الإيمان باليوم الأخر - درجات المعرفة #20 | د. علي جمعة - التفكير المستقيم, درجات المعرفة

الإيمان باليوم الأخر - درجات المعرفة #20 | د. علي جمعة

26 دقيقة
  • يمثل اليوم الآخر الضابط المعرفي لسلوك الإنسان، فهو يدفعه للخير ويمنعه من الشر.
  • خلق الله الإنسان للعبادة وعمارة الأرض والتزكية، وجعل فيه خصائص كالنسيان تساعده على أداء وظائفه.
  • اليوم الآخر يذكر الإنسان بالمسؤولية والحساب، مما يجعله ينضبط في حياته رغم طبيعته التي تميل للنسيان والغفلة.
  • لولا اليوم الآخر لعاش الناس حياة الفوضى والغابة، دون ضابط أخلاقي أو روحي.
  • الإيمان باليوم الآخر يحقق الوسطية للأمة، فتكون شاهدة ومشهوداً عليها.
  • العذاب في الآخرة ليس للانتقام بل للموعظة، فالله يخوف به عباده ليتقوه.
  • القرآن لا يذكر العذاب إلا مقروناً بالرحمة، مما يدل على غلبة رحمة الله.
  • اختلف العلماء في خلود العذاب، فمنهم من قال إن النار ستفنى بعد أحقاب طويلة من الزمن.
  • المتدبر للقرآن يدرك أن غاية العقاب هي استقامة الإنسان في الدنيا وليس مجرد العذاب.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

مقدمة الحلقة والحديث عن الإيمان باليوم الآخر من منظور العقل والشرع

[المذيع]: أهلًا بكم في إطار حلقتنا المتواصلة مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، الحديث متواصل في الحوار، حوار العقل وحوار الإيمان، في درجات المعرفة: معرفة العقل ومعرفة الإيمان وأركان الإيمان.

ننتقل إلى ركن آخر وركيزة أخرى من ركائز الإيمان وهي الإيمان باليوم الآخر، بعد أن آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، نتحدث عن اليوم الآخر. هذا اليوم من منظور الشرع ومن منظور العقل، كيف يدرك العقل البشري والعقل المسلم خصوصًا هذا المفهوم؟

أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.

إشكالية فهم البعث والحساب عند بعض المؤمنين وبداية الإجابة عنها

[المذيع]: أهلًا وسهلًا، مرحبًا مولانا. اليوم الآخر وفلسفته، لأنه أحيانًا يوجد أناس في الحقيقة يستصعبون هذه الفكرة وهم مؤمنون بكافة الأركان، ولكن حينما تأتي فكرة سنُبعث ونُحاسب، تجد أن في القلب شيئًا وكأنه - لا أقول شكًّا - ولكن لست فاهمًا.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لحركة البشر. عندما خلق الله البشر أراد منهم أن يعبدوه:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

رضًا منهم أن يعمروا الأرض:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أراد منهم أن يزكّوا أنفسهم:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

خصيصة النسيان في الإنسان وأثرها في استمرار الحياة والعمارة

ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يلتزم بهذا [التكليف الإلهي] مع وجود الخصائص التي خلقها الله فيه من أجل القيام بهذه الوظيفة؟ من ضمن هذه الخصائص النسيان.

فالإنسان لو لم ينسَ، لن يستطيع أن يسامح. والإنسان لو لم ينسَ، سيخاف خوفًا شديدًا ولن يستطيع أن يتاجر وهو قد خسر من قبل. وسيؤرقه الذنب، فلن يستطيع أن يُحسّن علاقته مع الله؛ لا بد له أن ينسى.

ومن أول من نسي؟ سيدنا آدم عليه السلام، وهو أول الناس، أول شخص نسي من أول البشر. لقد سُمي الناس بالناس لأنهم ينسون، هل تنتبه كيف؟

حاجة الإنسان إلى التذكير المستمر بسبب طبيعة النسيان والغفلة

حسنًا، هذه خصيصة خلقها الله فينا، وهي خاصية النسيان. ألن أنسى أنا يوم الآخرة؟ نعم:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]

إذن لا بد أن يفهمني ويذكّرني ويكرر ويزيد في التوضيح؛ لأنَّ طبيعتي [البشرية] حتى أستطيع أن أُكمل الغفلة، وطبيعتي حتى أستطيع أن أُكمل التفلّت، وطبيعتي على ذلك.

ولذلك توجد أشياء ودوافع عندي حتى أعرف كيف أستمر في العمارة أو في العبادة أو في التزكية أو غير ذلك إلى آخره. فأنا خُلقت في الاحتياج إلى الأكل والشرب والنوم، وخُلق فيَّ الاحتياج إلى أنيس أتآنس به؛ لأن الوحدة قاتلة.

اليوم الآخر كضابط معرفي أنشأه الله لإعانة الإنسان على الاستقامة

كل هذه الخصائص البشرية خلقها الله في الإنسان ليعمر بها الأرض. ولذلك كي يعينه أنشأ له يومًا آخر وقال له: انتبه، هناك جنة ونار.

وفي كل حين سنذكّر الناس، ويذهبون يوم الجمعة فيذكّرهم الخطيب بأن هناك جنة ونارًا: إياك أن تفعل الشر إن الله يغضب عليك، فاحذر أن تترك الخير، وإياك أن تتأخر عن الخير لئلا يرضى الله عنك؛ لأن الله قد ادّخر لك شيئًا طيبًا في يوم القيامة لا تنسَه.

ومتى سيستمر وراءه بهذا الشكل ليؤدي له مع خصائصه ووظائفه شيئًا كبيرًا ينضبط به؟ ولذلك قلنا إن اليوم الآخر هو الضابط على وجه الأرض.

مثال عملي على دور اليوم الآخر في منع الإنسان من المعصية

آتي هنا أحب أن أشرب خمرًا، ويأتي ليقول لي عقلي وضميري ونفسي، تحدثني وتقول لي أن هذا سيُغضب الله عليك، وأنك ستُحاسب عليه يوم القيامة، فلا أشرب وأقول: تبنا إلى الله، لن أشرب ولن أفعل هذه المعصية.

تخيّل أن البشر ليس لديهم هذا [الضابط المعرفي]، وقد كان ليس عندهم هذا الفهم أو هذا الضابط المعرفي، فيصبح الأمر كما يُقال: اللعب بما تكسبه، أي أحيِني اليوم وأمِتني غدًا، وهي حياة الغابة والفوضى وكل هذا الكلام.

لأنه لن ينظر إلا إلى الجانب الترابي في الإنسان الذي يشترك فيه مع البقر والحجر، فهم أيضًا مصنوعون من تراب.

الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات والحاجة إلى يوم آخر للرجوع إلى الله

ما الفرق الذي بيني وبين هؤلاء [المخلوقات الأخرى]؟ لا شيء، هو العقل، هو الروح، والتعلق بالله وبالتكليف وبالأمانة التي ائتمننا الله عليها.

حسنًا، وهذا تذكّر: وكيف مع كل هذه الخصائص التي أعيش فيها والوظائف التي كُلّفت بها، يبقى لا بد من يوم آخر أرجع فيه إلى الله سبحانه وتعالى:

﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]

وينبئنا بالحقيقة المطلقة، وينبئنا بالثواب وبالعقاب، ويتجلى علينا بالعفو.

قصة الكاتب الصحفي الذي طلب من الله أن يعامله بعدله لا برحمته

فإن قضية أن الإنسان يُحاسب هذه تمثل الضابط المعرفي. كما تقول حضرتك كثير من الناس للأسف لا يفهم هذا العمق.

أحد الكتّاب الصحفيين الكبار يقول: يا رب، أنا لا أريدك أن تعاملني برحمتك، أنا أريدك أن تعاملني بعدلك! هذا لا يفهم شيئًا، هذا ليس منتبهًا لأي شيء.

كما كنا ونحن طلاب صغار ونقول: ماذا في هذه الحكاية؟ الماحي في جميع النواحي، ماذا أنت تقول؟ يقول له: عاملني بعدلك! يعني هو واثق من نفسه جدًا.

وحين تمسك هذا الإنسان تجد أنه يقع في المعصية ويقع فيه القصور والتقصير، تجده لا يصلي مثلًا. كيف يعاملك بعدله؟

قلة الأدب مع الله في طلب العدل دون الرحمة والتكبر على نعم الله

حسنًا، أعطاك عينيك سيحاسبك عليهما، أعطاك أذنيك، أعطاك أشياء كثيرة:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

ماذا ستفعل؟ ماذا تقول له: يا رب؟ يعني عندما يكون قليل الأدب ماذا يقول له؟ يا رب، أي عندما يكون الشخص قليل الأدب، ماذا يقول له؟ يا رب عاملني بعدلك وإحسانك معًا.

فيكون بذلك قليل الأدب؛ لأن هذا هو محض الفضل والإحسان. إنه لا يشعر بمنّة الله عليه، بل هو متكبر، ولكنه تكبّر هذه المرة على الله.

اليوم الآخر ضابط معرفي يدفع إلى الخير ويمنع من الشر وسؤال عن البعد السلبي

إن اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لسلوك الإنسان في الحياة الدنيا، ضابط معرفي بمعنى أنه يدفع ويمنع؛ يدفعني إلى الخير ويمنعني من الشر. هذا هو الإيمان باليوم الآخر.

[المذيع]: الحقيقة يا مولانا، المفترض هنا أن الإيمان باليوم الآخر يمكن للمرء أن يعتقد أنه قد يعطي بُعدًا سلبيًّا لحياة الإنسان، يعني مسألة الخشية، مسألة الخوف، مسألة الرهبة، ولكن ما المقصد منه في النهاية؟ أن يعطي الإنسان جزءًا إيجابيًّا وتأثيرًا إيجابيًّا في حياته؟

[الشيخ]: الدفع والمنع، أي يدفعه للخير ويمنعه من الشر. لكن انتبه أن الإنسان إذا خرج عن حد الاتزان في نفسيته وعقليته اهتزت شخصيته.

معنى الوسطية في القرآن وعلاقتها بالشهادة على الناس

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

الوسط ما هو؟ كان يُقال: وكان من أواسط الناس. فما معنى وسط الناس؟ يعني أعلاهم.

ومن أين أتى هذا المعنى؟ وسط تعني شيئًا في المنتصف، لكن وسطًا معناها أعلى. قال: نعم، لأنك عندما تصعد الجبل وتمشي كيلومترين وتصل إلى قمة الجبل، فأنت في المنتصف؛ لأنك عندما تريد أن تمشي إلى الاثنين كيلو هما، فأنت في أعلى الجبل عندما تكون في وسطه. أين وسط الجبل؟ أعلاه، قمته.

الشاهد والمشهود ومعنى كلمة شهيد في اللغة العربية

حسنًا، أنت الآن فوق في الجبل، ما النتيجة التي تحصل عليها؟ النتيجة التي أحصل عليها هي أنني أرى الوادي.

طيب، الناس واقفة في الوادي كله، هل هم يرونك؟ لا، يعني أنت تراهم مختبئ أنت عنهم. لا، وأنت في أعلى الجبل ستكون مكشوفًا لهم، ينظرون إليك وتنظر إليهم. يعني أنت شاهد ومشهود، أي اسم فاعل واسم مفعول.

هل يوجد في اللغة العربية كلمة تجمع الاثنين معًا: شاهد ومشهود؟ نعم، شهيد. فصيغة فعيل تصلح للدلالة على الفاعل أو الدلالة على المفعول.

صيغة فعيل بين الفاعل والمفعول ودقة الاستعمال القرآني

الدلالة على المفعول كيف يكون؟ حبيب بمعنى محبوب، وقتيل بمعنى مقتول. وكيف تكون الدلالة على الفاعل؟ مَن يُحب يكون عليمًا أي عالمًا. هل تنتبه إلى أن عليمًا يعني عالمًا؟ وجبير هو الذي يضع الجبيرة وهو جابر، فتصلح هنا وتصلح هناك.

فهو يقول:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]

أي في أعلى الجبل، لتكونوا شهداء. وشهداء جمع شهيد مثل علماء جمع عليم، فقهاء جمع فقيه، خبراء جمع خبير. وليس جمع عالم، وليس جمع شاهد، وليس جمع فاقه، وليس جمع خابر. هذا خبير، شهيد، عليم، فقيه، وهكذا.

دقة الاستعمال اللغوي القرآني في الشهادة المتبادلة بين الأمة والناس

إذن فعيل تصلح لماذا؟ للشاهد والمشهود. ما هذا؟ هذه دقة متناهية في الاستعمال اللغوي والدلالة الحضارية.

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]

ما السر هنا في أن تكونوا شهداء؟ شهداء يعني شاهدون ومشهودون، أن تكونوا في حالة الشهادة المتبادلة.

أيعني هذا أن نعتزل العالم ونكفّر الناس ونذهب لنضربهم بالقنابل؟ لا، فهناك علاقات ستكون بين الشاهد والمشهود؛ فهو يراني ويراني بصورة معينة أراد الله أن يبلّغها له، وأنا أراه وأرى أحواله وأسمّيه أمة الدعوة.

الاقتداء بالرسول ﷺ والتساؤل عن موقعنا من هذا الخلق العظيم

لتكونوا شهداء على الناس، فنحن إذن نتبع من؟ يعني ننفّذ من؟ يعني نريد أن نتزيّن مثل من؟

﴿وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

أيضًا شهيدًا يراكم وترونه:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

إذن هذه القضية، قضية أين نحن من هذا الخلق؟

[المذيع]: طيب، أستأذن حضرتك بعد الفاصل. فكرة العدل هنا: يقول أحدهم: والله، طيب، الكافر اليوم قد عاش خمسين أو ستين سنة كافرًا، أفيُعذَّب إلى ما لا نهاية؟ أين العدل؟ ألا يُعذَّب خمسين أو ستين سنة كما كفر خمسين أو ستين سنة؟ أين العدل في الآخرة؟ بعد الفاصل.

سؤال العدل في الآخرة بين من آمن في آخر عمره ومن مات كافرًا

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا، وحديث ممتد مع فضيلة الدكتور، وحديث العقل وحديث الإيمان حول اليوم الآخر. فضيلة الدكتور أهلًا بحضرتكم مرة أخرى.

[الشيخ]: مرحبًا بك.

[المذيع]: أهلًا بكم مولانا. العدل في اليوم الآخر، أين هو العدل؟ يعني نجد أن شخصًا عاش عمرًا طويلًا كافرًا أو مشركًا وقبل وفاته حَسُنَ الخاتمة من الله سبحانه وتعالى، من آمن بالله في آخر يومين أو شهرين أو حتى ساعة سيدخل الجنة، في حين أن شخصًا آخر كفر لمدة طويلة ولكنه لم يؤمن وسيُعذَّب إلى ما لا نهاية، فأين هو حساب العدل؟

[الشيخ]: أنا لا أريدكم أن تقلقوا؛ لأننا بيد ربنا، والله غفور حكيم عادل:

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]

هل انتبهت كيف؟

تحريم الله الظلم على نفسه وموقف ابن تيمية من مسألة الخلود في النار

وقال في الحديث:

قال النبي ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا»

فلذلك لا تخافوا من هذا الأمر، لا نخاف منه إطلاقًا؛ لأننا مع الله، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء.

عندما سُئل الشيخ ابن تيمية عن هذه [المسألة]، قالوا له: هل هذا يعني أنهم خالدون فيها أبدًا هكذا؟ أي فقط لأنه كفر أو لم يفعل أو لم يصلِّ أو ارتكب معصية؟ فقال لهم: لا، هذا في قول عن سيدنا عمر [بن الخطاب].

رأي ابن تيمية في فناء النار ومعنى الخلود فيها أحقابًا

كان ابن تيمية ذا اطلاع واسع وكان يبحث في الكتب وما شابه ذلك، وكانت لديه ذاكرة قوية. فقال: هناك قول منسوب لعمر [بن الخطاب] يذكر أن النار ستفنى.

فكيف يكون معنى خالدين فيها أبدًا؟ قال إن أبدًا تعني أنهم سيبقون فيها أحقابًا، أي مددًا طويلة، ولكن في النهاية من رحمة الله ستفنى.

رأي محيي الدين بن عربي في تحول العذاب إلى عذوبة برحمة الله

قبله كان سيدي محيي الدين بن عربي - وسيدي محيي الدين هذا اطّلع على فلسفات الأرض كلها، واستوعبها وهضمها وفكّها وعرف، أي رآها كلها وعرف دقائقها والأسئلة الخاصة بها - فأتى لنا بشيء أعمق مما قدّمه الشيخ ابن تيمية.

يقول ماذا؟ ابن العربي يقول إن ربنا رحيم، وهو في النار ماذا سيفعل؟ سيصنع العذاب. كلمة العذاب هذه مكونة من كم حرف؟ العين والذال والباء. قال: طب أليست هذه هي حروف العذوبة؟ عذب.

طيب، لو تخيّلنا أنه استعمل هذه الحروف والألفاظ من أجل الدلالة على معانٍ كونية، من أنه سبحانه وتعالى سيصيّر العقاب عذبًا على من يتلقاه، أيكون في ذلك رحمة أم لا؟ قلنا له: لا، هذا بهذا الشكل يكون فيه رحمة. هذا يعني أن الرحمة تخلّلت العقوبة. قال: نعم.

مثال الجمل المجروب في الجمع بين الألم واللذة لتوضيح معنى العذاب

قلنا له: والله مثل ماذا؟ نريد أن نتصور المعنى. قال: مثل الجمل عندما يكون مصابًا بالجرب - وهو مرض جلدي يسبب للجمل حكة - فيريد أن يحكّ جلده، فتجده يا للأسف يبحث عن شجرة ويقف بجانبها ليحكّ جلده فيها حتى يخفف حكّة بالله تعالى.

فالجمل ينزف دمًا من جلده من شدة الحكّ، فيتألم وهو سعيد أشد السعادة، مبتهج من الحكّ لأنه يريده، ومتألم من التمزق الذي يحدث في الأنسجة. قالوا: انظر كيف جمع بين الألم واللذة!

مثال المرأة الحامل في الجمع بين المشقة والسعادة

كان في الماضي المرأة عندما تحمل تصيبها حالة غثيان وتتقيأ، أي أنه يوجد كائن بداخلها وجالس يعني يتفاعل معها، وهي سعيدة غاية السعادة مع ما تتحمله من هذه المشقة والوهن وهذه الحالة.

وبعد ذلك تأتي لتلد، صرخة من فوق وصرخة من تحت، وتصرخ وهي سعيدة جدًا. كيف يعني؟ لا أعرف أنا كيف! هل أنت منتبه؟ هذه تعاين الموت.

فإذا ضرب ابن عربي أمثلة للجمع [بين الألم واللذة]، هذا ليس عذابًا كما يفهم أغلب الناس، أي أنه عذاب بمعنى افتراء عليه كأن شخصًا يفتري على الآخر. حاشاه، فهو رحمن رحيم، وهو عفو غفور، حاشاه، فهو ليس من هذا النوع. هذا فيه توافق كوني مع هذا.

حديث النبي ﷺ عن ضرس الكافر في النار واختلاف طبيعة الأجسام في الآخرة

ويأتي النبي عليه الصلاة والسلام ليشير لنا هكذا من بعيدًا عن هذه المعاني اللطيفة، فيقول:

قال النبي ﷺ: «إن ضرس أحدهم في النار، الضرس بحجم جبل أُحد»

يعني أن الجسم يختلف عن الجسم ومقاومته الطبيعية، وكون ضرسه بحجم جبل أُحد معناه أنه يتحمل الألم.

فيسأله أيضًا ابن عربي وأتباعه وغيرهم: طيب، لماذا إذن يقول عذاب مهين، عذاب عظيم، عذاب أليم؟ يعني أوصاف العذاب ليست سهلة.

ذهبوا فردّوا عليهم بقوله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]

يعني هذا ليس مصنوعًا لإظهار الانتقام، لا، هذا مصنوع من أجل موعظة الإنسان كي يمتنع عن الشر وأن يفعل الخير.

الغرض من ذكر العذاب في القرآن هو الدفع والمنع لا الانتقام

[المذيع]: هذه جزئية مهمة يا مولانا، يعني خُلِقنا وما نحن إلا بشر، وحتمًا سنخطئ، وخالقنا يعلم أن:

قال النبي ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»

[الشيخ]: وهكذا الناس، فهناك من يبحث عن العلل. لكنك لو قرأت الكلام كله متصلًا ببعضه من:

﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: 16]

ستعرف أن الله سبحانه وتعالى وضع هذه المعالم من أجل الدفع والرفع. يقولون أو المنع، فالدفع والمنع هو الذي يجعل الإنسان على ذكرى يمتنع فيها، لا يخاف، لا ينهار، أو لا ينكر إلى آخره.

قصة من استصعب فكرة العذاب الأبدي وكيف اقتنع بعد فهم الغرض

واجهنا في حياتنا الدنيا هذه الأمثلة. وجدنا بعض الناس يأتي ويقول: والله أنا مصدّق كل شيء، ولكن مسألة أن ربنا يعذبنا هذه لا تدخل عقلي، وخالدًا فيها!

طب يا أخي دعها يومين أو ثلاثة يا أخي، دعها:

﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: 80]

يعني هل لديكم عهد بذلك؟ انظر إلى الاستهانة، يعني انتبه أن الذي يقول هكذا كأنه يريد الاستهانة بالغرض الأساسي لهذه القصة كلها، وهو أنني أفعل ذلك من أجلك.

لا تستسهل المعصية ولا تتجرأ على المعصية، ليس من أجل أن أعذبك وإنما من أجل أن أمنعك من المعصية وأدعوك إلى الخير.

اقتناع المتشكك بعد عرض أقوال العلماء وأن الآخرة لإصلاح الدنيا لا للعذاب فقط

فلما عرضت عليه قول عمر [بن الخطاب] وقول ابن تيمية وقول كذا، قال: لا، هكذا صحيح. يعني المشكلة التي بينه وبين هذا الأمر هي أنه يرى أن الله الرحيم ليس معقولًا أنه يعذّب. فلما عرف غرض الكلام، آمن وصلّى وحَسُن إسلامه.

[المذيع]: هنا يا مولانا تزول فكرة الخوف من الآخرة بأن الآخرة هي لإصلاح الدنيا وليست فقط للعذاب؟

[الشيخ]: هذا هو المراد من الحديث، نعم. هي لإصلاح الدنيا بنص القرآن، هي للدفع والرفع بنص القرآن. نعم هي:

﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]

يعني هذه مسألة.

لا توجد آية عذاب في القرآن إلا ومعها ذكر الرحمة والمغفرة

وليس هناك في القرآن أبدًا آية عذاب إلا ومعها الرحمة. الله لا يوجد [آية عذاب مجردة]، ولكن الناس لا يتدبرون:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]

للأسف:

﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]

لا يوجد "نبّئ عبادي أني أنا العذاب الأليم" وانتهى الأمر هكذا، هذا غير موجود. شيء مثل هذا:

﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [المائدة: 18]

نعم، أي أنه لا يوجد عذاب إلا ومعه أن الرحمة والمغفرة والقبول والتجاوز وغيرها إلى آخره، لا يوجد [عذاب مجرد من الرحمة].

اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لحركة الإنسان المحترم في الدنيا

فإذا عُرض هذا عند المتدبر والمتأمل الذي لا يقرأ القرآن قراءة عابرة، وإنما يقف عند الأمور ويربط بين المعلومات ويُعمل العقل بدرجات معرفته إلى المعاني العليا، سيتضح أن هذا من أجل أن تستقيم الدنيا.

حيث أن اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لحركة الإنسان المحترم. بارك الله فيكم.