التصوف وتحديات العصر | أ.د علي جمعة | 1 - 12- 2007 - تصوف, ندوات ومحاضرات

التصوف وتحديات العصر | أ.د علي جمعة | 1 - 12- 2007

32 دقيقة
  • العولمة ظاهرة حديثة ظهرت بعد عام 1990، نتجت من الاتصالات والتقنيات الحديثة التي جعلت العالم قرية واحدة.
  • العولمة إما حالة محايدة يمكن الاستفادة منها، أو هيمنة وسيطرة من الأقوى على الأضعف.
  • التصوف يهتم ببناء الإنسان قبل البنيان، ويعالج الساجد قبل المساجد، مقيد بالكتاب والسنة.
  • في ظل العولمة، يمكن للتصوف أن يقدم أمرين أساسيين للتشارك البشري: حب الله وحب الجار.
  • الرحمة أساس الحب وأول ما في القرآن "بسم الله الرحمن الرحيم"، والراحمون يرحمهم الرحمن.
  • الصوفية هم الأقدر على الإصلاح بين السنة والشيعة لاتفاقهم على حب آل البيت.
  • الدور المنتظر من التصوف في عصر العولمة هو التربية لتصحيح المفاهيم والسلوك.
  • ينبغي وضع القلب فوق العقل، والعقل فوق السلوك، وهذه هي طريقة التربية الصحيحة.
محتويات الفيديو(34 أقسام)

افتتاح اللقاء بالشكر والتحية للحضور والعلماء الأفاضل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أشكر هذه الدعوة الكريمة وهذا الاجتماع الطيب الذي نلتمس منكم فيه الأنوار ونقتبس، وجزاكم الله عنا خيرًا.

والتحية موصولة إلى فضيلة الإمام الشيخ حسن الشناوي، وإلى أستاذنا الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، وإلى السيد الحسيب النسيب الشريف السيد أحمد كامل ياسين، وإليكم جميعًا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعريف العولمة ونشأتها كمصطلح حديث في الفكر المعاصر

كما فُهم من هذه التقدمة أن موضوع لقاءنا اليوم يتمثل في التصوف وتحديات العصر، وأن هذا على محاور ثلاثة:

الأول: التصوف والعولمة. وكلمة "عولمة" كلمة جديدة ليس لها في أدبيات الغرب والشرق مكان قبل ألف وتسعمائة وتسعين، ولذلك لم تدخل في مناهج الدراسة في جامعات العالم، وإنما ظهرت أولًا في مقالات سيّارة، ثم بعد ذلك دخلت للدراسة بعد سنة ألف وتسعمائة وستة وتسعين.

هذا الأمر جعل فيها غموضًا. ماذا نعني بالعولمة؟ فالعلم دائمًا يقوم على التعريف، التعريف الجامع المانع الذي يحاول أن يجمع أفراد المعرَّف وأن يمنع دخول غيره فيه، فمهايا وحقائق هذه التعريفات تكون واضحة لذهن السامع، تصل إليه من أقرب طريق.

الغموض في مفهوم العولمة وتعدد تفسيراتها بين المفكرين

لكن عندما تظهر مثل هذه الألفاظ والمصطلحات خارج نطاق الجامعة، وإنما في المقالات السيّارة وعند بعض المفكرين، يكتنفها الغموض ويأخذ كل واحد لهذه الكلمة معنى.

فهل العولمة حالة تمر بها الدنيا؟ حالة نتجت من الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة بحيث إننا أصبحنا نعيش في قرية واحدة، وبذلك فهي حالة يمكن أن نستفيد منها وأن نحوّلها لصالحنا، ويمكن أن يكون لها آثار سيئة علينا؟ يمكن هذا ويمكن هذا، وهذا معناه أنها حالة محايدة، وأن الأقوى هو الذي سوف يستفيد الاستفادة الكاملة من هذه الحالة.

العولمة جعلت العالم قرية واحدة عبر الاتصالات والتقنيات الحديثة

الاتصالات والمواصلات والتقنيات التي وصلت بنا إلى أن كل واحد منا يحمل هاتفًا يستطيع أن يكلّم الدنيا كلها شرقها وغربها في آن واحد، بل ويستطيع أن ينقل صورة ما هنالك إلى هنا وصورة ما هنا إلى هنالك.

بحيث أن الواقف في لندن يمكن أن يعرض عليّ السلعة التي أقول له أن أشتريها أو لا من هناك في نفس الوقت، ويعطيني سعرها، وهذا يؤثر في سلوكي هنا؛ لأني يمكن أن أؤخر الشراء هنا وأتركه يشتري من هناك، أو ألغي الشراء من هناك وأشتري من هنا. هذه حالة تعيشها الدنيا، هذا معنى من معاني العولمة.

المعنى الثاني للعولمة بوصفها هيمنة وسيطرة ثقافية على الآخرين

أو أن العولمة معناها الهيمنة والسيطرة، وأنها بهذا تصبح سيئة السمعة، وتصبح تفترض أقوامًا يسيطرون ويهيمنون ويفرضون ثقافتهم وآراءهم على أقوام آخرين.

بعض الناس يتحدثون هكذا، وبعض الناس يقولون إنها في الحقيقة محايدة، ولكن لمّا لم تكن معنا هذه الآلة الإعلامية الضخمة التي في أيدي غيرنا، فإن واقع الأمور سوف يجعلنا دائمًا الأدنى، ويجعلنا دائمًا يُتصرَّف فينا ويُتعامَل معنا باعتبارنا نحن الأقل.

تبني مفهوم العولمة كحالة ناتجة عن التطور التقني وتغير وجه التاريخ

ولكن على كل حال أنا أتبنى أن العولمة حالة، وأنها جاءت من الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة، وأن الذي حدث في العالم من سنة ألف وثمانمائة وثلاثين إلى سنة ألف وتسعمائة وثلاثين، في هذه السنين المائة، غيّر وجه التاريخ وغيّر برنامج الإنسان اليومي.

أي في هذه الفترة استطاع الإنسان أن يخرج من نطاق الأرض، واستطاع الإنسان أن ينتقل بصورة أسرع. ولذلك نشأت في هذه الفترة القطار والسيارة والطائرة ثم الصاروخ، ونشأت في هذه الفترة الهاتف والتلفاز وصناعة السينما، ونشأت في هذه الفترة الحاسوب.

المائة سنة الثانية والتدخل البيولوجي والعولمة كقرية واحدة

وبعد ذلك تجمعت كل هذه الأشياء في المائة سنة التي لم تكتمل بعد؛ لأنها ستكتمل في عام ألفين وثلاثين، فبعد ثلاث وعشرين سنة ستكتمل المائة سنة الثانية، وفيها حدثت أشياء قليلة جدًا مثل التدخل البيولوجي؛ استطاعوا أن يستنسخوا النعجة دوللي، واستطاعوا أن يتحدثوا عن إمكانية نقل الأعضاء، واستطاعوا أن... وهكذا أشياء دخلت في ذات الإنسان وفي تكوينه.

إذن فالعولمة حالة، وهذه الحالة جعلتنا نعيش معًا في قرية ضيقة واحدة. أحداث سنة ألفين وواحد في أمريكا وهي تحدث كنا نشاهدها على التلفزيون، وكان بعض ساكني أمريكا لا يدركون أن أمريكا تحت الهجوم، وإننا هنا في مصر نتصل بهم لنطمئن عليهم، فإذا بهم ما زالوا نائمين لم يستيقظوا بعد.

طي المكان وبسط الزمان وأثر العولمة على حياة الناس

إذن نحن أصبحنا في عالم غريب عجيب، ذهب فيه أو طُوي فيه المكان وبُسط فيه الزمان، وفي بعض الأحيان حدث العكس؛ فذهبت البركة من الأزمان واتسعت الفجوات في المكان، فاختلط الحابل بالنابل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فماذا عن التصوف في هذا؟ وما التصوف إلا بناء الإنسان. التصوف رأى الإنسان قبل البنيان، وعالج الساجد قبل بناء المساجد.

التصوف يبني الإنسان من خلال الوحي والكون تحت نطاق الشريعة

التصوف اهتم بهذا الكتاب المقدور [أي الإنسان] بعد أن فهم أمرين: كتاب الله المسطور وهو الوحي، وكتاب الله المنظور وهو الكون. ومن الوحي والوجود معًا كان التصوف.

فإن للتصوف تجربة، لكنها تحت نطاق سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه، لا يستطيع أن يخرج عنها. وكما قال الجنيد [رحمه الله]:

«طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة»

لكن في الوقت نفسه له تجربة، وله كلام عن التخلي والتحلي والتجلي، وله كلام عن اليقظة والتوبة والسير إلى الله سبحانه وتعالى بمراحله العشرة كما في [منازل السائرين] للهروي، وتفصيل ذلك إلى الله سبحانه وتعالى.

الحكم العطائية وبناء الإنسان قبل البنيان في منهج التصوف

وله [أي التصوف] كلام وهو يحوّل المعاني من "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وهي التي بُنيت عليها الحكم العطائية الرائعة الفائقة، التي تبني الإنسان وتجعله قبل البنيان، وتعتبر الساجد قبل المساجد؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد جعل لنا الأرض مسجدًا وطهورًا.

ماذا نفعل وهذه الحالة من العولمة قد رفعت الحواجز والحُجب بين الناس؟ لدينا مدارس في التصوف، هذه المدارس يمكن أن نأخذ منها أمرين مهمين يستفيد منهما الاشتراك البشري في عالمنا الآن:

  1. الأول: هو حب الله، أن نحب الله.
  2. الثاني: هو حب الجار.

حب الله وحب الجار أساس المشترك البشري في مخاطبة العالم

فحب الله وحب الجار، إذا ما تحقق بهما المسلم الصوفي وإذا ما أحياهما في نفسه وفي أولاده، فإنه يكون قد وقف على المشترك البشري الذي ما إن مددنا أيدينا إلى العالم لقَبِلنا واستمع إلينا، وكان في حاجة ماسة لنا.

وهذا هو الأهم [الذي] تركنا من كل العناصر الأخرى، لكن حب الله وحب الجار هو الذي يمكن أن نخاطب به العالمين. نحن أقوام نحب الله ونحب الجار، فهل عندكم من اعتراض؟ لا أحد يعترض، حتى الملحد لا يعترض؛ لأن الملحد جعل المعيار عنده المصلحة، والمصلحة مبنية على حسن الجوار، ونحن نقول له: سنحسن الجوار إليك، وعندئذ يجتمع ويلتئم الشمل.

فلسفة جلال الدين الرومي في الحب والعطاء وأهمية إبرازها اليوم

حب الله وحب الجار فلسفة وحكمة جلال الدين الرومي، نحن في أشد الحاجة إلى إبرازها وتقديمها في ترتيب للأولويات في عصرنا الحاضر.

جلال الدين الرومي تحدث عن الحب بأجلّ معانيه، وهذا الحب — والحب عطاء — نحتاج إليه في هذا العالم المتلاطم الأمواج. بالحب، والحب يأتي ويتولد من الرحمة؛ ولذلك فإن الرحمة هي الأساس.

الرحمة أساس القرآن الكريم وتجلي أسماء الجمال في البسملة

وإذا نظرنا في القرآن الكريم نجد أول ما فيه:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

ولله أسماء الجمال وأسماء الجلال وأسماء الكمال، وكان من الممكن أن يقول: "بسم الله الرحمن المنتقم"، أو "بسم الله المنتقم الجبار"، فيتجلى علينا بجلاله، ولكن لأننا قد خُلقنا من ضعف فإنه قد جعلها جمالًا في جمال، فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم".

وكأنه يطمئن حالنا من جلال لفظ الجلالة وكماله وعلو شأنه، وأنه لو قال "بسم الله" لارتعدت القلوب واقشعرت الجلود، فثنّاها فقال "الرحمن الرحيم" حتى يهدأ البال ويصلح الحال.

حديث الأولية في الرحمة وروايتاه عند المحدثين

والنبي صلى الله عليه وسلم، كما يعلّمنا أسيادنا العلماء المحدثون، يقولون في حديث اشتهر بينهم بـحديث الأولية:

قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء»

بسكون الميم "يرحمْكم من في السماء"، وبضمها ["يرحمُكم"] روايتان:

  • الأولى: يجعلها النبي ﷺ شرطًا؛ أن ترحموا من في الأرض فإن الله سوف يرحمكم، وعليه فمفهومها أنه إذا لم نرحم من في الأرض فإن الله لا يرحمنا.
  • الثانية: دعاء من المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يرحمنا الله سبحانه وتعالى فيوفقنا إلى رحمة الخلق، كما على حد قول القائل: "تخلّقوا بأخلاق الله".

حديث الأولية أول ما يُحدَّث به الطلاب ومنه تنبثق الرحمة والحب

قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

كأنه يدعو لنا أن يرحمنا [الله] سبحانه وتعالى في علياءه، وهو أول حديث يُحدِّث به المحدِّث أبناءه، فسُمّي بـحديث الأولية. أول حديث نبدأ به هو كما لو كنا نقول: "بسم الله الرحمن الرحيم".

ومن الرحمة ينبثق الحب. هذه المعاني ينبغي علينا أن نربي أبناءنا عليها، وإذا ما ربينا أبناءنا عليها وأبرزناها في هذا العصر إبرازًا شديدًا وقويًا.

نشر كتب التصوف التراثية لتصحيح صورة المسلمين والانتقال من الدفاع إلى الدعوة

وهذا [يتطلب] نشر الكتب التراثية خاصة في الصوفية، فننشر كتب جلال الدين الرومي ومدرسته — وهو جزء يسير من التصوف بأنواعه المختلفة — فإننا في حاجة إلى هذا حتى نصحح صورتنا أمام الناس.

وننتقل من موقع الدفاع عن أنفسنا إلى موقع الدعوة التي مددنا فيها أيدينا في هذه العولمة. إن العولمة بعدما جعلت الأرض كلها قرية واحدة فإنها تنتظر منا الخير واليد الممدودة، وهذه اليد الممدودة لو مُدّت بالحب لوجدت شيئًا كثيرًا.

﴿وَلَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النصر: 2]

الحب يقتضي الرحمة والصبر والكرم كما في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم

هذا الحب يقتضي أن يكون من الرحمة، ويقتضي أن يخرج منه الصبر:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]

ويخرج منه الكرم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الكرم حتى من الكافرين؛ فكان كلما ذُكر ابن جُدعان أمامه تبسّم وانشرح وجهه الشريف.

فسألته عائشة [رضي الله عنها]: أهو في الجنة؟ قال: «لا، إنما كان يفعل ذلك لسمعة يتسمّعها». رأيته وعنده قصعة يُصعد إليها بسُلّم، يثرد الثريد لضيوف البيت الكريم [أي الكعبة]. فرح النبي صلى الله عليه وسلم بكرم ابن جدعان وإن كان قد مات كافرًا، وإن كان قد حكم الله عليه بالنار؛ فالآخرة لها أحكامها، وأحكامها بيد مولانا سبحانه وتعالى، لا يتألّى عليه أحد.

إكرام النبي لابنة حاتم الطائي تقديرًا لمكارم الأخلاق والكرم

وعندما شاهد [النبي ﷺ] ابنة حاتم الطائي — وكان [حاتم] مشهورًا بالكرم والسخاء والعطاء — خلع عباءته الشريفة صلى الله عليه وسلم وأجلسها عليها، وقال: «إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق».

فطمعت الفتاة وقالت: أهو في الجنة يا رسول الله؟ قال: «لا، إنما كان يفعل ذلك لدنيا يريدها ولسمعة يتسمّعها».

إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم، بالرغم من اطلاعه الشريف على حال أولئك [الكفار]، إلا أنه قد أكرم خبرهم وأكرم وفادة بنت حاتم الطائي من أجل هذا المعنى: معنى الحب.

شجرة النبي في الأردن وطاقة الحب المتجسدة فيها

وفي الأردن اكتشفوا الشجرة التي نزل تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلوا هناك بعض القياسات، ووجدوا أن هذه الشجرة بالرغم من اقفرار ما حولها من صحراء، تهتز عندها الآلات، تُثبت أن شيئًا ما يخرج منها.

وهذا الشيء جرّبوه خاصة عند حنان الإنسان وعند حبه، فتعجبوا من ذلك جدًا. ما هذه الشجرة؟ وهم لا يعلمون أنها الشجرة التي استند إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان حبًا خالصًا قد تجسّد بشرًا بإذن الله سبحانه وتعالى.

فلما علموا أن هذه الشجرة إنما لامست جسده الشريف، تعجبوا غاية العجب، وبعضهم أسلم من أجلها. وما زالت الشجرة إلى الآن كلما قرّبنا إليها ذلك الجهاز كلما اهتز جدًا بـطاقة الحب التي كانت في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رحمة النبي بأهل الطائف ورفضه إهلاكهم رجاء إيمان ذريتهم

وهو [النبي ﷺ] الذي نزل إليه ملك الجبال فأبى أن يُطبق الأخشبين عليهم [أي على أهل الطائف]، وقال:

قال رسول الله ﷺ: «عسى أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله»

هذا الحب الذي تعلمناه منكم [أيها الصوفية]، هو هذا الحب الذي لا بد أن يبرز الآن في عالم العولمة. والناس جميعهم في الأرض كلها يحتاجون إليكم وإليه، وهذا هو الحب الذي سوف يهز القلوب ويزيل الحُجب بين الخلق والخالق.

التحذير من أن نكون حجابًا بين الخلق والخالق بتناسي الرحمة والحب

ولكن لا أخفيكم أننا في بعض الأحيان نكون حجابًا بين الخلق والخالق؛ عندما نتناسى الحب، وعندما نتناسى الرحمة، وعندما نقسو على الآخرين حتى من غير المسلمين، فنكون أمثلة — ونرجو الله ألا نكون كذلك — غير صالحة للتعبير عن سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم.

الذي كان الحب يملأ قلبه، حتى أنه أعطى ذلك الكافر واديًا من الإبل، فقال له: «والله يا محمد، ما هذه عطية أحد من البشر، هذه عطية نبي!» فالنبي صلى الله عليه وسلم كان كريمًا وكان حبيبًا وكان رحيمًا.

النبي رحمة للعالمين جميعًا وشفاعته تطوق كل البشرية

وهكذا يصدق الله سبحانه وتعالى — وهو الصادق دائمًا — فيقول:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

فكان رحمة للمسلمين ولغير المسلمين، لمن رآه ولمن يأتي بعده، ولمن جاء قبله؛ فإنه سوف يشفع — كما ورد في [صحيح] البخاري — في العالم كله.

فتصل رحمته إلى الناس أجمعين، حتى السابقين عليه صلى الله عليه وسلم سيستفيدون من رحمته المُهداة ومن شفاعته التي سوف يقوم بها، فيطوّق كل العالم سابقًا ولاحقًا، ويطوّق أعناقهم بهذه الرحمة المُهداة التي أرادها الله صفة له ﷺ.

المحور الثاني: التصوف والتشيع والأرضية المشتركة في حب آل البيت

ومن محاور هذا اللقاء: التصوف والتشيع والأرضية المشتركة التي بين الصوفية والشيعة، وهي حب آل البيت.

والنبي صلى الله عليه وسلم قال:

قال رسول الله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»

والنبي يقول هذا صلى الله عليه وآله وسلم وهو يرى أبناءه يموتون الواحد فيهم إثر الآخر، ويرى بناته يمتن أمامه؛ فماتت رقية وأم كلثوم وزينب.

إخبار النبي لفاطمة بأنها أقرب أهله لحاقًا به كعلامة نبوية

حتى أنه أخبر فاطمة عليها السلام — و"عليها السلام" هي كلمة الإمام البخاري — أن فاطمة عليها السلام أخبرها بأنها أقرب أهله لحاقًا به، أي أنه يعلم أنها ستموت بعده كأقرب أهله لحاقًا به.

فكيف يقول "وعترة أهل بيتي" وقد مات أهل بيته وهو حي؟ ولو كان هذا من عند غير الله ما تجرأ على أن يقول: "وعترة أهل بيتي"؛ لأنه مات أهل بيته وهو حي. هذه معجزة؛ لأن هذا ليس من عند أحد، وإنما هو من عند الله، ولم يكن بيد محمد صلى الله عليه وآله وسلم — سيد الخلق الحبيب المجتبى — لم يكن بيده أن يحافظ على أبنائه هذه المحافظة الغريبة العجيبة التي هي من علامات نبوته.

انحصار النسل الشريف في ثلاثة كرسالة ربانية على حفظ العترة

فنرى نسل الحسين رضي الله تعالى عنه يهلك، ونسل الحسن بعد أن تزوج كثيرًا يهلك، وينحصر النسل الشريف في علي زين العابدين وفي زيد الأبلج وفي الحسن المثنى.

يعني كأنها رسالة ربانية تقول: كنت قادرًا على أن أُفني كل هذه العترة الكريمة، كنت قادرًا على أن أُفني المسلمين في الأصل. وكان ينبغي أن يكون معروفًا في التاريخ أن [الله] كان قادرًا على أن يُخفي قبره ﷺ، كان قادرًا على أن يذهب بكتابه.

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

فحافظ عليه.

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]

فرفع الله ذكره، حتى إن أكثر الناس اسمًا الآن هو اسم محمد صلى الله عليه وسلم، بل أحمد ومصطفى وياسين وطه ومحمود وحامد وغير ذلك من أسمائه صلى الله عليه وسلم.

حب آل البيت علامة نبوة ودور الصوفية في الإصلاح بين السنة والشيعة

إذن هذا النبي الكريم لمّا ترك لنا عترة أهل بيته، فنحن نحب أهل البيت ونفتخر بحبنا لهم، ونعتبرها علامة ودلالة على نبوة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

ولكن هناك مذاهب قد تشتتت، وهناك نزاع الآن تستغله السياسة بين السنة والشيعة. الصوفية هم الأقدر على أن يصلحوا بين الأخوين؛ لأن الصوفية في مصر من أهل السنة، ولأن الصوفية تحب أهل البيت فهم مقبولون عند الشيعة، ولذلك وجههم مقبول عند الجميع، فهم أجدر الناس بالتدخل للصلح بين الطائفتين.

الغلو في التعصب المذهبي وعدم تسمية الأبناء بأسماء الصحابة وآل البيت

بعض الناس غالٍ جدًا حتى لم يُسمِّ أبناءه عليًّا، هكذا كله لا يوجد ولا واحد اسمه علي. فماذا عن هذا؟ وهكذا والآخرين لم يسمّوا أبا بكر وعمر.

فهل هذا يُرضي ربنا؟ لا يرضيه يا إخواننا.

إذن فدور المتصوفة مع الشيعة في عصرنا هذا أنهم حمامة السلام، الأقدر على قبول الوحدة بين طوائف المسلمين؛ لأنهم على الحد والمحك الوسط.

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

المحور الثالث: قوة الصوفية بأوليائهم ومنهجهم ودعوتهم لعمارة الأرض

القضية الثالثة هي قضية: ما الذي نستطيع أن نفعله نحن؟ والحمد لله أقوياء بأوليائنا وتاريخنا وخبرة هذا التاريخ، أقوياء بحاضرنا، أقوياء بمنهجنا، وأقوياء بأننا ندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل الدنيا في أيدينا ولا يجعلها في قلوبنا.

وأننا إذا ما جعلنا الدنيا في أيدينا استعملناها فيما أراد الله أن نستعملها فيه. وربنا سبحانه وتعالى أراد منا العبادة والعمارة وتزكية النفس:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلب منكم عمارتها.

الخلافة في الأرض والعلم سبب سجود الملائكة لآدم تقديرًا وتكريمًا

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوٓا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]

ولأجل هذا العلم ولهذه الخلافة ولهذا الأمر بطلب العمارة، أسجد [الله] الملائكة لك [أيها الإنسان] في صورة أبيك آدم احترامًا وتقديرًا.

إذن فهذا المعنى الذي نحن فيه الآن هو معنى جليل، يمكن أن نربي أبناءنا عليه: العبادة والعمارة وتزكية النفس.

الصوفية هم أهل معرفة الذكر والفكر والتخلي والتحلي والتجلي

من غير الصوفية يستطيع أن يرسم منهج طريق الله سبحانه وتعالى من الذكر والفكر؟ لا أحد. إنما أهل الصوفية هم الذين يعرفون كيفية الذكر وكيفية الفكر، وكيفية التخلي عن كل قبيح والتحلي بكل صحيح.

وما الذي يواجهه الإنسان كونيًّا عندما تحدث له أمور؟ هذه الأمور لا يعرفها إلا السادة الصوفية، أمور التجلي.

قصة عبد القادر الجيلاني مع الشيطان في الخلوة وعلمه الذي أنجاه

فإن عبد القادر [الجيلاني] رضي الله تعالى عنه، عندما حدث له في خلوته نور اشتد عليه، وسمع صوتًا قال: ما سمعت أحسن منه قط، يقول له: «يا عبد القادر، لقد قرّبناك». قال: فذُبت كما يذوب الملح في الماء.

قال: «وأحللنا لك الحرام». فقال [عبد القادر]: اذهب يا لعين! قال [الشيطان]: «علمك نجّاك يا عبد القادر»، وسمع صوتًا محشرجًا لم يسمع منه أسوأ منه قط.

من الذي يعرف هذا؟ من الذي يحمي شبابنا من التهور والتدهور؟ إنهم أهل الله، إنهم الصوفية.

الدور المرتقب للتصوف هو التربية لحل جميع الأزمات المعاصرة

إذن ما الدور الذي علينا؟ تربية الشباب. لقد ذهبنا في الأرض كلها نبحث عن الأزمة وعن سببها، ووجدنا أن الأزمة دائمًا تحتاج إلى تربية.

الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية والفلسفية، كلها تحتاج إلى الإنسان، إلى أن يعود مرة أخرى أمام الله إنسانًا آدميًّا.

وهذا لا يكون إلا بتطبيق ما علّمنا إياه مشايخنا وآباؤنا، وما وجدناه في التراث هذا الذي آمنا به واطمأنت له قلوبنا وسعدت به أرواحنا، حتى قالوا: «هذه لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها».

تصحيح المفاهيم والسلوك من خلال التربية الصوفية وأولوية القلب على العقل

هذا الكلام له أثر في تصحيح المفاهيم فتصحيح السلوك. ولذلك فإذا أردنا أن نصنع عنوانًا على الدور المرتقب للتصوف فليكن: التربية ثم التربية ثم التربية.

إننا قد افتقدنا همة التربية ولم نفقدها بعد، والحمد لله رب العالمين. ومعنا ما يحتاج العالم إليه، حتى إذا وصفنا بعضهم بالتخلف وبعضهم بالشرذمة وبعضهم يهاجم وبعضهم كذلك، فإن الكلمة الطيبة تخرج من القلب فتصل إلى القلب فتغيّر الوجدان يا جماعة الخير.

إن القلب يعلو على العقل، وإن العقل يعلو على السلوك. ومصيبة عصرنا أنه عكس هذه المنظومة، فجعل السلوك يتحكم في العقل ويُسكته، وجعل العقل إذا ما نادى القلب شيئًا ما يُسكت العقلُ القلبَ، وهي منظومة خسيسة قد اختلطت فيها الأمور.

منظومة التربية الصوفية: القلب فوق العقل والعقل فوق السلوك

والحاصل أن القلب فوق العقل، وأن العقل فوق السلوك. ولذلك سُمّي القلب قلبًا [لتقلّبه]، وسُمّي العقل عقلًا لأنه يعقل الإنسان فيمنعه.

وهذا القلب يتقلب، ولكنه يتقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبهما كيف يشاء. وما سُمّي الإنسان إلا لنسيانه، وما أوّل ناسٍ إلا أوّل الناس، وما سُمّي القلب إلا لأنه يتقلب.

إذن علينا أن نجعل القلب — هذا الذي يتقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن — مع الله، ثم نجعله فوق العقل، ونجعل هذا العقل الذي يتحكم مع الله، ونجعله فوق السلوك.

هذه هي طريقة التربية [الصوفية]. أرجو ألا أكون قد أطلت، جزاكم الله عني خيرًا، وبارك الله فيكم، وشكرًا لكم.