الإتحاد | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

الإتحاد | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • تُعَدُّ قيمة الاتحاد من الأخلاق النبوية الحية التي يجب العودة إليها وتعليمها للأبناء.
  • روى أبو داود أن الصحابة شكَوا للنبي عدم الشبع، فأمرهم بالاجتماع على الطعام وذكر اسم الله عليه ليبارك فيه.
  • ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين ذكر الله والبركة في الطعام، فالبسملة تطرد الشيطان.
  • روى الطبراني عن جابر أن النبي كان يقول: "أحب الطعام إلي ما كثرت عليه الأيدي".
  • الاجتماع على الطعام يحقق ترشيد الاستهلاك، وهو مفهوم بدأ العالم يعود إليه اليوم للمحافظة على البيئة.
  • قصة أبي شعيب الأنصاري الذي دعا النبي خامس خمسة تبين كرم النبي وبركة الطعام.
  • كان النبي يقول: "طعام الاثنين يكفي ثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي أربعة".
  • حذر الإسلام من شر الطعام وهو طعام الوليمة الذي يُدعى إليه الأغنياء ويُترك المساكين.
  • يجب تلبية دعوة الأخ المسلم ما لم تكن في معصية لله.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين الرمضانية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في شهر رمضان المعظم.

مراجعة ما سبق من الأخلاق النبوية والانتقال إلى قيمة الاتحاد

تحدثنا في حلقاتنا السابقة عن الأخلاق النبوية التي هي أخلاق عالمية حية وأنشطة يجب علينا أن نعود إليها، وأن نعلمها أبناءنا في مدارسنا، وأن نلهج بها، وأن نقاوم أنفسنا إذا ما نسيناها أو شاع فينا عكس ما أراده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فما هذا الذي أراده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن نعمل معًا في قيمة تُسمى بقيمة الاتحاد. وقيمة الاتحاد تحدثنا عنها في مرة سابقة، ولكن الأحاديث فيها كثيرة جدًّا؛ فهذه حلقة للاتحاد مرة أخرى حتى نأخذ مجموعة من الأحاديث التي لم نذكرها من قبل.

حديث وحشي بن حرب في الاجتماع على الطعام وذكر اسم الله للبركة

فأخرج أبو داود حدثني وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا:

«يا رسول الله، إننا نأكل ولا نشبع»

قال:

«فلعلكم تتفرقون»

يعني كل واحد يأكل وحده. قالوا: نعم. قال:

«فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه»

معنى حقيقي نغفل عنه كثيرًا؛ يا رسول الله نأكل ولا نشبع! إذن ضعوا الطعام معًا وكلوا، فإذا بكم تشعرون بالشبع. ويربط هذا بالعقيدة وبالبركة: واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه.

تعليم النبي البسملة على الطعام وأثرها في طرد الشيطان وجلب البركة

عندما نذكر اسم الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحاول أن يحوّل هذا إلى أمر حسي، فيقول:

«يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك»

وهذا يجعل هناك بركة في الطعام. ويقول بشأن البسملة وهو يضرب لنا الأمثال ويُفهمنا ويُفهم الجميع: الجاهل والعالم، والأمي والبدوي، والحضري والعربي والأعجمي؛ فهم الناس فهمت عنه صلى الله عليه وسلم.

رجل نسي بسم الله الرحمن الرحيم وأكل، ثم بعد ذلك تذكّر فقال: بسم الله أوله وآخره. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال:

«إن الشيطان كان يأكل معه، فلما قال ذلك كأنه تقيّأ»

يعني يريد أن يربط ما بين ذكر الله وما بين البركة في الطعام.

أمر النبي بالاجتماع على الطعام وذكر اسم الله طلبًا للبركة

فقال لهم: اتحدوا، اجتمعوا، لا تتفرقوا، اجتمعوا على الطعام يبارك لكم فيه. أمرهم بأمرين:

  1. الاجتماع على الطعام بدلًا من الفرقة.
  2. ذكر اسم الله طلبًا للبركة.

هذا التعليم [النبوي] في الأكل؛ نحن نظن الاتحاد في أمور اقتصادية، في أمور عسكرية، في سوق مشتركة، لكن الأكل! هذا بناء للملكة [ملكة الاتحاد والاجتماع].

الاتحاد في العبادات من الصلاة والحج والصيام إلى الجهاد

الذي يتحد في الصلاة ويتحد في الأكل ويتحد في عبادة مثل الحج وهي ركن من أركان الإسلام، ويُبنى كل ذلك على الجماعة، الذي:

«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»

فيجتمع المسلمون على صيام شهر واحد وهو شهر رمضان، الذي يأمرهم بأن يكونوا فريقًا واحدًا. يبدأ ذلك من الطعام، وفي العبادة، وفي الجهاد؛ فيكونون في الجهاد صفًّا واحدًا ويقاتلون في سبيل الله سبحانه وتعالى.

حديث جابر الأنصاري في حب الطعام الذي تكثر عليه الأيدي والاجتماع الأسري

ولذلك فإن الطبراني يروي عن جابر الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:

«أحب الطعام إليّ والله ما كثرت عليه الأيدي»

وهذا معنى أيضًا يمكن أن يكون معنًى اجتماعيًّا داخل الأسرة. قديمًا وفي طفولتنا كنا نجتمع مع الأب والأم في الغداء وفي الإفطار وفي العشاء، هذا الاجتماع كان لا بد منه لأننا نجتمع على الطعام، وأحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي.

كان يحدث نوع من أنواع ترشيد الاستهلاك في هذا الاجتماع، كان يحدث نوع من أنواع الشبع من هذا الاجتماع، والأمور متعلقة بأمور نفسية وبأمور واقعية وببركة موروثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ترشيد الاستهلاك بين التعليم النبوي ودعوات المحافظة على البيئة المعاصرة

ولكن في النهاية مقصدها هو ترشيد الاستهلاك. ترشيد الاستهلاك هذا الآن بدأ يدعو إليه من يدعون إلى مراعاة البيئة. الاستهلاك مفهوم أصبح واضحًا لدينا.

كنا نذهب في البداية إلى الفنادق فنجد أنهم يغيرون كل شيء يوميًّا، الآن يأتون ويضعون لك إشعارًا بأنه من أجل البيئة: المناشف أو الفوط التي تريد أن تغيّر ضعها في المكان المحدد، والتي لا تريد أن تغيّر وتريد إعادة استعمالها ضعها في المكان الآخر.

هذا كنا نسير عليه منذ خمسين أو ستين سنة، ولم يكن هذا الإفراط من التغيير غير المبرر لأمور تخرج عن الاتزان بحدود النظافة؛ لأن النظافة من الإيمان وأن الله نظيف يحب النظافة، لكن هذه فيها إفراط.

العودة إلى الاستهلاك الرشيد بعد الإفراط وتعليم النبي الاجتماع على الطعام

أنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم، فهذا الإفراط منهي عنه لكن مأمورون بها [بالنظافة المعتدلة]. الآن عادوا مرة ثانية بعد كل هذه الدعوة للاستهلاك غير الرشيد من أجل المصالح ومن أجل الدرهم والدينار، عادوا مرة أخرى الآن يقولون: المحافظة على البيئة والاستهلاك الرشيد إلى آخره.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستهلاك الرشيد ويضع حدًّا لهذا بمسألة الاجتماع على الطعام.

قصة أبي شعيب الأنصاري ودعوته النبي إلى طعام غلامه اللحام

النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب وكان له غلام لحّام، يعني يبيع اللحم أو يهيئ اللحم، الذي نقول عليه الآن جزّار؛ لأنه هو الذي يقوم بالذبح، لكن لحّام يعني يهيئ اللحم وهو أيضًا كذلك.

فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف في وجهه الجوع. الرجل من الأنصار الذي هو أبو شعيب كان عنده غلام من العبيد صنعته أنه يحضّر اللحم جيدًا. أبو شعيب رأى الجوع في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لغلامه: ويحك — كلمة فيها دعاء أي ربنا يحفظك، الله يحفظك — اصنع لنا طعامًا لخمسة أنفس؛ فإني أريد أن أدعو النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة.

دعوة النبي وإذنه لرجل سادس وبركة الله في الطعام

قال: فصنع [الغلام الطعام]، ثم أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أبو شعيب، بعد أن حضّر طعامًا جيدًا لطيفًا في أمانة الله، ذهب إلى سيدنا رسول الله يدعوه فدعاه خامس خمسة. قال له: أنا أعددت حسابي لخمسة أشخاص والطعام كافٍ لخمسة، فأحضر معك خمسة — أو أربعة معك وأنت خامسهم — يعني أحضر أربعة آخرين.

واتبعهم رجل [سادس لم يكن مدعوًّا]، فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إن هذا اتبعنا، فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع»

قال: لا يا رسول الله، بل إذَنْ له. فدخل فبارك الله لهم في الطعام.

طعام الاثنين يكفي ثلاثة وترشيد الاستهلاك من خلال الاتحاد

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«طعام الاثنين يكفي ثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي أربعة»

وذلك من هذا الاتحاد الذي فيه ترشيد للاستهلاك.

حديث أبي هريرة في شر الطعام وهو طعام الوليمة التي يُمنع منها الفقراء

عن أبي هريرة فيما أخرجه مالك في الموطأ رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول:

«شر الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء ويُترك المساكين، ومن لم يُجِب الدعوة فقد عصى الله ورسوله»

هنا تعلمنا درسين:

الأول: أن طعام الوليمة التي يُمنع منها الفقراء بينما الأغنياء يتمتعون بطيب الطعام، هذه هي شر الولائم وشر الأطعمة. ولذلك يجب علينا أن يكون طعامنا مفتوحًا:

﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9]

والدرس الثاني: أنه إذا دعاك أخوك إلى دعوة فلا بد عليك أن تلبّي ما لم تكن هذه الدعوة فيها معصية لله.

الأمر بالاتحاد وقيمه العالمية والختام بالتوديع

أمرنا [النبي صلى الله عليه وسلم] بالاتحاد وعلّمنا هذه القيم التي أصبحت الآن قيمًا عالمية يسعى الإنسان لأن تعود مرة أخرى في الحياة؛ الناس لشأن الاجتماع البشري المبارك.

إلى لقاء من غدٍ، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.