التواضع | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - تصوف, مجالس الطيبين

التواضع | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • الحديث النبوي الشريف يقسم الأعمال إلى ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فالمنجيات هي: تقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر.
  • التقوى تعني الخوف من الله والعمل بالقرآن والرضا بالقليل والاستعداد للموت، مع ضرورة النظر لمن هو أقل منك لتشكر النعم.
  • القول بالحق يجب أن يكون مبدأ ثابتاً سواء كان الإنسان راضياً أو غاضباً، فالعدل واجب حتى مع الأعداء.
  • القصد هو الاعتدال والتوسط في كل شيء، فلا إسراف ولا تقتير في المال والطعام والشراب وسائر الأمور.
  • أما المهلكات فهي: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه، وهي أشدها خطراً.
  • حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الكبر بقوله: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر"، والكبر هو احتقار الحق وعدم الانقياد له.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة حلقة مجالس الطيبين ودراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر المعظم الكريم.

ونحن ندرس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونستفيد منها: المواقف والمواعظ والعبر، ونستفيد منها كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الخير.

حديث التحذير من الكبر وبيان خطورة مثقال حبة خردل منه

ومعنا حديث عظيم يدل على الأمر بالتواضع لله رب العالمين والنهي عن العجب وعن الكبر، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرنا من العجب ومن الكبر فقال:

قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر»

أي لو عرفنا وزن حبة الخردل لتعجبنا ولخفنا أيضًا من هذا الحديث؛ لأن الجرام الواحد -والجرام شيء بسيط- إذا رأيناه أي عند الصاغة نجد شيئًا لا يُذكر، صفيحة صغيرة جدًّا هو الجرام الواحد.

بيان مقدار حبة الخردل وصغر وزنها الشديد في التحذير من الكبر

ستة آلاف حبة خردل [في الجرام الواحد]، يعني حبة الخردل هذه تعني شيئًا خفيفًا جدًّا صغيرًا جدًّا، بحيث إن ستة آلاف حبة من حبات الخردل -والخردل هذا نبات يخرج منه زيت الخردل وما إلى ذلك- كأنها قشرة يعني خفيفة جدًّا، ستة آلاف منها بجرام واحد.

تخيل أن مثقال حبة خردل، يبقى إذن أي: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر.

تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للكبر بأنه غمط الحق ورفض الانقياد

وعرّف النبي صلى الله عليه وسلم الكبر فقال:

قال رسول الله ﷺ: «إنه غمط الحق»

أي أن الإنسان يكون عارفًا الحق هكذا، ولكن يتكبر عن أن ينقاد وأن يتبع وأن يخضع وأن يرجع عن ضلاله. فهذا هو الكبر الذي يمنع الإنسان من دخول الجنة.

حديث ثلاث منجيات وثلاث مهلكات عن أبي هريرة رضي الله عنه

الحديث الذي معنا يدور حول هذا [التحذير من الكبر والعجب]، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قال رسول الله ﷺ: «ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر. وأما المهلكات: فهوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن»

هذه الصفة الأخيرة -إعجاب المرء بنفسه- أشد هذه الثلاثة المهلكات.

حكمة تقديم المنجيات على المهلكات في الحديث النبوي الشريف

حلاوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقدم لك المنجيات على المهلكات؛ المنجيات ثلاثة والمهلكات ثلاثة.

فما الذي ينجيني؟ تقوى الله في السر والعلن، إذا هنا يعني شفافية مع الله سبحانه وتعالى.

تعريف التقوى عند سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه

التقوى معناها: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

سيدنا علي بن أبي طالب لما سُئل عن التقوى قال هذه الأمور الأربعة: أن يكون المرء خائفًا من ربه، وأن يرضى بالقليل؛ لأن الطمع يُقلّ ما جمع، لأن الطمع يورد الإنسان المهالك، لأن الطمع يجعل الإنسان يحتقر نعمة الله عليه.

قال: وانظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك؛ فإن ذلك -إن الواحد ينظر لواحد أقل منه يحمد الله- فإن ذلك أجدر ألا تحتقر نعمة الله عليك.

الخوف من الجليل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل

فالخوف من الجليل مسألة تجعل الإنسان في حياته مع الرضا بالقليل مع الاستعداد ليوم الرحيل.

دائمًا الإنسان عندما ينسى الموت وينسى هذه القضية التي نشاهدها يوميًّا عشرات المرات، وهي حقيقة مستقرة عندنا، وهي أمر لم يترك صغيرًا ولا كبيرًا، ولا غنيًّا ولا فقيرًا، ولا حاكمًا ولا محكومًا، ولا عزيزًا ولا ذليلًا إلا وأصابه الموت مصيبة.

ولكنه يشمل الجميع ويختطف منا أبناءنا وبناتنا وأزواجنا وزوجاتنا وآباءنا وأحفادنا، يُخطفون منا هكذا ونحن لا نعلم، لا حول ولا قوة لنا ولا بيد أحد إلا الله سبحانه وتعالى.

الاستعداد ليوم الرحيل بالعمل الصالح والباقيات الصالحات

والاستعداد ليوم الرحيل يكون بالعمل الصالح، يكون بالباقيات الصالحات التي تبقى نافعة في الأرض بعد رحيل الإنسان. ولذلك:

قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، ومن صدقة جارية، ومن علم ينتفع به»

إذا كان في شيء من الباقيات الصالحات، لما يأتي الإنسان في ميتم نقول: البقية في حياتك. يعني ما هي الباقيات في حياتك؟ يعني الباقيات الصالحات تستمر كما كان يفعلها الميت في حياتك أنت.

معنى عبارة البقية في حياتك والباقيات الصالحات المستمرة

لو فهمناها هكذا، بعض الإخوة يعترضون لا؛ لأنهم لم يفهموا ما فلسفة المصريين عندما يقولون: البقية في حياتك. يظنون بقية حياته هو أجل مسمى لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.

ولكن الباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة المستمرة التي يحملها الخلف عن السلف ويعيشون بها.

الخوف من الجليل، العمل بالتنزيل، الاستعداد ليوم الرحيل، الرضا بالقليل، هذا هو تقوى الله التي تكون في السر وفي العلانية.

القول بالحق في الرضا والغضب والإنصاف من النفس والآخرين

القول بالحق في الرضا والغضب: يجب على المرء أن يقول الحقيقة سواء كان راضيًا أو راضيًا عن فلان، أو كان غاضبًا في نفسه، أو كان ساخطًا على فلان. ربنا يعلمنا الإنصاف.

ولذلك الإنصاف من النفس والإنصاف من الآخر يجعلنا مطمئنين، لا نخادع أنفسنا أمام الله وأمام أنفسنا وأمام الناس. الإنصاف هو الحل.

القول بالحقيقة في الرضا والسخط:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: 152]

أي لا بد من العدل حتى مع العدو.

وجوب العدل حتى مع العدو والحب والكراهية من عند الله

شنآن يعني كراهية، نكرهه بسبب ما فعله فينا؛ لأنه عدوي أكرهه، لأن قلبي يكرهه كذلك. اللهم إني عدلت فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك.

فالحب والكراهية من عند الله في القلب، ولكن العدل واجب؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

ولذلك فالقول بالحق في الرضا والغضب هو أهم شيء في أخلاقنا التي نبني عليها أسس سلوكنا.

القصد في الغنى والفقر والسير على المنهج الوسط المعتدل

ثالثًا وهو الذي كنا نتحدث عنه أولًا: القصد في الغنى والفقر. القصد يعني أن الإنسان يسير على الطريق الوسط:

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29]

يعني الإسراف أو التقتير لا:

﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

القصد سواء كان الإنسان غنيًّا أم فقيرًا، فالمقصود هو السير على المنهج الوسط المعتدل.

النهي عن الإسراف في كل شيء وأنه مبدأ عام يحكم سلوك المسلم

﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

وأصبحت هذه العبارة من الآية مبدأً عامًّا يحكم سلوك الإنسان المسلم: إنه لا يحب المسرفين.

لا يحب الإسراف في الماء ونحن نتوضأ، لا يحب الإسراف في الاستهلاك، ولا يحب الإسراف في العبادة، ولا يحب الإسراف في الأكل والشرب، ولا يحب الإسراف في اللباس، وفي كل مفهوم في حياتنا لا يحب الإسراف فيه أبدًا. إنه لا يحب المسرفين.

خاتمة الحلقة والتذكير بالمهلكات الثلاث وإعجاب المرء برأيه

هذه ما كانت من المنجيات، وتتبقى لنا المهلكات: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

فإلى حلقة أخرى نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.