التوسط والتوازن  | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

التوسط والتوازن | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

16 دقيقة
  • علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التوازن في الأمور كلها، ليسير المسلم في حياته دون إفراط أو تفريط.
  • وصف الله أمة النبي بأنها أمة وسطا لتكون شهيدة على الناس.
  • كان النبي يأمر الرجال بالرفق بالنساء، لكنه عندما لاحظ إفراط النساء نبههن بقوله "تكفرن العشير".
  • وضع النبي صورة متوازنة للتعامل مع الكلاب، فهي أمة من أمم الله ويُستفاد منها، لكنها تمنع دخول الملائكة للبيوت.
  • أجاز النبي اقتناء كلاب الصيد والحراسة والماشية والزراعة، وكذلك يجوز اقتناء كلاب إرشاد المكفوفين وكشف المخدرات.
  • الإفراط في تربية الكلاب في أماكن غير مناسبة يؤذي الجيران، والتفريط برفض مساعدة الأعمى بسبب كلبه تطرف مرفوض.
  • ينبغي فهم النصوص الشرعية بكاملها وبتوازن، دون أخذ بعضها وترك بعضها الآخر.
  • التوازن سبب للألفة والمحبة بين الناس، ليكون الجار سندًا لجاره والزوجان سندًا لبعضهما.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر الكريم.

تعليم النبي ﷺ أمته التوازن في الأمور دون إفراط أو تفريط

علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التوازن في الأمور كلها، وجلس في سيرته يربّي أصحابه وأمته من بعدهم هذا المعنى؛ أننا ينبغي أن نسير في حياتنا دون إفراط أو تفريط، دون مغالاة أو ترك وتقصير.

فنُزِّهنا عن القصور والتقصير، وأُمِرنا بالطريق الوسط. ووصف الله سبحانه وتعالى أمة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنها أمة وسطًا:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

أمر النبي ﷺ الرجال بالرفق بالنساء وبيان خير الرجال

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الرجال بالرفق بالنساء؛ المرأة تأتي وتشكو زوجها، وامرأة أخرى تأتي فتشكو زوجها، وثالثة تأتي فتشكو زوجها، فيأمر الرجال بالرفق بالنساء والرحمة بهن، ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»

فلما يقول ذلك يلاحظ أمرًا عجيبًا؛ أن الأمر قد انعكس، وتأتيه الصحابة لتشكو من أزواجهن: فيا رسول الله، إن امرأتي فعلت وفعلت، وعندما أمرتها لم تُطِعني، وعندما غبتُ لم تحفظني، وعندما أردتُ الخير منعتني، وهكذا.

إحداث التوازن بين حقوق الزوجين ومعنى كفران العشير

عندما يُعلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فتأتي المسألة إلى الطرف الآخر، فيكون هناك إذن تطرف في المسألة؛ تعتقد المرأة عندما نصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تفتري على الزوج وأنها تعمل على النكد.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «تكفرن العشير، ناقصات عقل ودين»

من أجل أن يوقف هذا [التطرف في فهم الحقوق]؛ أي أن هذه النصوص لم تُقَل مجردة، وإنما قيلت من أجل إحداث التوازن. يعني أنتِ الآن أمرنا الزوج أن يكون خير زوج لكِ، فلا بد أن تكوني خير زوجة له.

أيكفرن بالله يا رسول الله؟ قال: لا، بل تكفرن العشير؛ الرجل يقوم لإحداكن بكل شيء، فإذا رأيتِ منه شيئًا قلتِ: ما رأيتُ منك خيرًا قط.

منهج النبي ﷺ في التعامل مع الكلاب وبيان أنها أمة من أمم الله

كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمنا أن نتعامل مثلًا، كما ذكرنا في حلقة سابقة، مع الكلاب. رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لنا صورة كاملة لقضية الكلاب:

  1. أولًا: نحن لسنا أعداءً للكلاب.
  2. ثانيًا: الكلاب يُستفاد منها.
  3. ثالثًا: الكلاب أمة من أمم الله سبحانه وتعالى، ولذلك يجب المحافظة عليها.

وفي مقابل ذلك فإن الكلاب مما تمنع دخول الملائكة إلى البيت؛ أي أن هناك توازنًا.

حكم استخدام الكلاب لإرشاد المكفوفين وموقف سائق التاكسي

ولذلك عندما نكون مثلًا ونسأل ونحن في بلاد استخدمت الكلاب للمكفوفين، فالأعمى يكون معه كلب مدرب من أجل أن يرشده، ومن أجل أن يوقفه أو يمنعه من أي خطر من حوله.

جاءني سائق تاكسي في شيكاغو وقال لي: الآن هذا الكلب نجس وأنا لا أريد أن أُقِلّ الأعمى الذي يقوده الكلب. أقول له: ليس هذا من الإسلام في شيء، يجب عليك أن تعاون هذا الأعمى وأن تُقِلّه مع كلبه، وذلك بأن تجعل الكلب على مذهب الإمام مالك طاهرًا، ولذلك تسير الأمور.

رفض ركوب الأعمى مع كلبه تطرف مرفوض في فهم الإسلام

لكنه يقف ويقول له: إنني أختار أن هذا الكلب نجس، وعلى ذلك يا تترك الكلب - وهذا مستحيل لأن هذا الكلب هو حياته، هو عيناه - يا إما لا أركبك.

إذا أنت رجل لا تصلح بأن تكون إنسانًا مسلمًا طيبًا في المجتمع الذي حولك. هذه جريمة، أنت ترتكب الآن جريمة، أنت الآن متطرف في هذا الفهم.

استثناء النبي ﷺ كلاب الغنم والحرث والحراسة من المنع

فعندما نستعمل الكلاب كما أجاز رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قالوا له: يا رسول الله، إذا كان الكلب هذا هو الذي يمنع الملائكة من دخول البيت، فماذا عن كلب الغنم؟ قال: «إلا كلب الغنم».

قالوا له: فماذا عن كلب الزراعة؟ قال: «وكلب الحرث».

قالوا له: فماذا عن الكلب الحارس؟ قال: «والحراسة».

فاستثنى من الكلاب التي تكون في أماكن مفتوحة: من أجل مزرعة، من أجل فيلا فيها حديقة، من أجل قطعة أرض، من أجل بناية؛ فالكلاب تقوم بالحراسة، والكلاب تقوم بإبعاد الذئاب عن الغنم، والكلاب تقوم بالحرث.

الإفساد الناتج عن تربية أعداد كبيرة من الكلاب بدون شروط

ولكن ونحن نلاحظ هكذا في المكان المناسب، إنما بعض الناس فقد وصل بهم الحال إلى أنهم يربّوا مجموعة كبيرة من الكلاب تزعج الناس بالنباح، وكذلك تخيف الأطفال وتخيف الناس، ويمكن تعتدي عليهم، وكذلك يتولّد منها رائحة قبيحة جدًا؛ لأنها في مكان محدود، ولأنها ليست فيها شروط تربية هذا العدد من الكلاب.

بعض الناس اشتكوا قالوا: هذا شخص أعدّ شقة في عمارة وفيها ثلاثون أو أربعون كلبًا. الثلاثون أو الأربعون كلبًا هؤلاء يحتاجون إلى عناية ورعاية حتى لا تظهر رائحتهم وتؤذي الجيران، وحتى لا يحدث الضجيج فلا ينام الإنسان بالليل والنهار.

هذا إفساد للبيئة؛ لأنه وضع الشيء في غير محله، لأنه وضع الشيء من غير شروطه. هذا يحتاج هكذا إلى مزرعة للكلاب، وتوجد مزارع للكلاب ومزارع تكون خمسة وأربعين فدانًا نربّي فيها هؤلاء الثلاثون كلبًا.

الاستفادة من كفاءات الكلاب العالية في الحراسة وكشف المخدرات والمتفجرات

من أجل المساعدة في اكتشاف المخدرات، المساعدة في اكتشاف المجرمين، كلاب المساعدة في الحراسة، المساعدة في اكتشاف الحريق، والمساعدة في اكتشاف المتفجرات.

يعني إذن هذه كفاءات عالية جدًا في الكلب نستفيد بها، ولكن بشروطها. كلية الشرطة وهي تربّي الكلاب عاملة مقاييس لتربية الكلاب، صحيح.

إذن هذا هو المقصد الشرعي؛ أن نعمل كل عمل بالشروط الخاصة به، من غير إفراط ولا تفريط، من غير تقصير ولا قصور، من غير عدوان ولا تخاذل، نعمله بشروطه.

التوازن في نصرة السيدات وبيان جواز استخدام الكلاب بشروطها

فعندما نتكلم عن موضوع لا نذهب به إلى [الطرف الآخر]؛ يعني عندما أنصر السيدات لستُ أنصرهن على أزواجهن، بالعكس أنا أريد الأسرة المتوازنة.

عندما أتحدث وأقول: يا جماعة انتبهوا، هذه الكلاب جائزة لإرشاد الأعمى، وللكشف عن المخدرات، وكشف المتفجرات، وللحراسة، وللحرث، وللأغنام، وهكذا إلى آخره. ولا يجوز لنا أن نُهلك الكلاب ولا يجوز، والكلاب طاهرة عند مالك.

ثم يأتي إليّ أحدهم يربّي خمسة أو ستة كلاب في شقة لا تتجاوز المائة متر، ويخيف به جيرانه، ويؤذي به جيرانه من ناحية الرائحة، ويؤذي به جيرانه من ناحية الصوت والضجيج، ويؤذي به جيرانه من ناحية أن هذا الجار قد يعتقد نجاسته كالشافعية والحنفية والحنابلة، ففي مذاهب هكذا، وهذا الكلب يخرج فيعضّه أو يداعبه، والكلب أشد التصاقًا بالإنسان.

قصة تأخر جبريل بسبب الجرو وأسماء الكلب الكثيرة في لغة العرب

التوازن؛ النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا قال لنا بهذا التوازن، وأنه عندما فكّر أن يقضي على الكلاب لأنه رأى جبريل قد تأخر عن موعده من أجل جرو - هذا الجرو الذي هو الكلب الصغير.

والكلاب لها أسماء كثيرة جدًا في لغة العرب، حتى أن هناك لطيفة من اللطائف جرت مع أبي العلاء المعري. أبو العلاء المعري كان يمشي وهو ضرير فاصطدم بأحدهم هكذا، فقال له: ألا تُبصر يا كلب! الرجل اعتدى عليه هكذا على الفور، يبدو أنه آلمه يعني.

فقال [أبو العلاء المعري]: أنا لستُ كلبًا، إنما الكلب من لا يعرف للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب. قال: أتعرف للكلب أربعون اسمًا في لغة العرب؟ قال: نعم، وسمّاها له.

كتاب السيوطي التبري من معرة المعري وأسماء الكلب السبعين

هذه الرواية، هذه القصة وصلت إلى الإمام السيوطي؛ يعني الذي لا يعرف أربعين اسمًا للكلب في لغة العرب يوصف بهذا الوصف يا أبا العلاء المعري، أليس هذا عيبًا؟

فالمهم أن الإمام السيوطي ألّف كتابًا منظومة أسماها «التبري من معرة المعري»؛ يعني أن أبا العلاء المعري هذا تجاوز، وأنا سأذكر أسماء للكلب وأنا أعرفها، فأنا لستُ كما وصفنا بكلب. وذكر فيها سبعين اسمًا للكلب في لغة العرب.

من ضمن هذه الأسماء: زارع، من ضمن هذه الأسماء: واسق وواشق، وسبع - كانوا يطلقون على الكلب سبعًا - وجرو وهو ابن الكلب، من ضمن هذه الأسماء: كسّاب وصيّاد.

دلالة كثرة أسماء الكلب على حب العرب له وتوازن النبي في قضايا الكلاب

وكان «التبري من معرة المعري» هذا يثبت شيئًا معينًا، وهو أن العرب كانت إذا أحبت شيئًا أو كرهته أو خافته أكثرت من أسمائه.

فكان العرب يخافون الأسد فوضعوا له أسماء كثيرة، يخافون البحر فوضعوا له أسماء كثيرة - ثلاثين اسمًا للبحر - يحبون الكلب فوضعوا له أسماء كثيرة.

فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما تحدث في قضايا الكلاب هذه، تحدث من أجل إحداث التوازن، وليس من أجل موقف مسبق للإسلام ضد أي كائن من الكائنات.

وجوب فهم النصوص بتوازن وعدم الأخذ ببعض الكتاب دون بعض

بهذا الكلام الذي ذكرته في هذه الحلقة قد يُفصّل ويُفسّر بعض الكلمات التي قلناها في حلقة سابقة على مراعاة الوقت وسرعة الحلقة.

ولكن يجب علينا أن نصل بأنفسنا إلى التوازن، وأن نفهم النصوص بكلها حتى لا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، أو حتى لا نأخذ بحديث ولا نأخذ بالحديث الآخر، وبذلك يحدث نوع من الخلل تحت دعوى أننا سمعنا فتوى من هنا أو رأيًا من هناك.

ونكون مثل هذا الذي رفض أن يُركب الأعمى مع الكلب - وهذا مرفوض في الشريعة - أو الثاني من الطرف الآخر الذي يربّي الكلاب في البيت بدون شروط التربية؛ لأن هذه تحتاج إلى مكان، وتحتاج إلى أموال، وتحتاج إلى شروط، وتحتاج إلى عناية ورعاية حتى لا تؤذي الآخرين.

فهذا مخطئ وذاك مخطئ؛ لأنهما لم يتعاملا مع الشرع الشريف بالتوازن الذي علّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

دعاء ختامي بالتوازن والمحبة وإعادة الحب إلى حياتنا

ندعو الله رب العرش الكريم أن يكرمنا في هذا الشهر، وأن يفتح علينا، وأن يُفهّمنا مراده من دينه، وأن يجعلنا إخوة متحابين في الله.

وأن نترك بعض رغباتنا وبعض شهواتنا من أجل الآخرين؛ لأن الجار أخو الجار، ولأن الرجل صنو المرأة والمرأة صنو الرجل. ينبغي علينا أن نعيد الحب إلى حياتنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.