الأدب والعلم | رب لترضى جـ 1 | الحلقة العاشرة | قناة الإرث النبوي | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

الأدب والعلم | رب لترضى جـ 1 | الحلقة العاشرة | قناة الإرث النبوي | أ.د علي جمعة

25 دقيقة
  • العلم الحقيقي هو ما يوصل إلى الله، ويتكون من معلومات ومنهج وأدب، والعلم بدون أدب لا يوصل إلى الله.
  • التقوى والأدب مصدران للعلم الحقيقي، كما في قوله تعالى: "واتقوا الله ويعلمكم الله".
  • عندما يقال "الأدب فضل على العلم" يُقصد أن الأدب أهم من المعلومات المجردة.
  • الصحابة قدموا الأدب في مواقف كثيرة، كأبي بكر الذي رفض التقدم على الرسول في الصلاة، وعلي الذي امتنع عن محو كلمة "رسول الله".
  • النبي ترك أموراً كثيرة مفتوحة مثل صيغ الأذكار والأدعية، فالمنهج من السنة وليس التقيد الحرفي.
  • هناك فرق بين العيش في عصر النبي والعيش بحياة النبي وأخلاقه.
  • الإسلام منهج حياة صالح لكل زمان ومكان، وترك النبي نماذج متعددة يمكن اتباعها في مختلف الظروف.
  • التمسك بالحياة النبوية يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، بينما محاولة العيش في عصر النبي غير ممكنة.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالشباب لمناقشة موضوع التصوف الإسلامي

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضى.

معنا مجموعة من الشباب نتلقى أسئلتهم حول موضوع التصوف الإسلامي بجزئياته المختلفة، مرحبًا أيها الشباب، من لديه سؤال اليوم؟

معنى تقديم الأدب على العلم وعلاقة العلم بالتقوى والوصول إلى الله

[الضيف]: مولانا، كان أهلنا يقولون لنا قديمًا مقولة: الأدب قدّموه على العلم. فما معنى أن نقدّم الأدب على العلم؟ وهل يمكن فعلًا مثلًا في الأمور الواجبة أو الفرائض أن نقدّم عليها شيئًا يتعلق بالأدب مع الشيخ أو مع الناس؟

[الشيخ]: هو في الحقيقة كلمة العلم في القرآن وفي السنة وفي استعمال المسلمين كانت تعني دائمًا ما يوصل إلى الله؛ فإذا لم يوصلك العلم إلى الله فهو علم لا ينفع، والجهل به لا يضر.

ولذلك، العلم هو عبارة عن مجموعة من المعلومات؛ فالعلم نسق مكوّن من المعلومات زائد المنهج إضافة إلى الأدب. أما العلم الذي يخلو من الأدب لن يوصل صاحبه إلى الله؛ فسيظل مجرد معلومات متفرقة.

أما إذا جمعتها بطريقة معينة وأحطتها بالأدب وأحطتها بالتقوى -والتقوى من الأدب- فتصبح علمًا.

قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

فالعلم سيأتيك نتيجة للتقوى، ونتيجة للأدب.

تعريف سيدنا علي بن أبي طالب للتقوى وعلاقتها بالأدب والاستعداد

[الشيخ]: عندما سُئل سيدنا علي بن أبي طالب عن التقوى قال: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل -انظر إلى الأدب- والاستعداد ليوم الرحيل.

فينبغي للإنسان أن يعيش في حالة استعداد.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

إذن العلم هنا المقصود به هو ما كان نتاج التقوى، وكذلك ما كان مختلطًا بالأدب. فعندما يقول لك إن الأدب فضل على العلم، أنه [لو اضطررت للاختيار] لو كنت ستترك المعلومات أم ستترك الأدب، قال لك: بل الأدب فضل على هذه المعلومات.

فالعلم هنا ليس بمعناه الواسع، المعنى هنا هو المعلومات. أتضحّي بالمعلومات أم تضحّي بالأدب؟

موقف أبي بكر الصديق في الصلاة وتقديم الأدب على الاتباع المباشر

[الشيخ]: لقد وجدنا من السنة أن الصحابة قدّموا الأدب حتى على الاتباع. فسيدنا أبو بكر الصديق كان يصلي بالناس إمامًا، والنبي عليه الصلاة والسلام في مرضه تحامل على نفسه وتوجّه ليصلي؛ فقد كان سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يحسّ بالراحة في الصلاة، فكان يقول لبلال:

«أرحنا بها يا بلال»

فعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه نشاطًا قليلًا فتوكّأ هنا [يمينًا] -كان ربما سيدنا علي بن أبي طالب- وهنا [يسارًا] سيدنا سفينة أو سيدنا العباس ويتوكّأ عليهم.

فالصحابة [عندما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم] أرادوا أن ينبّهوا أبا بكر الصديق الذي لم يلتفت [لأنه إمام في الصلاة]. وعندما لاحظ أبو بكر -أي بطرف عينه- سيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام فتأخّر.

فقال له عليه الصلاة والسلام: «مكانك يا أبا بكر» [أي ابقَ مكانك وصلِّ إمامًا]. فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يجد شيئًا في أن يُصلّى خلفه [مأمومًا من أبي بكر].

وقد حدث أن النبي عليه الصلاة والسلام مرة صلّى خلف أحد حواريّه وهو عبد الرحمن بن عوف، وقال عليه الصلاة والسلام:

«إنه يجب على النبي أن يصلي خلف أحد من حواريّه وأنت من حواريّي فقد صليت خلفك»

فلم يرضَ أبو بكر وتأخّر. فبعد أن انتهت الصلاة بإمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا أبا بكر ما لك لم تقف إذ أمرتك؟ قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا أدب عالٍ.

موقف سيدنا علي بن أبي طالب في صلح الحديبية وتقديم الأدب على الامتثال

[الشيخ]: كذلك فعل سيدنا علي بن أبي طالب في صلح الحديبية، عندما كان يكتب المعاهدة بين سيدنا صلى الله عليه وسلم وبين سهيل بن عمرو.

فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال له [سهيل بن عمرو]: وما الرحمن وما الرحيم؟ لا نعرف ما هو الرحمن الرحيم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إذن ماذا نكتب؟ فقال له: اكتب باسمك اللهم كما اعتدنا في مكة.

فقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي: امحه يا علي. فمحا عليٌّ "الرحمن الرحيم" وكتب "باسمك اللهم"، وزاد الميم على لفظ الجلالة.

ثم كتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله. فقال له [سهيل بن عمرو]: لو عرفنا أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا تريد؟ أجاب: اكتب هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي: امحه يا علي. قال [سيدنا علي بن أبي طالب]: والله لا أمحوها أبدًا.

النبي يمحو بيده الشريفة وتقديم علي للأدب على الامتثال المباشر

[الشيخ]: في هذا الموقف النبي عليه الصلاة والسلام يرسم خطة كبيرة لتحييد أهل مكة وأحوالهم؛ لكي يكسر الطوق، فخيبر في شمال المدينة ومكة في جنوب المدينة بالإضافة إلى تميم في نجد وسيُطبقون عليه ليُضيّعوا [الإسلام].

فأراد [النبي عليه الصلاة والسلام] أن يُحيّد مكة، فأمسك بيده الشريفة الكتاب، ومحا "رسول الله"، فهو عليه الصلاة والسلام الذي محاها.

فقدّم عليٌّ الأدب؛ لأنه لم يقدر على محوها. هذه [المواقف] انتهت على [تقديم الأدب على] الاتباع.

تصحيح مفهوم خاطئ بأن كل فعل لابد أن يكون واردًا عن النبي تحديدًا

[الشيخ]: يوجد أشياء كثيرة جدًّا خاطئة نعلّمها للناس، من ضمنها أنه لابد أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام فعلها لكي أفعلها أنا. وهذا غير صحيح؛ فالصحابة فعلوا أشياء كما علّمهم النبي المنهج.

ولذلك هذا سيفيدك، هذا الكلام في الذكر: هل الذكر لا بد أن يكون واردًا عن سيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام، أم حيثما وجدت قلبك؟ النبي علّمنا أنه حيثما وجدت قلبك [فاذكر الله بما شئت].

لهذا، الإمام الشافعي [أحد الأئمة الأربعة الكبار عند أهل السنة والجماعة] فهم هكذا [أن النبي علّمنا أن نذكر الله حيثما نجد قلوبنا]؛ لأنه إمام، لأنه عالم. فلما دخل مصر وجد المصريين يكبّرون في العيد التكبير المعروف الطويل [المعروف في مصر]، فقال: فإن كبّر بما يكبّر عليه الناس الآن فحسن.

النسق المفتوح في السنة النبوية وحرية الذكر والدعاء والتلبية

[الشيخ]: لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاء بنسق مفتوح، وأنت تريد أن تغلقه فتكون أنت ضد السنة.

النسق المفتوح هو أن الذكر مفتوح والدعاء مفتوح، فيجب أن يبقى مفتوحًا. فجاء:

«لبيك حقًّا حقًّا، لبيك تعبّدًا ورقًّا»

تركه [النبي عليه الصلاة والسلام].

«لبيك وسعديك والخير كله في يديك»

تركه.

«لبيك وسعديك»

فتأتي أنت لتقول: لبيك يا إله العالمين مثلًا، يعني لبيك من العبد الضعيف، لبيك من المصريين، لا يحدث له شيء. لماذا؟ لأن النبي ترك النسق مفتوحًا فيجب أن يبقى مفتوحًا.

فعلّمنا أنه ترك الناس تلبّي. فلما جاء واحد وخالف العقيدة وقال: "إلا شريكًا هو لك ملكته وما ملكك"، قال له: توقّف، هذا خطأ، هذا الكلام لا تقله هكذا مرة أخرى.

المنهج من السنة وأدعية الطواف والتلبية ليست محصورة في نص بعينه

[الشيخ]: إذا جاء أحد وقال لنا مثلًا شيئًا، مثلًا قال لك: هذا لم يرد في السنة. نعم، قل له: نعم أنا أعرف أنها لم ترد في السنة. كل أدعية الطواف لم ترد في السنة، ولكن المنهج من السنة.

فإن لبّى بما يلبّي الناس فحسن، وإن دعا بما يدعو به الناس فحسن. وهكذا المنهج من السنة.

قصة بلال وركعتي الوضوء التي لم يأمر بها النبي تحديدًا ورآه بها في الجنة

[الشيخ]: أين السنة [في ذلك]؟ بلال: النبي عليه الصلاة والسلام يراه في المنام ويقول:

«يا بلال رأيتك وسمعت خشخشة نعليك قبلي في الجنة»

-قبل سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام- فبِمَ هذا؟

فقال [سيدنا بلال]: والله لا أدري يا رسول الله، ولكني ما توضّأت إلا وصلّيت ركعتين. هاتان [الركعتان] لم يأمر بهما النبي عليه الصلاة والسلام تحديدًا، والنبي عليه الصلاة والسلام رآه في الجنة من الركعتين هاتين.

فقال [النبي عليه الصلاة والسلام]:

«فهما بهما يا بلال»

قصة الصحابي الذي زاد في دعاء الرفع من الركوع وفرح الملائكة بها

[الشيخ]: كذلك -فيما أخرجه النسائي- أحد الصحابة يرفع [من] الركوع، النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»

فذكر الصحابي [وهو يصلي خلف النبي عليه الصلاة والسلام] فقال:

«ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء»

فبعد الصلاة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: من الذي قال عند الرفع من الركوع ما قال؟ فخاف [الصحابي الذي ذكر ما ذكر] لئلا يكون قد قال شيئًا خطأ.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من؟ فإنه لم يقل إلا خيرًا. قال له: أنا يا رسول الله. قال النبي عليه الصلاة والسلام:

«رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يصعد بها إلى السماء»

أكانت الملائكة لا تفهم وهؤلاء المتشددون المتطرفون [الشيخ متعجبًا] هم الذين يفهمون؟ إن الملائكة فرحت بها، فرحت بها قبل إقرار النبي.

الفرق بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياة النبي صلى الله عليه وسلم

[الشيخ]: ولذلك فهذه تعليمات خاطئة. لماذا؟ لأنهم أرادوا أن يعيشوا عصر النبي، ونحن نريد أن نعيش حياة النبي [يشدّد الشيخ على حفظ هذه الجملة].

وإلى ما بعد الفاصل نواصل.

ملخص ما قبل الفاصل وقاعدة تقديم الأدب على المعلومات والامتثال

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

كنا نتحدث قبل الفاصل في قضية الأدب فضل على العلم، وقلنا إن الأدب هو جزء لا يتجزأ من العلم. ولذلك إذا كانت هناك مقارنة بين الأدب وبين المعلومات، فأهون علينا أن نترك المعلومات ولكن لا نترك الأدب.

ثم تحدثنا عن قاعدة جليلة وهي أن: الأدب قد يفضل -في بعض الأحيان، بل وفي كثير من المواقف- على الامتثال والاتباع. وأن هذه القسوة التي يُراد منها أن نعيش عصر النبي، نقول لهم إننا نريد أن نعيش حياة النبي.

مواقف النبي مع الآخرين وحب أبي لهب له قبل البعثة وإيداع المشركين أماناتهم عنده

[الشيخ]: مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الآخرين: هذا الرجل الذي أحبه الجميع. أحبه أبو لهب [عم النبي عليه الصلاة والسلام ومن ألدّ أعدائه] فأعتق ثويبة [جارية أبي لهب] عندما بشّرته بمولد النبي عليه الصلاة والسلام. خطب [أبو لهب] بنتَي النبي عليه الصلاة والسلام رقية وأم كلثوم لابنيه عتبة وعتيبة.

أبو لهب كان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه رأى فيه يتيم أبي طالب، ما لم يرَ فيه النبوة؛ فاستوجب أن نتلو فيه قرآنًا إلى يوم الدين.

هؤلاء المشركون الذين وضعوا أمتعتهم وأماناتهم عند رسول الله، لدرجة أنه عندما أراد أن يهاجر أقام عليها عليًّا [سيدنا علي بن أبي طالب] حتى يردّ الودائع إلى مستحقيها. أنتم تحاربونه وتضيّقون عليه أم تضعون عنده الودائع؟

هم يحبونه، كانوا يحبونه. هذا الشخص الذي كانوا يحبونه، هذا الشخص [النبي عليه الصلاة والسلام] الذي كانوا أيضًا يحترمونه ويقدّرونه.

قصة استرداد الوديعة من أبي جهل ومهابة النبي عند المشركين

[الشيخ]: عندما جاء الرجل كان قد وضع وديعة عند أبي جهل [عمرو بن هشام المخزومي، كان من سادات قريش وزعيمها بعد وفاة عبد المطلب]، فذهب وقال: يا إخواننا إنه لا يريد أن يعطيني إياها.

فقالوا له: اذهب إلى الرجل الذي هناك، وأشاروا له إلى سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام. هو الذي سيعرف كيف يحضرها لك من أبي جهل -على أساس أن النبي يذهب إلى أبي جهل فأبو جهل يسخر وشيء كهذا فيضحكوا-.

فلما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والرجل إلى أبي جهل، طرق عليه الباب ففتح أبو جهل. قال [النبي عليه الصلاة والسلام] له: سلّم الوديعة للرجل. فدخل أبو جهل أحضر الوديعة وأعطاها للرجل.

هذه المهابة، هذا الحب، هذا الخوف، هذا الاحترام، هذا التقدير لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم. جاء من أين؟ جاء من مواقف النبي عليه الصلاة والسلام مع المشركين وغيرهم.

موقف المطعم بن عدي مع أبي بكر ونموذج حياة النبي في التعامل مع الجميع

[الشيخ]: لماذا المطعم بن عدي [زعيم من قريش من بني عبد مناف، اشتهر بموقفه النبيل حيث أجار النبي محمدًا عليه الصلاة والسلام عندما عاد من الطائف، وأدخله مكة آمنًا مع أولاده مسلّحين] يذهب مسرعًا إلى أبي بكر [أبي بكر الصديق] ويقسم عليه ألا يهاجر إلى الحبشة، مؤكدًا حمايته وجواره: في حمايتي وفي جواري.

كان هناك مواقف، كان هناك حياة. حياة نحن نريد [أن نعيشها كما عاشها] النبي عليه الصلاة والسلام. نحن نريد أن يحبنا الناس.

حتى المشرك؟ نعم، حتى المشرك. عابد الوثن؟ أجل عابد الوثن. نعم، نريده أن يحبنا؛ لأن هو زبوننا الذي نريد أن يهديه الله على أيدينا.

هناك أناس ليس لديهم هذا [الفهم] ويوجبوا أن يقتلوه هو وابنه وأهله ويريقوا الدماء. إذن زبائنكم [المستهدفين للدعوة من المتطرفين] لن يبقى منهم أحد. لكن زبائننا [المستهدفين من الدعوة] هم الستة مليارات الذين يوجدون على وجه الأرض.

فنريد أن نحيا حياة النبي، أن نكون بأخلاق السيد المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الفرق بين اختزال الإسلام في عصر النبي وبين تطبيق حياته في كل زمان ومكان

[الشيخ]: فرق كبير أن تختزل الأمر في عصر النبي: زيًّا، وشكلًا، وأداءً. الدنيا تغيّرت: ففيها اتصالات، ومواصلات، وتقنيات حديثة جعلت الليل نهارًا، والنهار ليلًا.

لقد أصبحنا في الجوار [أي قريبين] بالهاتف والتلفزيون والقمر الصناعي والإنترنت وغير ذلك. ولكن حياة النبي ستُطبّق مع كل هذا [صالحة لكل زمان].

ربما عصر النبي عليه الصلاة والسلام لم يعد موجودًا وتجاوزناه، قد يكون كان فيه خير.

خطأ تطبيق الطب النبوي حرفيًا دون مراعاة تغير الظروف والبيئة

[الشيخ]: يأتي من يقول لي: أريد الطب النبوي. أقول له: الطب النبوي، أين ألية شاة عربية؟ [في الطب النبوي، يُعدّ استخدام ألية شاة أعرابية -دهن الألية من غنم البادية- علاجًا لمرض عرق النسا].

الشاة الأعرابية تأكل من العرفج وتأكل من نباتات البادية، فتتركّز المواد المؤثرة فيها في الألية الخاصة بها. فهذه الألية تعالج عرق النسا.

اليوم إن تأكل ألية معزة أو خروف -ما هو إلا آكل ورق وقليل من البطيخ وقشر الشمام- يصيبك زيادة في الكوليسترول [ارتفاع الدهون في الدم، قد يتسبب في تصلب الشرايين]. والناس بعدها [تلوم الطب النبوي] تقول إنه طبّق الطب النبوي.

يا لها من قلة ديانة [الشيخ مستنكرًا]! قلة الديانة، كيف يمكنك ممارسة الطب النبوي؟ أنت تريد أن تعيش عصر النبي عليه الصلاة والسلام، هذا خطأ.

تغير الأعشاب والأدوية والبيئة يستوجب تحديث الجرعات والطرق العلاجية

[الشيخ]: فيأتي أحدهم يقول: هناك الحبة الفلانية وتأثيرها كذا. تلك الحبوب الآن يزرعوها في صُوب [صوب زراعية وليست برية]. فعندما تذهب لتتناولها وتأخذ ملعقة كما كان داوود الأنطاكي [هو طبيب وحكيم وصيدلي أعمى من القرن العاشر الهجري] يقول، هذه الملعقة تكون مائة ضعف الذي أراده.

رقم اثنين: التلوث الحاصل في البلد. رقم ثلاثة: الأدوية التي أهلكت أجسامنا. رقم أربعة: في السابق كان الإنسان متصلًا اتصالًا مباشرًا بالطبيعة، يركب الخيل ويركب الجمل، ويمشي على قدميه، ويصعد الجبل وينزل.

أنت اليوم جالس في التكييف، وفي هذه الراحة، جسمك لا يتحمل أن يشرب الجرعات الخاصة بألية شاة عربية.

فيأتي من يقول: أريد ألية الشاة العربية، هذه هي التي ستشفيني! فيجعل الناس تسخر منا، وهو لا يدرك أن السُّنَّة ليست هكذا!

الفرق الجوهري بين معايشة عصر النبي ومعايشة حياته في العلاج والطب

[الشيخ]: أنت تريد أن تعيش عصر النبي، أنت تعيش عصر النبي ولا تعيش حياة النبي.

أما حياة النبي ففيها العلاج؛ لأن لكل داء دواء، وأنه ينبغي علينا أن نبحث لكل داء عن دواء. حتى الأعشاب فنحن نستعملها، ولكن بأوضاعها المجرّبة، بأوضاعها الحديثة، بالجرعة المناسبة.

حينئذ تكون قد عشت حياة النبي. فهناك فرق بين أن تعيش عصر النبي، وبين أن تعيش حياة النبي.

معايشة عصر النبي تعني فعل أشياء لا تحدث الآن، أشياء لا أحد يفعلها. يقول لك: والله إننا ماذا؟ سنمسك السيف فقط، دون دبابة ولا طائرة. لا أحد [عاقلًا] يقول هذا الكلام، ولكن في الواقع قد قيل هذا الكلام أيضًا عندما ظهرت هذه الأشياء في القرن التاسع عشر؛ لأن المفهوم كان أنه يُراد أن نعيش عصر النبي، وهذا غير ممكن.

الإسلام صالح لكل زمان ومكان والنبي ترك نماذج متعددة للحياة

[الشيخ]: لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولأن الإسلام باقٍ إلى يوم القيامة، ولأن الإسلام إنما هو منهج حياة، وليس مقتصرًا على مكان مخصوص ولا على عصر مخصوص.

حتى أن سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام ترك لنا نماذج مختلفة نعيش بها:

  • ترك لنا نموذج الحبشة.
  • وترك لنا نموذج مكة.
  • ونموذج المدينة أولًا.
  • ونموذج المدينة أخيرًا.

ترك لنا نماذج متعددة لكي نعيش في كل مكان، وفي كل زمان، وبحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في مكان النبي عليه الصلاة والسلام فقط، ولا في عصر النبي فقط.

بل نعيش في جميع الأجواء، ومع جميع الأنظمة، ومع جميع التوجهات.

التعايش مع جميع الأنظمة حتى المعادية للإسلام وتغير الأحوال عبر الزمن

[الشيخ]: حتى مع الذين يكرهوننا، ويحاربوننا مثل الشيوعيين الذين كانوا ضد الدين وضد الإسلام. فأنا رجل مولود في روسيا [الشيخ يضرب مثلًا]، يعني روسي، ماذا أفعل؟ أين أذهب لأعيش؟

كأنك تعيش في مكة [وقت ما كانت الأغلبية مشركة وكافرة في مكة]. في دول تعترف بالإسلام وليس لديها مانع من أن تعيش فيها وتطبع المصحف.

الآن كان قديمًا يحرق لك المصحف ويحرقك مع المصحف، حتى قال الفقهاء: إياك أن تذهب بالمصحف في الدار الفلانية هذه. لماذا؟ قالوا: سيحرقوك أنت وهو [المصحف، تعبيرًا عن العداء الشديد للإسلام]. فمن أجل احترام المصحف ولأجل أمنك لا تأخذه معك.

اليوم اختلفت الحكاية، وأصبح هؤلاء يطبعون أحسن طبعات، وعلى أحسن ورق، وأصبح هناك مراكز إسلامية ومساجد. وهذا ما كنا نعرفه في بداية هذه الحكاية [التعايش مع الإسلام] بالكاد من مائة سنة.

الحقيقة الجوهرية: نحيا حياة النبي المتجاوزة للزمان والمكان لا عصره فقط

[الشيخ]: فنحن الآن أمام حقيقة يجب أن نحفظها، وهي إننا نريد أن نحيا حياة النبي، ولا نريد أن نحيا عصر النبي.

عصر النبي هذا قدر؛ لو كان الله يخلقنا في العصر هذا كنا سنعيشه طبعًا. لكن الحياة النبوية متجاوزة للزمان، متجاوزة للمكان، متجاوزة للأشخاص، متجاوزة لجميع الأحوال.

ولذلك سنظل أبد الآبدين مع حياة النبي وليس مع عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

سبب اتهام السلفيين لأهل التصوف بالبدعة وهدم مرتبة الإحسان

[الضيف الثاني]: مولانا، لماذا اليوم ينتشر بكثرة دائمًا أن السلفيين ينشرون بين الناس أن أهل التصوف هؤلاء أهل بدعة وهم مبتدعة؟ يعني لماذا هذا منتشر جدًّا؟ ويشيعون ما ليس في أهل التصوف؟

[الشيخ]: لأن هذا هدم لجزء كبير من الدين وهو مرتبة الإحسان. قسوة في القلوب، مشرب عنيف، يريد دمًا وتكفيرًا.

ولذلك وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يستحقونه. وفي حلقة قادمة نتحدث عن البدعة وعن مفهومها وتحديدها.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.