الإمام القرطبي | ح #35 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة - شخصيات إسلامية, مصر أرض الصالحين

الإمام القرطبي | ح #35 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة

24 دقيقة
  • الإمام القرطبي عالم أندلسي هاجر إلى مصر بعد سقوط بلاده أمام الفرنجة، فوجد فيها الأمن والاستقرار.
  • ولد في قرطبة في أوائل القرن السابع الهجري (حوالي 610هـ) وتوفي سنة 671هـ، تتلمذ على مدرسة المذهب المالكي.
  • استشهد والده على يد الإسبان عندما كان القرطبي في سن السابعة عشرة، مما دفعه للرحيل إلى تلمسان والجزائر وتونس ثم مصر.
  • استقر في منية بن خصيب (محافظة المنيا حاليًا) وقبره ما زال موجودًا هناك.
  • صنف القرطبي كتابه الشهير "الجامع لأحكام القرآن" الذي استغرق تأليفه نحو ثلاثين سنة.
  • اهتم في تفسيره باللغة والروايات المأثورة والأحكام الفقهية والرد على الشبهات، وتأثر بتفاسير الطبري وابن عطية وأبي بكر بن العربي.
  • تميز تفسيره بالمنهج العلمي الدقيق وسهولة العبارة والخلو من الإسرائيليات.
  • من مؤلفاته الأخرى "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة".
  • تأثر به كثير من المفسرين بعده مثل ابن كثير وابن عاشور.
  • ما زال تفسيره من أكثر التفاسير رجوعًا إليها حتى يومنا هذا.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

دعاء زين الدين الواعظ لمصر ووصف نيلها ونعيمها وبركتها

دعا زين الدين الواعظ صلاح الدين إلى مصر، دعاه إلى نيلها ونعيمها وسلسبيلها، ودار ملكها وأنيس ناسها، وقصور معزّها ومنازل عزّها، وجيزتها وجزيرتها، وخيرتها وجيرتها، وبركتها وملتقى البحرين وملتقى الهرمين.

فاللهم يا ربنا اجعل بلادنا جنة كما رآها الناس عبر التاريخ، اللهم آمين.

تقديم المذيع للإمام القرطبي العالم الأندلسي الذي فرّ إلى مصر

[المذيع]: هو العالم الجليل، هو العالم الأندلسي الذي فرّ من بلاده بعد سقوطها أمام الفرنجة، وفرّ هاربًا بدينه وعلمه إلى مصر، فوجد فيها الأمن والأمان والمتنفس لعلمه، وأصبح واحدًا من أعظم من فسّر كتاب الله الحكيم.

الآن نتوقف في مصر أرض الصالحين مع الإمام القرطبي رضي الله عنه.

[الشيخ]: إمام المفسرين! كان الإمام القرطبي إمامًا للمفسرين عبر التاريخ، وكان أحد أئمة المذهب المالكي، فهو صاحب الجامع لأحكام القرآن، كتبه واستفاد من تفسير ابن عطية لاهتمامه بالجانب الفقهي وبجانب اللغة وغيرها من مناحي التفسير، رضي الله تعالى عن الإمام القرطبي.

ترحيب المذيع بالدكتور علي جمعة وسؤاله عن نشأة القرطبي في الأندلس

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، ولقاء جديد مع سيرة وحكاية عالم وإمام من الأئمة الأعلام الذين شرّفوا أرض مصر، أرض الصالحين. اليوم سنتحدث عن الإمام القرطبي صاحب كتاب الجامع لأحكام القرآن.

بدايةً أرحب بفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا ومرحبًا.

[المذيع]: الإمام القرطبي عَلَمٌ كبير، فأرجو من حضرتكم أن تعطينا معلومات عن النشأة، كيف كانت في بلاد الأندلس؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الإمام القرطبي رضي الله تعالى عنه انتقل إلى رحمة الله تعالى في سنة ستمائة وواحد وسبعين، وقد بدأت بالوفاة لأن الميلاد غير معروف بالضبط، ولكن يبدو من الحكايات والروايات أنه وُلد في أوائل ذلك القرن السابع في حدود سنة خمس عشرة بالأكثر.

[المذيع]: ستمائة أو ستمائة وعشرة؟

[الشيخ]: نعم، ولكن الراجح أنه ستمائة وعشرة، يعني الراجح أنه سيأخذ بعض السنين من القرن؛ لأنه بذلك يكون قد مات وعمره واحد وستون سنة، اثنان وستون سنة، ثلاثة وستون سنة، وهكذا حتى لو أنه وُلِدَ هكذا ليكون واحدًا وسبعين سنة.

نشأة الإمام القرطبي في قرطبة وتتلمذه على المدرسة المالكية واستشهاد أبيه

[الشيخ]: فالإمام [القرطبي] عندما تربّى في قرطبة، تتلمذ على ابن حجة وتتلمذ على هذه المدرسة المالكية؛ لأن المغرب والأندلس كانوا مالكيين.

وبعد ذلك حصل عدوان من الإسبان على قرطبة، واستُشهد أبوه، وهذا الأمر كان في حدود السابعة والعشرين، يعني كان عمره سبعة عشر سنة.

ومن الطرائف أنه ذهب إلى أساتذته يسألهم: هل يُغسَّل [أبوه] أم لا؟ لأن الشهيد لا يُغسَّل. فأفتى لهم أحدهم أنه يُغسَّل، وأفتى له آخرون أنه لا يُغسَّل. وظل يبحث عن هذه المسألة في الكتب، وقال: لو اطلعت عليها كما جاءت في الكتب ما غسّلته، يعني أنه كان شهيدًا.

حكم الشهيد في الغسل والصلاة والفرق بين شهيد المعركة وشهيد الغدر

[الشيخ]: يعني هل الشهيد هو من وقع ما بين الصفين والمعتركين، يعني أثناء الحرب، أو بسبب الحرب يكون شهيدًا؟ فهو وجد أنه ليس بسبب الحرب [فقط] يكون شهيدًا؛ فهؤلاء المعتدون جاؤوا وقتلوا أباه في الطريق رغم أنه ليس في حالة قتال ولا شيء.

ونحن نعتبر هذا الآن، يعني عندما الفريق عبد المنعم رياض رحمه الله تعالى ورضي الله عنه لما استُشهد من غدرٍ جاء له هكذا، يعني لم يُستشهد ما بين صفين أو معتركين، ولكن هذا شهيد ولا يُغسَّل ويُكفَّن في دمه وفي ثيابه.

ولا يُصلَّى عليه؛ لأن الصلاة مؤداها أن نلجأ إلى الله للمغفرة وهكذا، وهو قد سبقنا وهو يكون شفيعًا لنا يوم القيامة. هذه فلسفة عدم الصلاة على الشهيد، ولكن بعض الناس يصلّون عليه، لا بأس، يعني زيادة رحمة أو زيادة بركة أو نحو ذلك إلى آخره.

رحلة الإمام القرطبي من قرطبة إلى مصر واهتمامه باللغة والفرق والمذاهب

[الشيخ]: الإمام القرطبي إذا كان عنده سبعة عشر سنة، حينها كان عنده ثمانية عشر سنة، ولذلك يسأل مشايخه ويبحث عن هذه المسألة. ولكن هذا [استشهاد أبيه وضياع قرطبة] كان دافعًا له؛ الحالة الأمنية في قرطبة وضياع قرطبة من أيدي المسلمين كان دافعًا له أن يرحل.

فرحل إلى تلمسان، وبعد ذلك إلى الجزائر، إلى تونس، إلى مصر، نزل الإسكندرية. وفي كل هذه الرحلة يتعلم ويقرأ ويزداد هكذا.

واهتم جدًا باللغة واعتبرها أنها المدخل الصحيح لتفسير القرآن الكريم، واهتم جدًا بدراسة الفرق والمذاهب والأديان وما إلى ذلك. ولذلك تجد كثيرًا في تفسيره وهو يرد على الشبهات ويرد على أصحاب الفرق وأصحاب الديانات.

منهج الإمام القرطبي في التفسير والجمع بين المأثور والرأي وإسناد الأقوال

[الشيخ]: واهتم [الإمام القرطبي] كثيرًا بالمأثور بالرواية، ولذلك يقول في تفسيره أنه لا بد أن يُسنَد القول لقائله، وأن يُسنَد الحديث لمخرجه، وأن كثيرًا من الناس لا تُسنِد الحديث إلى مخرجه فيظل القارئ في حيرة وعدم معرفة.

إذن هذا الرجل صاحب منهج، وهو منهج مال فيه إلى الجمع بين المأثور وبين التفسير بالرأي.

الإمام القرطبي جاء إلى مصر، وكان في الإسكندرية، لكنه لزم واستقر نازلًا في منية بن خصيب، وهي التي نسميها الآن محافظة المنيا. وتجد الإمام القرطبي موجود في أحد ميادينها، قبره موجود، نزل واستقر في المنيا الإمام القرطبي.

[المذيع]: استقر في المنيا على الدوام، أعجبه المكان وأصبح هناك.

تأثر الإمام القرطبي بتفسير الطبري وابن عطية وأبي بكر بن العربي والنحاس

[الشيخ]: وبعد ذلك بدأ [الإمام القرطبي] يتأثر بتدريسه ودراسته وقراءته وجمعه، وكذلك بتفسير الطبري. تفسير الطبري عندما تذهب إليه تجده كله روايات: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن ابن عباس عن عطاء عن مجاهد عن عكرمة عن فلان من الذين تصدّوا لتفسير القرآن.

فكل الروايات بما فيها ما تصدّر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي آيات قليلة ليست كثيرة؛ حتى يكون القرآن صالحًا لكل زمان ومكان، فلا نحصره في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك نجد هذا ما نسميه التفسير بالمأثور.

تأثر أيضًا بتفسير ابن عطية في القراءات وفي اللغة وفي أمور أخرى. وعندما ظهر تفسير ابن عطية الأندلسي، بدأنا نقارن بينه وبين تفسير القرطبي؛ لأنه فعلًا استفاد منه.

تأثر أيضًا بتفسير أبي بكر بن العربي الأندلسي أيضًا؛ لأنه كان له تفسير واسع يُقال إنه في تسعين مجلدًا، فاستفاد منه الإمام القرطبي.

تأثر بالنحاس في إعراب القرآن؛ لأنه كان حريصًا على قراءاته وعلى الإعراب وعلى اللغة وعلى الأحكام الفقهية وعلى الرد على الشبهات وما إلى ذلك. فأصبح تفسيره درّة - كما يقولون - أي شيء ممتاز.

[المذيع]: موسوعة في التفسير.

[الشيخ]: وموسوعة أيضًا.

مؤلفات الإمام القرطبي الأخرى ككتاب التذكرة وكتاب قمع الحرص والبخل

[الشيخ]: طبعًا الإمام القرطبي له كتب كثيرة، منها التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، وهذا مجلد ضخم جدًا، كان السيد أحمد مرسي طبعه أول ما طُبع، وبعد ذلك طُبع مرات. ذكر فيه ما يتعلق وما يسأل عنه الناس كثيرًا في قضايا الروح وخروج الروح: إلى أين تذهب؟ وكيف سترجع بعد ذلك؟ وما هي أحوال القبور؟ وماذا سيكون في الآخرة؟ وهكذا إلى آخره.

كثير من الناس تسأل عن هذا الجزء الغيبي، فهو موجود في كتاب التذكرة للقرطبي، والتذكرة الآن مطبوعة عدة طبعات، يعني متوفرة في الأسواق.

وله كتب أخرى يتحدث فيها عن كيفية قمع الحرص والبخل. هنا قمع البخل، الحرص الذي هو أنني حريص على تحصيل الدنيا، أريدها متشبثة معي كثيرًا، مهتم بها اهتمامًا زائدًا. كيف أقاوم هذا الشعور بالزهد وبالقناعة؟ أن يكون عندي قناعة، لا يكون عندي طمع.

فالقناعة ضد الطمع، والزهد ضد الطمع. فيكون إذن الحرص هنا معناه الحرص على تحصيل الدنيا وأن تكون في يدي وأن أكون حريصًا عليها جدًا. والذي يأتي منها [هو] معنى البخل: أنني أيضًا لا أريد أن أعطي منها شيئًا.

لا، ليس أنك لا تريد أن تعطي منها شيئًا، نعم، ولكن أعطِ حسنًا. كيف؟ قوِّم نفسك بالزهد والقناعة. عظيم! ما أحوجنا، يعني هذا الكتاب.

فاصل إعلاني ودعاء المواطنين عند مقام الإمام القرطبي في المنيا

[المذيع]: أستأذن فضيلتك نأخذ فاصلًا سريعًا ونعود مرة أخرى لنستكمل سيرة الإمام القرطبي، أرجوكم ابقوا معنا.

تقرير إعلامي (مجموعة من المواطنين):

﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]

اللهم أسكنه فسيح جناتك، اللهم احشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يا رب العالمين.

على بُعد دقائق من مدينة المنيا، وتحديدًا في قرية زاوية سلطان، حيث مقام الإمام القرطبي. هذا المقام الطاهر الذي يتوافد على ساحته الصغيرة مئات الزوار يوميًا للدعاء والذكر، ولم تمنعهم الدروب الضيقة وسط مقابر أهالي القرية من الوصول إلى غايتهم والجلوس بجوار مقام هذا العالم الجليل.

فمقام الإمام القرطبي يتميز بقربه من مدينة المنيا عروس الصعيد، هذه المدينة التي شهدت تطورًا ملحوظًا في نطاق الطرق والميادين، والتي جعلت الوصول للمقام المبروك أيسر وأسهل. كما تضم أجمل المشاهد لنهر النيل، بالإضافة لاحتوائها على صرح أثري كبير هو المتحف الأتوني والذي يُعدّ من أكبر المتاحف المصرية.

خلو تفسير القرطبي من الإسرائيليات ومنهجه العلمي في التوثيق والمصادر

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى، ونستكمل مع فضيلة الدكتور علي جمعة سيرة وحكاية الإمام القرطبي رضي الله عنه على أرض مصر، بعد أن جاء إليها وشرّفها. فضيلة الدكتور أهلًا وسهلًا بحضرتك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بحضرتك.

[المذيع]: الإمام القرطبي ربما يرى الكثيرون أن تفسيره يكاد يخلو من الإسرائيليات، أو هو بالفعل خالٍ من الروايات الإسرائيلية. كيف كان حريصًا على هذا الأمر وألّا تتسلل مثل هذه الروايات إلى تفسيره؟

[الشيخ]: المدرسة التي ينتمي إليها القرطبي صاحبة منهج، وهذا المنهج جعله يحدد مصادره، وأيضًا يحدد الطريقة التي سوف يعرض عليها التفسير.

ما مصادره؟ مصادره تفسير الطبري، مصادره تفسير أبي بكر بن العربي، مصادره إعراب القرآن للنحاس، مصادره تفسير الماوردي الشافعي مجتهد الشافعية، مصادره تفسير ابن عطية.

هذه التفاسير وهذه المدرسة - إن صح التعبير - جعلها مصدرًا للتلقي. ثم ماذا يقول؟ فجعل التوثيق أهم شيء، سواء كان التوثيق في عزو الأقوال لقائلها، أو سواء كان التوثيق في المصادر الشرعية.

ويعمل في القرآن الآن، فإذا المصدر الثاني هو السنة المشرفة بمعرفة صحيحها من ضعيفها، من مقبولها من مردودها؛ لأن كل ذلك وارد بالسند. هذه العقلية الأكاديمية العلمية هي التي سببت خلو هذا التفسير.

نستطيع أن - أعني كلمة يكاد أنا مسرور منها - يكاد هذه؛ لأنه توجد بعض الهنات في التفسير، تفسير القرطبي، لكنها شيء يعني، أنا لا أعرف منها إلا مرة واحدة في عشرين جزءًا، أي في عشرين جزءًا، عشرين مجلدًا، تأخذ مساحة.

طبعة دار الكتب المصرية لتفسير القرطبي وأنها أدق الطبعات الموجودة

[الشيخ]: وكان أول من أظهره [تفسير القرطبي] دار الكتب المصرية أولًا، طبعة دار الكتب المصرية. وبعد ذلك صوّروا عليها، يعني حتى لم يجدوا أحدًا ليعيدوا مرة ثانية.

وبعد ذلك طُبع كثيرًا، وما زالت إلى الآن طبعة دار الكتب المصرية هي أدق طبعة موجودة.

تفسير القرطبي أُلِّف بالكامل في مصر واستغرق نحو ثلاثين سنة

[المذيع]: عفوًا مولانا، التفسير القرطبي هذا فسّر وهو في مصر، بالتالي يعني لأنه أتى إلى مصر وكان صغيرًا في بداية العمر، وليست مؤكدة هذه المعلومة.

[الشيخ]: كلا، كل تفسير القرطبي تم في مصر.

[المذيع]: تم في مصر تمامًا.

[الشيخ]: ولكن استغرق سنوات كثيرة، قد تكون نحو ثلاثين سنة.

[المذيع]: ثلاثين سنة في تفسير القرآن؟

[الشيخ]: نعم، يفصّل القرآن، يفصّل القرآن نحو ثلاثين سنة؛ لأن فيه مظاهر عجيبة غريبة.

الهنة الوحيدة في تفسير القرطبي وقصة غير موثقة عن الأئمة الأربعة وأهل الكهف

[الشيخ]: لكن دعني أنبّه إلى تلك الهنات التي أتحدث عنها والتي لم أجد لها إلا مرة واحدة، في قصة غير موثقة، وهي أن الأئمة الأربعة أخذوا عباءة وركبوها وطاروا بها إلى المكان الذي فيه أهل الكهف.

وهذه القصة موجودة في تفسير سورة الكهف، ثم أن الله أحيا لهم أهل الكهف، وبعد ذلك ذهبوا مُعيدين العباءة مرة أخرى وراجعين.

هذا، فهل يوجد من دسّها؟ لأنها لا تسير بشكل صحيح. شيءٌ كهذا يجعل القلب يميل إلى الاعتقاد بأن فيها دسّ، أن شخصًا ما دسّها ووضعها.

وما كان الغرض من هذا الدس؟ أن تنتشر القصة. أهذا أن شخصًا مثل الإمام القرطبي [يكتب مثل هذا]؟ ولماذا نميل لدسّها؟ لأنها ليست متسقة مع ما قرأناه من البداية إلى النهاية.

[المذيع]: الكل يتبع المنهج العلمي.

[الشيخ]: منهج علمي دقيق، نستطيع أن نصفه بأنه منهج علمي حاد. وبعد ذلك إذ بها تظهر هذه القصة، لكن هذه القصة موجودة [في الطبعات].

ظاهرة نسيان القرطبي لوعوده في التفسير بسبب طول مدة التأليف

[الشيخ]: هناك ظاهرة في التفسير الذي أُعِدّ في الثلاثين سنة، أنه يأتي إليك في سورة البقرة ويقول لك: كذا وسوف تأتي في سورة كذا، أي أنني [القرطبي يتكلم عن نفسه] سأتحدث عنها في سورة [أخرى]. فعندما تأتي في سورة كذا لا يتحدث عنها، ينسى هذا الكلام.

إنه ليس الذي يتغير في سنة وسنتين بسرعة، يعني هذا الكلام يحتاج مدة طويلة حتى هو نفسه ينسى ماذا كتب في سورة البقرة، أو وعد قال إنه سيفسرها في سورة الدخان، ثم عندما يأتي إلى سورة الدخان لا يفسرها؛ لأنه عندما وعد بذلك منذ ثلاثين سنة.

فهذه ظاهرة موجودة ولكنها ليست شائعة، يعني حتى هذه الظاهرة في تفسير القرطبي ليست كثيرة.

تفسير القرطبي الأكثر رجوعًا إليه وتأثيره في التفاسير اللاحقة كابن كثير وابن عطية

[الشيخ]: وقد عمل على تفسير القرطبي محققون أفاضل كالشيخ يوسف الطفيش وعبد الرسول وكذلك رحمهم الله جميعًا وأصدروه.

ولا يزال تفسير القرطبي إلى الآن هو التفسير الأكثر رجوعًا إليه. وهناك تفاسير تركت علامة في التفاسير، منها تفسير الرازي ومنها تفسير الطبري، وكان تفسير القرطبي دائمًا [في المقدمة].

وعندما طُبع، لم ينتشر تفسير ابن عطية مثل القرطبي؛ كل العلوم التي تفرّد بها ابن عطية من اللغة من القراءة من كذا إلى آخره، نجدها محررة مخلّصة بعد ما عمل فيها الإمام القرطبي تحريره وتحقيقه.

فكتاب القرطبي يعني هو المتصدر وهو ما زال الأول. وشرّفت مصر بأنه مدفون في منية بن خصيب في محافظة المنيا.

[المذيع]: الله يرحمه ويحسن إليه.

أبرز من تأثر بالإمام القرطبي كابن كثير وابن عاشور وسهولة عبارته في التفسير

[المذيع]: من أبرز تلامذة الإمام القرطبي الذين حملوا اللواء وورثوا العلم من بعده؟

[الشيخ]: تأثر به كثيرون، فكما قلنا الآن أنه في ستمائة وواحد وسبعين، ثم جاء بعد ذلك ابن كثير فتأثر به جدًا في محاولة الالتزام بالمنهج العلمي الجاد. وهذا ابن كثير مثلًا لا تجد فيه أية رواية ولا أحدًا مدسوسًا ولا أحد عرف أن يدسّ.

بالطبع، كثيرٌ من الناس يُرجِعون تفسير ابن كثير إلى الطبري كأنه تلخيص للطبري، لكنه في الحقيقة تأثّر جدًا بالإمام القرطبي وبكتابه الجامع.

القرطبي تأثر به كثيرون، منهم ابن عاشور مثلًا في تونس. ولكن القرطبي ليس له تلاميذ هكذا يعني معدودين، لا، بالطبع له في الدروس وغيرها، إنما الأهم هو تأثيره في من بعده من المفسرين من القرن السابع الهجري وإلى يومنا هذا، فكل الناس تذهب إلى تفسير القرطبي.

تميز أيضًا بشيء آخر تمامًا لا ينتبه إليه أحد، وهو أنه سهل العبارة، وأنه إذا قرأه غير المتخصص فهمه؛ إذ هو لم يوغل في المصطلحات ولم يوغل في التعقيد أو الإلغاز أو ما شابه ذلك، إنما كان على حد الاعتدال وعلى حد صفة السهولة التي جعلته أكثر انتشارًا.

ختام الحلقة والثناء على الإمام القرطبي الأندلسي المولد المصري الإقامة والدعاء باسم الله الأعظم

[المذيع]: أنا أشكر فضيلتك جزيل الشكر دكتور علي جمعة على هذه الرحلة في سيرة الإمام القرطبي الأندلسي المولد، المصري الإقامة والعلم والإنجاز، وحتى الوفاة في محافظة المنيا. شكرًا جزيلًا لفضيلتك.

[الشيخ]: تفتخر به مصر.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا مولانا، الشكر موصول لحضراتكم، إلى اللقاء.

[الشيخ]: قال سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:

«إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»

منها اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب. وبتتبُّع موارد ذلك الاسم العظيم، فإننا يمكن أن نقول إنه هو الله الحي القيوم.

نسألك يا الله، يا حي يا قيوم، أن تمنحنا سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.