الحفاظ على البيئة | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

الحفاظ على البيئة | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • الإسلام أمرنا بالمحافظة على البيئة باعتبارها تسبح وتسجد لله سبحانه وتعالى.
  • نهى الإسلام عن الإسراف في الأكل والشرب، وحذر من الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.
  • أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة بالحيوان، فنهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر.
  • مسح النبي دموع جمل كان يشكو من الجوع والأذى، وعاتب صاحبه قائلاً: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة".
  • لعن النبي من وسم البهيمة في وجهها، وهذا دليل على أن هذا الفعل من الكبائر.
  • أخبر النبي أن في كل ذات كبد رطبة أجراً، مؤكداً أن الإحسان للحيوان يُثاب عليه المسلم.
  • أمر النبي أحد أصحابه بحماية كلبة وأولادها من أن يدوسها الجيش أثناء فتح مكة.
  • عندما هم النبي بقتل الكلاب، أوحى الله إليه أنها أمة من الأمم، وهذا يشابه فكرة المحميات الطبيعية اليوم.
  • يمثل الإسلام منهجاً متكاملاً للتعامل مع البيئة بكل عناصرها، بما يضمن التوازن البيئي ويحافظ على جميع الكائنات.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر الكريم.

الإسلام يأمر بالمحافظة على البيئة لأن الكون كله يسبح لله

الإسلام أمرنا أن نحافظ على البيئة، والبيئة الآن يهتم بها العالم كله. الإسلام بيّن لنا شيئًا مهمًّا، وهو أن هذا الكون الذي حولنا يسبّح لله تعالى:

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

الإسلام بيّن لنا أن هذا الذي حولنا من كونٍ يسجد لله رب العالمين؛ الشمس والقمر والشجر والنجم، وكل شيء من العقلاء وغير العقلاء يسجدون سجود حال لله رب العالمين. إذن فالبيئة من حولنا محل احترام في الإسلام.

النهي عن الإسراف والتحذير من المفسدين في الأرض في القرآن الكريم

الإسلام يقول:

﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

الإسلام يقول:

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ﴾ [البقرة: 204]

ويُظهر التديّن والتمسّك، ويُشهد الله على ما في قلبه، حتى هو وهو يتكلم مع الناس يقول: يشهد الله على أنّا كذا وكذا،

﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 205]

إذن علامة الإفساد -بغضّ النظر عن الظاهرة الصوتية والكلام والدعاوى وشهادة الله على ما في قلبه- هو إهلاك الحرث والنسل.

﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206]

الإسلام وضع أسسًا واضحة للتعامل مع البيئة قبل أن يعرفها العالم

الإسلام يجعلنا نتعامل مع البيئة بأسس واضحة، لم نؤلّفها ولم نقل إننا -أي كلما فكّر العالم في الخير وفي عمارة الدنيا وفي رقيّ الإنسان وفي رفاهيته- نقول إن الإسلام قال هذا. نعم، لأنه قال هذا، وليس لأننا ندّعي ما ليس فيه.

النبي ﷺ ينهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر ويأمر بالرفق بها

النبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا بالرحمة المتناهية بالحيوان، ويقول: إنهم كانوا قديمًا يستعملون الفرس والحصان، ويستعملون الجمل والإبل في التنقّل، وبعضهم كان يستعمل الحمار، أو في بعض الأماكن هناك عند غير العرب يستعملون اللاما.

فيقول [النبي ﷺ]:

«إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر»

فالإنسان أصبح يأتي جالسًا على الجمل ويجلس يخطب ويتكلم مع الناس، والجمل متعب من هذا الحمل. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك وقال له: انزل واخطب كما تشاء على الأرض؛ فإن الله سبحانه وتعالى إنما سخّرها لكم لتبلّغكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشقّ الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجتكم.

تريد أن تتكلم، تريد أن تخطب، تريد أن تتصل مع الناس، ليس من فوق البهيمة الضعيفة المتألمة التي تبلّغك -والحمد لله أنها تبلّغك- إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشقّ الأنفس.

قصة الجمل الذي بكى واشتكى للنبي ﷺ من سوء معاملة صاحبه

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال:

«أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم»

أردفني تعني وضعني خلفه؛ سيدنا رسول الله راكب الدابة وقد وضع خلفه عبد الله بن جعفر، وكان شابًّا صغيرًا.

«فأسرّ إليّ حديثًا لا أحدّث به أحدًا من الناس»

وكان أحبّ ما يستتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدفًا أو حائش نخل. قال: فدخل حائطًا لرجل من الأنصار -والحائط يعني بستان، يعني حديقة- فإذا جمل، عندما دخل وجد جملًا.

فلما رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم -لما رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم الجملُ- رأى النبيَّ حنّ وذرفت عيناه. الجمل لما رأى سيدنا النبي أي تحنّن هكذا وعيناه دمعتا.

فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح دمعه، من الرفق واللطف الخاصة بسيدنا رسول الله، فسكت، فبدأ الجمل يهدأ لما مسح النبي عليه ومسح دمعه.

النبي ﷺ يسأل عن صاحب الجمل ويأمره بتقوى الله في البهيمة

فقال [النبي ﷺ]: من صاحب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، أنا صاحب هذا الجمل.

قال له [النبي ﷺ]:

«أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟ فإنه شكا إليّ أنك تُجيعه وتؤذيه»

فاستجاب الشاب [لأمر النبي ﷺ]. وهذه معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ والأنبياء كانت تكلّمهم الطيور كالهدهد لما كلّم سليمان [عليه السلام]، وتكلّمهم الدواب وتكلّمهم؛ هذا لأنه صلى الله عليه وسلم إنما هو رحمة للعالمين.

الرفق بالحيوان من صميم الدين الإسلامي وتشريعاته

ولكن الذي يخصّنا من الجانب الآخر من هذه المعجزة هو الأمر بالعطف على الحيوان. يبقى إذا لما يأتي أحد يقول لي: سأقيم جمعية اسمها الرفق بالحيوان، نعم هذا من الدين.

وإننا نريد أن نضع قوانين تحرّم إهانة الحيوان وتحرّم التعامل معه بقسوة، نعم هذا من الدين.

النبي ﷺ يلعن من وسم البهيمة في وجهها ويعدّه من الكبائر

النبي صلى الله عليه وسلم مرّ عليه بحمار قد وُسِم في وجهه، يعني أن أحدًا كواه في جبهته. وَسْم يعني ختم، يعني علامة؛ كانوا يصنعون الختم أو العلامة هذه بالنار، ويأتي ليُكتوى فتظهر علامة عليه. وكلمة وَسْم التي هي العلامة التي تأتي من التعذيب هذا.

فقال [النبي ﷺ]:

«أما بلغكم أني قد لعنتُ من وسم البهيمة في وجهها»

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان -يعني- بيننا وبينه رمز أنه إذا لعن شيئًا فهو من الكبائر؛ لأنه عندما يلعن سيدنا رسول الله فعلًا من الأفعال فمعنى ذلك أن هذا الفعل من الكبائر.

ولذلك فوَسْم الحيوان هذا من الكبائر، أو ضربها في وجهها. أي انظروا إلى الناس الذين يتعاملون مع الحيوان، وكيف أن هذا الأمر محرّم بل ومن الكبائر.

الإسلام يحافظ على جميع عناصر البيئة من ماء وجماد وطير وحيوان

أيضًا بيئة يحافظ عليها [الإسلام]؛ يحافظ على الماء، يحافظ على الجماد، يحافظ على الطير، يحافظ على الحيوان. حتى قال صلى الله عليه وسلم:

«ألا إن في كل ذات كبدٍ رطبٍ صدقة»

فقالوا: أوَلنا في البهائم صدقة يا رسول الله؟ قال: نعم، صدقة لنا، صدقة فيهم؛ سننال أجرًا وثوابًا عليهم.

البيئة بكل عناصرها، سيدنا رسول الله يحافظ عليها.

النبي ﷺ يحمي كلبة وأولادها من الجيش أثناء فتح مكة

مرة كان [النبي ﷺ] في فتح مكة، وفتح مكة كان في مثل هذه الأيام، يعني في العشرين من رمضان. فسيدنا رسول الله وهو مارّ وجد كلبة ومعها أولادها حديثو الولادة، فكل واحد ممسك بثديٍ من ثديها.

فالنبي عليه الصلاة والسلام خاف عليها لئلا يدوسها الجيش وهو سائر، هي وأولادها. فأمر رجلًا من أصحابه يُقال له جُعَيل بن سُراقة، قال له: تعال يا جُعَيل، قف هنا حتى لا يدوس الجيش على الكلبة وأبنائها.

رأى كلبة تهرّ على أولادها وهنّ حولها يرضعنها، فأمر رجلًا من أصحابه يُقال له جُعَيل بن سُراقة أن يقف إزاءها حتى لا يتعرّض أحد من الجيش لها ولا لأولادها. خاف على كلبها هي وأولادها، حفاظًا على البيئة.

قصة جبريل والجرو وتراجع النبي ﷺ عن قتل الكلاب حفاظًا على التوازن البيئي

كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ عنده جرو صغير، فالملائكة لم تدخل البيت فاستأخرهم. فخرج فوجد جبريل عليه السلام. قال: لماذا لم تأتِ؟ قال [جبريل]: في بيتك جرو، ونحن لا ندخل بيتًا فيه كلب. الملائكة هكذا.

فالنبي عليه الصلاة والسلام فكّر: هل الكلاب هذه مغضوب عليها أم لا؟ وأراد أن يقتل كل الكلاب ما دامت مغضوبًا عليها بهذا الشكل. فأوحى الله إليه عليه الصلاة والسلام أنها أمة من الأمم.

فقال [النبي ﷺ]:

«هممتُ أن أقتل الكلاب، فأوحى الله إليّ: إنها أمة من الأمم»

أي احذر أن تُحدث خللًا بيئيًّا، وهذا ما نسمّيه الآن المحميات الطبيعية؛ احذر أن تقضي على جنس الكلاب، أو تقضي على جنس الفيلة، أو تقضي على جنس كذا وكذا.

أسباب عدم دخول جبريل البيوت وفضل الكلاب في خدمة الإنسان

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما لم يدخل جبريل، علمنا حينئذ أن جبريل لا يدخل لأن في [المكان] رائحة كريهة، فإن جبريل لا يدخل. ولأنه كانت الملائكة لا تحب الدم، وجبريل لا يدخل لأن هناك صنمًا في بيت معيّن ملقى تحت السرير لا يُعبد ولا شيء، وجبريل لا يدخل في بيت فيه كلب، وجبريل لا يدخل في بيت فيه نجاسة.

جبريل نعم [لا يدخل]، ولكن هذه حياة، ولذلك [الكلاب] أمة من الأمم. وكم أفادت الإنسان! حتى ألّف ابن المرزبان كتابه الطريف: «فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، على كثير ممن لبس الثياب.

فبعض الكلاب -الكلب- وفيّ، يخدم صاحبه، يخدم العميان، ويخدم كذا إلى آخره. ولذلك كان الإمام مالك يراه طاهرًا وأنه يجوز استعماله.

وإلى لقاء آخر، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.