الإخوة | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •الحديث النبوي "إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليمطه عنه" يؤكد مسؤولية المسلم تجاه أخيه والمجتمع.
- •السلف الصالح كانوا يقولون "أخذت يدك خيراً" عند إزالة أذى عن أخيهم، تعبيراً عن الأخوة والمحبة.
- •يجب علينا مراعاة القيم الإسلامية مع سرعة الأحداث في عصرنا، وإحياء شعور الانتماء للمجتمع.
- •الآية "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات" نزلت في المنافقين الذين اتهموا المتصدقين بالرياء أو البخل.
- •النبي ﷺ حث على عدم احتقار المعروف مهما قل، فجهد المقل (القليل من الفقير) أثقل في الميزان من كثير الغني.
- •حديث "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" يبين أن الجميع مسؤولون عن رعايتهم، وليس خاصاً بطبقة معينة.
- •الله سيسأل كل راعٍ عما استرعاه، فالرعاية مفهوم إنساني مرتبط بالعقيدة وليس سياسياً فقط.
- •المسؤولية قيمة كبيرة في الإسلام، وكل إنسان محاسب عليها أمام الله.
افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين الرمضانية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا وأهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في شهر رمضان المعظم.
حديث المرآة: المؤمن مرآة أخيه فليزل عنه الأذى
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى به أذى فليمطه عنه» رواه الترمذي
هذا الحديث رواه الترمذي عن سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وفيه هذا المعنى العظيم من أن الإنسان لا يعيش وحده، وأنه ولأنه في جماعة وفي مجتمع فإن هناك مسؤولية عليه، لدرجة أنه لا بد أن يعدّ نفسه مرآة أخيه.
فإذا رأى الأذى على أخيه فإنه لا بد عليه أن يزيله عنه.
عادة السلف الصالح في إزالة الأذى عن الإخوان وقولهم أخذت يدك خيرًا
وكان السلف الصالح يعتادون أن يقولوا عندما يفعل أحدهم ذلك [أي يزيل الأذى عن أخيه]: أخذت يدك خيرًا، إنها أخوة ومودة ومحبة، أخذت يدك خيرًا.
ولذلك إذا رأى أحدنا أخاه وياقة القميص مقلوبة فإنه يعدّلها له هكذا، ثم يقول له: فعلت يدك خيرًا. أو يجد خيطًا مثلًا هنا هكذا فيزيله له، فيقول له: أخذت يدك خيرًا.
هي أخذت خيطًا ما يعني شيئًا تافهًا، ولكن أخذت يدك خيرًا؛ لأنها قد أُثيبت على ذلك لتطبيقها هذه السنة النبوية الشريفة.
شعور الانتماء المفقود وأهمية إعادة القيم في ظل سرعة الأحداث
يشعر الناس بأنهم كالجسد الواحد، يشعر الناس بأنهم كالبنيان الواحد، وهذا هو شعور الانتماء الذي نفقده شيئًا فشيئًا في عصرنا الحاضر من سرعة الأحداث، ولكنه في منتهى الأهمية، ولا بد لنا أن نعيده وأن نتعود عليه مع سرعة الأحداث.
فالأحداث لن تتوقف وسرعتها لن تتباطأ، ولكن يجب علينا نحن أن نراعي القيم وأن نتعود ونوطّن أنفسنا عليها في ظل ما نحن فيه من سرعة الأحداث.
سرعة الأحداث هي التي تجعلنا في بعض الأحيان ننسى هذه القيم، ولكن ليس مستحيلًا أن نطبق هذه القيم وهذه الأخوة مع سرعة الأحداث.
موقف المنافقين من المتصدقين بالكثير والقليل واتهامهم بالرياء والبخل
وعن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نُحامِل، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مُراءٍ. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغنيّ عن صاع.
يعني هؤلاء الناس وهم من المنافقين والعياذ بالله تعالى لا يعجبهم شيء؛ فلما جاء أحد بالكثير قالوا: ما عليه إنه مُراءٍ، ولذلك دفع هذا الكثير.
ونحن قد أُمرنا أن نحمل أفعال الناس على الظاهر، وأن نحسن الظن بالله، وأن نحسن الظن بالناس، وأن حرّم علينا ربنا الغيبة والنميمة واحتقار الخلق، حرّم الله علينا الحقد والحسد، كل ذلك تناسوه.
اتهام المنافقين للمتصدقين وتذكير النبي بعدم تحقير المعروف
فلما جاء من دفع كثيرًا ودفعوه علنًا لعل الناس يفعلوا مثله ويقلدوه في الخير، فإنهم قالوا: مُراءٍ. ولما أتى شخص بصاع، أي شيئًا بسيطًا هكذا، قالوا: إن الله لغنيّ عن هذا، الأمر تافه.
النبي ﷺ يبيّن لنا:
قال رسول الله ﷺ: «لا يحقرنّ أحدكم من المعروف شيئًا»
ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «اتقوا النار ولو بشطر تمرة»
نصف تمرة! إذن فالخير هو الخير، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، الخير هو الخير.
جهد المُقِلّ وفضل صدقة الفقير عند الله على صدقة الغني
ويتحدث رسول الله ﷺ عن جهد المُقِلّ، وجهد المُقِلّ هو رجل فقير يتصدق بشيء من دخله، ما معه إلا عشرة جنيهات يتصدق بجنيه، ومعنى هذا أنه قد تصدق بعُشر ثروته.
والذي معه المليارات لو تصدق بمليون جنيه فإنه يكون أكثر منه مليون مرة، ولكن أحب الأعمال إلى الله جهد المُقِلّ.
جهد المُقِلّ: الجنيه هذا عند الله أثقل في الميزان من المليون جنيه؛ فالمليون جنيه سيأخذها يوم القيامة عشرة ملايين، والجنيه سيأخذه عشرة جنيهات ويزيد الله لمن يشاء، غير أن العشرة جنيهات هذه فيها بركة وفيها قوة وفيها رضا من الله سبحانه وتعالى ربما أكثر من العشرة ملايين.
فليست المسائل مسائل كمية، وإنما المسائل فيها معانٍ وفيها روح وفيها هذا الجمال.
نزول آية لمز المتطوعين في الصدقات في المنافقين الذين سخروا من المؤمنين
فنزلت الآية:
﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ [التوبة: 79]
نزلت هذه الآية في أولئك النفر من المنافقين الذين عزلوا أنفسهم عن المجتمع ولم يريدوا أن يسيروا في مساره الصحيح.
فلما رأوا من تبرع كثيرًا اتهموه بالرياء، ولما رأوا من تبرع قليلًا اتهموه بالبخل بأن الله غنيّ عن هذا، ولم يفعلوا شيئًا، لم يتصدقوا، بل لمزوا وسخروا من المؤمنين في قضية الصدقات.
حديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ومسؤولية كل فرد
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ والحاكم وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ وهو مسؤول عن رعيته»
قال [ابن عمر]: فسمعت هؤلاء من رسول الله ﷺ، وأحسب النبي ﷺ قال: «والرجل في مال أبيه راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
الرد على من يعترض على لفظ الرعاية وبيان أنها لا تعني التمييز بين الناس
حديث أيضًا من الأحاديث المهمة. بعض الناس لا تعجبهم كلمة راعٍ وما إلى ذلك، والرعاية والعناية هي عين المسؤولية.
نحن مواطنون لا رعايا، بعضهم يقول هكذا: نحن مواطنون لا رعايا. هنا معنى آخر من المعاني العالية للاجتماع البشري: كلكم راعٍ.
الرعايا هنا ليست بيد حاكم فهو الذي يرعى ورعاياه يقدسونه أو يعظمونه أو يجعلونه في مصاف من لا يُسأل عما يفعل أبدًا. القضية هي أن كل إنسان إنما هو راعٍ، هذه قضية عكس ما يذهب إليه المعترض.
لفظ الرعاية في الحديث يدعو إلى المساواة لا إلى التمييز بين الطبقات
يعني أن المعترض له حق فيما يذهب إليه، ولكن خانه التعبير. المعترض يقول: نحن لا نريد تمييزًا بين الناس، كذلك نحن لا نريد تمييزًا بين الناس، ولكن استعمال كلمة راعٍ ورعية هي التي لا تميّز بين الناس. هذا الذي نريد أن نضيفه.
نحن لا نعترض على عدم التمييز، نحن ندعو إلى عدم التمييز، وهذا الحديث يعلمنا كيف ندعو إلى عدم التمييز: كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.
إذن فالرعاية ليست مختصة بشخص دون شخص، ليس هناك طبقتان: طبقة راعية وطبقة رعية، بل إن الجميع راعٍ وكل الجميع مسؤول عن رعيته.
الفهم الصحيح لمعنى الرعاية وأهمية الألفاظ واللغة في الأداء
هذا الفهم هو الفهم الصحيح لمعنى الحديث. أما هذا الفهم الطبقي أو الذي ينفي التميّز فلا بأس أن ننفي التميّز، ولكن من البأس أن نسمّي هذه الرعاية [تمييزًا]، فيأتي الشاب ويقرأ الحديث ويوقّع عليه [بالاعتراض] دون أن يشعر الاعتراض الذي اعترضه المعترض.
إذن فالألفاظ واللغة لها أساس ولها معنى ولها أهمية في الأداء، ولذلك ليس هذا خلافًا لفظيًا، بل هو خلاف على استعمال اللغة، وهذا أمر في غاية الأهمية.
حديث أنس بن مالك: إن الله سائل كل راع عما استرعاه ومفهوم الرعاية الإنساني
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ فيما أخرجه النسائي في السنن الكبرى قال:
قال رسول الله ﷺ: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيّع، حتى يُسأل الرجل على أهل بيته»
إذن مفهوم الرعاية هنا ليس هو مفهوم سياسي أو محصور في مصطلحات اجتماعية، بقدر ما هو مفهوم إنساني، وأن الله سبحانه وتعالى سوف يسأل وسوف يحاسب على هذا الأمر.
الربط بين قيمة المسؤولية والعقيدة وأن الله هو الذي أقام كل إنسان في موضعه
سائل كل راعٍ، كل راعٍ، ومن كل راعٍ؟ كلكم راعٍ وكلكم مسؤول. إذن فالله سبحانه وتعالى سيسأل كل راعٍ عما استرعاه.
إذن فهناك ربط بين هذه القيمة — قيمة المسؤولية — وبين العقيدة؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي استرعاه، هو الذي أقامك فيما أقامك فيه: حكم عليك أن تكون زوجًا، أو حكم عليك أن تكون زوجة، أو حكم عليك أن تكون ابنًا لهذا أو ابنة لهذا، أو أبًا لهذا أو جارًا لهذا، أو رئيسًا لهذا في العمل في كذا، أو صاحبًا لهذا إلى آخره.
هو الذي أقامك، فكن حيث أقامك الله سبحانه وتعالى، وكن حيث ما أرادك الله سبحانه وتعالى، وراعِ رعايته واسترعاءه لك.
كل إنسان مسؤول ومحاسب أمام الله وقيمة المسؤولية قيمة كبيرة
قال رسول الله ﷺ: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه فيه»
إذن كل إنسان مسؤول، ومسؤول هنا معناها فيُحاسَب. وإذن لا بد له أن يسترعي ويلتفت إلى رب العالمين.
قيمة المسؤولية قيمة كبيرة، فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
