً مفتوحاً في الذكر والدعاء والتلبية، ومن يغلق هذا النسق يكون ضد السنة لا معها.
أبرز ما تستفيد منه
- العلم الحقيقي هو معلومات مضافة إليها المنهج والأدب والتقوى.
- الأدب قد يُقدَّم على الامتثال المباشر كما فعل أبو بكر وعلي.
- السنة النبوية جاءت بنسق مفتوح في الذكر والدعاء يجب أن يبقى مفتوحاً.
- حياة النبي متجاوزة للزمان والمكان، وعصره قدر لا يمكن استنساخه.
- اتهام أهل التصوف بالبدعة هدم لمرتبة الإحسان التي هي ركن في الدين.
افتتاح الحلقة والترحيب بالشباب لمناقشة موضوع التصوف الإسلامي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضى.
معنا مجموعة من الشباب نتلقى أسئلتهم حول موضوع التصوف الإسلامي بجزئياته المختلفة، مرحبًا أيها الشباب، من لديه سؤال اليوم؟
معنى تقديم الأدب على العلم وعلاقة العلم بالتقوى والوصول إلى الله
[الضيف]: مولانا، كان أهلنا يقولون لنا قديمًا مقولة: الأدب قدّموه على العلم. فما معنى أن نقدّم الأدب على العلم؟ وهل يمكن فعلًا مثلًا في الأمور الواجبة أو الفرائض أن نقدّم عليها شيئًا يتعلق بالأدب مع الشيخ أو مع الناس؟
[الشيخ]: هو في الحقيقة كلمة العلم في القرآن وفي السنة وفي استعمال المسلمين كانت تعني دائمًا ما يوصل إلى الله؛ فإذا لم يوصلك العلم إلى الله فهو علم لا ينفع، والجهل به لا يضر.
ولذلك، العلم هو عبارة عن مجموعة من المعلومات؛ فالعلم نسق مكوّن من المعلومات زائد المنهج إضافة إلى الأدب. أما العلم الذي يخلو من الأدب لن يوصل صاحبه إلى الله؛ فسيظل مجرد معلومات متفرقة.
أما إذا جمعتها بطريقة معينة وأحطتها بالأدب وأحطتها بالتقوى -والتقوى من الأدب- فتصبح علمًا.
قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
فالعلم سيأتيك نتيجة للتقوى، ونتيجة للأدب.
تعريف سيدنا علي بن أبي طالب للتقوى وعلاقتها بالأدب والاستعداد
[الشيخ]: عندما سُئل سيدنا علي بن أبي طالب عن التقوى قال: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل -انظر إلى الأدب- والاستعداد ليوم الرحيل.
فينبغي للإنسان أن يعيش في حالة استعداد.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
إذن العلم هنا المقصود به هو ما كان نتاج التقوى، وكذلك ما كان مختلطًا بالأدب. فعندما يقول لك إن الأدب فضل على العلم، أنه [لو اضطررت للاختيار] لو كنت ستترك المعلومات أم ستترك الأدب، قال لك: بل الأدب فضل على هذه المعلومات.
فالعلم هنا ليس بمعناه الواسع، المعنى هنا هو المعلومات. أتضحّي بالمعلومات أم تضحّي بالأدب؟
موقف أبي بكر الصديق في الصلاة وتقديم الأدب على الاتباع المباشر
[الشيخ]: لقد وجدنا من السنة أن الصحابة قدّموا الأدب حتى على الاتباع. فسيدنا أبو بكر الصديق كان يصلي بالناس إمامًا، والنبي عليه الصلاة والسلام في مرضه تحامل على نفسه وتوجّه ليصلي؛ فقد كان سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يحسّ بالراحة في الصلاة، فكان يقول لبلال:
«أرحنا بها يا بلال»
فعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه نشاطًا قليلًا فتوكّأ هنا [يمينًا] -كان ربما سيدنا علي بن أبي طالب- وهنا [يسارًا] سيدنا سفينة أو سيدنا العباس ويتوكّأ عليهم.
فالصحابة [عندما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم] أرادوا أن ينبّهوا أبا بكر الصديق الذي لم يلتفت [لأنه إمام في الصلاة]. وعندما لاحظ أبو بكر -أي بطرف عينه- سيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام فتأخّر.
فقال له عليه الصلاة والسلام: «مكانك يا أبا بكر» [أي ابقَ مكانك وصلِّ إمامًا]. فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يجد شيئًا في أن يُصلّى خلفه [مأمومًا من أبي بكر].
وقد حدث أن النبي عليه الصلاة والسلام مرة صلّى خلف أحد حواريّه وهو عبد الرحمن بن عوف، وقال عليه الصلاة والسلام:
«إنه يجب على النبي أن يصلي خلف أحد من حواريّه وأنت من حواريّي فقد صليت خلفك»
فلم يرضَ أبو بكر وتأخّر. فبعد أن انتهت الصلاة بإمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا أبا بكر ما لك لم تقف إذ أمرتك؟ قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا أدب عالٍ.
موقف سيدنا علي بن أبي طالب في صلح الحديبية وتقديم الأدب على الامتثال
[الشيخ]: كذلك فعل سيدنا علي بن أبي طالب في صلح الحديبية، عندما كان يكتب المعاهدة بين سيدنا صلى الله عليه وسلم وبين سهيل بن عمرو.
فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال له [سهيل بن عمرو]: وما الرحمن وما الرحيم؟ لا نعرف ما هو الرحمن الرحيم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إذن ماذا نكتب؟ فقال له: اكتب باسمك اللهم كما اعتدنا في مكة.
فقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي: امحه يا علي. فمحا عليٌّ "الرحمن الرحيم" وكتب "باسمك اللهم"، وزاد الميم على لفظ الجلالة.
ثم كتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله. فقال له [سهيل بن عمرو]: لو عرفنا أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا تريد؟ أجاب: اكتب هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي: امحه يا علي. قال [سيدنا علي بن أبي طالب]: والله لا أمحوها أبدًا.
النبي يمحو بيده الشريفة وتقديم علي للأدب على الامتثال المباشر
[الشيخ]: في هذا الموقف النبي عليه الصلاة والسلام يرسم خطة كبيرة لتحييد أهل مكة وأحوالهم؛ لكي يكسر الطوق، فخيبر في شمال المدينة ومكة في جنوب المدينة بالإضافة إلى تميم في نجد وسيُطبقون عليه ليُضيّعوا [الإسلام].
فأراد [النبي عليه الصلاة والسلام] أن يُحيّد مكة، فأمسك بيده الشريفة الكتاب، ومحا "رسول الله"، فهو عليه الصلاة والسلام الذي محاها.
فقدّم عليٌّ الأدب؛ لأنه لم يقدر على محوها. هذه [المواقف] انتهت على [تقديم الأدب على] الاتباع.
تصحيح مفهوم خاطئ بأن كل فعل لابد أن يكون واردًا عن النبي تحديدًا
[الشيخ]: يوجد أشياء كثيرة جدًّا خاطئة نعلّمها للناس، من ضمنها أنه لابد أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام فعلها لكي أفعلها أنا. وهذا غير صحيح؛ فالصحابة فعلوا أشياء كما علّمهم النبي المنهج.
ولذلك هذا سيفيدك، هذا الكلام في الذكر: هل الذكر لا بد أن يكون واردًا عن سيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام، أم حيثما وجدت قلبك؟ النبي علّمنا أنه حيثما وجدت قلبك [فاذكر الله بما شئت].
لهذا، الإمام الشافعي [أحد الأئمة الأربعة الكبار عند أهل السنة والجماعة] فهم هكذا [أن النبي علّمنا أن نذكر الله حيثما نجد قلوبنا]؛ لأنه إمام، لأنه عالم. فلما دخل مصر وجد المصريين يكبّرون في العيد التكبير المعروف الطويل [المعروف في مصر]، فقال: فإن كبّر بما يكبّر عليه الناس الآن فحسن.
النسق المفتوح في السنة النبوية وحرية الذكر والدعاء والتلبية
[الشيخ]: لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاء بنسق مفتوح، وأنت تريد أن تغلقه فتكون أنت ضد السنة.
النسق المفتوح هو أن الذكر مفتوح والدعاء مفتوح، فيجب أن يبقى مفتوحًا. فجاء:
«لبيك حقًّا حقًّا، لبيك تعبّدًا ورقًّا»
تركه [النبي عليه الصلاة والسلام].
«لبيك وسعديك والخير كله في يديك»
تركه.
«لبيك وسعديك»
فتأتي أنت لتقول: لبيك يا إله العالمين مثلًا، يعني لبيك من العبد الضعيف، لبيك من المصريين، لا يحدث له شيء. لماذا؟ لأن النبي ترك النسق مفتوحًا فيجب أن يبقى مفتوحًا.
فعلّمنا أنه ترك الناس تلبّي. فلما جاء واحد وخالف العقيدة وقال: "إلا شريكًا هو لك ملكته وما ملكك"، قال له: توقّف، هذا خطأ، هذا الكلام لا تقله هكذا مرة أخرى.
المنهج من السنة وأدعية الطواف والتلبية ليست محصورة في نص بعينه
[الشيخ]: إذا جاء أحد وقال لنا مثلًا شيئًا، مثلًا قال لك: هذا لم يرد في السنة. نعم، قل له: نعم أنا أعرف أنها لم ترد في السنة. كل أدعية الطواف لم ترد في السنة، ولكن المنهج من السنة.
فإن لبّى بما يلبّي الناس فحسن، وإن دعا بما يدعو به الناس فحسن. وهكذا المنهج من السنة.
قصة بلال وركعتي الوضوء التي لم يأمر بها النبي تحديدًا ورآه بها في الجنة
[الشيخ]: أين السنة [في ذلك]؟ بلال: النبي عليه الصلاة والسلام يراه في المنام ويقول:
«يا بلال رأيتك وسمعت خشخشة نعليك قبلي في الجنة»
-قبل سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام- فبِمَ هذا؟
فقال [سيدنا بلال]: والله لا أدري يا رسول الله، ولكني ما توضّأت إلا وصلّيت ركعتين. هاتان [الركعتان] لم يأمر بهما النبي عليه الصلاة والسلام تحديدًا، والنبي عليه الصلاة والسلام رآه في الجنة من الركعتين هاتين.
فقال [النبي عليه الصلاة والسلام]:
«فهما بهما يا بلال»
قصة الصحابي الذي زاد في دعاء الرفع من الركوع وفرح الملائكة بها
[الشيخ]: كذلك -فيما أخرجه النسائي- أحد الصحابة يرفع [من] الركوع، النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»
فذكر الصحابي [وهو يصلي خلف النبي عليه الصلاة والسلام] فقال:
«ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء»
فبعد الصلاة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: من الذي قال عند الرفع من الركوع ما قال؟ فخاف [الصحابي الذي ذكر ما ذكر] لئلا يكون قد قال شيئًا خطأ.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من؟ فإنه لم يقل إلا خيرًا. قال له: أنا يا رسول الله. قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يصعد بها إلى السماء»
أكانت الملائكة لا تفهم وهؤلاء المتشددون المتطرفون [الشيخ متعجبًا] هم الذين يفهمون؟ إن الملائكة فرحت بها، فرحت بها قبل إقرار النبي.
الفرق بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياة النبي صلى الله عليه وسلم
[الشيخ]: ولذلك فهذه تعليمات خاطئة. لماذا؟ لأنهم أرادوا أن يعيشوا عصر النبي، ونحن نريد أن نعيش حياة النبي [يشدّد الشيخ على حفظ هذه الجملة].
وإلى ما بعد الفاصل نواصل.
ملخص ما قبل الفاصل وقاعدة تقديم الأدب على المعلومات والامتثال
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
كنا نتحدث قبل الفاصل في قضية الأدب فضل على العلم، وقلنا إن الأدب هو جزء لا يتجزأ من العلم. ولذلك إذا كانت هناك مقارنة بين الأدب وبين المعلومات، فأهون علينا أن نترك المعلومات ولكن لا نترك الأدب.
ثم تحدثنا عن قاعدة جليلة وهي أن: الأدب قد يفضل -في بعض الأحيان، بل وفي كثير من المواقف- على الامتثال والاتباع. وأن هذه القسوة التي يُراد منها أن نعيش عصر النبي، نقول لهم إننا نريد أن نعيش حياة النبي.
مواقف النبي مع الآخرين وحب أبي لهب له قبل البعثة وإيداع المشركين أماناتهم عنده
[الشيخ]: مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الآخرين: هذا الرجل الذي أحبه الجميع. أحبه أبو لهب [عم النبي عليه الصلاة والسلام ومن ألدّ أعدائه] فأعتق ثويبة [جارية أبي لهب] عندما بشّرته بمولد النبي عليه الصلاة والسلام. خطب [أبو لهب] بنتَي النبي عليه الصلاة والسلام رقية وأم كلثوم لابنيه عتبة وعتيبة.
أبو لهب كان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه رأى فيه يتيم أبي طالب، ما لم يرَ فيه النبوة؛ فاستوجب أن نتلو فيه قرآنًا إلى يوم الدين.
هؤلاء المشركون الذين وضعوا أمتعتهم وأماناتهم عند رسول الله، لدرجة أنه عندما أراد أن يهاجر أقام عليها عليًّا [سيدنا علي بن أبي طالب] حتى يردّ الودائع إلى مستحقيها. أنتم تحاربونه وتضيّقون عليه أم تضعون عنده الودائع؟
هم يحبونه، كانوا يحبونه. هذا الشخص الذي كانوا يحبونه، هذا الشخص [النبي عليه الصلاة والسلام] الذي كانوا أيضًا يحترمونه ويقدّرونه.
قصة استرداد الوديعة من أبي جهل ومهابة النبي عند المشركين
[الشيخ]: عندما جاء الرجل كان قد وضع وديعة عند أبي جهل [عمرو بن هشام المخزومي، كان من سادات قريش وزعيمها بعد وفاة عبد المطلب]، فذهب وقال: يا إخواننا إنه لا يريد أن يعطيني إياها.
فقالوا له: اذهب إلى الرجل الذي هناك، وأشاروا له إلى سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام. هو الذي سيعرف كيف يحضرها لك من أبي جهل -على أساس أن النبي يذهب إلى أبي جهل فأبو جهل يسخر وشيء كهذا فيضحكوا-.
فلما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والرجل إلى أبي جهل، طرق عليه الباب ففتح أبو جهل. قال [النبي عليه الصلاة والسلام] له: سلّم الوديعة للرجل. فدخل أبو جهل أحضر الوديعة وأعطاها للرجل.
هذه المهابة، هذا الحب، هذا الخوف، هذا الاحترام، هذا التقدير لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم. جاء من أين؟ جاء من مواقف النبي عليه الصلاة والسلام مع المشركين وغيرهم.
موقف المطعم بن عدي مع أبي بكر ونموذج حياة النبي في التعامل مع الجميع
[الشيخ]: لماذا المطعم بن عدي [زعيم من قريش من بني عبد مناف، اشتهر بموقفه النبيل حيث أجار النبي محمدًا عليه الصلاة والسلام عندما عاد من الطائف، وأدخله مكة آمنًا مع أولاده مسلّحين] يذهب مسرعًا إلى أبي بكر [أبي بكر الصديق] ويقسم عليه ألا يهاجر إلى الحبشة، مؤكدًا حمايته وجواره: في حمايتي وفي جواري.
كان هناك مواقف، كان هناك حياة. حياة نحن نريد [أن نعيشها كما عاشها] النبي عليه الصلاة والسلام. نحن نريد أن يحبنا الناس.
حتى المشرك؟ نعم، حتى المشرك. عابد الوثن؟ أجل عابد الوثن. نعم، نريده أن يحبنا؛ لأن هو زبوننا الذي نريد أن يهديه الله على أيدينا.
هناك أناس ليس لديهم هذا [الفهم] ويوجبوا أن يقتلوه هو وابنه وأهله ويريقوا الدماء. إذن زبائنكم [المستهدفين للدعوة من المتطرفين] لن يبقى منهم أحد. لكن زبائننا [المستهدفين من الدعوة] هم الستة مليارات الذين يوجدون على وجه الأرض.
فنريد أن نحيا حياة النبي، أن نكون بأخلاق السيد المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الفرق بين اختزال الإسلام في عصر النبي وبين تطبيق حياته في كل زمان ومكان
[الشيخ]: فرق كبير أن تختزل الأمر في عصر النبي: زيًّا، وشكلًا، وأداءً. الدنيا تغيّرت: ففيها اتصالات، ومواصلات، وتقنيات حديثة جعلت الليل نهارًا، والنهار ليلًا.
لقد أصبحنا في الجوار [أي قريبين] بالهاتف والتلفزيون والقمر الصناعي والإنترنت وغير ذلك. ولكن حياة النبي ستُطبّق مع كل هذا [صالحة لكل زمان].
ربما عصر النبي عليه الصلاة والسلام لم يعد موجودًا وتجاوزناه، قد يكون كان فيه خير.
خطأ تطبيق الطب النبوي حرفيًا دون مراعاة تغير الظروف والبيئة
[الشيخ]: يأتي من يقول لي: أريد الطب النبوي. أقول له: الطب النبوي، أين ألية شاة عربية؟ [في الطب النبوي، يُعدّ استخدام ألية شاة أعرابية -دهن الألية من غنم البادية- علاجًا لمرض عرق النسا].
الشاة الأعرابية تأكل من العرفج وتأكل من نباتات البادية، فتتركّز المواد المؤثرة فيها في الألية الخاصة بها. فهذه الألية تعالج عرق النسا.
اليوم إن تأكل ألية معزة أو خروف -ما هو إلا آكل ورق وقليل من البطيخ وقشر الشمام- يصيبك زيادة في الكوليسترول [ارتفاع الدهون في الدم، قد يتسبب في تصلب الشرايين]. والناس بعدها [تلوم الطب النبوي] تقول إنه طبّق الطب النبوي.
يا لها من قلة ديانة [الشيخ مستنكرًا]! قلة الديانة، كيف يمكنك ممارسة الطب النبوي؟ أنت تريد أن تعيش عصر النبي عليه الصلاة والسلام، هذا خطأ.
تغير الأعشاب والأدوية والبيئة يستوجب تحديث الجرعات والطرق العلاجية
[الشيخ]: فيأتي أحدهم يقول: هناك الحبة الفلانية وتأثيرها كذا. تلك الحبوب الآن يزرعوها في صُوب [صوب زراعية وليست برية]. فعندما تذهب لتتناولها وتأخذ ملعقة كما كان داوود الأنطاكي [هو طبيب وحكيم وصيدلي أعمى من القرن العاشر الهجري] يقول، هذه الملعقة تكون مائة ضعف الذي أراده.
رقم اثنين: التلوث الحاصل في البلد. رقم ثلاثة: الأدوية التي أهلكت أجسامنا. رقم أربعة: في السابق كان الإنسان متصلًا اتصالًا مباشرًا بالطبيعة، يركب الخيل ويركب الجمل، ويمشي على قدميه، ويصعد الجبل وينزل.
أنت اليوم جالس في التكييف، وفي هذه الراحة، جسمك لا يتحمل أن يشرب الجرعات الخاصة بألية شاة عربية.
فيأتي من يقول: أريد ألية الشاة العربية، هذه هي التي ستشفيني! فيجعل الناس تسخر منا، وهو لا يدرك أن السُّنَّة ليست هكذا!
الفرق الجوهري بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياته في العلاج والطب
[الشيخ]: أنت تريد أن تعيش عصر النبي، أنت تعيش عصر النبي ولا تعيش حياة النبي.
أما حياة النبي ففيها العلاج؛ لأن لكل داء دواء، وأنه ينبغي علينا أن نبحث لكل داء عن دواء. حتى الأعشاب فنحن نستعملها، ولكن بأوضاعها المجرّبة، بأوضاعها الحديثة، بالجرعة المناسبة.
حينئذ تكون قد عشت حياة النبي. فهناك فرق بين أن تعيش عصر النبي، وبين أن تعيش حياة النبي.
معايشة عصر النبي تعني فعل أشياء لا تحدث الآن، أشياء لا أحد يفعلها. يقول لك: والله إننا ماذا؟ سنمسك السيف فقط، دون دبابة ولا طائرة. لا أحد [عاقلًا] يقول هذا الكلام، ولكن في الواقع قد قيل هذا الكلام أيضًا عندما ظهرت هذه الأشياء في القرن التاسع عشر؛ لأن المفهوم كان أنه يُراد أن نعيش عصر النبي، وهذا غير ممكن.
الإسلام صالح لكل زمان ومكان والنبي ترك نماذج متعددة للحياة
[الشيخ]: لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولأن الإسلام باقٍ إلى يوم القيامة، ولأن الإسلام إنما هو منهج حياة، وليس مقتصرًا على مكان مخصوص ولا على عصر مخصوص.
حتى أن سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام ترك لنا نماذج مختلفة نعيش بها:
- •
ترك لنا نموذج الحبشة.
- •
وترك لنا نموذج مكة.
- •
ونموذج المدينة أولًا.
- •
ونموذج المدينة أخيرًا.
ترك لنا نماذج متعددة لكي نعيش في كل مكان، وفي كل زمان، وبحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في مكان النبي عليه الصلاة والسلام فقط، ولا في عصر النبي فقط.
بل نعيش في جميع الأجواء، ومع جميع الأنظمة، ومع جميع التوجهات.
التعايش مع جميع الأنظمة حتى المعادية للإسلام وتغير الأحوال عبر الزمن
[الشيخ]: حتى مع الذين يكرهوننا، ويحاربوننا مثل الشيوعيين الذين كانوا ضد الدين وضد الإسلام. فأنا رجل مولود في روسيا [الشيخ يضرب مثلًا]، يعني روسي، ماذا أفعل؟ أين أذهب لأعيش؟
كأنك تعيش في مكة [وقت ما كانت الأغلبية مشركة وكافرة في مكة]. في دول تعترف بالإسلام وليس لديها مانع من أن تعيش فيها وتطبع المصحف.
الآن كان قديمًا يحرق لك المصحف ويحرقك مع المصحف، حتى قال الفقهاء: إياك أن تذهب بالمصحف في الدار الفلانية هذه. لماذا؟ قالوا: سيحرقوك أنت وهو [المصحف، تعبيرًا عن العداء الشديد للإسلام]. فمن أجل احترام المصحف ولأجل أمنك لا تأخذه معك.
اليوم اختلفت الحكاية، وأصبح هؤلاء يطبعون أحسن طبعات، وعلى أحسن ورق، وأصبح هناك مراكز إسلامية ومساجد. وهذا ما كنا نعرفه في بداية هذه الحكاية [التعايش مع الإسلام] بالكاد من مائة سنة.
الحقيقة الجوهرية: نحيا حياة النبي المتجاوزة للزمان والمكان لا عصره فقط
[الشيخ]: فنحن الآن أمام حقيقة يجب أن نحفظها، وهي إننا نريد أن نحيا حياة النبي، ولا نريد أن نحيا عصر النبي.
عصر النبي هذا قدر؛ لو كان الله يخلقنا في العصر هذا كنا سنعيشه طبعًا. لكن الحياة النبوية متجاوزة للزمان، متجاوزة للمكان، متجاوزة للأشخاص، متجاوزة لجميع الأحوال.
ولذلك سنظل أبد الآبدين مع حياة النبي وليس مع عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
سبب اتهام السلفيين لأهل التصوف بالبدعة وهدم مرتبة الإحسان
[الضيف الثاني]: مولانا، لماذا اليوم ينتشر بكثرة دائمًا أن السلفيين ينشرون بين الناس أن أهل التصوف هؤلاء أهل بدعة وهم مبتدعة؟ يعني لماذا هذا منتشر جدًّا؟ ويشيعون ما ليس في أهل التصوف؟
[الشيخ]: لأن هذا هدم لجزء كبير من الدين وهو مرتبة الإحسان. قسوة في القلوب، مشرب عنيف، يريد دمًا وتكفيرًا.
ولذلك وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يستحقونه. وفي حلقة قادمة نتحدث عن البدعة وعن مفهومها وتحديدها.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما المقصود بالعلم الذي يوصل إلى الله في القرآن والسنة؟
المعلومات المقترنة بالمنهج والأدب والتقوى
كيف عرّف سيدنا علي بن أبي طالب التقوى؟
العمل بالتنزيل والخوف من الجليل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل
ماذا قال أبو بكر الصديق حين سأله النبي عن سبب تأخره في الصلاة؟
ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله
لماذا رفض علي بن أبي طالب محو عبارة رسول الله في صلح الحديبية؟
لأنه لم يقدر قلبه على محو لقب النبوة بيده أدباً مع النبي
ما موقف الإمام الشافعي من التكبير الطويل المعروف في مصر؟
قال فإن كبّر بما يكبّر عليه الناس الآن فحسن
ما الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بخصوص بلال؟
سمع خشخشة نعليه قبله في الجنة
كم ملكاً رأى النبي يتسابقون لرفع دعاء الصحابي في الركوع إلى السماء؟
بضعاً وثلاثين ملكاً
ما النماذج المتعددة التي تركها النبي للمسلمين ليعيشوا بها في كل زمان ومكان؟
نموذج الحبشة ومكة والمدينة أولاً وأخيراً
لماذا لا يصح تناول ألية الشاة اليوم كعلاج لعرق النسا كما في الطب النبوي القديم؟
لأن الشاة اليوم تُربّى في صوب زراعية وتأكل ورقاً فتسبب ارتفاع الكوليسترول
ما الذي فعله أبو لهب عندما بشّرته ثويبة بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟
أعتقها فرحاً بالخبر
ما الذي فعله أبو جهل حين طلب منه النبي تسليم الوديعة لصاحبها؟
دخل وأحضر الوديعة وأعطاها للرجل فوراً
ما الذي يعنيه وصف اتهام أهل التصوف بالبدعة بأنه هدم لمرتبة الإحسان؟
أن مرتبة الإحسان جزء أساسي من الدين ورفضها يُسقط ركناً دينياً مهماً
ما الفرق بين العلم والمعلومات في الاصطلاح الإسلامي؟
العلم هو نسق مكوّن من المعلومات زائد المنهج إضافة إلى الأدب والتقوى، أما المعلومات المجردة الخالية من الأدب فهي ليست علماً حقيقياً ولا توصل إلى الله.
ما الآية القرآنية التي تربط التقوى بالعلم؟
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ من سورة البقرة، وهي تدل على أن العلم الحقيقي ثمرة للتقوى.
ما الآية القرآنية التي تربط الخشية بالعلم؟
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ من سورة فاطر، وهي تدل على أن العلم الحقيقي يُفضي إلى خشية الله.
ما الركعتان اللتان كان بلال يصليهما دون أمر مباشر من النبي؟
كان بلال يصلي ركعتين بعد كل وضوء، وهاتان الركعتان لم يأمر بهما النبي تحديداً، لكن النبي أقرّهما وأخبر أنه رأى بلالاً في الجنة بسببهما.
ما قول النبي لبلال حين أخبره بركعتي الوضوء؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فهما بهما يا بلال، أي أن هاتين الركعتين هما سبب ما رآه من مكانة بلال في الجنة.
ما المقصود بالنسق المفتوح في السنة النبوية؟
يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الذكر والدعاء والتلبية مفتوحة غير محصورة في نص واحد، ومن يُلزم الناس بنص بعينه يكون ضد السنة لا معها.
متى تدخّل النبي لإيقاف أحد المُلبّين في الحج؟
تدخّل النبي حين قال أحدهم في تلبيته: إلا شريكاً هو لك ملكته وما ملكك، فأوقفه لأن هذا الكلام يخالف العقيدة، وهو الحد الوحيد الذي يُوقف عنده النسق المفتوح.
ما الفرق الجوهري بين عصر النبي وحياة النبي؟
عصر النبي مرتبط بزمان ومكان محددين انقضيا وهو قدر لا يمكن استنساخه، أما حياة النبي فمنهج متجاوز للزمان والمكان والأشخاص صالح لكل عصر.
لماذا أقام النبي علياً على الودائع قبيل الهجرة؟
لأن المشركين كانوا يضعون أماناتهم ووودائعهم عند النبي لثقتهم به، فأراد أن يردّها لأصحابها قبل مغادرته مكة حفاظاً على الأمانة.
ما موقف المطعم بن عدي من أبي بكر الصديق؟
ذهب المطعم بن عدي مسرعاً إلى أبي بكر وأقسم عليه ألا يهاجر إلى الحبشة مؤكداً حمايته وجواره، وهذا يدل على المكانة التي كان يحظى بها المسلمون بسبب أخلاقهم.
لماذا لا تصح الجرعات القديمة في الطب النبوي لأجسام الناس اليوم؟
لأن الأعشاب اليوم تُزرع في صوب زراعية فتكون جرعتها أضعاف القديمة، يُضاف إلى ذلك التلوث والأدوية الكيميائية وأسلوب الحياة المريح الذي جعل الأجسام لا تتحمل الجرعات القديمة.
ما النماذج الأربعة التي تركها النبي للمسلمين ليعيشوا بها في كل زمان ومكان؟
ترك النبي نموذج الحبشة، ونموذج مكة، ونموذج المدينة في أوله، ونموذج المدينة في آخره، لتمكين المسلمين من العيش في كل بيئة وظرف.
كيف تغيّر موقف الدول الشيوعية من الإسلام عبر الزمن؟
كانت تلك الدول تحرق المصاحف وتضطهد المسلمين، ثم تحوّل الحال حتى أصبحت تطبع أحسن طبعات المصحف وتُقيم المراكز الإسلامية والمساجد.
ما الخطأ الذي وقع فيه بعض الناس حين ظهرت الأسلحة الحديثة في القرن التاسع عشر؟
قال بعضهم إنهم سيمسكون السيف فقط دون دبابة ولا طائرة، وهذا خطأ نابع من الخلط بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياته، فحياته تعني الأخذ بأفضل الوسائل المتاحة.
ما الذي يجعل الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان؟
لأن الإسلام منهج حياة لا مقتصر على مكان أو عصر بعينه، وقد ترك النبي نماذج متعددة للحياة تُمكّن المسلم من تطبيق منهجه في كل بيئة وظرف.
