التيسير والبساطة جـ 1 | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

التيسير والبساطة جـ 1 | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • النبي محمد ﷺ علّم أمته البساطة في العبادة والحياة، وهي من القيم العالمية الكبرى المعاصرة.
  • أمر ﷺ بالوسطية في الطهارة، فكان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، ونهى عن الإسراف حتى في الماء.
  • قصة سلمان وأبي الدرداء تجسد البساطة في التعامل، حيث أرشد سلمان أخاه إلى التوازن في الحياة.
  • أقر النبي ﷺ نصيحة سلمان بقوله: "إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً".
  • حذر ﷺ من التشدد بقوله: "هلك المتنطعون" وقال: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
  • أوضح أن "الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، داعياً للتسديد والمقاربة.
  • كان يوصي أصحابه عند إرسالهم: "بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا".
  • أنكر على من تنزه عما فعله، مؤكداً أنه أعلم الناس بالله وأشدهم خشية.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين في رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا وأهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في شهر رمضان المعظم.

من معجزات النبي تعليم الناس البساطة كقيمة عالمية كبرى

النبي صلى الله عليه وسلم من معجزاته أنه علّم الناس بالبساطة، وعلّمهم البساطة. وهي الآن من القيم العالمية الكبرى التي يسعون لتعليمها للأطفال والشباب والناشئة في كل مكان، من القيم التي أقرّتها اليونسكو.

والنبي صلى الله عليه وسلم والحمد لله تركنا على المحجّة البيضاء؛ ولذلك عندما يأتوننا بخطة هي خطة رشد، يعظّمون فيها حرمات الله، ويدعون فيها إلى القيم التي نحن نوافق عليها كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«والله لا تأتيني قريش بخطة يعظّمون فيها الحُرَم -وفي رواية: حرمات الله، وفي رواية: الرحم- إلا أجبتهم إليها»

فنحن نقبل هذا وندعو العالمين أيضًا إلى ذلك، ونعرف أن هذا الدين يحتاج إليه كل الناس بهذه الأخلاق الواضحة الجليّة المباشرة المحددة، التي منها قضية هذه البساطة.

تعليم النبي الوضوء ببساطة والنهي عن الإسراف في استعمال الماء

أراد النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه أن نكون في طهارة، فعلّمنا الوضوء يحسنه كل أحد؛ الفلّاح في الحقل يتوضأ. وإن نهى عن الإسراف وقال: إن الإسراف منهيٌّ عنه، والتبذير منهيٌّ عنه.

﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 27]

لو أننا عندنا نهر فإنه أيضًا سيكون هناك الإسراف في الاستعمال. فعلّم الناس ببساطة الطهارة، وعلّمهم الاقتصاد.

وضوء النبي بالمُدّ واغتساله بالصاع والرد على من استكثر ذلك

وكان [النبي صلى الله عليه وسلم] يتوضأ صلى الله عليه وسلم بالمُدّ ويغتسل بالصاع، أشياء قليلة؛ أي يتوضأ بكوب واحد ويغتسل بأربعة أكواب.

فقال أحدهم: لا يكفيني، إنني صاحب شعر! فقال [الراوي]: كان يكفي من هو أشعر منك، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قصة مؤاخاة النبي بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء وزيارة سلمان

عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان [الفارسي] وأبي الدرداء. فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذّلة، يعني ليست متجمّلة لزوجها، متبذّلة بأعمال المِهنة كما يقولون -أو المَهنة، كلاهما صحيح-.

فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا [أي قرّر ترك ملذّات الدنيا والتفرّغ للعبادة]. فجاء أبو الدرداء فصنع له [سلمان] طعامًا.

كبر سن سلمان الفارسي وتوضيح سبب دخوله على أم الدرداء

لننتبه إلى أن سيدنا سلمان الفارسي وهو يتكلم هذا الكلام مع أم الدرداء كان رجلًا كبيرًا جدًّا في السن، حتى قيل إنه في هذا الوقت كان فوق مائة وعشرين عامًا؛ لأن رحلته الطويلة في البحث عن الحقيقة حتى وصل إلى المدينة، وصلها وهو ابن مائة وعشرين على أقل الأقوال، وهناك أقوال أنه أكثر من ذلك.

فقط يعني بعضهم يقول: كيف يجلس سلمان عند أم الدرداء؟ كيف يجلس سلمان عند أبي الدرداء وكيف يدخل على زوجته وكيف هكذا؟ [والجواب أن] سلمان الفارسي حينئذ كبير في السن ورجل عجوز، ويعاملونه معاملة الأب؛ ولذلك لم يتردد في أن يسألها: ما لكِ؟ ما لكِ؟ ما بكِ؟ ما لكِ هكذا؟ ألا تنتبهين لنفسك؟ لماذا؟

إصرار سلمان على إفطار أبي الدرداء وتناول الطعام معه

فقالت له [أم الدرداء]: أخوك أبو الدرداء يعني قرّر أن يترك الدنيا، ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له [سلمان] طعامًا.

فقال [سلمان]: كُل. قال [أبو الدرداء]: فإني صائم. سلمان صنع له طعامًا -ابن مائة وعشرين سنة- لكن عنده همّة وقوة جسدية، فذهب وصنع طعامًا لأبي الدرداء. لما رجع قال له: كُل. وهو يعرف أن أبا الدرداء صائم.

فقال أبو الدرداء: إني صائم. قال [سلمان]: ما أنا بآكل حتى تأكل، ألستُ ضيفك وقاعدٌ عندك؟ ما أنا بذاهب إلا عندما تأكل. قال: فأكل [أبو الدرداء].

منع سلمان لأبي الدرداء من قيام الليل كله وأمره بالنوم

فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم للصلاة [أي صلاة قيام الليل]، يعني قال [سلمان]: نَم هكذا بجانبي، فنام.

طيب، وهذا يدل على ماذا؟ يدل على حب أبي الدرداء لسلمان، يدل على هذه الأخوّة الصادقة، يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء كانت -يعني- كانوا يفهمون، كانوا يفهمون معنى الأخوّة معنًى كبيرًا جدًّا.

أيضًا بدأنا نفتقده، وبدأ الناس يستغرب بعضهم بعضًا. الأخوّة كانت فيها شهامة، كان يحمل همّه، كان لا يتركه، وكان يتناصح معه، والدين النصيحة.

استجابة أبي الدرداء لسلمان بالإفطار والنوم ثم الصلاة آخر الليل

ولكن رأينا أبا الدرداء وكأنه ببساطة: سلمان أفطر وهو صائم، أفطر. نام وهو يريد أن يقوم الليل ومستعد له ومرتّب نفسه، نام حتى لا يكسر بخاطر أخيه.

فنام، ثم ذهب [أبو الدرداء] ليقوم [للصلاة]، فقال [سلمان]: نَم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قُم الآن فصلِّ، فصلّى، فصلّيا. سلمان قام وتوضأ وصلّيا الركعتين قبل الفجر هكذا، لكن لن يبقى [أبو الدرداء] مستيقظًا طوال الليل.

نصيحة سلمان لأبي الدرداء بإعطاء كل ذي حق حقه وتصديق النبي لها

فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه.

فأتى [أبو الدرداء] النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«صدق سلمان»

لو لاحظنا هذا الحديث لوجدناه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي علّمه سلمان من قبل، والذي رأى سلمان أن أبا الدرداء يخالفه، فأبلغه إياه وكأنه من عنده؛ حتى يكون الأمر لا يتضمن إلزامًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو نصيحة أخ لأخيه.

ثم أراد [أبو الدرداء] له أن يؤكد هذا المعنى، وأن يؤكد أن هذا الكلام من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه وذهب به إلى النبي وذكر هذا، فقال: صدق سلمان.

تعليم النبي البساطة وتحذيره من الرغبة عن سنته في العبادة

إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلّمنا البساطة، وهو الذي يقول:

«لكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»

هذه هي السنة النبوية الشريفة، تمثل أعلى نقطة في المنحنى، في منحنى كهذا مثل الجرس -يسمّونه منحنى الجرس- له أعلى نقطة. بعد ذلك إذا استمرّينا سننخفض ولا نرتفع، سنبقى في علوّ.

فهذا المثال النبوي إذا زدنا عليه فإننا ندخل في التعقيد وندخل في الانحطاط وليس في العلوّ. البساطة أمر بسيط.

نهي النبي عن التكلف والتنطع وحديث هلك المتنطعون

وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن التكلّف، فنهانا عن التكلّف وقال:

«هلك المتنطّعون»

وكان يقولها ثلاث مرات.

قصة الثلاثة الذين استقلّوا عبادة النبي وردّه عليهم

وعن أنس رضي الله تعالى عنه يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم كيف هي؟

فلما أُخبروا كأنهم استقلّوها [أي وجدوها قليلة]، فقالوا: هذا نبيٌّ ومعصوم، وهذه حاجة قليلة جدًّا. فاتفقوا مع بعضهم البعض على أن يقوموا الليل، وأن يتركوا نساءهم، وأن يصوموا النهار.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث الذي ذكرناه:

«من رغب عن سنتي فليس مني»

حديث إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:

«إن الدين يُسر، ولن يُشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه»

الدين يغلبه؛ إذا أردت أن توسّع على نفسك وتسأل وتبحث وما إلى ذلك فلن تصل إلى النهاية، ولكن الدين يُسر ولن يُشادّ الدين أحد إلا غلبه.

«فسدّدوا وقاربوا»

يعني الذي تقدر عليه فاعمله وأنت سائر ببساطة.

«وأبشروا، واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة وشيء من الدُّلجة»

أي استعينوا بصلاة الجماعة، واستعينوا بقيام الليل ركعتين هكذا قبل الفجر.

وصية النبي لأصحابه بالتبشير والتيسير وعدم التنفير والتعسير

طبعًا لو قايسنا أنفسنا على هذا [الهدي النبوي] لوجدنا أننا متأخرون عنه جدًّا. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أحد أصحابه للدعوة أو للتعليم أو لكذا، إلى [أي مكان] في بعض أمره، كان يقول له النصيحة النبوية للبساطة:

«بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا»

فالبشرى والتيسير وعدم التنفير وعدم التعسير هي النصيحة النبوية والوصية النبوية له صلى الله عليه وسلم، وهو يعلّمنا البساطة.

إنكار النبي على من تنزّه عمّا رخّص فيه وبيان أنه أعلمهم بالله

قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ترخّص فيه، وتنزّه عنه قوم [أي امتنعوا عنه تشدّدًا]، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

«ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله إني أعلمكم بالله وأشدّهم له خشية»

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.