التيسير والبساطة جـ 4 | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

التيسير والبساطة جـ 4 | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • البساطة خلق عالمي حي يدعو إليه الجميع، وهو من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ومتشعب في حياتنا على المستويات كافة.
  • كان النبي يخفف الصلاة مراعاة للضعفاء والمرضى، فإذا سمع بكاء صبي خففها رغم حبه للصلاة.
  • من علامات فقه الرجل طول صلاته وقصر خطبته، حيث كانت صلاته لا تتجاوز سبع دقائق وخطبته خمس دقائق.
  • أطال النبي سجوده حين ارتحله الحسن أو الحسين، ولم يعجله حتى يقضي حاجته، فالطفولة توقف الأحكام.
  • كان كلامه فصلاً واضحاً يفهمه كل من سمعه، وكان يكرر كلامه ثلاثاً ليستوعبه السامعون.
  • كان يتخول أصحابه بالموعظة خشية السأم، ولا يتدخل في كل تفاصيل حياتهم.
  • علمنا ألا نفاجئ الزوجات عند العودة من السفر، وأن نرضى بالموجود من الطعام كما رضي بالخل.
  • البساطة ملكة ضابطة للحياة تجعل المؤمن هيناً ليناً سهلاً مبشراً.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر المعظم المبارك الكريم.

خلق البساطة من أخلاق النبي ﷺ وتشعبه في مستويات الحياة المختلفة

وكنا نتحدث في حلقة سابقة عن خلق البساطة، وهو من الأخلاق النشيطة العالمية الحية التي تُدرَّس الآن ويدعو إليها جميع العالمين في الأرض، وهو من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

وهو متشعب في حياتنا على المستوى الفردي، وعلى مستوى المجتمع، وعلى مستوى الجماعة، وعلى مستوى الدولة، وعلى مستوى الأمة؛ نحتاج إليه. والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا إياها في مواقف كثيرة، واليوم تتبين لنا هذه القيمة وهذا الخلق.

حديث أنس بن مالك في تخفيف النبي ﷺ الصلاة عند سماع بكاء الصبي

فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول:

«ما صليتُ وراء إمام قطّ أخفَّ صلاةً ولا أتمَّ من النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تُفتَن أمه» أخرجه البخاري.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يُتمّ صلاته، لكنه كان يخفف الصلاة؛ لأن وراءه الشيخ، ووراءه المريض والضعيف، ووراءه المرأة التي ترعى بيتها أو ترعى طفلها. ولذلك كان إذا سمع بكاء صبي خففها، وقد لوحظ هذا التخفيف.

قيام النبي ﷺ بالليل وحده مع تخفيفه الصلاة على الناس

كان [النبي صلى الله عليه وسلم] يقوم بالليل وحده حتى تتورم قدماه صلى الله عليه وسلم، وتناقشه السيدة عائشة في ذلك وتقول:

يا رسول الله، ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال صلى الله عليه وسلم: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»

لكنه مع هذه القدرة الفائقة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على العبادة، وهو الذي كان يقول لبلال:

«أرِحنا بها يا بلال»

وهو الذي كان يقول:

«وجُعلت قرة عيني في الصلاة»

فإنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع بكاء صبي خففها.

البساطة مطلوبة في العبادة وحكم إطالة الإمام للصلاة في المساجد المفتوحة

إذن هذه البساطة مطلوبة حتى في العبادة. فإذا دخلنا خلف إنسان يطيل الصلاة، فلا يجوز له أن يطيل ويخالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا مع قوم محصورين هو متفق معهم على هذه الإطالة.

أما في المساجد المفتوحة المطروقة التي يأتي إليها جميع الناس وليس هناك اتفاق بين الإمام والمأمومين، فإنه ينبغي عليه أن يتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من علامات فقه الرجل طول صلاته وقصر خطبته يوم الجمعة

تجد أيضًا من مئنة فقه الرجل — هكذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم — من مئنة، يعني من علامة، من علامات فقه الرجل:

قال رسول الله ﷺ: «إن من علامات فقه الرجل طولُ صلاته وقصرُ خطبته في الجمعة»

وكانت صلاته [صلى الله عليه وسلم] الطويلة لا تتجاوز أن يقرأ بـ

﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]

و

﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1]

أي صلاة لا تستغرق أكثر من سبع دقائق.

فإذا كانت الخطبة أقصر من ذلك، فكم كانت مدة الخطبة؟ كانت خمس دقائق.

إطالة بعض الخطباء مخالفة لسنة النبي ﷺ في قصر الخطبة

والآن نجد بعض الخطباء يطيلون ويطيلون وكأنها فرصة قد وجدوا فيها أناسًا يستمعون إليهم. شخص يقول لي إن الناس لم تعد تذهب إلى المساجد، وهذا خطأ؛ فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع في كل حال.

هذه المعاني والبساطة التي تحتوي على معانٍ مهمة.

حديث شداد في إطالة النبي ﷺ السجود لأن حفيده ارتحله وهو ساجد

ورأيناها [في حديث] عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتَي العشاء — صلاتَي العشاء التي هي المغرب والعشاء يسمونها صلاتَي العشاء — وهو حامل حسنًا، يحمل الحسن بن علي أو حسينًا؛ لأنهما كانا يعني كأنهما يشبهان بعضهما البعض، سنّهما متقارب.

فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبّر للصلاة فصلّى، فسجد في أثناء صلاته سجدة أطالها.

قال الراوي الذي شاهد — عبد الله بن شداد عن أبيه — فالراوي وهو شداد قال: رفعتُ رأسي لأن السجدة طالت، وإذا بالصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فعدتُ إلى سجودي.

سؤال الصحابة عن سبب إطالة السجود وجواب النبي ﷺ بأن ابنه ارتحله

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدتَ بين ظهرانَي صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يُوحى إليك.

قال صلى الله عليه وسلم: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهتُ أن أُعجِله حتى يقضي حاجته»

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

قاعدة أن الطفولة توقف الأحكام من تعامل النبي ﷺ مع الأطفال

إن المتأمل في تعامله [صلى الله عليه وسلم] مع الطفولة يخرج بقاعدة أن الطفولة توقف الأحكام. وهو على المنبر يرى الحسين أو الحسن يتعثر في ثوبه، فينزل من على المنبر حتى يحتضنه من أجل أن يشعر الطفل بكمٍّ كبير من الحنان والأمان.

يقطع الخطبة، والخطبة فريضة! يقطع الخطبة، وكثير من العلماء يعتبرون الخطبة جزءًا من الصلاة. ولذلك عند الشافعية لا نفصل بين الخطبة والصلاة، وعند الشافعية يُشترط الوضوء للخطيب؛ فيجب أن يكون متوضئًا ليس فقط لأنه سيدخل في الصلاة، بل لأن الخطبتين جزء من الصلاة.

الطفولة تُسقط الأحكام، وهذه قاعدة تأتي من البساطة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمها للأمة.

بساطة كلام النبي ﷺ ووضوحه حتى يفهمه كل من سمعه

ومن البساطة [في سيرة النبي ﷺ]: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

«كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامًا فَصْلًا واضحًا لا غمغمة فيه»

كلامًا فصلًا، يعني كل كلمة وحدها وكل جملة واضحة، يفهمه كل من سمعه، لا أحد يقول له ماذا تقول؛ لأنه كان واضحًا.

بساطة! هناك بعض الناس منهم من يتقعّر في الكلام، ومنهم من يعقّده حتى تتعجب ولا تفهم منه شيئًا. ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يتحدث بالكلام المفهوم، حتى أنه كان يكرره ثلاث مرات.

تكرار النبي ﷺ الكلام ثلاثًا وتعليمه التوثق مما يُسمع

فعن أنس رضي الله تعالى عنه أنه [أي النبي ﷺ] كان إذا سلّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى يسمعها الحاضرون ويستوعبوها، وحتى يتأكد السامع مما سمع.

وكان [صلى الله عليه وسلم] يقول:

«كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»

بل لا بد له أن يتوثق؛ فعلّمهم بذلك التوثيق في بساطة.

حديث ابن مسعود في تخوّل النبي ﷺ أصحابه بالموعظة كراهة السآمة

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:

«كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السأم علينا»

يعني لم يكن يعظهم كل يوم وكل ساعة، يأمرهم وينهاهم ويضيّق عليهم، بل إنه كان يتركهم الأيام ذوات العدد دون أي موعظة ودون أي تكليف ودون أي تضييق عليهم؛ حتى لا يسأم الإنسان منهم ولا يملّ.

بعض الناس يريد أن يتدخل فيما بين جلدك ولحمك، ويحاسبك ويراقبك ويُشعرك أنك تحت المراقبة الدائمة له، وهذا ليس من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم. رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا البساطة.

البساطة ليست تهاونًا وأمر النبي ﷺ بعدم مفاجأة الأهل عند العودة من السفر

وبعض الناس يظن أن هذه البساطة تهاون، وحاشا لله وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا التهاون! بل إنه كان يعلمنا البساطة.

فأمرنا إذا ما جئنا من السفر لا ندخل على بيوتنا وأزواجنا، بل ينبغي علينا أن ندخل إلى المسجد، فيصل الخبر إلى الزوجة من الأطفال ومن غير ذلك أن الزوج أتى من السفر.

قال صلى الله عليه وسلم: «حتى تنتشط الشَّعِثاء وتستحدّ المُغيبة»

يعني تتجهز لزوجها، تتجمل، تتزين. ولذلك أمرنا ألا نفاجئ [الأهل بالقدوم المفاجئ].

المفاجأة بالعودة من السفر تنبع من الشك وليست من هدي النبي ﷺ

وإلا وهذه المفاجأة يفعلها بعض الناس؛ لأنه لا يثق في زوجته، أو لأنه يريد أن يعلم وهو يشك دائمًا ويريد أن يعلم شيئًا.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا [يُقرّ ذلك]، الهوينا! ليس هكذا يا سعد تُورَد الإبل!

حديث جابر في رضا النبي ﷺ بالخل إدامًا وتعليمه البساطة في الطعام

عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهله الإدام — ما عندكم غموس؟ الإدام الذي هو شيء قليل نغمس فيه عسلًا أو جبنًا أو طبيخًا أو أي شيء نأكل به الخبز مثلًا —

فقالوا: ما عندنا إلا خل. والخل قابض قليلًا، حامض.

فدعا به فجعل يغمس به ويقول: «نِعمَ الإدام الخل، نِعمَ الإدام الخل»

لكن اليوم لو أن أحدًا رجع ولم يجد المُشمَّر ولا كذلك إلى آخره، يقيم الدنيا ولا يُقعدها! وهذا خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا البساطة.

خاتمة الحلقة وتأكيد أن البساطة ملكة ضابطة لحياة المؤمن

يجب علينا أن نكرر هذه المعاني المتشعبة: مرة في الطعام، ومرة في العبادة، ومرة في العلاقات الاجتماعية، ومرة مع الزوجة، ومرة مع الأطفال، ومرة في المسجد، ومرة في العبادة، وهكذا.

لا بد أن نتعلم أنها ملكة ضابطة للحياة؛ أن يكون المؤمن هيّنًا ليّنًا سهلًا مبشّرًا.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.