الإسلام كتاب مفتوح - اتفاقية الكويز والصحافة
- •يستعرض الدكتور علي جمعة موقفه تجاه اتفاقية الكويز ويوضح أنه لم يطلع عليها أو يفتِ بشأنها، رغم نشر بعض الصحف تصريحات مغلوطة منسوبة إليه.
- •يشرح أن المفتي لا يمكنه الإفتاء إلا بعد الاطلاع المباشر على المسألة ودراستها بتأنٍ، وهذا لم يحدث مع اتفاقية الكويز.
- •يتناول ظاهرة تحريف التصريحات ونسب أقوال لم يقلها، مستشهدًا بحادثة أخرى حول تصريح منسوب إليه عن التعامل مع المتطرفين.
- •يفصّل تجربته الطويلة في التعامل مع التطرف الفكري منذ ثلاثين عامًا، موضحًا أن المتطرفين ليسوا على درجة واحدة.
- •يصنف المتطرفين إلى ثلاث فئات: المهيأ للتطرف ويمكن مناقشته، والمتطرف فعليًا ويحتاج لوقت طويل لتصحيح فكره، والإرهابي المسلح الذي لا تنفع معه المناقشة.
- •يشير إلى تجربته في مراجعات فكرية مع المتطرفين وإلى دور الأزهر في هذا المجال.
مقدمة اللقاء مع فضيلة المفتي حول اتفاقية الكويز
المذيع الأستاذ محمود فوزي: أعزائي المشاهدين، مساء الخير، نلتقي ونتواصل مع فضيلة المفتي الأستاذ الدكتور علي جمعة. سنتحدث عن اتفاقية الكويز.
فضيلة المفتي، أهلًا بحضرتك.
الشيخ: أهلًا وسهلًا بكم.
المذيع: هل اتفاقية الكويز مباحة في أصل الشرع؟
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الحقيقة أن المفتي لا يستطيع أن يفتي إلا بعد أن يعلم ويطلع بنفسه لا بغيره على المسؤول عنه.
أهمية معرفة قصة الكويز لفهم خطورة النقل عن المفتي
فكلمة كويز أيضًا من الأفضل أن نحكي قصتها، وقصتها ستفيد كثيرًا جدًا في فهم المشاهدين معنا لقضية النقل عن الناس والنقل عن المفتي بوجه خاص.
كنا في إحدى المناسبات في زيارة لمحافظة الشرقية، وعلى عادة معالي السيد الوزير المحافظ من أنه عندما يأتي لهذه المناسبات الدينية [يدعو] شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية وما إلى ذلك، وكان في ذلك الوقت ربما كنت وحدي في هذا الوقت، وكان الحدث افتتاح مسجد وكنت وحدي، فإنه يدعو الصحفيين لهذا اللقاء.
سؤال الصحفيين عن الكويز ومحاولة المفتي فهم ماهية الاتفاقية
فدعا الصحفيين، أول ما جلست وكان أول سؤال: ما رأي سيادتكم في الكويز؟ كلمة الكويز هي كلمة غريبة على مسامعي، ولها معنى في اللغة الإنجليزية، فأخذت أفكر: ما علاقة اتفاقية بكلمة الكويز في الإنجليزية التي معناها هكذا؟
فقلت له: ما هي اتفاقية الكويز؟ قال: اتفاقية الكويز التي نشروها في الصحائف. قلت لهم: ماذا نشروا في الصحائف؟ فقال لي: هي اتفاقية بين مصر وما أدري أمريكا أو إسرائيل.
قلت له: هل اطّلعت عليها؟ قال: لا. قلت له: هل نشروا نصها في الجرائد باعتبارها وثيقة؟ قال: لا، لم ينشروه. قلت له: كيف أجيب عنها إذن؟ كيف أجيب عن الكويز؟
انتقال الصحفي من سؤال محدد عن الكويز إلى سؤال عام عن الاتفاقيات الدولية
فقال لي: حسنًا، ما رأيك في الاتفاقيات التي تبرمها الدولة ثم تكون ضد مصلحة هذه الدولة؟ فقد انتقلنا من السؤال عن اتفاقية الكويز؛ التي لها بداية ونهاية، إلى سؤال عام غاية في العمومية.
قلت له: يا أخي، أنا قارئ جيد للقانون، وكنت مشرفًا على مشروع كبير للعلاقات الدولية صدر في اثني عشر مجلدًا، ومخالط أهل السياسة في العلاقات الدولية، ومخالط أهل القانون الدولي.
طبيعة الاتفاقيات الدولية وحق الدول في نقضها عند تغير المصالح
وأعلم أنه جميع الاتفاقيات الدولية منذ إنشائها وزيادتها في القرنين التاسع عشر والعشرين قد نُقضت، وليس هناك اتفاقية دولية باقية. كل الاتفاقيات الدولية تأخذ مساحتها من الوقت، ثم يرى الأطراف أنها لم تعد صالحة ولم تعد تُلَبي الحاجة التي كانت تلبيها في الماضي فَتُغَيّرها.
فأي دولة وهي تتفق تقوم بهذا الشيء؛ أنها تراعي مصالحها، ثم إن لها أن تنقض هذه الاتفاقية عندما لا تحقق مصالحها، بل تحقق ما هو عكس مصالحها.
تأكيد المفتي أنه لم يطلع على اتفاقية الكويز ولم يُفتِ فيها
قال لي: حسنًا إذن، فما رأيك في اتفاقية الكويز؟ قلت له: أنا لم أطلع على اتفاقية الكويز حتى أقول رأيي فيها، وأنت أفدت الآن أنك لم تطلع على اتفاقية الكويز. كل هذا الكلام مسجل بالمناسبة.
فقامت إحدى الصحفيات الفاضلات الحاضرات وسألتني سؤالًا: ما رأيك في اتفاقية الكويز؟ فأنا في الحقيقة تضايقت، يعني كأنها جالسة ولم تسمع الحوار! لا، هذا السؤال قد سُئِل هنا! وأجبنا وفصّلنا وكذا، فكأنها هي نائمة أو شيء من هذا القبيل.
رد المفتي على الصحفية التي أعادت السؤال عن الكويز واستفزازها
فقلت لها: أنا قد قمت بالإجابة عن هذه القضية، وأنا أقول لك أنا لم أطلع على اتفاقية الكويز، فهل أنت تسخرين مني أو أنك كنت شاردة الذهن أو ماذا بالضبط؟
فغضبت وقالت: وأنت لماذا تهيننا؟ قلت: أنا لا أهينكم، إن الطريقة التي ألقيت بها السؤال في حين أننا ما زلنا نتحدث فيها، شعرت فيها بنوع من الاستفزاز، فهل تقصدين هذا الاستفزاز؟ فغضبت ولم تتقبل مني هذا التبرير أو التعليل.
نشر صحيفة خبراً كاذباً بأن المفتي أفتى بأن الكويز حلال
وفي اليوم التالي فوجئت بصحيفة كنت أظنها على خير وأنها لا يرتكب محرروها مثل هذا الفعل، [نشرت عنوانًا:] تصريحات غريبة لفضيلة المفتي في الشرقية، (الكويز) حلال، حلال، حلال!
المذيع: وأنت لم تقل هذا!
الشيخ: مطلقًا البتة، والتسجيل موجود. وهذا نوع من أنواع الخلل المهني إن صح التعبير؛ لأن الصحافة القصد منها هو إبلاغ الحقيقة للناس طبعًا، وحكاية الواقع على ما هو عليه، وليس القصد منها هو تشويه هذه الحقيقة بأي حال أو اختلاق واقع غير موجود.
انحراف الصحافة عن ميثاق الشرف الصحفي وانتشار الخبر الكاذب
وإلا كانت هذه المُهمة، مهمة منحرفة عن ميثاق الشرف الصحفي الذي يؤكد على الصحفيين الالتزام بالحقائق والالتزام بالدقة والالتزام بالوضوح وهكذا.
وللأسف، وكما هو الحال في كثير جدًا من المواقف، أصبح هذا وكأنه مُسَلَّم به، أنني قلت إن الكويز حلال، وانتشرت المقالات على هذا النحو. أصبح الكُتّاب مساكين، يمسكون الصحيفة ويصدقون ما فيها، ويكتبون ضد هذا الكلام كثيرًا وليس قليلًا.
نفي المفتي لأي فتوى بشأن الكويز وإرشاد الكتّاب للتحقق من موقع دار الإفتاء
الذين أخذوا يتساءلون: كيف للمفتي أن يقول عن الكويز؟ كيف يؤيد المفتي الدولة؟ وأنا لم أؤيد دولة ولم أُفتِ ولم أنطق بأي كلمة من هذه، ونشرت أنني لم أقل هذا الكلام، وهم لم يصدقوا.
في هذه الحالة إذا سألني أحدهم قائلًا: يا الله، كيف نعرف إذا كنت قد قلت أم لم تقل؟ لأن هناك صحيفة نُشِر [فيها ذلك]! ادخل على موقع دار الإفتاء وانظر هل توجد فتوى أم لا.
منهج المفتي في إصدار الفتاوى المتعلقة بالاتفاقيات الدولية والاستعانة بالخبراء
لو كنت قد أصدرت فتوى في الكويز، لكنت سأجعلها بحثًا؛ لأننا قلنا سابقًا أن هذه مؤسسة أنا على رأسها، لكنها مؤسسة طبعًا. ولذلك كنت سأحضر النص الكامل للاتفاقية وسأقرؤه وأبحث فيه.
وإن لم أفهم سأستعين بخبراء في السياسة والاقتصاد والاتفاقيات الدولية والقانون الدولي، وسأسألهم إن كانت هذه الاتفاقية في مصلحة الدولة أم لا، سيكون لي فتوى فيها، وقائل نعم أو لا. لكن كل هذا لم يحدث.
نصيحة المفتي للكتّاب بعدم مهاجمته دون التحقق من صدور فتوى رسمية
ثم عندما وجدت هذا، يعني أنا أُرشد الكاتبين؛ لأن الكاتبين يقولون ماذا نفعل! حسنًا، لنفترض أنني لم أجد فتوى فضيلتكم!
قلت له: إذا لم تجد فتوى صادرة مني، فلا تكتب ولا تهاجمني بهذا الهجوم؛ لأنني أصلًا لم أتكلم عن الكويز.
سؤال المذيع عن ندوة الأزهر ونسبة تصريحات تحريضية كاذبة للمفتي
المذيع: هل تعلم حضرتك بأنها عُقدت ندوة مؤخرًا بالأزهر الشريف بعنوان "الإسلام بين الوسطية والتشدد"؟ ونقلت بعض الصحف أن فضيلتكم قلتم إن هؤلاء القتلة المتشددين هم مجموعة من الأوباش يجب تصفيتهم جسديًا، ويجب عدم التعامل معهم أو التحاور معهم أو التعاطف معهم.
وللأسف الشديد، بعض الكُتّاب نقلًا عن هذا الحديث المُحرَف المنسوب إلى فضيلتك، كتبوا يقولون أن هذه دعوة تحريضية لا يجب أن تَصدُر من مفتي الديار المصرية، وأنها رخصة لرجال الشرطة والأمن بقتل المتشددين فكريًا.
اتهام المفتي بالانحياز للسلطة وتأكيد المذيع على عدم تصديق الناس لذلك
وأنا آسف في التعبير القادم، قالوا إنك عالم من علماء الشرطة وإنك منحاز للسلطة. لكن أنا أو غيري من السواد الأعظم من الناس لم نصدق هذا.
لماذا؟ لأنه لا يُعقل أن فضيلتك تُصرِّح هذا التصريح وأنت على مدى - وأنا أعلم هذا - على مدى خمسة عشر عامًا جلستَ مع المتطرفين وحاورتهم وأرجعتهم، ورجع الكثير منهم عن أفكاره المتطرفة. الأمر يحتاج من فضيلتك إلى توضيح.
رد المفتي على الاتهامات وتأكيد خبرته الطويلة في مناقشة المتطرفين
الشيخ: هو الأمر أوضح من الواضحات وأجلى من البينات وأسهل من شربة الماء البارد؛ لأنه لا يُزَايَد على مثلي وقد ناقشت كل طوائف المتطرفين، وأنا خبير في هذا المجال.
فلا يُزَايَد على مثلي، ولا يأتي أحدهم ويقول: أنت تقول وأنت تعيد وأنت كذا إلى آخره، وينتزع الكلام انتزاعًا.
خطورة انتزاع الكلام من سياقه كما فعل أبو نواس مع آية قرآنية
صبياننا أولادنا الصغار وبناتنا أيضًا محتاجون إلى تدريب مهني، حتى لا نصل إلى:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
فيأخذها من سياقها وسباقها ويصبح عَكَسَ ما في القرآن. كان أبو نواس يحب أن يشرب الخمر، وبعد ذلك قال: ما قال ربي ويل للذين سَكِروا، بل قال ربي ويل للمصلين، فعكس القضية؛ فأحلّ الخمر وحرّم الصلاة!
أمثال هذا الوضع لا يخطر على بالهم ولا يدخل في تفكير أحد. كما تقول حضرتك أنت وجمهور الناس لم يصدقوا مثل هذا، ولكن الذي يريد أن يشتمني فقد وجد فرصة للشتم.
تسامح المفتي مع من أساء إليه ودعوته إلى الحب والرحمة
وأنا في الصباح أفعل كما وجَّهَنا رسول الله ﷺ بأن أتصدق بعرضي على الناس، وأنا مسامح للجميع؛ لأنني أدعو إلى الحب، وإلى أن هذا الدين مبني على الحب، والحب مبني على الرحمة.
وقال الله تعالى:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
ففي هذه القضية انتُزِع الكلام من سياقاته، بخلاف اتفاقية الكويز، فأنا لم أقل شيئًا على الإطلاق.
التفريق بين نمطين: عدم القول أصلاً وانتزاع الكلام من سياقه
هذا نمط وذاك نمط آخر. أنا في الاتفاقية [اتفاقية الكويز] لم أقل شيئًا على الإطلاق، بل قلت: لم أطّلع على الاتفاقية فقط. وأصبح الأمر مجرد لفٍّ ودوران؛ فماذا عن الاتفاقات؟ وماذا عن الذي ليست الاتفاقات؟ وهكذا.
ولكن هذا أمر مُختلف [عن قضية ندوة الأزهر]، أنا قلت هذا الكلام، وقبله كلام وبعده كلام.
خبرة المفتي الطويلة مع الفكر المتطرف على مدى ثلاثين سنة
حسنًا، ماذا كان السؤال؟ نحن نتحدث عن الفكر المتطرف، وأقول في ورقة طويلة عريضة أن الفكر المتطرف بخبرتي الطويلة معه منذ سنة - على فكرة هي ليست خمس عشرة سنة بل ثلاثون سنة -
المذيع: يعني تتحدث بالنسبة للمتطرفين فكريًا.
الشيخ: نعم، منذ ثلاثين سنة وأنا أناقشهم. لقد ناقشت شكري مصطفى صاحب [جماعة] التكفير والهجرة وأقمت عليه الحجة، في عام ثلاثة وسبعين أربعة وسبعين. نعم، لقد ناقشته وأفحمته.
تهديد المفتي بالقتل من جماعة التكفير والهجرة بعد إفحام زعيمها
وكان سبب هذا الإفحام أنني هُددت بالقتل من هذه الجماعة [جماعة التكفير والهجرة]، ولكن الله سبحانه وتعالى خلصنا منها سريعًا، وإلا كان في بداية تحدٍّ وانقلاب أن علي جمعة هذا يكون أحد ضحايا هذه الفئة.
المذيع: جاء اسمك في قوائم المطلوبين للاغتيال؟
الشيخ: هذا مباشرة منه [شكري مصطفى]، قال لي: أنا أحبك ولكن أحب ديني أكثر، فأنا بالرغم من أنني أحبك، لكن من الممكن أن أقتلك.
حوار المفتي مع شكري مصطفى وتهديده المباشر بالقتل
المذيع: قال لك هكذا بالنص!
الشيخ: نعم بالنص هكذا: أنا أحبك، نعم، وأنت عقل نير، ولكن صدّق في هذا الأمر، وستكون معي بعد ثلاث دقائق.
قلت له: لن أكون معك، بل سأكون مع الشيطان! كان [شكري مصطفى] يتحدث عن دلالات الألفاظ في اللغة العربية.
قال لي: فقط صدقني في هذا الأمر، وستكون معي بعد ثلاث دقائق. قلت له: لن أكون معك وحدك، بل إنني لو صدقتك في هذه القضية، سأكون مع شياطين الإنس والجن، وأنا وبهذا سأكون قد ضللت.
خبرة المفتي في مناقشة المتطرفين ودور الأزهر في المراجعات الفكرية
المهم، أنه لا يُزَايَد على مثلي؛ لأنني أعمل معهم في النقاش ومتدرب عليهم، وأنا أيضًا راجعت كتب المراجعات. والأزهر الشريف قام بدور كبير جدًا مع هؤلاء، وأُذيع هذا في التلفزيون، ليس سرًا يعني ولا شيء، كان يُذاع بعد العصر لمدة ثلاث سنوات، ونحن نناقشهم داخل السجون.
ثم بعد ذلك عندما جاءت المراجعات، فقاموا بتأليف نحو عشرين كتابًا، أنا قمت بمراجعتها.
تصنيف المتطرفين إلى فئات: المهيأ للتطرف والمتطرف الفعلي
فأنا أقول في كلمتي أنني بخبرتي مع هؤلاء، فإنهم ليسوا على قلب رجل واحد وليسوا سواء.
فمنهم من هو مُهيَّأ للتطرف، وذلك بأن يَختزل الإسلام في مائة مسألة ويجعلها معيارًا لتقويم الناس وتفريقهم وما إلى ذلك. وهذا سهل، نجلس معه ونقنعه بالحُجَّة ونرد الكلمة بالكلمة والدليل بالدليل.
وهذا عندما نعمل معه هكذا، النتائج تصل إلى ثمانين بالمئة، أي كل ثمانين ولد نُقَوِّم منهم ثمانين. وهذه نسبة رائعة جدًا جدًا ونجاح باهر جدًا، ويؤدي إلى وجوب استمرار النقاش.
الفئة الأشد تطرفاً وعنفاً وضرورة كسر شوكتها بالتجربة
لكن هناك طائفة أخرى تنتقل من هذه الدائرة إلى دائرة تشدد وتطرف أكثر، أكثر تطرفًا وأكثر عنفًا في نفس الوقت. وحينئذ فهذه الطائفة -وبالتجربة- لا بد فيها مما يمكن أن نقول عنه مثل كلام الفقهاء القدماء: كسر الشوكة.
كسر الشوكة، يعني لو تركته لكان هذا بمثابة قنبلة موقوتة يمكن أن يسبب لك مشكلات لا نهاية لها.
الفرق بين سارق البنك والإرهابي في التعامل الأمني
في العالم كله توجد أنظمة أمنية، إخواننا الذين يكتبون ويتحدثون عن رجال الشرطة وأمور أخرى لا يعرفونها، هم غير منتبهين ولا يقرؤون. ماذا يقولون عن النظام الأمني؟ يقول أن هناك فرقًا بين سارق البنك وبين الإرهابي.
سارق البنك عندما يمسك بالأموال، يكون قد دخل البنك وسرق الأموال وخرج يجري. الشرطي وهو يجري وراءه يقول له: استسلم وإلا سأطلق النار عليك مباشرة، فيتردد ويخاف.
لماذا؟ لأنه يوازن الآن بين حياته التي يريدها ويريد استمرارها وبين المال الذي سرقه. أنت الآن رجل الشرطة، سيطلق النار عليّ، سأفقد حياتي! لا، إذن خذوا أموالكم وأهرب أنا، أو خذوا المال وتبقى حياتي حتى لو قُبض عليّ. نعم، هناك شيء تساومون عليه وهو حياته.
خطورة الإرهابي الذي لا يبالي بحياته ولا بحياة غيره والقانون الأمني العالمي
المذيع: أغلى شيء عنده [حياته].
الشيخ: تعال إلى الإرهابي، هذا الإرهابي لا علاقة له بالمسلمين. الإرهابي نحن نتحدث عن كارلوس مثلًا والصنف أمثال كارلوس الإرهابي، مثل تفجيرات أوكلاهوما، من أفعال الإرهاب.
نوع من أنواع الإرهابيين هؤلاء، احذر أن تقول له ارمِ سلاحك؛ لأنه سيضربك بالنار، قبل أن تنتهي من قولك ذلك سيضربك بالنار. وعندما يضربك بالنار، هناك قانون عالمي في الأمن لا شأن له بالمسلمين ولا مصر ولا الحريات ولا الديمقراطيات ولا التشدق بالكلام غير المفهوم؛ الذي لا يفهمونه. إذا تأخرت لحظة، سيقتلك.
استحالة الحوار مع من حمل السلاح ولا يبالي بحياته أو حياة غيره
المذيع: هذا قانون يا فندم، الحوار لا يمكن أن يتم مع من حمل السلاح.
الشيخ: مع من حمل السلاح، ليس هذا فحسب، بل إنهم أيضًا لم يحملوا السلاح فقط. هذا حمل السلاح وهو لا يهتم بحياته، تقول له: ارمِ السلاح وإلا قتلتك؟ أقتلني، ولا أبالي!
وأيضًا غير مهتم بحياتك، لا يخشى أنه عندما يقتلك سيموت هو أيضًا؛ لأنه أصلًا غير مهتم بحياته، فكيف سيهتم بحياتك؟ لذلك يوجد قانون عالمي يقول لك: اضرب النار مباشرةً.
تصنيف المتطرفين إلى ثلاثة أصناف ومدة علاج كل صنف
هناك صنف ثالث، هكذا أشرح في المحاضرة، -طبعًا لم أشرح كل هذا الكلام وكل هذا الشرح- إنما:
- أولًا: هناك تهيئة للتطرف.
- ثانيًا: هناك تطرف فعلي وتصميم وتنظيم وما إلى آخره، وهذا أيضًا يحتاج إلى علاج لكنه يأخذ وقتًا طويلًا.
الصنف الأول المُهَيَّأ للتطرف يحتاجون إلى خمس جلسات لإعادتهم إلى التفكير المستقيم. الصنف الثاني المُتَطرف يحتاجون إلى سنتين أو ثلاثة حتى يعودوا للتفكير المستقيم.
المذيع: يعني هناك تصنيف؟
الشيخ: نعم هناك تصنيف، وهناك نوع ثالث الذي هو من حمل السلاح فقتل.
ارتباط كلام المفتي بحادثة مقتل الشهيد عبد الخالق في عمليات سيناء
هذه المحاضرة كانت متى؟
المذيع: أنا أريد أن أسألك سؤالًا، هل تسمح لي؟ هذه المحاضرة أنا لم أحضرها، هل كانت تتعلق بالجورة والذهب في عمليات سيناء ومقتل الشهيد الضابط عبد الخالق؟
الشيخ: طبعًا، نعم، فقد كانت في نفس الوقت الجورة والذهب ومقتل عبد الخالق. عبد الخالق جارًا لنا في السكن.
وصف الشهيد عبد الخالق وشهادة المفتي بتميزه النادر
عبد الخالق من الشباب النادر الوجود، وكان - رحمه الله عليه - فنانًا في اختيار قطع السلاح. شاب يمكنك أن تقولُ: إنه رجلٌ والرجال قليلون.
شيءٌ محزنٌ أن تُحرَم منه مصرُ، من رمايته وإتقانه وجديته إلى آخره.
تفاصيل مقتل الشهيد عبد الخالق وتطبيق المرحلة الثالثة من التصنيف
عبد الخالق ذهب، وكان كلامي عن عبد الخالق بالذات عندما انتقلنا إلى المرحلة الثالثة [من تصنيف المتطرفين].
المرحلة الأولى نناقشها في خمس جلسات وننتهي منها، والمرحلة الثانية نناقشها في سنتين أو ثلاثة وننتهي منها، أما المرحلة الثالثة فلا يمكن مناقشته؛ لأنه يضربك بالنار. فماذا تفعل فيه؟
ما الذي كان حينئذٍ؟ عبد الخالق كان صاعدًا فوق تَبّة ليتفقدها.
وصف الإرهابيين في حادثة الجورة وأساليب التمويه التي استخدموها
ماذا فعل الصبية؟ الصبية الذين صنعوا ذهبًا والجورة وما إلى ذلك، لا علاقة لهم لا بالتهيئة ولا علاقة لهم بالمتطرفين. هؤلاء إرهابيون قتلة وليسوا لصوص بنوك. لا لا لا!
ما حدث كالآتي: ينزلون أنفسهم في برميل زيتٍ ويغمر نفسه فيصبح كله مملوء بالزيت من أوله إلى آخره، ويصبح مليئًا بالزيت، فيُمَرمِغ نفسه في التراب فتعلق بجسمه ذرات التراب، تلك الذرات التي هي من البيئة التي يختبئ فيها.
ثم يضع نفسه على صخرة، يسند نفسه على صخرة هكذا، فلا يظهر بل يختفي.
عملية التمويه واستشهاد عبد الخالق على يد الإرهابي المتخفي
المذيع: إنها عملية تمويه.
الشيخ: ولا بد أن انعكاس الضوء [يكون] بطريقة معينة حتى يظهر، وإلا فهو عارٍ ويقوم بهذه الحركة.
عبد الخالق عندما صعد إلى التبة، كان صبي من هؤلاء بهذه الصفة، فاستدار له وهو لا يراه؛ لأن انعكاس الضوء وكمية الضوء الموجودة في الخارج لا تسمح له بالرؤية.
المذيع: كان هناك كمين.
الشيخ: عبد الخالق أخرج رأسه هكذا حتى يقوم بالالتفاف يمينًا وشمالًا، والولد ذهب ليضربه.
استحالة مناقشة من حمل السلاح وقتل وختام الحلقة
فالسؤال الذي يُطرح لي في ظل هذه الظروف: ما الذي نستطيع أن نفعله معه؟ ما شاء الله! لو قلت نناقش... نناقش ماذا؟ كل من كتب، كل من كتب ضد عبد الخالق [أي ضد موقف المفتي من قضية عبد الخالق]...
فضيلة المفتي، سنستكمل غدًا إن شاء الله رأيك فيما يتعلق بقضية مقتل الشهيد عبد الخالق، اسمح لنا فضيلتك بذلك غدًا، ونشكرك، فإننا سنستكمل الحديث غدًا.
