الاحترام جـ 2 | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •شهر رمضان موسم للتربية على الأخلاق والقيم الإسلامية، وفرصة للتعليم والتدريب والمغفرة.
- •الاحترام قيمة إسلامية عظيمة تشمل احترام النفس والآخرين، وهي شعور لا يتجزأ يمتد للإنسان والحيوان والجماد.
- •الاستهانة ضد الاحترام، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
- •من مظاهر الاحترام: معاملة الخادم كإنسان، فقد أوصى النبي بإجلاس الخادم مع سيده لتناول الطعام.
- •من الأحاديث الشريفة: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعام فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين".
- •نهى النبي عن إقامة الإنسان لأخيه من مجلسه ليجلس مكانه، سواء في الجمعة أو غيرها.
- •الاحترام يكون بغض النظر عن المنصب والغنى والقوة والنسب والجاه.
- •ينبغي تحويل هذه القيم إلى واقع عملي من خلال المناهج التربوية لتعليم الأبناء والأحفاد.
- •يجب الاستفادة من الجهود المبذولة لبيان مكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.
افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، وأنتم طيبون.
شهر رمضان شهر الأخلاق والقيم والتعليم والتربية والتدريب
في هذا الشهر [شهر رمضان] بما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرنا ربنا بصيامه، وسنّ لنا رسوله قيامه، ومن الذكر الذي لا ينقطع، ومن القرآن الذي لا بدّ أن تكون لنا فيه حصة في هذا الشهر العظيم الذي نحن في بداياته الآن.
هو شهر الأخلاق وشهر القيم، شهر التعليم والتربية والتدريب، الشهر الذي نريد أن نخرج منه وقد غفر الله لنا واستفدنا منه في حياتنا.
رمضان محطة للتكفير عن الذنوب مثل الصلوات والجمعة والعمرة والحج
هذا الشهر [شهر رمضان] محطة نقف فيها، مثل الصلوات الخمس، مثل الجمعة إلى الجمعة، مثل العمرة إلى العمرة، مثل الحج حتى ولو أن الله قد فرضه علينا مرة واحدة في حياتنا.
مع القيم التي بدأناها من أول هذا الشهر الكريم، والتي نعالج [فيها] احترام النفس، واحترام الآخر، واحترام الطفولة، واحترام المرأة، واحترام الإنسان، واحترام الحيوان، واحترام الجماد.
الاحترام شعور لا يتجزأ وضده الاستهانة التي نهى عنها النبي
الاحترام، كيف يكون الإنسان في هذا الخلق أن يحترم؟ والاحترام ضده الاستهانة، والنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن هذه الاستهانة.
والاحترام شعور لا يتجزأ؛ ولذلك سنراه شعورًا يلازمنا مع كل هذه الجزئيات وكل هؤلاء الأفراد، اختلفت في حقائقها؛ فالإنسان غير الحيوان غير الجماد.
ولكن هناك إنسان محترم لأن الناس تحترمه، ومحترم لأنه يحترم نفسه ويحترم الآخرين. فالاحترام هذه قيمة كبيرة جدًّا.
حديث النبي في إكرام الخادم وإجلاسه للأكل مع سيده
انظر إلى سيدنا رسول الله وهو يتحدث عن علاقة الإنسان بخادمه، وكلمة خادم معناها أن هذا السيد كان قويًّا وأن هذا الخادم كان ضعيفًا، أي أن المعادلة في المعادلة: الخادم هو الضعيف والسيد هو القوي.
ففيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعام، فإن لم يُجلسه معه فليناوله أُكلةً أو أُكلتين أو لقمةً أو لقمتين؛ فإنه وَلِيَ حرَّه وعلاجه» رواه البخاري
أي الخادم يأتي بطعام للسيد، إذا أتى أحدَكم -أي مفعول به- خادمُه، الخادم مرفوعًا هكذا لأنها فاعل، الخادم أتى بالطعام لسيده.
أمر النبي بإجلاس الخادم ومناولته الطعام تكريمًا له
فإن لم يُجلسه معه فليناوله أُكلةً أو أُكلتين أو لقمةً أو لقمتين. فإن سيدنا رسول الله يأمرنا أن نُجلسه معنا، هذا أحسن شيء، هذا يكون عندما يكون الإنسان محترمًا جدًّا فيُجلس خادمه ليأكل معه.
بعض الناس في بعض البيئات وبعض الثقافات يثقل عليها جدًّا أن يجلس الخادم، وهذا من ناحيتنا نحن خطأ. ولكن ماذا يفعل [هذا الشخص] في نفسه؟ يعني يعتبر هذا كأنه شيء، يعني كأننا نكلفه بأن ينقل جبلًا، وربما لو كلفناه بنقل الجبل لكان أهون عليه من أن نقول له: اجلس مع الخادم وكُل معه من إنائك.
تعليل النبي لإكرام الخادم بأنه تولى حرّ الطعام وعلاجه
خادمك هو الذي قام بالطهي، هو الذي عالج النار وعالج -يعني بذل فيه جهدًا-. فسيدنا رسول الله يقول: «فإنه وَلِيَ حرَّه»، يعني هو الذي احترقت يده وهو يحمل القِدر الساخن، هو الذي واجه مشاكل الطعام وطهي الطعام، يعني عاناها.
فهذا يعني يقول العامة من الأحاديث هذه لما سمعوها قديمًا وهكذا إلى آخره، يعني يجب أن يأكل منه أيضًا، ويُقال حتى في المثل الشعبي: (طبّاخ السُّم يذوقه).
فالنبي صلى الله عليه وسلم ينبّهه، يقول له: هذا هو وَلِيَ حرَّه وعلاجه، هو الذي صنعه لك، فليتذوق منه وهكذا إلى آخره على سبيل الكرامة.
المعنى الأعمق للحديث هو احترام الخادم ومعاملته معاملة الإنسان
لكن نحن نأخذ أكثر مما [يظهر من] الظاهر الذي يقول فيه أنه يعني نوع من أنواع العطف مطلوب، وظاهر الحديث مطلوب: إنما اعطف وأحنّ وأكرم الخادم.
إنما الذي وراء ذلك أكثر: الاحترام، معاملته معاملة الإنسان وليست معاملة الأشياء والجمادات.
حديث النهي عن إقامة الرجل أخاه من مقعده في الجمعة وغيرها
وكذلك إلى آخره أيضًا في البخاري، يروي الراوي فيقول: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما -عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما- يقول:
«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقيم الرجلُ أخاه من مقعده ويجلس فيه» رواه البخاري
قلت لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها.
يعني نافعًا، التلميذ المخلص لعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومن أخذ عنه فقهه، وهو شيخ الإمام مالك إمام أهل المدينة، كان شيخه من أشياخه -وله أشياخ كثيرون-، شيخ منهم نافع الذي هو الخادم والتلميذ والمصاحب لسيدنا عبد الله بن عمر.
عبد الله بن عمر من العبادلة الأربعة الفقهاء الكبار
وعبد الله بن عمر كان فقيهًا واسع الفقه؛ ولذلك عُدّ من العبادلة الأربعة. العبادلة يعني: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، فيُسمَّون العبادلة من كلمة عبد الله.
فنافع يقول لمحدّثه -للراوي عنه-، يعني يسأل نافعًا فيقول: الجمعة؟ يعني نحن لا نُقيم أحدًا من مكانه في صلاة الجمعة؟ قال له: الجمعة وغيرها، يعني أعني الجمعة وغيرها.
النهي عن إقامة الإنسان من مكانه قضية عامة متعلقة بالاحترام
هذه قضية عامة، وهذه القضية العامة متعلقة بالاحترام. فعندما تدخل المجالس؛ ولذلك ما زال لدينا أدب إلى الآن أن الإنسان عندما يدخل المجلس وبعد ذلك يقوم له أحد من الكرسي يريد أن يجلس عليه، [فيقول له]: قم، أي يقول له: لا أقبل أن تنهض من مكانك، ابقَ جالسًا، كي لا يقوموا من مكانهم.
احترامًا، وأيضًا هذا الذي تبرّع بمكانه أيضًا هذا نوع من أنواع الاحترام، إذا كان الناس يحترمون بعضهم البعض.
تحريم إقامة شخص من مكانه بسبب السلطة أو الغنى أو الأنانية
ولكن أن تأتي وتُقيم شخصًا من مكانه من أجل أن تجلس بدلًا منه؛ لأنك سيد وهو عبد، من أجل أنك صاحب سلطان وهو ليس كذلك، من أجل أنك غني وهو فقير، من أجل أنك تريد بأنانية أن تجلس هنا لأن هذا هو الصف الأول وهو لا يستحق الصف الأول في رأيك، فكل هذا محرّم منهيّ عنه.
«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقيم الرجلُ أخاه من مقعده» رواه البخاري
من أخاه، هذا أخاه، هذا قد يكون ابنه، قد يكون أخوه في الله، يعني قد يكون أعلى منه، قد يكون أقل منه. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقيم الرجلُ أخاه من مقعده، من المكان الذي هو فيه.
فقال [الراوي] لنافع: هل هذا مختص بيوم الجمعة؟ يعني تعني الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها، يعني أعني الجمعة وغيرها؛ ولذلك الجمعة هنا مفعول به.
الاحترام للإنسان دون النظر لسلطة أو منصب أو غنى أو نسب
احترام للتقاليد، احترام للذات، احترام للإنسان دون النظر لسلطة، دون نظر لمنصب، دون نظر لغنى، دون نظر لقوة جسدية، دون نظر لنسب، دون نظر لحسب وجاه، دون نظر لأي شيء كان.
فالإنسان هو الإنسان، والاحترام هو الاحترام.
دعوة لتحويل قيم الاحترام إلى واقع ومناهج تربوية عملية
إذا، يعني هلمّ بنا نحوّل هذه القيم إلى واقع، هلمّ بنا نحوّلها إلى مناهج نُعلّم بها، دليل تدريب المربي، نُعلّم بها المربين، نُعلّم بها أبناءنا، نُعلّم بها أحفادنا.
هلمّ بنا نستفيد من الجهود الضخمة التي صُنعت من أجل بيان مكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والحمد لله رب العالمين، وإلى الغد أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
