الإسلام كتاب مفتوح - تابع الإساءة إلى الرسول الكريم
- •استعرض المفتي علي جمعة الأزمة الدنماركية وكيفية تعامل المسلمين معها، إذ بدأوا بالمسار الدبلوماسي ثم القضائي الذي فشل لعدم كفاءة المحامي.
- •أكد أن المقاطعة الاقتصادية كانت ردًا فعالًا أدى لخسائر بالمليارات وأثبت جدواه عندما تكررت الإساءة مؤخراً، حيث اعتذرت الحكومة الدنماركية دون طلب.
- •شرح الفرق بين حرية الرأي المطلقة وحرية التعبير المقيدة بعدم الإضرار بالآخرين، مستشهداً بالمادة 12 من الإعلان العالمي للأمم المتحدة.
- •تحدث عن أزمة تصريحات بابا الفاتيكان، موضحاً أنه قرأ النص الأصلي باللغة الألمانية واستنتج أن محاضرته كانت موجهة للعلمانيين وليس للمسلمين.
- •اقترح حلاً دبلوماسياً لأزمة البابا بحذف العبارة المسيئة من المضبطة بدلاً من طلب الاعتذار.
- •أشاد بنموذج ناجح في التعامل الحضاري حيث دعا باحث مصري الصحفيين الدنماركيين لحضور عرض توضيحي عن الإسلام.
مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن الأزمة الدنماركية ونموذج المسلمين الدبلوماسي
[المذيع]: أعزائي المشاهدين، مساء الخير. نلتقي اليوم مع فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، لنستكمل معًا ما كنا قد تناولناه بالأمس عن الأزمة الدنماركية. أهلًا بحضرتك يا سيدي.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم. نتحدث اليوم ونستكمل ما بدأناه بالأمس، تفضل حضرتك.
بسم الله الرحمن الرحيم، أمس كنا نتحدث عن أن المسلمين في حاجة إلى دربة لقيادة مثل هذه الأزمات، والتي في قضية الدنمارك، المسلمون في الحقيقة قدموا نموذجًا جيدًا؛ لأنهم بدأوا أولًا بالجانب الدبلوماسي.
بعد رفض وزير الخارجية الدنماركي لقاء السفراء، وبعد رفض رئيس الوزراء لقاء السفراء، لجأوا إلى القضاء، ورفعت الجالية الإسلامية قضية.
إشكالية المحامي غير الكفء وخسارة القضية أمام القضاء الدنماركي
ولكن يبدو أنهم استعملوا محاميًا ليس كفؤًا بالدرجة المناسبة، يعني غيرنا يستخدم محاميًا متخصصًا متدربًا واعيًا، يعرف المداخل والمخارج؛ لأنه نصف نجاحك في القضية هو طريقة عرضك لها.
فالقانون الدنماركي يعاقب على ازدراء الأديان في مادته مائة وأربعين ومائتين وستة وعشرين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: في هذه المادة، فعندما دخل المحامي إليهم، استدل بالمادة ثانيةً، فقال له القاضي: لا، هذه المواد لا تقيد حرية التعبير، وإنما هي موضوعة لمن يفرض رأيه فرضًا على صاحب الدين بازدرائه.
تفسير القاضي الدنماركي لمواد ازدراء الأديان وقصرها على المناهج الدراسية
قال له [المحامي]: كيف؟ قال له [القاضي]: مثل وضع المناهج المدرسية، افترض أن هناك إساءة في دين معين في منهج دراسي، حينئذٍ يحق للطالب أن يرفع القضية ضد وزارة التعليم الخاصة به، التي تفرض عليه فرضًا أنه يُظهر الدين في ورقة الإجابة عندما يُسأل عنه.
قال لي [القاضي]: إن هاتين المادتين فيهما هكذا، لكن في غير ذلك لا تشترِ الجريدة يا أخي، لا تشاهد الفيلم يا أخي، لا تشترِ الكتاب يا أخي.
الرد على حجة القاضي بأن النشر المتكرر يمثل ضغطًا واستفزازًا وخسارة الاستئناف
غاب عن القاضي وغاب عن المحامي أن هذا [الحكم] في حالة ما كانت الجريدة تُنشر مرة واحدة فقط، فهذا يعني أنني لم أشترها، لكن أن تُنشر سبعة أيام متتالية فهذا يدل على وجود ضغط واستفزاز.
إذا كان هذا المحامي ليس خبيرًا بالقوانين، وليس خبيرًا بالقطاع العام ولا بالقطاع الخاص، ولذلك ذهبوا وقدموا استئنافًا وخسروا الاستئناف أيضًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: عندما قدموا هذه الدعوى الأولى في القضاء الابتدائي فشلوا منذ البداية.
قلق العالم الإسلامي وزيارة وفد الجالية المسلمة لتهدئة الأوضاع
يحدث قلق في العالم الإسلامي، هذا القلق هو خوف الجالية المسلمة، فجاؤوا عندنا هنا في الشرق، جاؤوا هنا وفي الأردن وهكذا، لفّوا لفة هكذا لتهدئة الأوضاع.
فظن بعض الدنماركيين اليمينيين أنهم أتوا لكي يشعلوا المسائل. الوفد لم يكن أبدًا [كذلك]، الوفد جاء ليزورني وزار مجمع البحوث وهكذا.
[المذيع]: ماذا دار من حديث يهدئ الوضع؟
[الشيخ]: نعم، يقول يعني هذه بلدنا.
[المذيع]: إنما اعتذر اعتذارًا رسميًا؟
[الشيخ]: لا، هؤلاء مسلمون.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هؤلاء مسلمون قادمون من الدنمارك لتوضيح المسألة.
اتهام الوفد المسلم بالخيانة وتبرئتهم لاحقًا كنموذج للمسلم الوطني
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: مسلمون، ومن أجل أن يقولوا أنه لا يوجد شيء، يعني يهدئوننا قليلًا، يهدئوا العالم الإسلامي، فلم تكن هناك [إثارة]. قالوا عنهم ماذا؟ هؤلاء خونة، هؤلاء ذاهبون ليشعلوا ضدنا العالم الإسلامي، كيف إذن نمنحهم الجنسية ونتركهم يعيشون معنا؟
وقد اتضح بما لا يدع مجالًا للشك أن هؤلاء الناس أبرياء، وأنهم كانوا قادمين لتهدئة العالم الإسلامي وليس لإثارته، بل بالعكس عُرض عليهم إثارته فرفضوا؛ لأنهم وطنيون.
هؤلاء هم مثال صالح للمسلم أن يكون مع وطنه، وأن هو يدافع عن أناس وجماعته والمنتمين إليهم، ويجمع المواضيع الأخرى ويعالجها، فعملوا ذلك فعلًا.
الفرق بين حرية الرأي وحرية التعبير وفق مواثيق الأمم المتحدة
فالذي حدث في مشكلة الدنمارك بعد ذلك أننا قلنا لهم: حسنًا، وماذا بعد؟ هناك فرق بين حرية الرأي وحرية التعبير. حرية الرأي مطلقة، أما حرية التعبير فبموجب المادة الثانية عشرة من مواثيق الأمم المتحدة، متفق [عليه في] الإعلان العالمي للأمم المتحدة، ينص على أنه توجد حرية التعبير بشرط ألا تؤذي الآخرين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أما حرية الرأي فأنت حر في رأيك بأن فلانًا منحرف، ورأيي يعني أنه سيء، ولكن هناك قاعدة تقول: أنت حر ما لم تضر.
الحد بين الرأي والتعبير وموقف الاتحاد الأوروبي المتناقض من الجريمة الأخلاقية
وعلى هذا يكون هذا هو الحد ما بين الرأي والتعبير، فالرأي مطلق، أنت حر تعتبره شريرًا أو تعتبره خيرًا، أنت حر، لكن التعبير ليس مطلقًا، التعبير مقيد ومقيد بالإضرار بالغير.
هذا الكلام مبدئي ومفهوم، ولكن خوفًا من تسلط أي أحد على هذا المعنى، يقف البعض هذه المواقف الشاذة المتناقضة التي سألتني عنها مرة، ربما في الحلقة الماضية، عن موقف الاتحاد الأوروبي.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الغريب من قرار الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي يريد وضعًا فيه نوع من أنواع فصل الأخلاق عن الحياة، ولذلك يقول لك: هذه جريمة أخلاقية وأنا لا شأن لي بها، وكأن الجريمة الأخلاقية لا عقاب عليها.
المقاطعة الاقتصادية كغضب عاقل وأثرها في خسارة الدنمارك مليارات الدولارات
فعندما قلنا له: ماذا تعني أنه لا عقاب عليها؟ ماذا تريدون يا أوروبيين؟ أنتم أي الاتحاد الأوروبي قلتم إنها جريمة أخلاقية، أغضب منه، يعني قلنا سنغضب منه.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني نقاطعه، فذهبنا وقاطعناه اقتصاديًا، فتضرر وخسر مليارات الدولارات، وإذ بالمبعوث سولانا يأتينا ويقول: لا، في الأصل هذه قضية أخلاقية، يعني نغضب منه لكن لا نقاطعه.
فحكاية أنهم هم الذين يقولون إنها جريمة أخلاقية، فينبغي أن تغضب منه، حسنًا، سأغضب منه ونقوم نشرّعها على حسب المنافع والمصالح.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: المصالح، فعندما غضبت منه ورفضت شراء بضائعه، فهذا اعتراض سلمي وغضب عاقل - إن صح التعبير - يعني إذا كان هناك غضب عاقل أصلًا، فأنا غاضب منك وأعطيتني الجمل، فالمليارات التي خسرتها أنت بهذه الطريقة.
اعتذار الحكومة الدنماركية بعد فيلم الإساءة الثاني بفضل المقاطعة الاقتصادية
ولذلك حدثت واقعة في شهر رمضان الذي نحن فيه هذا منذ أيام، وهي أن شبانًا صغارًا أنتجوا فيلمًا يسبون فيه النبي مرة أخرى في الدنمارك.
[المذيع]: أتعلم ماذا حدث؟
[الشيخ]: اعتذرت الحكومة.
[المذيع]: نعم، انتهى الأمر.
[الشيخ]: دون أن يُطلب منها الاعتذار، يُحسب بحساب المصالح والمنافع.
[المذيع]: نعم، انتهى الأمر بالمقاطعة أتت بالنتيجة.
[الشيخ]: والمسرحية أيضًا اعتذروا عنها أيضًا على الفور، واعتذروا وشتموا الشبان قائلين: عيب يا فتى أنت، واستحِ. وأصبح الموقف مختلفًا عن الموقف الأول.
موقف المسلمين الحضاري الجاد ورفض التصرفات المشوهة كحرق الأعلام
إذا كان الموقف أيضًا، يعني موقف المسلمين، كان موقفًا جادًا ومؤثرًا، كان جادًا وكان مؤثرًا وكان حضاريًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأنهم في الحقيقة تعاملوا بشكل لائق مع بعضهم. الناس يقومون بمظاهرات وأحرقوا العلم وأحرقوا لا أعرف ماذا، هذا الكلام مرفوض تمامًا ويشوه الصورة الجيدة، مثل شخص كان لديه حليب وأضاف إليه ترابًا، فأصبح طينًا بالطبع.
فهذه الأشياء التي لا تزال مستمرة وفي عرض مستمر.
حكمة الإساءة للنبي وعلو قدره صلى الله عليه وسلم بالمحبة والابتلاء
[المذيع]: ما الحل إذن؟ هل يعني أن الأزهر الشريف اليوم في جزء مهم جدًا حتى ننبه الناس منها؟
[الشيخ]: جاءني أحد، سألني شخص ما وقال لي: ما حكمتها؟ فقلت له: علو قدر النبي صلى الله عليه وسلم. تخيل شخصًا يشتمك ظلمًا وعدوانًا، سيكون أجرك عند الله كبيرًا.
ولذلك جعل الله له الفريقين: ناسًا يصلون عليه ويؤمنون به ويحبونه ويوقرونه ويعذرونه، وناسًا يسبونه، فيرتقي بكل من الأمرين، فكل هذا له إجلالًا للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
تحليل محاضرة بابا الفاتيكان وسياقها الأكاديمي بين العقل والإيمان
[المذيع]: تجريحات بابا الفاتيكان، هل هي جهل متعمد أم جزء من مؤامرة أم ماذا؟
[الشيخ]: يعني أنا لي رأي خاص في قضية بابا الفاتيكان. هو رجل أستاذ أكاديمي كان في جامعته يلقي محاضرة، وأنا جلبت النص الألماني وترجمته إلى اللغة العربية.
بدون شك أنه بصفته أعلى سلطة موجودة على ملايين ومئات الملايين من الكاثوليك، فإن المحاضرة أو الجزء المنتقد عليه في جانب الإسلام لم يكن بذلك المستوى الذي يصدر من مثله.
[المذيع]: نعم، لم يكن صحيحًا أن يصدر منه.
[الشيخ]: نعم، لكنه وهو يسوقه وساقه على أساس أنه أي أن المحادثة التي جرت بين مانويل البيزنطي في القرن الرابع عشر وأحد المثقفين المسلمين الفرس، والتي نشرها عادل تيودور خوري سنة ستة وستين، وعندما كان البابا يقرؤها نبتت في ذهنه فكرة العلاقة بين العقل والإيمان.
موضوع محاضرة البابا الحقيقي هو النزاع بين الكنيسة الكاثوليكية والعلمانية
فهو إذن لم يؤيد ما جرى في القرن الرابع عشر، لكن سياق ذكره له في المحاضرة من بغير أي تنبيه كان واخزًا عليه.
أعتقد أن القضية مختلفة، وأن القضية كانت نزاعًا بين الكنيسة الكاثوليكية والعلمانية. موضوع المحاضرة هو النزاع بين الكنيسة والعلمانية.
العلمانيون قالوا له: والله لن تخرج من المحاضرة إلا بعدما نوقع فيك المسلمين. هذا شتم لكم على فكرة، وأول ناس نشروا أنه شتم هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
حسنًا، ما هي هيئة الإذاعة البريطانية يعني؟ أهي من القنوات التي تدافع عن الإسلام والمسلمين؟ مشكلة هي بالنسبة للمسلمين، يعني هيئة الإذاعة البريطانية أول من نشرت، فما القضية؟
رسالة البابا الحقيقية للعلمانيين بالتمسك بالكاثوليكية والمزج بين العقل والإيمان
البابا ذهب إلى الجامعة ليقول لهم: يا إخواننا، أنتم علمانيون، لكن لا تتركوا الكاثوليكية؛ لأن الكاثوليكية عبارة عن مسيحية السيد المسيح الذي تُطعّم بالعقل.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الاثنان معًا، وفي التاريخ الكنسي ثلاث محاولات لفصل العقل عن الإيمان لكنها فشلت، وأنا لست معها، أي البابا. والمزج بين العقل والإيمان أو العقل والمسيحية هو أساس الحضارة الأوروبية، ولذلك دعونا نُجري حوارًا بين البابا والعلمانية.
لم يكن يقصد المسلمين في ظني، أو فيما اطلعت عليه من نصوص المحاضرات الأصلية باللغة الألمانية.
أهمية الرجوع إلى المصدر الأصلي والترجمة المعتمدة في التعامل مع الأزمات
[المذيع]: أنت ترجمت النص الألماني ترجمة صحيحة؛ لأن النص الإنجليزي يحتوي على اختزالات وأخطاء ظهرت في النشر اللاحق. أنت تتوخى الدقة البالغة في الوصول إلى المصدر الأساسي.
[الشيخ]: لأننا أهل حق وأهل التوثيق، والسلف الصالح علمونا هكذا أننا أهل حق وأهل توثيق، يعني نرى ما الذي حدث بالضبط.
فهو في الحقيقة المصدر الأصلي، والقضية لابد أن تؤخذ من مصدرها الأصلي، ولابد أن تُترجم ترجمة معتمدة، ولابد أن تفعل ذلك بسرعة.
يعني هو كان يوم الثلاثاء، وأنا كان يوم الأربعاء جلبت النص الألماني، يوم صباح الخميس سيكون معه النص العربي والترجمة العربية المعتمدة، لكي أعرف ما الذي يحدث.
حاجة المسلمين إلى التدريب الكافي على إدارة الأزمات واقتراح حذف العبارة من مضبطة الفاتيكان
لكن هنا أيضًا أنا أتهم وأقول إننا كمسلمين لم نتدرب بعد التدريب الكافي على إدارة الأزمات - إن صح التعبير - أعني أنني أريد أن أقول إننا نحتاج أن نعتاد على إدارة هذه الأزمات؛ لأنها في الأصل لن تكون الأخيرة وليست الأولى.
[المذيع]: حسنًا، أزمة مثل التي واجهتني كيف كنت سأديرها؟
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: تفضل يا سيدي.
[الشيخ]: أزمة مثل هذه كنت سأديرها ليس بأن أقول إن البابا اعتذر.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ولا أقول له احذف هذه العبارة من المحاضرة التي ألقيتها، انتهى الأمر.
[المذيع]: نعم، من مضبطة الفاتيكان.
[الشيخ]: نعم، فهو عندما البابا يصدر منه محاضرة بتحفظ.
فكرة حذف الجزء المسيء من محضر الفاتيكان مستوحاة من تصرفات مجلس الشعب
[المذيع]: آه، طيب.
[الشيخ]: ما رأيك يا حضرة البابا أن تشطب هذا الذي أزعجنا قليلًا؟ اشطبه واترك محاضرتك كما هي، احذفه من محضر الفاتيكان، احذفوا هذا الجزء.
[المذيع]: من أين أتيت بهذا؟
[الشيخ]: من تصرفات النواب التابعين لمجلس الشعب. مجلس الشعب، النائب عندما يتكلم ربما تأخذه الحماسة فيشتم وزيرًا أو يشتم النائب زميله، فالشتيمة هذه لا تليق، فالنائب الثاني يقول له ماذا، أو الوزير يطلب: احذف هذا من المضبطة، احذف هذا من المضبطة.
هذا نوع من أنواع طلب الاعتذار ورد الاعتبار. ورد الاعتبار هو طلب اعتذار ورد اعتبار، ولكن لا يوجد من يقول آسف ولا شيء، ولا يقدم اعتذارًا، لكن في الوقت نفسه كانت ستنفعنا في أشياء كهذه.
إمكانية استجابة البابا وعقيدة العصمة البابوية وأثرها على تقديم الاعتذار
[المذيع]: وهل كان بابا الفاتيكان يمكن أن يستجيب لطلبك؟
[الشيخ]: أنا أظن أنه يمكن؛ لأن الرجل جاء في قداس الأحد الذي بعده وأبدى ألمه الشديد. هذا نوع من أنواع تأنيب الضمير أو تبكيت الضمير.
لا، أعني هو أخذ الضمير من ناحية دبلوماسية؛ لأنه ما لا ننسَ أن الفاتيكان ليس كنيسةً فقط، بل هي كنيسةٌ ودولة. وبكونها دولة فلها مقتضيات سياسية معينة، وبكونها كنيسة فإن شخصية البابا المفترض والذي كان عليه العمل قبل ألف وثمان مئة وسبعين أنه معصومٌ في كل تصرفاته.
مجمع ألف وثمان مئة وسبعين قال إنه معصومٌ فيما ينسبه إلى الكرسي الرسولي، أي معصوم في قضايا الإيمان فقط، ولكن القضايا الحياتية لا، ليس معصومًا.
أناقة حذف الكلمة من المضبطة والحاجة إلى التدريب والضغط في الاتجاه الصحيح
لكن التربية الشائعة للعقلية الكاثوليكية أن البابا معصوم، فكيف يقدم اعتذارًا؟ أيضًا يعني أنها تحتاج حسابات أخرى سياسية ودينية، لكن حذف الكلمة من المضبطة يعني أكثر أناقة - إن صح التعبير.
أرى أنه لو كنا قد سرنا في هذا الاتجاه والله أعلم، وأيضًا انتبه إلى ما أقوله: إننا نحتاج إلى التدريب والتجربة. لو كنا ضغطنا في هذا الاتجاه لوجدنا شيئًا من الاستجابة.
مخاطبة البابا بحذف العبارة والدعوة إلى علاقة وئام استراتيجية مع العالم
ولذلك أنا اليوم أقول له هكذا، أقول له: أنت تعرف يا قداسة البابا ماذا يمكن أن تفعل؟ سيقول لي هكذا: ماذا سنفعل يا شيخ علي؟ فأقول له: احذفها من المحضر وأعلن أن هذه طريقة للخروج مما نحن فيه.
فنحن لا نريد صدامًا، بل نريد أن تكون علاقتنا مع العالم كله استراتيجيًا علاقة وئام؛ لأن هذا دين دعوة فهو منفتح بطبيعته، فلابد أن يبقى منفتحًا ويظل منفتحًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لست أنادي بالمواجهة، ولكن أيضًا لا أقبل ممن يهين الإسلام أو ينسب إليه الأخطاء وهو في مكانة شخصية مثل البابا.
الأزمات لها فن في إدارتها وحاجة المسلمين إلى مزيد من الدربة
فإذا كان يمكن أنه عليّ، أو أريد أن أقول إن هذه أزمة، وأن الأزمة لها فن في إدارتها، وأننا يبدو أننا بحاجة إلى مزيد من الدربة لقيادة مثل هذه الأمور.
كشفت هذه الأزمة مؤخرًا - أزمة الدنمارك - أيضًا أننا لم نعرض ديننا الإسلامي بصورة لافتة للنظر، رغم أن الأزهر الشريف أنشأ كليات للغات والترجمة وخرّج العديد من الأجيال الآن.
تغير العالم المستمر وضرورة تجديد الأساليب في عرض الإسلام كل عام
[المذيع]: هل ترى فضيلتك ما هو الحل؟ هل يكون هناك مزيد من إرسال بعثات من الأزهر الشريف للدراسة في الغرب أم ماذا؟
[الشيخ]: لا، في الحقيقة أنا في تصوري أن المسائل تتغير كل يوم، وأن ما نستطيع أن نفعله في هذا العام لا يصلح للعام الذي بعده. فلا بد أن نعي هذه الحقيقة البسيطة وهي أن العالم ليس ثابتًا وإنما متغير دائمًا، متغير ودائم التغير.
المجهودات الكبيرة للجالية المسلمة في الدنمارك وإسلام الآلاف فيها
أما المجهودات التي تُبذل، الحقيقة أن هناك مجهودات خرافية تُبذل. يعني عندما آتي لأقول لك، وقد ذكرنا سابقًا، واحد وخمسون شخصًا أو أربعون أو نحو ذلك قد أسلموا في سنتين، ومائة، عدد كبير.
هذا يعني خمسة ملايين من الدنمارك، هل كان هذا من فراغ؟ لا، بل كان من عمل الجالية يبلغ عددها الآن مائتي ألف شخص دنماركي، وهذا أمر كبير.
قصة الرحالة الدنماركي الذي أسلم وكتابه عن الفرق بين الشرق والغرب
يعني في أزمة الدنمارك هذه، أعطيك مثالًا: هناك باحث مسلم مصري يحمل الجنسية الأمريكية أيضًا اسمه فاضل سليمان. ذهب هذا الباحث فوجد شيئًا غريبًا، وهو أن أحد الرحالة الدنماركيين في سنة ألف وتسعمائة وواحد وعشرين، ألف رحلة للحج ومر فيها على المغرب فليبيا فمصر راجعًا إلى الدنمارك مرة ثانية.
وكان صحفيًا وأسلم وألف الكتاب، وتُرجم الكتاب إلى الإنجليزية، ونحن الآن نترجمه إلى العربية.
وفي هذا الكتاب يصف الفرق بين الشرق والغرب وبين عقل كل منهما، وكيف أن الشرقي هذا أقرب إلى الإنسانية والحب والودّ والدفء من العقل الآخر.
نشر كتاب الرحالة الدنماركي وإنتاج فيلم تعريفي بالإسلام ودعوة الصحفيين
كتاب مهم جدًا أن يُنشر في هذه الأزمة. جلبناه وقد تمت ترجمته، والترجمة والله.
[المذيع]: نعم، لكنه لم يُنشر بعد.
[الشيخ]: أريد أن أقول لك ماذا فعل [فاضل سليمان]: صنع فيلمًا تقديميًا، أي عرضًا للإسلام باللغة الإنجليزية، وطبّق الفكرة وذهب إلى الدنمارك بهذا الفيلم وجمع الصحفيين هناك.
المشكلة حدثت من تصرف صحفي، فاستدعى الصحفيين الموجودين في مركز الإعلام. عندما يكون هناك خمسة ملايين، فكم سيكون عدد الصحفيين؟ ربما وجد مائتي صحفي، فاستدعاهم قائلًا: تعالوا وشاهدوا الفيلم الذي يشرح الإسلام، خذوا كتبًا عن الإسلام واقرؤوها، وتعالوا في رحلة إلى مصر لزيارة الأهرامات.
التعامل الحضاري مع الصحفيين ودعوتهم لرحلة نيلية كنموذج لتجاوز الأزمات
[المذيع]: هل انتبهت للتعامل الحضاري؟
[الشيخ]: وسنأخذكم في رحلة نيلية إلى أن نوصلكم إلى أبو سمبل أو أي مكان آخر. إذا عاد الصحفي من الرحلة وهو مسرور، فسيكتب حينئذ مع وليس ضد.
هذه هي التصرفات الحضارية التي تدوم، وهذه هي التصرفات التي تتجاوز الأزمة وتحيط بها وتعرف كيف توجهها بصلة.
خاتمة الحلقة والتأكيد على دراسة المسائل بتأنٍّ ومعرفة ما ينبغي فعله
[المذيع]: يبدو أنك درست هذه المسألة دراسة متأنية جدًا.
[الشيخ]: نرجو ذلك، ونحن نحاول دائمًا في أي مسألة أن نعرف ما الحاصل، وأن نعرف ما الذي ينبغي علينا أن يكون.
[المذيع]: نحن لا يسعنا إلا أن نتقدم لك بالشكر الجزيل، وعلى وعد باللقاء في الغد بإذن الله.
[الشيخ]: إن شاء الله.
[المذيع]: أعزائي المشاهدين، نتواصل غدًا مع فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة في الغد بإذن الله، إلى اللقاء.
