الاحسان | أ.د علي جمعة | حديث الروح
- •الحديث السابع عشر من الأربعين النووية يؤكد على أن الله كتب الإحسان على كل شيء، وهذا الإحسان يشمل كل مخلوقات الله.
- •الرحمة من صفات الله التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن".
- •يمتد الإحسان حتى إلى طريقة التعامل مع الحيوانات، فينبغي الإحسان في القتل والذبح.
- •أباح النبي صلى الله عليه وسلم قتل الحشرات المؤذية والفواسق مثل الكلب العقور والحدأة والفأرة، لكن بشرط الإحسان في القتل.
- •من إحسان الذبح حد الشفرة وإراحة الذبيحة وإخفاء السكين عنها حتى لا تفزع.
- •من أهملت امرأة هرة فماتت جوعاً فدخلت النار، وأخرى سقت كلباً عطشاناً فغفر الله لها.
- •هذه التربية النبوية على الرحمة والإحسان ضرورية لاستقامة المجتمع البشري والأسرة.
- •انتشار الجرائم والقسوة في المجتمع سببه فقدان التربية على الرحمة والبعد عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
مقدمة اللقاء وتقديم الحديث السابع عشر من الأربعين النووية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الأربعين النووية.
نص الحديث السابع عشر في كتابة الإحسان على كل شيء
ومع الحديث السابع عشر، عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته» رواه مسلم.
ارتباط الإحسان بالعقيدة وأمر الله بالرحمة في كل شيء
«إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، أخلاقٌ مرتبطة بالعقيدة. إن الله [سبحانه وتعالى هو مصدر] الرحمة، أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال في الحديث المسلسل بالأولية:
«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
وفي رواية أخرى: «يرحمكم من في السماء»، يعني إن ترحموا من في الأرض فسوف يرحمكم من في السماء، وإن لم ترحموا من في الأرض فلن يرحمكم من في السماء.
معنى الدعاء بالرحمة وبعثة النبي رحمة للعالمين
إلا أن «يرحمكم من في السماء» بالضم معناها أنه [النبي ﷺ] يدعو لنا بأن الله يرحمكم ويوفقكم.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
«إن الله كتب الإحسان على كل شيء» حديثٌ عظيم؛ إذن فهناك إحسان حتى على الحيوان، حتى على الحشرات، وهناك [إحسان أعظم]، فما بالك بالإحسان إلى الإنسان!
قصة البغي التي سقت الكلب ونظر الله إلى القلوب
رسول الله صلى الله عليه وسلم علّمنا الرحمة، علّمنا أن بغيًّا من بني إسرائيل وجدت كلبًا عطشان فسقته، فأدخلها الله الجنة. من أجل ماذا؟ ليغفر ذنبها؛ لأن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى قلوبكم.
«إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»
فالقلب هذا الذي فيه الرحمة جزاؤه عند الله الرحمة.
إباحة قتل الفواسق المؤذية مع وجوب الإحسان في قتلها
فهناك حشرة مؤذية نريد أن نقتلها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبيح لنا أن نقتل الفواسق، وسمّاها الفواسق لأنها يحلّ قتلها في الحِلّ وفي الحَرَم. عدّ منها الكلب العقور، عدّ منها الحِدَأة التي تخطف الدجاج وتؤذي الناس، عدّ منها الفأرة، عدّ منها هذه الأشياء كالوزغ والبرص، فهذا سامّ أبرص.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أباح لنا أن نقتل هذه الحشرات كالصرصور أو الأشياء التي تنقل الأمراض، نقتلها ولكن بإحسان، حتى هذه بإحسان، نعم هذه حتى هذه بإحسان.
من طريف ما ذكر المشايخ عن الإحسان في قتل الذباب
ومن طريف ما كنا نسمعه من مشايخنا رحمهم الله تعالى أن المِنَشَّة [أداة ضرب الذباب القديمة] التي كنا نستعملها قديمًا، هذه المِنَشَّة كانت تقتل الذبابة ولكنها لا تُهلك جسدها، أي تقتلها فقط. ولكن هذه الأشياء البلاستيكية تسحق الذبابة، وكانوا يرون أن هذا من حُسن القتل، أي إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة.
ما هذا [الإحسان في كل شيء]؟ هذا في جانب الكون، هذا لعمارة الأكوان. بالله عليكم، من يراعي هذا الكلام بالدقة وبالرحمة، هل يؤذي بعد ذلك إنسانًا؟!
من دخلت النار في هرة فكيف بمن يؤذي الإنسان
إذا كانت دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض، فما بالك بالإنسان! هل هذا الإنسان [الذي لا يرحم الحيوان] سوف يؤذي زوجته؟ يؤذي أطفاله؟
إننا تركنا الناس مع أنفسها وتركناهم حتى تحوّلوا إلى الجانب الترابي في الإنسان [أي الجانب المادي البعيد عن الروحانيات]، لا توجد هناك روح، ولا توجد تربية، ولا توجد أخلاق، ولا توجد رحمة.
فقدان التربية على الرحمة سبب انتشار الجرائم في المجتمع
ثم بعد ذلك نتعجب من الجرائم التي تُرتكب! شخص يقتل أطفاله، امرأة تقتل زوجها، رجل يقتل زوجته أو أباه أو أمه، أشياء لا يتصورها عقل عاقل. ونتعجب لماذا هذا؟ لأنه فقد التربية على الرحمة؛ لأنه لم يعش معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«وإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدكم سكينه أو مُدْيَته أو شفرته»
ليُحِدَّ أحدكم هذا يعني حتى يكون سهلًا في الذبح، والذبح الشرعي هو أسهل طريقة لراحة الحيوان.
أمر النبي بإراحة الذبيحة وإخفاء السكين عنها لتربية الرحمة
وليُرِح ذبيحته، وكان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يأمرنا أن نُخفي السكين عن الذبيحة حتى لا تضطرب وحتى لا تفزع، لا يحدث لها فزع وذُعر.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرنا بذلك يربّينا حتى يستقيم الاجتماع البشري، تستقيم الأسرة، تستقيم الجيرة، يستقيم المجتمع؛ لأن الذي يراعي هذه الأشياء يكون طيبًا، والذي لا يراعي هذه الأشياء يكون شريرًا وقاسيًا.
وجوب بث التربية على الرحمة في الإعلام والتعليم والمساجد
ولذلك ينبغي علينا أن نرجع إلى هذه التربية [تربية الرحمة والإحسان] ونبثّها في إعلامنا، ونبثّها في مناهج تعليمنا، ونبثّها في المساجد.
في [المقابل نجد أن] بعض القسوة تُقال في مشاهد صعبة، أصبحنا نتعوّد عليها، وكل هذا يُقسّي القلب.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
