الجهاد بالمقاطعة | خطبة جمعة بتاريخ 2007 - 05 - 18 | أ.د علي جمعة
- •الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق.
- •يجب على المسلمين محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من محبتهم لأنفسهم وأهليهم.
- •الصحابة الكرام ضربوا أمثلة رائعة في محبة الرسول، فأبو بكر كان يفديه بنفسه، وعمر أحبه أكثر من نفسه.
- •كان الصحابة يتبركون بعرقه وآثاره، وقد شرب عبد الله بن الزبير من دمه الشريف فبشره أن بطنه لن تمسها النار.
- •ينبغي مقاطعة الصحف التي تسيء للرسول الكريم وتطعن في مقامه وصحابته وآل بيته.
- •بعض الصحفيين يتعمدون الإساءة للرسول بهدف زيادة التوزيع، وهذا سلوك مشين يستوجب المقاطعة.
- •حب رسول الله من الإيمان، ويجب تعليم الأبناء كيف كان الصحابة يحبون الرسول.
- •كل من اعتدى على مقام النبي سينتقم الله منه عاجلاً أم آجلاً.
- •يجب الدفاع عن مقام النبي وعدم السكوت عن إهانته بدعوى حرية التعبير أو غيرها.
خطبة الاستفتاح بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.
اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في العالمين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار إلى يوم الدين.
آيات التقوى من القرآن الكريم والوصية بتقوى الله
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي النبي محمد
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله، وإن شر الأمور محدثاتها؛ فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إرسال الله نبيه بالهدى ودين الحق وانتشار نور الإسلام
وبعد أيها المؤمنون، لقد أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه بالهدى ودين الحق وأظهره على الدين كله. كان وحده فردًا لم يؤمن به أحد من قومه وعشيرته، ولكن أنواره غطت على من حوله، وأخرجت الكفر من قلوب الناس واستبدلت به الإيمان، ونوّرت حياتهم وحياة الأمم من بعدهم إلى يومنا هذا إلى يوم الدين.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ إما لأنهم لم تبلغهم الدعوة، وإما لأنهم لم يعرفوا حقيقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعرفوا مقامه الرفيع عند ربه وعند الناس في الدنيا وفي الآخرة، في الظاهر وفي الباطن، في نفسه صلى الله عليه وآله وسلم وفي دعوته وفي دينه.
فضل رسول الله لا حدّ له ولا يستطيع ناطق أن يعبّر عنه
وكيف يعرف في الدنيا حقيقته قومٌ نيام تسلّوا عنه بالحلم؟ فإن فضل رسول الله ليس له حدّ فيعبّر عنه ناطق بفم:
كالزهر في تَرَف، والبدر في شرف، والبحر في كرم، والدهر في همم.
تطاول الملاحدة على مقام النبي وردة فعل المسلمين في أزمة الدنمارك
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان يتطاول على مقامه الشريف من لم يعرفه ولم يعرف دينه، أو عندما كان يتطاول على مقامه الشريف الملاحدة الذين لم يؤمنوا بالله ولا برسوله ولا بوحي؛ هاج المسلمون في أزمة الدنمارك ولم يسكتوا إلا بعد أن فعلوا وفعلوا وبيّنوا حبهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجاه من اعتدى على مقامه الشريف.
وهي صحف خائبة تعتدي على مقام رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وبأبي هو وأمي، فداه أرواحنا، فداه دماؤنا. هكذا وفي وسطنا يعتدون على المقام الأجلّ صلى الله عليه وآله وسلم.
حقيقة الصحف المسيئة وبداية سبّ رسول الله وصحابته
في الحقيقة إنها صحف لا تساوي الورق الذي كُتبت عليه. في الحقيقة إن كثيرًا من الناس لم يقرؤوا؛ لأنهم لم يشتروا تلك الصحف السوداء الحمراء الصفراء، صحف البلاء؛ لأنهم لم يقرؤوا لمثل هذا الكاتب أو ذاك.
ولكنهم بدؤوا في سبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته وأهل بيته الكرام.
حوار مع أحد الصحفيين حول سبب الإساءة وحكم القاضي الدنماركي
وجمعني من غير قصد مع أحدهم مجلس، فقلت له: لماذا تفعلون هذا؟ فأجابني وبصراحة يُحسد عليها: من أجل زيادة توزيع الصحيفة.
قلت له: لمّا عرضنا قضية الدنمارك على قاضي الدنمارك أصدرت حكمها برفضها ولم تقف مع المسلمين، وقالت لنا حينئذ -أي للمسلمين ولمن تقدموا بالدعوى لديها-: لماذا تشترون هذه الصحيفة؟ إن حرية الرأي مكفولة وحرية الكفر مسموح بها، فعلينا أن نقاطع مثل هذا الهراء.
هكذا يقول القاضي الدنماركي: إن من لم يُرِد أن يقرأ هذا فلا يشتري الصحيفة.
فكرة المقاطعة مأخوذة من القاضي الدنماركي لا من المسلمين
وأخذنا من القاضي الدنماركي فكرة المقاطعة، من ألسنتهم لا من ألسنتنا، من أفكارهم وسلوكهم لا من أفكارنا وسلوكنا. لم يعرف المسلمون عبر التاريخ المقاطعة؛ كانوا قادرين على أن يمنعوا وصول الغذاء إلى أوروبا حتى يموت الشعب والصليبيون يحتلون بلادنا، لم نقطع عن أحد الإمداد والطعام قط. أمة متحضرة.
ولكن ماذا تفعل في البقر وقد تزيّوا بزيّ البشر؟ ماذا نفعل إذا لم تفهم البقر؟ ماذا نفعل؟ المقاطعة.
الدعوة إلى مقاطعة الصحف المسيئة غيرةً على رسول الله
قاطعوا هذه الصحف فلا تشتروها أبدًا، غيرةً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الصحف النظيفة والإعلام الجيد الصادق لا يزدري الأديان، ولا يتكلم ويطعن في محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصف أصحابه الكرام بهذه الأوصاف، ولا يفعل ما يفعل الآن في فوضى عارمة تجتاح البلاد والعباد.
نعم، قاطعوها وعلّموا أبناءكم حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
تعليم الأبناء حب رسول الله من خلال قصة هجرة أبي بكر الصديق
أول تعليمكم لأبنائكم أن تفهّموهم كيف كان الصحابة الكرام يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. عندما هاجر أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] مع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وكان ثاني اثنين إذ هما في الغار، كان أبو بكر يسير أمامه -أي قُدّامه- صلى الله عليه وسلم.
فيخطر له أنه قد يُؤتى من خلفه فينفلت فيكون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخطر له أنه قد يُؤتى من يمينه فينفلت فيكون عن يمينه في المسار، فيأتيه خاطر أن قد يأتي من يساره عارض لرسول الله فيأتيه فيحميه بجسده صلى الله عليه وسلم.
حب أبي بكر الصديق لرسول الله أشد من حب الأم لابنها
ما هذا الحب! إنه أشد من حب المرأة لابنها. حبٌّ لم نره إلا في بعض النساء في العلاقة مع الولد، والولد جزء منها كان في أحشائها، حملته في بطنها تسعة أشهر، ثم عاينت الموت أثناء ولادته، ثم ضمّته إلى صدرها ترضعه في رعاية وعناية خلقها الله في قلبها، ولم يكن هناك إلا الحب والحنان.
حتى إذا ما كبر الولد ونما وجحد أباه وأمه، فإن الأم مهما جحد لا تستطيع أبدًا إلا أن تحب ابنها بصورة عجيبة غريبة غير مبررة.
سيدنا أبو بكر [الصديق] كان يحب رسول الله أشد من حب الأم لابنها رضي الله تعالى عنه. هو صدّيق الأمة يحيط برسول الله من كل جانب وقلبه قلق عليه خائف عليه، وهو يعرض جسده لحمايته صلى الله عليه وسلم من كل جانب.
حوار عمر بن الخطاب مع النبي عن حقيقة الحب الكامل
ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم يؤكد على ذلك [أي على وجوب تقديم محبته على كل شيء]، فيسأله عمر [بن الخطاب] الخليفة الثاني:
«يا رسول الله، إني أحبك أكثر من حبي لأبي وأمي وولدي والناس أجمعين إلا نفسي»
فقال [رسول الله ﷺ]:
«والله يا عمر لا تؤمن حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك ومن الناس أجمعين»
قال [عمر]: يا رسول الله، إنك أحبُّ إليّ من نفسي ومن الناس أجمعين. وفي رواية: ما قلت ذلك يا رسول الله إلا ليتعلم الناس.
مقام رسول الله بابنا إلى الله وحبيب الرحمن وصاحب الملأ الكبير
يعني أن عمر [رضي الله عنه] قالها حتى يسمع الناس وحتى يتعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بابنا إلى الله، هو حبيب الرحمن، هو صخرة الأكوان، هو صاحب هذا الملأ الكبير: مليار وثلاثمائة مليون مسلم في اتباعه وفي معيّته وتحت لوائه يوم القيامة.
نعم، آمن به من آمن وكفر به من كفر:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
لكنه:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم].
أم حرام تجمع عرق النبي الشريف وتوزعه على أهل المدينة
كانت أم حرام -ونحن نعلّم أبناءنا كيف أحب هؤلاء الناس ذلك الإنسان الكامل- تضع القوارير عندما ينام [النبي صلى الله عليه وسلم] حتى تتساقط قطرات العرق الشريف من جبهته؛ لأن عرقه كان أطيب من المسك، فتضعها في قوارير صغيرة وتوزعها على أهل المدينة يتطيّبون بها.
ويأتي هذا الفاشل، هذا البعير الذي لا يفهم ما معنى هذا، ويستقذر في نفسه ويشمئز أن يتطيّب بعرق أحد! يا جاهل، وهل هذا أحد؟ هذا نور على نور، هذه بؤرة الأنوار قد ظهرت، هذا مجلى رحمة الله سبحانه وتعالى، هذا حبيب الرحمن يا جاهل، هذا فرد واحد لا مثيل له من قبل ولا من بعد. أعمى الله قلبك حتى تستقذر شيئًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم!
أبو بكر يودع النبي بعد وفاته وطهارة جسد بني آدم تكريمًا
وأبو بكر [الصديق رضي الله عنه] وهو يودّعه بعدما انتقل [النبي صلى الله عليه وسلم] إلى الرفيق الأعلى يقول له: طبتَ حيًّا وميتًا.
قرّر الفقهاء أن جثة ابن آدم من دون الحيوانات كلها طاهرة؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
وهذه الطهارة نغسلها ما لم يكن شهيدًا، ونكفّنها ونصلّي عليها وندفنها تكريمًا لها. فما بالك بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم!
قصة عبد الله بن الزبير وشربه دم النبي الشريف من الحجامة
عبد الله بن الزبير طفل صغير لا يتجاوز التاسعة؛ لأنه ممن وُلدوا في المدينة. والنبي صلى الله عليه وسلم يحتجم ويأخذ شيئًا من دمه الشريف في قنينة، فيعطيها الطفل عبد الله بن الزبير ويقول له:
«ادفن هذا في مكان آمن»
يعني احفر واسكبه في الأرض:
﴿مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه: 55]
فذهب الطفل، ولأن قلبه كان منوّرًا -لا كقلوب هؤلاء الذين لا يعلمون شيئًا فينكرونه، ولم يصلوا حتى إلى معرفة كيفية حب رسول الله وليس إلى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم-.
فلما جاء ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه شيئًا، قال له: أدفنته؟ قال: في قرار مكين. أراك قد شربته! قال: نعم يا رسول الله. لم يكذبوا على رسول الله، كانوا يحبونه ويجلّونه.
قال [النبي ﷺ]:
«إذن فهذه بطن لن تحترق في النار؛ لأن دخل فيها شيء من دم رسول الله المصطفى»
حب الصحابة لرسول الله تجاوز الفلسفة والجدل الفقهي
الفلسفة وكثرة الكلام: هل الدم نجس؟ هل يجوز شربه؟ هل لا يجوز شربه؟ لم يخطر على بال أحد من المسلمين المحبين [مثل هذه التساؤلات]. من ينظر إلى رسول الله فيحدث له الولع والحب:
- •يريد أن يحتضنه.
- •يريد أن يُدخله في نفسه.
- •يريد ألا يغادر مجلسه.
- •يريد أن يكون فداءه.
- •يريد أن يكون ملتصقًا به.
- •يريد أن يكون معه صلى الله عليه وسلم.
أبو طلحة وأم سليم يحميان رسول الله بأجسادهما في غزوة أحد
وفي معركة أحد والمسلمون منكسرون، ينزل أبو طلحة بن عبد الله زوج أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك -أعطته أنسًا حتى يخدمه وهو ابن عشر سنين أول ما وصل المدينة، وجلس معه إلى أن انتقل [النبي ﷺ] إلى الرفيق الأعلى، ودعا له بالثراء وطول العمر فعاش فوق المائة وكثر ولده واغتنى غنًى شديدًا، كان معه ملايين-.
أم سليم وزوجها طلحة نزلا إلى أرض المعركة وحميا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأجسادهما، حتى أصبح في كتب الحديث باب في مناقب طلحة وفيما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طلحة وعن أم سليم.
قصة سواد المقاتل الذي أراد تقبيل بطن النبي الشريف قبل المعركة
سواد مقاتلين عظيم، وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة يدافع فيها عن الله وعن رسوله. وكان بيد رسول الله عود من غصن شجرة [سواك]، فساوى [الصفوف] وقال: استوِ يا سواد.
ثم قال [النبي ﷺ]:
«من كان له شيء في ذمتي فليقتصّ مني»
قال [سواد]: أنا يا رسول الله. قال: ماذا يا سواد؟ قال: وأنت تضغط عليّ بالسواك آذيتني. مقاتل، سواك جاء في كتفه هكذا [حين سوّى الصف]، استوى، آه هكذا.
فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، فنزل سواد يقبّل البطن الشريف ويقول له: يا رسول الله، أحببت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك.
سواد يريد أن يمسّ رسول الله صلى الله عليه وسلم [قبل أن يُستشهد في المعركة].
قصة المغيرة بن شعبة وسفينة خادم رسول الله عند دفنه
ولما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم [إلى الرفيق الأعلى] أراد المغيرة بن شعبة أن يحتضنه في قبره، فخلع الخاتم ورماه في القبر وقال لعلي [بن أبي طالب] ومن معه -وهم المسؤولون الواقفون على الدفن-: خاتمي، أنزل إليه.
قال [عليّ رضي الله عنه]: والله يا مغيرة أنت الذي ألقيته ولم يكن هذا مناسبًا منك. انزل يا سفينة خادم رسول الله. فنزل سفينة فكان آخر من احتضن رسول الله هو سفينة.
وكان يفتخر بها إلى أن مات، عاش حياته يفتخر لا بمال ولا بجاه ولا بعلم ولا بغير ذلك، سوى أنه لامس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجوب حب رسول الله بالعقل والقلب والروح والجسد في كل لحظة
حب رسول الله يجب أن يكون بعقولنا وبقلوبنا وبأرواحنا وبأجسادنا وبإيماننا وبكل قطرة دم فينا، وفي كل لحظة من لحظات عمرنا. وإذا لم نفعل ذلك وتهاونّا فالويل لنا.
فهو سيد الخلق لن يناله أذى من أولئك السفلة، لكن الأذى سينالنا نحن من سكوتنا عن الحق.
صفات رسول الله الفريدة التي لا يشاركه فيها أحد من الخلق
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير البشر، حبيب الرحمن، سيد ولد عدنان، إمام المرسلين، خاتم النبيين، قائد الغرّ المحجّلين. في أكثر من ألف صفة لرسول الله ليست لغيره.
ليس هناك أحد على وجه الأرض إذا ما ذُكر صلّى أصحابه عليه سواك يا سيدي يا رسول الله.
دع ما ادّعته النصارى في نبيّهم، واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم، وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف، وانسب إلى قدره ما شئت من عِظَم. فإن فضل رسول الله ليس له حدّ فيعبّر عنه ناطق بفم.
افتتاح الخطبة الثانية بالشهادتين والصلاة والسلام على النبي والدعاء
أدعو الله. بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه.
فاللهم صلِّ عليه صلاةً وسلامًا دائمين أبديّين يليقان به عندك يا أرحم الراحمين. اللهم يا رب العالمين انفعنا به في الدنيا وانفعنا به في الآخرة وشفّعه فينا يا رب العالمين وأدخلنا به الجنة.
الدعوة إلى مقاطعة السفاهات وتعليم الأولاد حب رسول الله
عباد الله، قاطعوا هذه السفاهات وعلّموا أولادكم حب رسول الله؛ فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان.
قاطعوها ماديًّا وأشيعوا ذلك في الناس. قاطعوها معنويًّا؛ اعترضوا بألسنتكم وبقلوبكم وبأرواحكم وفي دعائكم؛ فإن ذلك يُحدث رأيًا عامًّا ضد هذه السفاهات وهذه الإجرامات.
فهؤلاء أصلًا لا يؤمنون بالله، وإن صلّى أحدهم وصام وزعم أنه مسلم إنما يصلي نفاقًا أو من غير وضوء، والله تعالى أعلى وأعلم.
التحذير من المنافقين والمرجفين وانتقام الله ممن يعتدي على النبي
قاطعوهم لا تلتفتوا إليهم وسيروا في طريقكم:
﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60]
نعم، كل من اعتدى على رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ممن نسب نفسه إلى الإسلام انتقم الله منه:
﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]
عاجلًا أو آجلًا. ثم بعد ذلك يبكي ويقول: لماذا يا ربي تفعل بي هكذا؟ لماذا يا ربي؟ وهو الذي رفض حب رسول الله أول مرة:
﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118]
دعاوى الحرية والمساواة الكاذبة التي يتستر بها المسيئون
تحت دعاوى عريضة من الحرية ومن المساواة ومن التعبير ومن الإبداع، وكلها بريئة منهم:
﴿وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [محمد: 26 بتصرف]
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
وكل واحد منهم يعرف من أين يتقاضى أجره. ما دامت المسألة هي مسألة المال ليس إلا، حتى لو كان في ذلك سبٌّ لله وسبٌّ للرسول وسبٌّ للمسلمين؛ فإنه يبيع نفسه وعرضه لمن يدفع أكثر.
عودة طائفة المؤلفة قلوبهم ومدح عمر بن الخطاب في إنهائها
ويبدو أن طائفة المؤلفة قلوبهم قد عادت. هؤلاء من المؤلفة قلوبهم، هؤلاء قد يستحقون الزكاة حتى يمتنعوا عن القبض من أعداء الله ورسوله، وحتى يمتنعوا عن إحداث الفتنة.
رضي الله عنك يا عمر وأرضاك وجعل الجنة مثواك وأعلى ذكرك في العالمين، حيثما أنهيت عند قوة الإسلام هذا الفريق وهذه الطائفة. ولكن مع الضعف تعود ويعود الحكم.
لا بأس أن يقولوا لنا: نحن نريد كذا ونحن نعطيك فخذ، اصمت. النذالة ما يوجد أخسّ منها! ما هي هذه؟ نذالة!
الدعاء بالمغفرة وتثبيت حب النبي في القلوب والصلاة والسلام عليه
فاللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، وثبّت حب نبيك في قلوبنا واجعلنا نلهج بذكره صلاةً وسلامًا عليه لك يا رب العالمين.
اللهم اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا يا رب العالمين.
اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الأولين وفي الآخرين وفي العالمين وفي كل وقت وحين. اللهم يا ربنا حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
الدعاء بتحرير القدس والصبر على البلاء وحسن العبادة
اللهم يا ربنا أحيِنا مسلمين وأمِتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين. حرّر لنا القدس يا أرحم الراحمين من أيدي المحتلين والمغتصبين، وأعِدها إلينا من غير حول منا ولا قوة.
اللهم قد أنزلت البلاء فأنزل على قلوبنا الصبر. اللهم يا رب العالمين أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
الدعاء بالحشر تحت لواء النبي والشرب من يده الشريفة ودخول الجنة
اللهم احشرنا تحت لواء نبيك صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب ولا عتاب.
واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا. علّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا، وانصرنا بالحق وانصر الحق بنا.
ختام الخطبة بالدعاء والاستغاثة بالله وإقامة الصلاة
اللهم يا أرحم الراحمين آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عفوّ يا غفّار، برحمتك نستغيث.
اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، وافتح علينا من خزائن فضلك ورحمتك يا رب العالمين ما تُثبّت به الإيمان في قلوبنا. يا رب هذا حالنا لا يخفى عليك، فهب مسيئنا إلى محسننا واغفر لنا، ولعلها أن تكون ساعة الإجابة.
وأرنا يا رب العالمين ما تُثبّت به الإيمان في قلوبنا يا أرحم الراحمين، ارحمنا يا غياث المستغيثين أغثنا. اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
