التعاون | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •يعلمنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم الأخلاق التي تحتاجها المجتمعات، خاصة بعد انتشار التفلت من القيم بين الشباب.
- •أمر النبي بسبع خصال كما روى البراء بن عازب: عيادة المريض التي تجلب رحمة الله ومعيته للمريض.
- •اتباع الجنائز لنيل الثواب وتحقيق المساندة النفسية لأهل المتوفى.
- •تشميت العاطس بقول "يرحمك الله" عند سماع حمد العاطس لربه.
- •إبرار القسم وهو نوع من التعاون واللين مع المحلوف عليه.
- •نصرة المظلوم حتى لو كان كافراً، ونصرة الظالم بكفه عن ظلمه.
- •الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو رقابة مجتمعية تحقق الاستقامة.
- •إفشاء السلام الذي يبعث الطمأنينة، وهو اسم من أسماء الله والجنة.
- •إجابة الدعوة من الأخ عند دعوته لفرح أو وليمة أو مسامرة.
- •تعد هذه القيم التي دعا إليها النبي هي نفسها القيم النشطة التي تدعو إليها المؤسسات التربوية العالمية.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر المبارك الكريم.
رسول الله يعلمنا الأخلاق التي يحتاجها الناس في كل عصر
رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلتنا معه في هذا الشهر الكريم يعلمنا الأخلاق. والناس في كل مكان تحتاج إلى هذه الأخلاق في هذا العصر.
بعد أن جربنا الحرية بكل معانيها؛ مرة بمعنى المسؤولية وكانت حرية ملتزمة، ومرة بمعنى التفلت، فإننا واجهنا جيلًا جديدًا من الشباب لا يرقب في مؤمن إلًّا ولا ذمة، لا يبالي بأحد على الإطلاق. ونراه أنه قد تفلت من كل خلق قويم، وهذا فيه انعكاس على المجتمع البشري.
المؤسسات التربوية العالمية تدعو إلى القيم التي جاء بها النبي ﷺ
ولذلك رأينا مؤسسات العالم التربوية كلها مثل اليونسكو في كتابها "التعليم ذلك الكنز" تصرخ صرخة كبيرة وتطلب إعادة هذه القيم التي سُمِّيت بالقيم النشطة والحية.
فإذا بها هي عين ما دعا إليه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، بل وربّى الناس في مواقف كثيرة على هذه الأخلاق النشيطة الحية التي سنظل نحن نحتاج إليها، وستظل أيضًا هي عين سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
حديث البراء بن عازب في الأمر بسبع خصال والنهي عن سبع
من هذه الأخلاق الكريمة قيمة التعاون. قال البراء بن عازب فيما أخرجه البخاري في صحيحه — وهو البراء، كان من الصحابة، وأبوه عازب كان أيضًا صحابيًّا، فرضي الله تعالى عنهما —:
«أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع»
انظروا إلى الأدب الاجتماعي، انظروا إلى أن الإنسان منتمٍ يشعر بنفسه أنه فرد في مجتمع وفي فريق.
الأمر بعيادة المريض وفضلها في الحديث القدسي
أمرنا [النبي ﷺ] بعيادة المريض أيًّا كان؛ من المسلمين أو من غير المسلمين، من الأقارب أو من غير الأقارب، من أصحاب السلطان أو من غير أصحاب السلطان، من الأغنياء من الفقراء، عيادة المريض [واجبة على الجميع].
وفي الحديث القدسي:
«عبدي مرضتُ فلم تَعُدْني، قال: وكيف تمرض يا ربي وأنت رب العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تَعُدْه، ولو عُدْتَه لوجدتني عنده»
يعني ربنا مع المريض وعند المريض.
المريض في كنف الله ورحمته ومحل نظره سبحانه وتعالى
فلا بد للمريض أن يصبر ويعلم أنه في رحمة الله وفي معية الله، وأنه مع هذه الآلام التي نرجو الله سبحانه وتعالى أن يشفيه منها، إلا أنه في الحقيقة وفي الواقع هذا في كنف الله، محل نظر الله سبحانه وتعالى.
فعيادة المريض هي الأولى من هذه السبع التي أمرنا بها [النبي ﷺ في حديث البراء بن عازب].
اتباع الجنازة وأثرها في تعزيز العلاقات الاجتماعية والثواب
واتباع الجنازة؛ فالجنازة عندما نتبعها يحدث نوع من أنواع العلاقة الاجتماعية الحميمية، أن نصلي على هذا الذي سبقنا إلى الله، وهذا الذي مات أولًا نأخذ ثواب هذا؛ لأنه من صلى على جنازة وذهب معها إلى قبرها فإنه يُكتب له قيراطان في الجنة.
فالثواب [عظيم]، ولكن أيضًا هي تُنشئ ودًّا اجتماعيًّا بيني وبين أهل المتوفى؛ لأن أهل المتوفى يشعرون بشيء من المساندة والمشاركة في حزنهم، ويشعرون بتأييد نفسي يستوجب الشعور بالأمان والشعور بالانتماء.
تشميت العاطس وآدابه وكيف كان اليهود يتعاطسون أمام النبي ﷺ
وتشميت العاطس؛ أمرنا [النبي ﷺ] بتشميت العاطس. إذا عطس فإننا نقول له يرحمك الله، فيرد هو ويقول يرحمنا ويرحمكم الله، أو يقول يهديكم الله ويصلح بالكم.
وعندما يعطس العاطس فإنه يحمد الله، أي هو في نفسه يقول الحمد لله، فالسامع له يقول يرحمكم الله دون تكلف، ببساطة.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاطس أمامه اليهود من أجل أن يقول لهم يرحمكم الله. كانوا يعلمون أنه النبي وكانوا يتباركون بدعائه لهم، فكانوا يتعاطسون أمامه.
حكم تشميت العاطس المزكوم وتعليم النبي ﷺ البساطة في ذلك
كان الإنسان إذا عطس وكان مزكومًا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تشميت العاطس يشمّته مرة، ثم الثانية، وفي الثالثة يقول:
«إنك لمزكوم»
أي أن هذه ليست عطسة عارضة وإنما هي عطسة ناتجة عن البرد، ولذلك لا يشمّته إن أكثر في العطاس؛ حتى يعلمنا البساطة [في التعامل مع هذه السنة].
تشميت العاطس من سنن الكفاية وأمثلة على سنن الكفاية
تشميت العاطس هذه مما يُسمى بسنن الكفاية. هناك سنن، هذه السنن لو قام بها البعض يكتفي وسقط الإثم عمن سواه.
فمن ضمن هذه: إلقاء السلام؛ فلو أنا ومجموعة دخلنا على شخص أو على أشخاص، فمن السنة أن نقول له السلام عليكم، ولكن كلمة السلام عليكم هذه سنة إنما سنة كفاية، بمعنى أنه لو سلّم واحد لكفى.
البسملة قبل الطعام؛ لو أننا جالسون على مائدة الطعام، واحد فقط قال بسم الله يكفي.
تشميت العاطس؛ شخص عطس فالذي بجانبه قال له يرحمك الله يكفي، وليس سنة أن يقول كل شخص يرحمك الله.
الأضحية من سنن الكفاية وأضحية واحدة تكفي أهل البيت الواحد
الأضحية؛ لو أنها من أهل بيت متعددين فإن أضحية واحدة تكفي، أي أن بيت الأسرة يكفيه أضحية واحدة.
بيت الأسرة يكون فيه الرجل وزوجته ومعها أبناء وبنات مع أزواجهم وأولادهم، وكلهم يسكنون في بيت واحد، فإنه يكفيهم أن يُخرجوا أضحية واحدة وتكون قد تمت السنة.
فكل هذه يسمونها سنن الكفاية: السلام، وتشميت العاطس، والأضحية، وهكذا.
تفصيل السبع خصال المأمور بها وإبرار القسم من الأخلاق النبوية
فيقول [البراء بن عازب]: نهانا — أمرنا بسبع ونهانا عن سبع — أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم.
عندما يحلف أحد عليك، كن لينًا، كن هيّنًا، تعاون معه، لا تحلف أنت أيضًا أمامه فيكون ذلك في يمين وفي يمين: "والله لا تفعل كذا"، قالت: "والله ما أنا فاعلة أبدًا".
إبرار القسم من الإخوة الصادقة.
إبرار القسم في صفات الزوجة الطيبة والزوج الصالح
ولذلك في صفات الزوجة الطيبة: إذا أقسم عليها أبرّته. الله يحفظك، والله لا تفعلي هذا مرة أخرى، انتهى. تقول له: لا، هذا شيء يحزنك، أنا لن أفعل هذا مرة أخرى أبدًا.
وأيضًا من أخلاقه هو كذلك هو إبرار القسم. لنفترض أنها حزنت من شيء [فعله] ابنه أو ابنته أو زميله أو ما إلى ذلك، فأقسم عليه ألا يفعل هذا مرة أخرى، فإنه يبرّ بقسمه.
[وهذا] نوع من أنواع الحب والألفة والتعاون.
نصرة المظلوم وكيفية نصرة الظالم بكف يده عن الظلم
ونصرة المظلوم؛ أمرنا [النبي ﷺ] أن ننصر المظلوم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»
قالوا: نصرناه مظلومًا يا رسول الله، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال:
«بأن تكفّ يده عن الظلم»
والنبي يقول صلى الله عليه وسلم:
«الظلم ظلمات يوم القيامة»
ويقول:
«إن الله يستجيب للمظلوم ولو كان كافرًا»
يعني إذا المظلوم دعا دعوة — اتقِ دعوة المظلوم — فإن الله ينصرنّه من فوق سبع سماوات. ربنا ينصر المظلوم إذا دعاه، وفي الحديث الآخر حتى لو كان هذا المظلوم كافرًا.
أهمية نصرة المظلوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كرقابة مجتمعية
ولذلك نصرة المظلوم أمر مهم للغاية؛ لأنه لا يفلح قوم يضيع الحق فيما بينهم.
ولذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من أنواع الرقابة المجتمعية على المجتمع، هو نوع من الأنواع التي تدعو إلى التوبة؛ لأن الرقابة بعدها توبة.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم يستقيم بها المجتمع.
إفشاء السلام ومعانيه الكثيرة وحرص الصحابة على تبادله
وإفشاء السلام:
«أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وقوموا بالليل والناس نيام، تدخلون جنة ربكم بسلام»
إفشاء السلام له معانٍ كثيرة جميلة. وكان الصحابة إذا فرّقتهما شجرة وهما يمشيان مع بعضهم — هذا مشى من يمين الشجرة وهذا من شمالها — والتقيا بعد ذلك تبادلا السلام، قالا: السلام عليكم.
بعد [ذلك] إفشاء السلام هذا فيه نوع من أنواع الطمأنينة.
مكانة السلام في الإسلام وأنه اسم من أسماء الله وختام الصلاة
ولذلك ربنا جعل السلام هو ختام الصلاة، وجعل السلام التحية، وجعل السلام اسمًا من أسماء الجنة، والسلام هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، والسلام ضد الحرب.
ولذلك السلام وإفشاء السلام أمر مهم.
إجابة الداعي من الخصال المأمور بها والختام
وإجابة الداعي؛ أخوك إذا دعاك لفرح، دعاك لوليمة، دعاك إلى بيته حتى تتسامروا أو تتحدثوا، فيجب عليك أيضًا أن تذهب [إليه وتلبي دعوته].
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
