الإجماع - درجات المعرفة #29 | د. علي جمعة
- •الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على أمر شرعي.
- •ينقسم الإجماع إلى نوعين: إجماع الخاصة (المجتهدين) وهو المعتبر، وإجماع عامة الناس.
- •يوجد أيضاً إجماعات مخصوصة كإجماع الأئمة الأربعة والخلفاء الأربعة.
- •أهمية الإجماع تكمن في الحفاظ على هوية الإسلام وتحويل الظني إلى قطعي.
- •من أمثلة الإجماع: تحريم الخمر والخنزير، وكون صلاة الظهر أربع ركعات، وفرضية صيام رمضان.
- •الإجماع المعاصر يمكن أن يتحقق من خلال المجامع الفقهية، لكنها لم تتفق على شيء حتى الآن.
- •يصعب تحقق الإجماع بسبب اختلاف تقويم الواقع والمصالح وتفسير النصوص.
- •للفقهاء أسباب كثيرة للاختلاف تصل إلى سبعة وثلاثين سبباً، وهذا يعكس مرونة الفقه الإسلامي.
- •الإجماع لا يعارض الاجتهاد بل ينظم مساره ويحدد ثوابت الدين.
- •الإجماع ليس عائقاً أمام الفكر، لكنه يمنع التلاعب بالثوابت الشرعية المتفق عليها.
مقدمة الحلقة وتعريف مفهوم الإجماع عند علماء الأمة
[المذيع]: أهلًا بكم، اليوم نتحدث مع فضيلة الدكتور إن شاء الله حول مفهوم جديد هو مفهوم الإجماع. ماذا يعني هذا المفهوم؟ وما هي مواصفات العلماء الذين حينما يُجمعون على رأي فإننا نأخذ منهم هذا الرأي؟ وما هي مساحة الاجتهاد بعد مصطلح إجماع العلماء؟
أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور، عليكم أهلًا بكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا وسهلًا بفضيلتك.
[المذيع]: مولانا، ما معنى الإجماع؟ وما هي مواصفاته؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عصر من العصور على أمر من الأمور الشرعية، هذا هو معنى الإجماع.
أمثلة عملية على الإجماع المتحقق في أحكام الإسلام الكبرى
وقد تحقق هذا الإجماع؛ أجمع كل المجتهدين وكل العلماء بأن الوضوء قبل الصلاة وليس بعد الصلاة، أو أن الصلاة تجوز من غير وضوء مثلًا. أجمع الجميع بأن الخمر حرام، أجمع الجميع بأن أكل الخنزير حرام، أجمع الجميع أن أكل الميتة حرام.
أجمع الجميع أن صلاة الظهر أربع ركعات، وأن الصلوات عددها خمس، وأن شهر رمضان هو شهر الصيام، وهكذا.
أنواع الإجماع بين إجماع الخاصة وإجماع العوام وتأييدهما
والإجماع هذا هو نوعان: نوع إجماع الخاصة وهم المجتهدون الذين نتحدث عنهم، ونوع آخر هو إجماع عموم الناس. فالمعتبر هو إجماع الخاصة الذين هم المجتهدون، فإذا تأيد بعموم الناس فلا بأس.
لا يوجد من المسلمين من يقول إن الظهر ثلاث ركعات، ولا يوجد أي مسلم يقول: لن أصوم رمضان، سأصوم شعبان. لا تجد هذا الكلام إطلاقًا. ولا يوجد أي مسلم إطلاقًا يقول إن الحج للبيت المقدس وليس للكعبة المشرفة، أو أن عرفات لا يحدث فيها شيء ولا نقف عليها ولا شيء. لا أحد إطلاقًا في هذا.
فإجماع العوام مؤيد لإجماع الخواص الذين هم المجتهدون.
الإجماعات المخصوصة كإجماع الأئمة الأربعة والخلفاء والحرمين
وهناك إجماع مخصوص، انظر، هناك إجماع الخاصة، لكن هناك إجماع مخصوص: الأئمة الأربعة، الخلفاء الأربعة، الحرمين، المِصرَين اللذين هما الكوفة والبصرة، وأشياء مثل ذلك.
فهذه إجماعات خاصة، بمعنى أنها ليست إجماع الخاصة [أي ليست إجماع جميع المجتهدين]، بل هي إجماعات، أي اتفاقات.
دور الإجماع في نقل الحكم من الظني إلى القطعي مع مثال الخمر
هذه الحجة التي تنقل الظني إلى القطعي. فعندما يقول الله سبحانه وتعالى لك مثلًا في شأن الخمر:
﴿فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]
ويأتي شخص يريد أن يعمل تحليلًا لغويًا قائلًا: أولًا، أنا سآخذ بالقرآن فقط، وثانيًا "فاجتنبوه" تعني ضعها بجانبك. نقول له: هذا لا يصح أن تفكر بهذه الطريقة. لماذا؟ لأن الإجماع منعقد على أنَّ شرب الخمر حرام.
عندما يأتي أحدهم ويقول: والله أنا أريد تحليلًا لغويًا بأنه إذا قمتم (فعل ماضٍ) إلى الصلاة، يصبح الآن: نحن قمنا إلى الصلاة خلاص، فللتعقيب فاغسلوا، إذن نتوضأ بعدما نصلي. لا أحد يفكر بهذه الطريقة. ما الذي يمنعه؟
ويأتي كل يوم شخص يظهر لنا بشيء مثلما هو حاصل الآن، فالإجماع مسألة مهمة جدًا للحفاظ على هوية الإسلام.
الإجماع وهوية الإسلام وتجربة تركستان في الحفاظ على الهوية
عندما ذهبنا إلى تركستان وجدنا كثيرًا من الناس -على باب الله هكذا- لا يصلّون ولا يصومون ولا يعرفون شيئًا. فما الذي يجعله يقول: أنا مسلم؟ هو أنه يُحرِّم على نفسه الخمر والخنزير، هذه هي هوية الإسلام عنده هكذا. أنت تنتبه، فهوية الإسلام هي بالإجماعات هذه.
ألَّف في الإجماع ابن المنذر كتابًا صغيرًا هكذا، وألَّف مراتب الإجماع ابن حزم أيضًا كتابًا صغيرًا هكذا. فالإجماعات الأصولية التي هي من هذا القبيل، هي التي تحافظ على هوية الإسلام، التي تجعل الظني قطعيًا.
الإجماعات ليست كثيرة ولا تؤثر على مساحة الاجتهاد الواسعة
ليست كثيرة، ولذلك فهي ليست مؤثرة في عملية الاجتهاد. في الاجتهاد لدينا نصوص الإجماعات التي فيها، ولدينا كم فرع؟ مليون ومائتا ألف فرع اجتُهِد فيها. كم شيئًا منها أصبح محل إجماع؟ ربما ألف وخمسمائة، وهي التي تعد محل الإجماع.
الرد على من يدعي أن الإجماع يقف أمام حرية الفكر والاجتهاد
حسنًا، هناك من ينادي حاليًا بأن مسألة الإجماع هذا هو ما يقف أمام آمال العقل، كلما حاول المفكر أو المستشرق أن يسير وراء فكرة ما، يُقال له بأن هذا إجماع فلا يجب أن تتجاوز هذا الإجماع. كان الإجماع حائلًا أمام الفكر.
ومن الوارد أنه يكذب على الإجماع، ومن الوارد أن كل واحد لا يرى أي شيء الذي يعرفه ويقول هذا إجماع، بل عندما نبحث نجد أنه ليس إجماعًا.
مثال تولي المرأة القضاء والفرق بين الإجماع الحقيقي والمزعوم
أعطيك مثالًا على ذلك: عندما سُئلنا مثلًا هل تتولى المرأة القضاء؟ عندما تبحث في الكتب المدرجة عندنا تجد أن الأئمة الأربعة يقولون: لا تتولى القضاء. وأبو حنيفة قال: لو تولت تنفيذ حكمها، وإن كان هذا غير جائز أن تتولى، يعني سينفذ حكمها في غير الجنايات أيضًا.
حسنًا، فبعض أي شخص درس دراسة بسيطة يقول هذا إجماع مثلًا. لماذا؟ لأنه بحث في الكتب التي بجانبه فلم يجدها [أي لم يجد رأيًا مخالفًا].
فعندما عُرض علينا هذا الأمر، قلنا: لا، ذهب إلى جواز توليها القضاء ابن أبي ليلى، وذهب إلى جواز توليها القضاء أبو جعفر الطبري، وذهب إلى جواز توليها القضاء محيي الدين ابن العربي، وهكذا. يعني هناك رأي آخر، فلا يوجد إجماع.
الإجماع الحقيقي لا يضر المستشرق ولا يمنع حرية الفكر المشروعة
الإجماع ليس هكذا [أي ليس بالادعاء دون تحقق]، الإجماع مثل الأمثلة التي ضربتها لسيادتك الآن. ما ضرر المستشرق إذا جاء المستشرق ويريد أن يجعل، أو غير المستشرق، أن الظهر ثلاثة [ركعات]؟ ماذا أفعل به؟
قل لي إذن، أي حرية فكر أو حرية غير فكر أو حرية عبث؟
حكم ترك الأضحية بين الحرية الشخصية والاعتداء على شعائر الإسلام
وألا نضحي في العيد الكبير، يعني ألا نضحي مبدأً مناداةً من أجل حقوق الحيوان؟ فبالتالي هذه هي مناداة بعدم الأضحية في عيد الأضحى. يعني نتحداه ونقول له: أين الإجماع؟
يعني انتبه هنا لكي نفهم جيدًا: شخص نباتي لا يطيق أكل اللحم أصلًا، وإذا شم اللحم وهو يُسلق يُغمى عليه، طبيعته هكذا. هل الشريعة توجب عليه أكل اللحم؟ لو أوجبت وأجمعت لقلنا بها، لكن هذا لم يحدث.
فهناك شخص ظهر وقال: يا جماعة، أنا كلما يأتي عيد الأضحى، أنا لا أضحّي. لماذا؟ قال: حفاظًا على الثروة الحيوانية مثلًا. هو حرٌ، هذا رأيه حفاظًا على الثروة الحيوانية. أو شخص آخر قال: لأنني لا أطيق أكل اللحم، هذا رأيه وهو حر، لا يوجد شيء يلزمه.
الفرق بين إبداء الرأي بأدب والاعتداء على شعائر الإسلام بالشتم
لكن عندما يخرج شخص ويقول هذه همجية، فهو قليل الأدب. ماذا إذن؟ أتكون حرية الفكر في الفسق والضلال؟ والشتيمة وقلة الأدب والتجرمة؟ لا تكون في عرض ما أراده الله ورسوله أو أرشد إليه الله ورسوله، فأين حرية الفكر التي تتحدث عنها إذن؟
أنت الآن تعتدي على شعيرة من شعائر الإسلام عندما تقول إن التضحية بالحيوان هي نوع من أنواع الهمجية والسفالة والتخلف العقلي. هذه الألفاظ لو استُعملت فإنها تجاوز لحدوده.
أما إذا ما أراد أن يعبر عن رأيه بتعبير لائق على قدره بأن يقول: أنا لا أرى [وجوب الأضحية]، لن يستطيع أحد أن يفعل له شيئًا ولا أحد يُسائله.
الأحكام القضائية صدرت بسبب الألفاظ المسيئة لا بسبب الرأي نفسه
لكن قد يكون المقصود هو ما يحدث في الصحافة في الآونة الأخيرة حتى أنه صدرت أحكام قضائية. يا إخواننا، الحكم القضائي لم يصدر بخصوص: تأكل أو لا تأكل وتذبح أو لا تذبح، هي ليست على الفكرة نفسها ولا على الفكرة نفسها.
لكن الذي صدر هو في استعمال ألفاظ تمس الشعور العام بأن الذي يضحي متخلف عقليًا، والذي يضحي سافل، والذي يضحي همجي، والذي يضحي ما لزومه؟ يعني أنا لا أعرف.
قضية عدم ذبح الحيوان قضية هندوسية ورد ولي الله الدهلوي عليها
طيب، هي قضية عدم ذبح الحيوان هذه قضية هندوسية موجودة، يعني قضية هندوسية. المسلمون عندما عاشروا الهندوس، عُرض عليهم في أيام جلال أكبر، قالوا لهم: يا إخوان، ابقوا مسلمين طيبين، لكن توقفوا عن ذبح الحيوان.
فجاء بعد مائة سنة من جلال أكبر ولي الله الدهلوي، الشاه دهلوي، وقال: أكل اللحم من شعائر الإسلام. وهل أنت منتبه لهذا الاستفزاز؟ هذا يُغيظهم.
لماذا تعتدي عليّ؟ الرأي له طريقة في العرض، وليس من هذه الطريقة الشتم، وليس من هذه الطريقة العدوان.
قصة من رُفعت عليه قضيتان للتفريق بين النقد المشروع والسباب
جاء أحدهم ينتقد، فجلس مئتين وسبعين حلقة ينتقد، ثم جاء في الثلاثين حلقة الأخيرة بالشتائم، دور شتائم. في ماذا؟ في دور. فلما دخل في دور السباب، رُفِعت عليه قضيتان:
- •القضية الأولى: لأنه يأتي برأي، فرفضها القاضي قائلًا: هذا رأيه هكذا.
- •القضية الثانية: أنه سبّ في الثلاثين حلقة تلك، فأُخِذ بما سبّ بالفعل.
إذن، كما يقول شكسبير في إحدى رواياته: كان جالسًا في الهايد بارك، فوضع شخص يده في أنف شكسبير، فضربه شكسبير هكذا. فقال له: لماذا تضربني؟ أنا حر. فقال له: حريتك تقف عند طرف أنفي. تستطيع أن ترفع إصبعك إلى هنا، لن أفعل لك شيئًا، لكن إذا أزعجتني هكذا سأضربك. حريتك تقف عند طرف أنفي.
حدود الحرية في مقررات الدول والفرق بين الحرية والإرهاب الفكري
فهؤلاء الناس لا يفهمون معنى الحرية. هذه هي مقررات الدول التي دعت إلى الحرية وعرفت مشكلاتها، ومن هذه المشكلات أن تتدخل فيما بين جلد الإنسان وعظمه بنفس طريقة الإرهاب الفكري الذي تشكو منه، فتلك هي القضية.
[المذيع]: أستأذن حضرتك، بعد الفاصل سنتحدث عن: هل الإجماع أقوى من ناحية النص في مسألة الدلالة والثبوت؟ هل يمكن أن نبني على الإجماع إذا تعارض مع دلالة النص أو ثبوته؟ بعد الفاصل، ابقوا معنا.
علاقة الإجماع بالنص من حيث الدلالة والثبوت والأقسام الأربعة
[المذيع]: ماذا كدلالة وثبوت للنص [هل الإجماع أقوى من النص]؟
[الشيخ]: لا طبعًا، الإجماع تابع للنص المستقل، القرآن والسنة. وثبوتهما بين القطعي والظني، فيكون إذن قطعي الثبوت وظني الثبوت، وكل منهما قطعي الدلالة أو ظني الدلالة.
فيكون عندنا أربعة أقسام، اثنان في اثنين بأربعة:
- قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
- قطعي الثبوت ظني الدلالة.
- ظني الثبوت قطعي الدلالة.
- ظني الثبوت ظني الدلالة.
الأقسام الأربعة هي: قطعي قطعي، قطعي ظني، ظني قطعي، ظني ظني، أربعة أقسام.
وظيفة الإجماع تحويل ظني الدلالة إلى قطعي الدلالة وليس معارضة النص
أربعة أقسام، هذا هو الأصل، هذا هو المصدر. لكن الإجماع هذا، هذه حالة تابعة. فأنا عندي هنا قطعي الثبوت مثل آية الوضوء ومثل آية الخمر، ظني الدلالة [لو كان ظني الدلالة]، يأتي الإجماع ويحوله من ظني الدلالة إلى قطعي الدلالة.
يعني الإجماع له وظيفة وليس لهم مضادات وتخيير، أي أننا لا نضعه في الميزان معه [أي مع النص]، بل نحن من خلاله نلبسه هكذا ونرى النص من خلاله. فالنص هذا ظني، لكن الإجماع متفق على أن هذا الظن ليس متاحًا، سنسير وراء الإجماع.
كثير مما يُثار حول الإجماع لا يثبت عند التحقيق العلمي
المشكلة كثير جدًا مما يُثار حول الإجماع هو أنه لا يثبت. يعني عندما يأتي ويصطدم مع قضية المرأة هذه ويقول لك: أجمعت. فمن الذي قال أجمعت؟ أحضر لي نصًا بالإجماع هكذا. فتذهب إلى ابن المنذر فلا تجد أن هذا فيه إجماع ولا فيه اتفاق.
[المذيع]: لأن الإجماع أصبح من الصعب في الوقت المعاصر؟
[الشيخ]: لا، الإجماع المعاصر لم يعد من الصعب، بل بالعكس هو اتفاق المجتهدين، والمجتهدون قلة، فيمكن جدًا جمعهم في مجمع فقهي ليتفقوا، وهو ما يحدث.
المجامع الفقهية المعاصرة وإمكانية تحقيق الإجماع من خلالها
المفترض الآن أن هناك مجامع فقهية، لكن هذه المجامع الفقهية إلى الآن لم تتفق على شيء، لم تتفق على شيء. ولكن لو أن المجامع الفقهية الآن اتفقت كلها على شيء معين سيكون مباحًا، سيكون على الفور مباحًا.
إذا اتفق المجتهدون الذين هم أعضاء في المجامع الفقهية، سيصير هذا الشيء متفقًا عليه ويصير إجماعًا.
أسباب عدم اتفاق العلماء واختلاف تقويم الواقع والمصالح والمقاصد
السؤال الحتمي: لماذا لا يتفق العلماء؟ لأن الاتفاق صعب؛ لأن تقويم الواقع مختلف، وتقويم المصالح مختلف، وتقويم تحقق المقاصد الشرعية مختلف، والفهم للنصوص مختلف.
وهنا أذكر لك قضيتين: القضية الأولى هي أسباب اختلاف الفقهاء. كم سببًا لاختلاف الفقهاء؟ فالدهلوي ألّف كتابًا لطيفًا اسمه [الإنصاف في أسباب الاختلاف]. هل تنتبه إلى كيفية تناوله للموضوع؟
وقد ذكر فيه ربما ستة وعشرين سببًا، وغيره ذكر أسبابًا أخرى فأصبحت سبعة وثلاثين سببًا. والشيخ علي الخفيف رحمه الله له كتاب ماتع اسمه: [أسباب اختلاف الفقهاء]، ستة وثلاثون سببًا يختلف بها الفقيه مع الفقيه الآخر.
سعة الفقه ومرونته وأسباب صعوبة الإجماع في طبيعة الفقه ذاته
نحن نعتبر هذا سعة ومرونة؛ أنه لا يحدث فيها إجماع فتأخذ رأي واحد ويصبح ممنوعًا أن تفكر فيما هو خارج عن هذا. في الحقيقة الإجماع صعب، ولذلك المجامع ليست [متفقة] لأنها مختلفة، لا، لأن طبيعة الفقه هكذا.
في أمور مردها إلى الثبوت، وفي أمور مردها إلى القواعد اللغوية، وفي أمور مردها إلى المآلات، وفي أمور مردها إلى المصالح، وفي أمور مردها إلى القواعد الفقهية، وفي أمور مردها إلى الأسس والترتيب الذي به يُفك التعارض والترجيح في أمور، وهكذا. إنها قضية غاية في التخصص.
واقعة قبرص وسبعة مجتهدين أفتوا بسبعة أقوال مختلفة في قضية واحدة
القضية الأولى [التي أريد ذكرها] لكي نفهم بعمق كيف كان ذلك فعلًا: كان هناك سبعة من المجتهدين العظام، كان منهم الليث بن سعد. ويروي أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه [الأموال] أن واقعة حدثت في قبرص - أحيانًا يكتبها بالسين قبرس - وهي جزيرة قبرص الحالية.
حيث أعلن أهل قبرص استقلالهم عن الدولة الإسلامية، انقلاب يعني. فعُرض الأمر على سبعة من المجتهدين، منهم الليث ومنهم مالك ومنهم غيرهم إلى آخره، فأفتوا بسبعة أقوال، كل عالم منهم بقول مختلف.
تفصيل اختلاف المجتهدين في واقعة قبرص بسبب اختلاف إدراك الواقع
قال [الليث بن سعد]: يا جماعة، كل هذا في إدراك الواقع. واحد منهم قال: يا جماعة، هؤلاء أناس مغلوبون على أمرهم، هذا انقلاب. قال له: اسكت أنت، وهكذا فيكون المنقلبون هم الذين نأخذهم، لكن لا نأخذ الشعب الآخر.
قال [آخر]: لا، إنهم هم الذين أخرجوهم. هذه تحتاج [إلى تحقيق]، هذه تحتاج. كل شخص لديه من المعلومات والصورة الذهنية ما جعله يُفتي فتوى معينة. ولذلك يُؤاخَذ كل البلد. انظر إلى هذا على النقيض.
الثالث يقول: يعني يريدون أن ينفصلوا، فليَنفصلوا. الرابع يقول [رأيًا آخر]، وهكذا طبقًا لمقتضيات الاختلاف الفقهي.
مسألة البنوك كمثال على صعوبة الإجماع بسبب عدم إدراك الواقع المصرفي
[المذيع]: حسنًا، المسألة مثل مسألة البنوك، يعني هذه المسألة أُشبعت بحثًا. فضيلتك وعلماء كبار آخرون تحدثوا في هذه المسألة. لماذا لا يتم تبني أو الإجماع على رأي واحد يكون هذا الأمر هو نهاية هذا الجدل بين المسلمين؟
[الشيخ]: هذا مجرد مثال لمسألة الإجماع وأهمية الإجماع. عندما نأتي ونجلس مع المخالفين وجدنا أن بعضهم يظن أن هذه الأوراق النقدية لدينا لها ذهب موجود في البنك، فهي إذن بديل للذهب نفسه.
نفهمهم أنه منذ سنة ألف وتسعمائة وسبعين لم يعد الذهب موجودًا. فيكون الرد: حسنًا، لماذا لم تقولوا ذلك من قبل؟ ها نحن قد قلنا.
تغير الجهاز المصرفي بقانون ألفين وأربعة وجهل كثير من الناس بذلك
كثير من الناس لدينا الجهاز المصرفي تغير سنة ألفين وأربعة بقانون، فلم تعد فيه كلمة قرض وأصبح فيه كلمة تمويل. وكثير جدًا من الناس لا يدركون هذا التغيير.
كثير من الناس يظنون أن البنك يأخذ الأموال ويحتفظ بها لديه ويُنميها هكذا، وليس أنها جارية بطريقة معينة وبحسابات وكمبيوتر وكذا إلى آخره.
مناقشة الدكتور حسن عباس زكي مع يوسف القرضاوي حول طبيعة عمل البنوك
وأنا أتذكر أنها كانت مناقشة لطيفة ما بين الدكتور حسن عباس زكي رحمه الله وبين يوسف القرضاوي. فكان يوسف يتخيل البنك هذا شيئًا في ذهنه هكذا. فلما الدكتور حسن - والدكتور حسن هو أبو البنوك - فهّمه كيف يعمل البنك، قال: يا الله، فلماذا لم تقولوا لنا هذا منذ البداية؟
وبعد أن قمنا وكل شيء، لا، خلاص، حتى نسي الكلام الذي وضَّح له.
تجزئة المعرفة وعدم دراسة الاقتصاد سبب في عدم إدراك حقيقة البنوك
عدم جودة المعيشة [العلمية] التي كانت في السابق والتي تمثلت في تجزئة المعرفة. الأستاذ [الفقيه] لم يدرس اقتصادًا، لم يدرس النقود والبنوك.
كان عندنا الأستاذ وهو يشرح لنا النقود والبنوك يقول إن مادة النقود والبنوك في أول درس: هذا العنوان خطأ. كيف؟ يقول إن النقود هي البنوك.
يعني إذا كنت تريد أن تحرم هذا البنك فيجب عليك أن تحرم الأوراق النقدية. لا يوجد أي شخص منهم يحرم الأوراق النقدية، إذن لا تحرم البنك؛ لأن البنوك هي النقود ومنشأهما واحد. لكن الاختزال والتبسيط وعدم إدراك الواقع هو الذي يؤدي إلى عدم الاتفاق.
الإجماع ملزم ولا يجوز تجاوزه وإلا ضاعت ثوابت الدين
[المذيع]: إن مسألة الإجماع هذه مسألة شخصية وأنا غير ملزم بأن آخذ بها، ومن حقي أن آخذ برأيي أو أن أستفتي قلبي وأستفتي عقلي ولا أسير وراء إجماع، في النهاية هم بشر، من أجمعهم بشر؟
[الشيخ]: حسنًا، إذا كان هناك رأي آخر يأخذه؛ لأنه حينئذ لن يكون هناك إجماع. فهو إذا كان هناك رأي آخر صحيح يأخذه.
لكن القضية هي أنك ستحل الخمر، يعني حسنًا ستحلها بماذا؟ حسنًا، أنت ستصلي الظهر خمس ركعات مثلًا، وكيف ستصليها خمسًا؟ يعني هناك نوع من أنواع المعاندة السخيفة.
يعني هذا الإجماع، لا، هذا متفق عليه، هذا متفق عليه. أما إذا كان فيه قيل وقيل فليذهب ويأخذ قيل وقيل.
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، فهذا ليس إجماعًا صحيحًا [إذا كان فيه خلاف]. بارك الله فيكم، شكرًا جزيلًا لحضرتكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: شكرًا لكم، شكرًا.
