ما معنى حسن الظن بالله وما درجات البصيرة في شرح الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري؟
حسن الظن بالله يعني الإقبال على الله بالدعاء والطلب منه وحده، لأنه الكريم الذي لا يرد من سأله، سواء أحسنت ظنك به لأجل وصفه أو لأجل معاملته الحسنة معك. أما درجات البصيرة في الحكم العطائية فثلاث: شعاع البصيرة الذي يُشهدك قرب الله منك، وعين البصيرة التي تُشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة التي تُشهدك وجوده وحده لا عدمك ولا وجودك. وقد صاغ ابن عطاء الله السكندري هذه الحقائق في كتاب الحكم العطائية ليرشد السالك إلى الله خطوة خطوة.
- •
هل تعلم أن البصيرة في طريق السلوك إلى الله ثلاث درجات متصاعدة وليست مرتبة واحدة؟
- •
شعاع البصيرة يُشهد العبد قرب الله منه مع إثبات وجودين: وجود الخالق ووجود المخلوق الفاني.
- •
عين البصيرة ترقى بالسالك إلى إدراك أن وجوده مستمد من الله وحده، وأنه لو انقطع الإمداد الإلهي لفني.
- •
حق البصيرة تُغيّب العبد عن وجوده وعدمه معًا فلا يرى إلا الله، وهو ما عبّر عنه ابن عطاء الله السكندري بقوله: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان.
- •
حسن الظن بالله يقوم على ركيزتين: إما لأجل وصفه سبحانه وكماله، وإما لأجل معاملته الحسنة مع العبد من ستر وكرم ورزق.
- •
الحكم العطائية تدعو إلى إفراد الله بالطلب وعدم تجاوز همة القلب إلى غيره، لأن الكريم لا تتخطاه الآمال.
- 0:00
ابن عطاء الله السكندري يُحدد في الحكم العطائية ثلاث درجات للبصيرة: شعاع وعين وحق، تتصاعد بحسب سير السالك إلى الله.
- 1:00
اليقظة بداية طريق الله، وهي الخروج من الغفلة بإدراك أن كل شيء بقضاء الله وقدره وأن الأقلام جفت.
- 2:15
شعاع البصيرة يُشهد العبد قرب الله منه ويُثبت وجودين: وجود الخالق الحق ووجود العبد المخلوق الفاني.
- 3:37
شعاع البصيرة يُثبت وجودين، ثم تشتغل عين البصيرة فترى الوجود الحق لله وحده وتستحي من نسبة الوجود للعبد.
- 4:41
أسماء الله الحسنى الأول والآخر والظاهر والباطن تُبيّن أزلية الله وأبديته في مقابل محدودية الإنسان الفاني القائم بالله.
- 5:19
عين البصيرة تُشعر العبد بأن وجوده مستمد من الإمداد الإلهي لحظة بلحظة، فلو انقطع لفني وتلاشى.
- 6:30
عين البصيرة تُشهد العبد أنه موجود بالله لا بنفسه، وأن الله وحده المستحق لاسم الوجود الحقيقي.
- 7:33
حق البصيرة تُشهد العبد وجود الله وحده وتُغيّبه عن وجوده وعدمه، فيكون بالله تمامًا في أعلى درجات السلوك.
- 8:39
الإنسان عاجز عن حمد الله حق الحمد لأن كل حمد يستوجب حمدًا جديدًا على التوفيق للحمد، كما علّم النبي ﷺ.
- 9:31
تكرار الركوع والسجود في الصلاة يعبّر عن عجز الإنسان عن شكر الله، إذ كل توفيق للعبادة يستوجب شكرًا جديدًا.
- 10:36
تكرار الركعات تعبير عن عجز الإنسان عن استيفاء شكر الله، ولولا متطلبات الحياة الدنيا لصلى المؤمن باستمرار.
- 11:15
حكمة ابن عطاء الله تُقرر أن الله كان ولا شيء معه وهو الآن على ما كان، والخلق كله بأمره كن فيكون.
- 12:24
أمر الله بين الكاف والنون يدل على قدرته المطلقة في الخلق الفوري، لكنه علّم الإنسان التدرج والبناء خطوة خطوة.
- 12:52
تسمية السير إلى الله طريقًا ليست بدعة بل سنة نبوية، والنبي ﷺ أوصى بالتدرج والرفق في السير إلى الله.
- 13:31
حقيقة وجود الخلق في ضوء الحكم العطائية أنه مجرد فيلم بإذن الله، لأن الله كان ولا شيء معه وهو الآن على ما كان.
- 14:04
الحكم العطائية تدعو إلى إفراد الله بالطلب لأنه الكريم الجواد الذي لا يرد من دعاه، ولا ينبغي أن تتخطاه الآمال.
- 15:22
معرفة أن الوجود كله بإذن الله تقود إلى إفراده بالطلب، لأنه الواسع الكريم الذي وعد بالاستجابة لمن دعاه.
- 16:27
السوى هو ما عدا الله، وميل القلب إليه عند الدعاء يحول دون الاستجابة، لأن الله يحول بين المرء وقلبه.
- 16:51
الله ألقى محبته على موسى فحالت بين فرعون الجبار وبين قتله، وهو مثال حي على أن الله يحول بين المرء وقلبه.
- 17:35
حديث شطر الكلمة يُبيّن خطورة الإعانة على القتل، وفرعون كان أشد إذ كان يقتل بالنظرة دون أن ينطق بكلمة.
- 18:23
الله حال بين فرعون وقلبه بإلقاء محبة موسى عليه، فعاتبه كالأب بدلًا من قتله رغم جبروته وقدرته.
- 18:59
كلام فرعون لموسى كلام أب لا جبار، وهو دليل على أن الله حال بينه وبين قلبه رغم وجود سبب قانوني للقتل.
- 19:43
قصة موسى وفرعون تُعلّم حسن الظن بالله والثقة به، لأنه القادر على تحويل قلب الجبار وجعله محبًا عاجزًا.
- 20:20
ابن عطاء الله السكندري يُقرر أن التوحيد الحقيقي يمنع المؤمن من استجداء العباد، لأن الله وحده هو المعطي الكريم.
- 21:06
حكمة ابن عطاء الله تُقرر أن الله هو مورد الحاجة فلا يرفعها غيره، ومن يطلب من العباد لا ينال إلا الذل.
- 21:48
عجز الإنسان عن قضاء حاجة نفسه إلا بفعل الله دليل على أنه لا يملك قضاء حاجة غيره، فالله وحده القادر.
- 22:38
أبو الحسن الشاذلي كان الذكر يحرق الطعام في جسمه بإذن الله، مما يدل على الأثر الحقيقي للذكر في قضاء الحاجات.
- 23:37
حسن الظن بالله في الحكم العطائية يقوم على ركيزتين: لأجل وصف الله وكماله، أو لأجل معاملته الحسنة مع العبد.
- 24:22
التدرج في العبادة يبدأ بعبادة الله للمصلحة ثم يرتقي إلى عبادته لذاته، والله لم يعوّد العبد إلا حسنًا.
- 25:05
التأمل في ستر الله وكرمه مع العبد رغم الذنوب يكشف حسن معاملته ويوجب حسن الظن به وشكره.
- 25:48
حكمة ابن عطاء الله تصف عجب حال الإنسان الذي يفر من الموت الحتمي ويطلب الدنيا الزائلة التي لا بقاء لها.
ما هي درجات البصيرة الثلاث في الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري؟
درجات البصيرة في الحكم العطائية ثلاث متصاعدة: شعاع البصيرة الذي يُشهد العبد قرب الله منه، وعين البصيرة التي تُشهده عدمه لوجود الله، وحق البصيرة التي تُشهده وجود الله وحده لا عدمه ولا وجوده. وهذه الدرجات بعضها فوق بعض بحسب سير السالك في طريق الله.
ما معنى اليقظة والغفلة في طريق السير إلى الله؟
اليقظة هي أول الطريق إلى الله، ومعناها القيام من الغفلة. والغفلة أن ينسى الإنسان حقيقته وأنه مخلوق لله، وأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله. ومن أدرك أن الأقلام جفت والصحف طُويت بدأت بصيرته تعمل وانطلق في طريق الله.
ماذا يُشهد شعاع البصيرة العبدَ في بداية طريق السلوك؟
شعاع البصيرة يُشهد العبد قرب الله منه، فيشعر بوجوده وبأن الله موجود وقريب منه كما في قوله تعالى: فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. في هذه المرحلة يُثبت الإنسان وجودين: وجود الله الخالق ووجوده هو المخلوق، والشعاع يهديه إلى الله ويجعله يوقن بأنه الحق.
كيف تختلف عين البصيرة عن شعاع البصيرة في درجات السلوك؟
شعاع البصيرة يُثبت وجودين: وجود الله الحق ووجود العبد الفاني. أما عين البصيرة فترقى بالسالك إلى مشاهدة الحق مجردًا، فيرى أن وجود الله هو الوجود الحق الوحيد، ويستحي أن يسمي نفسه موجودًا في مقابل وجود الله.
كيف تكشف أسماء الله الحسنى حقيقة وجود العبد الفاني؟
أسماء الله الحسنى كالأول والآخر والظاهر والباطن تكشف أن الله أزلي أبدي محيط بكل شيء. أما الإنسان فله بداية حين وُلد ونهاية حين يموت، وهو قائم بالله لا بنفسه. هذا التأمل في الأسماء يُظهر الفرق الجوهري بين الوجود الإلهي الأزلي والوجود الإنساني الفاني.
لماذا يحتقر الإنسان وجوده حين تعمل عين البصيرة؟
حين تعمل عين البصيرة يدرك الإنسان أن وجوده مستمد من الله وبأمره، وأن الله يخلقه كل لحظة. فإذا انقطع الإمداد الإلهي لم يمت فحسب بل يفنى ويتلاشى تمامًا. لذلك يحتقر الإنسان نفسه أن يسمي نفسه موجودًا مع الله، ويدعو: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
ما الذي تُشهده عين البصيرة العبدَ عن حقيقة وجوده في الكون؟
عين البصيرة تُشهد العبد أنه لا وجود له في الكون إلا بالله، فهو موجود به لا بنفسه. الله وحده هو المستحق أن يُسمى موجودًا، أما الإنسان فتراب ابن التراب وعدم ابن عدم. والله كل يوم هو في شأن يُبدي هذا الكون ويُظهر استمراره بإمداده.
ما حق البصيرة وكيف يُغيّب العبد عن وجوده وعدمه معًا؟
حق البصيرة هي أعلى درجات البصيرة، تُشهد العبد وجود الله وحده وتُغيّبه عن عدمه ووجوده معًا. عين البصيرة تُغيّب العبد عن وجوده، وحق البصيرة تُغيّبه عن عدمه أيضًا، فيصبح بالله تمامًا حتى شعوره إنما هو من الله. والذي فجّر شعاع البصيرة ووفّق السالك هو الله وحده.
لماذا يعجز الإنسان عن حمد الله وشكره كما ينبغي لجلاله؟
الإنسان يعجز عن حمد الله لأن كل حمد يستوجب حمدًا مجددًا، إذ إن الله وفّقه على الحمد فيستحق حمدًا آخر على هذا التوفيق. وقد علّم النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. فالإنسان مخلوق عاجز أمام عظمة الله.
ما الحكمة من تكرار الركوع والسجود في الصلاة؟
الركوع والسجود في الصلاة تعبير عن عجز الإنسان عن شكر الله حق الشكر. فبعد قراءة الفاتحة يخرّ راكعًا شكرًا على التوفيق للقراءة، ثم يسجد شكرًا على التوفيق للركوع، ثم يكرر السجود لأن السجود نفسه من توفيق الله. هكذا تتسلسل الصلاة في دوامة الشكر والعجز.
لماذا تتكرر الركعات في الصلاة ولا تكتفي بركعة واحدة؟
تتكرر الركعات لأن الإنسان لا يستطيع أن يوفي شكر الله حقه في ركعة واحدة، فيعود ليحمد مرة أخرى ويأتي بركعة ثانية وثالثة ورابعة. ولو فُتح له الباب لصلى باستمرار، لكن الله جعل للإنسان روابط في الدنيا لإعمارها كما قال: وجعلنا لهم أزواجًا وذرية.
ما معنى قول ابن عطاء الله: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان؟
هذه الحكمة تعني أن الله كان قبل الخلق ولا شيء معه، وحين قال للخلق كن فكان لم يتغير شيء في حقيقته سبحانه. فالخلق كله بأمره وإرادته، وهو قادر على خلق السماوات والأرض في أقل من لحظة. وحق البصيرة ينتفي معه وجود العبد وعدمه ولا يبقى إلا الله.
ما معنى أن أمر الله بين الكاف والنون وما دلالته على قدرته؟
أمر الله بين الكاف والنون يعني أن كلمة كن تستغرق أقل من لحظة، واللحظة هي طرفة عين أي أقل من ثانية. فالله قادر على خلق كل شيء في أقل من لحظة، لكنه علّمنا أن الأشياء تُبنى واحدة واحدة تدرجًا وحكمة.
لماذا سمّى أهل التصوف السير إلى الله طريقًا وهل هذه التسمية بدعة؟
سمّى أهل الطريق السير إلى الله طريقًا لأنه يسير خطوة خطوة ولا يُؤخذ دفعة واحدة، وهذا ليس بدعة. بل النبي ﷺ نفسه سمّى السير إلى الله الطريق، وقال: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، إن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى. فالتدرج سنة نبوية.
ما حقيقة وجود الخلق في ضوء أن الله كان ولا شيء معه؟
في ضوء أن الله كان ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان، فإن الخلق كله مجرد فيلم بإذن الله وأمره وإرادته. نحن لا حول لنا ولا قوة إلا بالله الذي صنع هذا الوجود وأمر به وأوجده وأظهره. فحقيقة الوجود كله قائمة على الله وحده.
ما معنى قول ابن عطاء الله: لا تتعدَّ نية همتك إلى غيره فالكريم لا تتخطاه الآمال؟
هذه الحكمة تدعو إلى توجيه الهمة والطلب إلى الله وحده دون غيره. فمن يطلب من العباد يتعرض للتلاعب والذل، ومن يطلب من نفسه فهو عاجز. أما الله فهو الكريم الجواد الذي يعطي بلا حدود ولا محاسبة ولا يرد من ترك بابه الواسع، فلا ينبغي أن تتخطاه الآمال إلى غيره.
كيف تقود معرفة حقيقة الوجود إلى حسن الظن بالله وإفراده بالطلب؟
من عرف أن الوجود كله بإذن الله وأنه لا يكون في كونه إلا ما أراد عرف ممن يطلب. والله وإن قدّر بعض الأرزاق فهو الواسع الكريم الذي لم يُسمِّ نفسه المضيِّق، ووعد بالاستجابة: ادعوني أستجب لكم. ومن طهّر قلبه من السوى واتجه إلى الله بالدعاء استجاب له.
ما معنى السوى وكيف يؤثر ميل القلب إلى غير الله على استجابة الدعاء؟
السوى يعني ما عدا الله، وحين يميل القلب عند الدعاء إلى غير الله يصبح القلب مائلًا عن الله. والله يحول بين المرء وقلبه كما في قوله: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. فمن أراد استجابة دعائه عليه أن يُخلص قلبه من السوى ويتوجه إلى الله وحده.
كيف ألقى الله المحبة على موسى وما أثر ذلك في تعامل فرعون معه؟
الله ألقى على موسى محبة منه كما قال: وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني. وكان فرعون جبارًا يعلم أن موسى سيقتله، وكان يقتل بالنظرة دون أن يتكلم. لكن رغم ذلك لم يستطع قتل موسى لأن الله ألقى عليه محبته فحالت بين فرعون وبين قلبه.
ما معنى حديث النبي عن الإعانة على القتل بشطر كلمة وكيف يتجلى في جبروت فرعون؟
النبي ﷺ قال: من أعان على قتل أخيه ولو بشطر كلمة استوجب النار. وشطر الكلمة هي اقْ أي نصف كلمة اقتل. وفرعون كان أشد من ذلك، إذ كان لا يقول حتى اقْ بل ينظر فقط فيأتي السياف قاتلًا على الفور، مما يدل على شدة جبروته وطغيانه.
كيف حال الله بين فرعون وبين قلبه فجعله يعاتب موسى بدلًا من قتله؟
فرعون حين رأى موسى لم يقتله رغم قدرته على ذلك، بل عاتبه كالأب يلوم ابنه: ألم نربك فينا وليدًا. والسبب أن الله حال بينه وبين قلبه بإلقاء محبة موسى عليه. فالجبار الذي يقتل بالنظرة أصبح عاجزًا عن إيذاء من أحبه الله وألقى عليه محبته.
ما دلالة كلام فرعون لموسى على أن الله يحول بين المرء وقلبه؟
كلام فرعون لموسى: ألم نربك فينا وليدًا ولبثت فينا من عمرك سنين، هو كلام أب يلوم ابنه لا كلام جبار يتوعد عدوه. وفرعون كان يملك سببًا قانونيًا لقتل موسى بتهمة القتل العمد، لكنه لم يفعل. هذا يدل على أن الله حال بينه وبين قلبه فأعجزه عن إيذاء نبيه.
ما الدرس المستفاد من قصة موسى وفرعون في باب حسن الظن بالله؟
الدرس أن الله قادر على أن يحول بين أي إنسان وقلبه، فيجعل العدو الجبار محبًا عاجزًا عن الأذى. وهذا يدعو إلى الثقة بالله وحسن الظن به وعدم تجاوز همة القلب إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال وهو القادر على تصريف القلوب.
ما معنى قول ابن عطاء الله: حرام على من وحّد الله أن يستجدي أحدًا عطاءً؟
هذا القول يعني أن من أفرد الله بالتوحيد وعرف حقيقة الوجود لا يليق به أن يذل نفسه بالاستجداء من العباد. فالله هو المعطي الحقيقي وهو الكريم الذي لا يرد من سأله. وابن عطاء الله السكندري صاغ هذه الحقائق بتوفيق الله لأن قلبه كان مفتوحًا على الحقائق الربانية.
ما معنى حكمة ابن عطاء الله: لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك؟
هذه الحكمة تعني أن الله هو الذي يُورد الحاجة على العبد ابتداءً، فكيف يرفعها غيره وهو لم يضعها؟ من يطلب من العباد لا ينال إلا الذل، لأن العبد لا يستطيع رفع ما لم يكن هو واضعه. فالأولى أن يطلب العبد بعزة النفس من الله وحده.
كيف يدل عجز الإنسان عن قضاء حاجة نفسه على أنه لا يستطيع قضاء حاجة غيره؟
الإنسان لا يستطيع قضاء أبسط حاجاته الجسدية إلا بفعل الله فيه، فلو ابتلاه الله ومنع خروج حاجته لمات. فمن كان عاجزًا عن قضاء حاجة نفسه إلا بالله كيف يكون رافعًا لحاجة غيره؟ هذا يدل على أن الله وحده هو القادر على قضاء الحاجات.
ما قصة أبي الحسن الشاذلي مع الأكل والذكر وكيف كان الذكر يحرق الطعام في جسمه؟
كان أبو الحسن الشاذلي يأكل بالأرطال ويشرب بالأسطال الكبيرة ويذكر الله مع الرجال. وكان الذكر يحرق الطعام في جسمه بإذن الله، فكان كل شهر أو شهرين لا يخرج منه إلا شيء صغير كالبعرة. وهذا دليل على أن الذكر له أثر حقيقي في الجسم وأن بإذن الله تُقضى الحاجات.
ما الركيزتان اللتان يقوم عليهما حسن الظن بالله في الحكم العطائية؟
حسن الظن بالله يقوم على ركيزتين: الأولى أن تُحسن ظنك به لأجل وصفه وكماله، فهو رب العالمين القادر على كل شيء. والثانية أن تُحسن ظنك به لأجل معاملته الحسنة معك. ومن لم يستطع العبادة لذات الله فليعبده لمصلحته أولًا، ثم يترقى خطوة خطوة.
كيف يتدرج المؤمن في العبادة من عبادة المصلحة إلى عبادة الذات والاستحقاق؟
يبدأ المؤمن بعبادة الله لمصلحته أولًا، ثم يترقى إلى عبادته لذاته لأنه يستحق العبادة. والله لم يعوّد العبد إلا حسنًا، فهو يُنعم عليه طوال النهار ويستره ويغفر ذنبه ويُيسّر غيبه رغم المعصية والتقصير. فالتأمل في هذه المعاملة يدفع إلى حسن الظن بالله والارتقاء في العبادة.
كيف يكشف التأمل في معاملة الله للعبد كرمه ويوجب حسن الظن به؟
من تأمل في معاملة الله له وجده كريمًا يستره ويؤيده ويُنعم عليه رغم ذنوبه. ولو أن كل ذنب فعله العبد افتُضح فيه لكانت حاله سيئة جدًا. فالله يستر ويغفر ويُيسّر، وهذا يوجب حسن الظن به سواء لأجل وصفه أو لأجل معاملته الحسنة.
ما معنى قول ابن عطاء الله: العجب ممن يهرب مما لا فكاك له عنه ويطلب ما لا بقاء له معه؟
هذه الحكمة تصف حال الإنسان الغريب الذي يفر من الموت رغم أنه لا مفر منه، ويسعى وراء الدنيا رغم أنها لا بقاء لها. فالموت حتمي ولا بد منه لأنه يلقى الإنسان أينما كان، والدنيا زائلة. فالعاقل من يستعد للموت ولا يغتر بزخرف الدنيا الفانية.
حسن الظن بالله وإفراده بالطلب هو لب الحكم العطائية، لأن الكريم لا تتخطاه الآمال ولا يرد من دعاه.
حسن الظن بالله في الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري لا يقتصر على الشعور الداخلي، بل يترجم إلى توجيه الهمة والطلب إلى الله وحده. فالله هو الكريم الواسع الذي لا يرد من سأله، وقد وعد بالإجابة في قوله: ادعوني أستجب لكم. ومن عرف حقيقة الوجود وأن كل شيء بإذن الله عرف ممن يطلب.
تتدرج درجات البصيرة في شرح الحكم العطائية من شعاع البصيرة الذي يُثبت وجودين إلى عين البصيرة التي تُشعر العبد بعدمه أمام وجود الله، وصولًا إلى حق البصيرة التي تُغيّبه عن وجوده وعدمه معًا. وقصة موسى مع فرعون نموذج حي على أن الله يحول بين المرء وقلبه، فيجعل الجبار الكافر عاجزًا عن إيذاء من ألقى الله عليه محبته.
أبرز ما تستفيد منه
- البصيرة ثلاث درجات: شعاع وعين وحق، كل منها أعمق من سابقتها.
- وجود الإنسان مستمد من الله، ولو انقطع الإمداد الإلهي لفني.
- حسن الظن بالله يكون لأجل وصفه أو لأجل معاملته الحسنة مع العبد.
- الكريم لا تتخطاه الآمال، فلا ترفع حاجتك إلا إلى الله وحده.
درجات البصيرة الثلاث في طريق السالك إلى الله تعالى
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه، ونفحنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
شعاع البصيرة يُشهدك قربه منك، وعين البصيرة تُشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يُشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك.
إذن فهي درجات ثلاث بعضها فوق بعض، بحسب سير السالك في طريق الله إلى الله.
اليقظة من الغفلة هي أول الطريق وبداية عمل البصيرة
في الأولى تعمل البصيرة، وعمل البصيرة يُعلِم بأننا قد بدأنا السير إلى الله. وقلنا إن اليقظة هي أول الطريق، واليقظة معناها القيام من الغفلة.
والغفلة أن تنسى من أنت أيها الإنسان، وأنك مخلوق لله سبحانه وتعالى، وأنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
وأنه لو اجتمع العالم على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لا يضروك بشيء إلا وقد كتبه الله عليك؛ جفت الأقلام ورُفعت وطُويت الصحف وانتهى الأمر.
شعاع البصيرة يُشهد العبد قرب الله منه ووجوده معه
فإذا عرفت ذلك، والله أعلم بما هنالك، فقد بدأت اليقظة، فبدأت البصيرة تعمل، فصدر منها شعاع ينير لك الطريق.
هذا الشعاع يُشهدك قربه منك، أي كأنك تشعر وتفهم أن الله موجود وأنك موجود وأن الله قريب منك.
﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]
يشعر الإنسان باثنين: الله الخالق والعبد المخلوق. تشعر بوجودك وتعلم أن وجود الله هو الحق، والشعاع الذي يصدر من بصيرتك يهديك إلى الله سبحانه وتعالى ويجعلك توقن بأنه هو الحق.
شعاع البصيرة يثبت وجودين ثم عين البصيرة تكشف حقيقة الوجود
شعاع البصيرة يُشهدك قربه منك، قربه منك يثبت وجودين: وجود حق لرب العالمين، ووجود فانٍ للعبد الضعيف.
ثم يترقى [السالك] في طريق الله، وعندما يرى ذلك الشعاع تشتغل عين البصيرة. وعين البصيرة تشاهد بها أكثر وأكثر، وتعلم بها الحق مجردًا، فترى وجود الله هو الوجود الحق، وتستحي حينئذ عندما تعمل عين البصيرة أن تسمي نفسك موجودًا.
أسماء الله الحسنى تكشف حقيقة وجود العبد الفاني أمام وجود الله الأزلي
وأن الله هو الأول الذي لا قبله شيء، وهو الآخر الذي ما بعده شيء، وهو الظاهر الذي هو أظهر من الكائنات، وهو الباطن الذي هو وراء كل شيء، وأنه سبحانه وتعالى بكل شيء عليم وبكل شيء محيط.
أما أنت فلك بداية حيث وُلدت، ولك نهاية حيث تموت، قائمٌ بالله لا بنفسه.
عين البصيرة تجعل الإنسان يحتقر وجوده أمام وجود الله المستمر
فعندما تعمل عين البصيرة يحتقر الإنسان نفسه أن يسمي نفسه مع الله موجودًا؛ فإن وجوده مستمد من وجود الله وبأمر الله.
والله سبحانه وتعالى يخلقه كل لحظة وكل حين، فإذا قطع عنه الإمداد فَنِيَ. لا يموت [فحسب]، يفنى جسمه، يفنى، يتلاشى، لا وجود له، عدم.
فأنت تُخلق شيئًا فشيئًا ولحظةً من بعد أخرى. اللهم لا تَكِلْنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك؛ لأنه لو وكَلك إلى نفسك لا تستطيع أن تخلق نفسك وبذلك تفنى. فاللهم لا تَكِلْنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.
عين البصيرة تُشعر العبد بعدمه وأن الله وحده المستحق لاسم الوجود
عين البصيرة إذا اشتغلت شعرت بعدمك، وبأن الذي يستحق أن يُسمى موجودًا هو الله وحسب.
أما أنت فتراب ابن التراب، وعدم ابن عدم. أما أنت فخيال، أما أنت فلا وجود لك في هذا الكون إلا به سبحانه وتعالى. فأنت موجود حاصل في الكون به لا بنفسك.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]
فإنها أمور يُبديها ولا يبتديها، يُبديها من علمه وقدرته وإرادته، فيُظهر هذا الكون ويُظهر استمراره. لكن الحقيقة أن الله لو قطع عنا الإمداد لفنينا.
حق البصيرة يُشهد العبد وجود الله وحده ويُغيّبه عن وجوده وعدمه
فإذا صار السالك في طريق الله أكثر من هذا، وصلت البصيرة إلى درجة الحق.
وحق البصيرة يُشهدك وجوده وحده، لا إله إلا هو، وتغيب عن عدمك ووجودك معًا. يعني عين البصيرة تُغيّبك عن وجودك، وحق البصيرة يُغيّبك عن عدمك.
أنت لا شيء، أنت بالله تمامًا، حتى شعورك هذا إنما هو من الله. إذا حدث لك [ذلك] فالذي فجّر شعاع البصيرة هو الله، والذي جعل الإنسان [الذي] لم يدخل طريق الله هو الله، والذي وفّق هو الله.
عجز الإنسان عن حمد الله وشكره كما ينبغي لجلاله
فكيف نحمده سبحانه وتعالى؟ نعجز عن حمده وشكره.
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا:
قال النبي ﷺ: «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»
لأنك كلما حمدت الله سبحانه وتعالى كلما استوجب ذلك منك حمدًا مجددًا؛ لأنه وفّقك أن تحمده.
فكيف ننتهي وهل أوقاتنا تسمح بذلك؟ إذن فأنت مخلوق عاجز، ولذلك يسجد المسلمون.
حكمة تكرار الركوع والسجود في الصلاة شكرًا لله على توفيقه
أنت في الركعة تقول ماذا؟ الحمد لله رب العالمين، وبعد أن تنتهي من قراءة الفاتحة، من الذي وفّقك؟ ربنا، فتخرّ له راكعًا.
من الذي وفّقك لأن تركع؟ الله، فتخرّ له ساجدًا.
انظر كيف أنك في الصلاة ماذا تفعل؟ أنت لا تعرف ماذا تفعل! الحمد لله، أليس هذا كافيًا؟ حسنًا، أركع، ها أنا ذا إظهارًا للخضوع لك وحدك لا شريك لك.
حسنًا، فهو من عنده. طيب سأسجد شكرًا للركوع، طيب هو أيضًا من عنده، إذن سأكرر السجود، فأنا لا أعرف ماذا أفعل، أُدخِل نفسي تحت الأرض، ماذا أفعل؟
تكرار الركعات في الصلاة تعبير عن العجز عن شكر نعم الله
فأسجد مرة أخرى شوقًا لحمده وتسبيحه وتنزيهه، ليس كافيًا.
فأقول له إذن فأعيد مرة أخرى، فأقوم وأحمد مرة أخرى، وآتي بركعة ثانية وثالثة ورابعة. ولو كان فتحها لينا كنا نصلي باستمرار، لكن الحياة كانت صعبة؛ إذ إن لدينا أمورًا أخرى نهتم بها.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]
أي جعلنا لهم روابط في الدنيا لإعمارها.
حق البصيرة ينتفي معه وجود العبد ويبقى الله وحده كما كان قبل الخلق
حق البصيرة ينتفي معه وجودك وعدمك، وتراه وحده لا شريك له.
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
كان الله قبل الخلق ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. كان الله قبل الخلق ولا شيء معه، وقال للخلق كن فكان.
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
أمره بين الكاف والنون، أي أنه قادر على أن يخلق السماء والأرض وما بينهما وما فيهن في لحظة، لا بل في أقل من لحظة؛ لأن كلمة "كن" تستغرق لحظة، تستغرق أقل من لحظة.
معنى اللحظة وسرعة أمر الله بين الكاف والنون
ولكن ما معنى لحظة؟ إنها نظرة أو طرفة عين، وكم مدتها في الزمن؟ أقل من ثانية، وتلك انقضت بسرعة، أي أقل من ثانية أيضًا، أقل من اللحظة. فالأمر بين الكاف والنون.
لكنه علّمنا أن الأشياء تُبنى واحدة واحدة.
لماذا سمّاه أهل الطريق طريقًا وأهمية التدرج في السير إلى الله
وأهل الطريق سمّوه طريقًا، لماذا؟ لأنه خطوة خطوة.
انظر الكلام يقول لك: سِرْ في طريق الله. حسنًا، طريق الله سمّوه طريقًا، لماذا؟ أهذه بدعة؟ قال له: لا، ليست بدعة، هذا الطريق معناه سِرْ خطوة خطوة لا تتعجل.
قال النبي ﷺ: «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، إن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»
سيدنا رسول الله سمّى السير إلى الله الطريق، ألا إنه سماه الطريق.
حقيقة وجود الخلق في ضوء أن الله كان ولا شيء معه
قال [ابن عطاء الله]: كان الله [ولا شيء معه]، وما دام أنت [تسير في مراتب] شعاع البصيرة وعين البصيرة وحق البصيرة، فتنبه أنه كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان.
فما نحن إذن؟ نحن مجرد فيلم، لا حول ولا قوة إلا بالله. بالله الذي صنعه وأمر به وأوجده وأخرجه وأبرزه وأظهره، هو الله.
لا تتعدَّ نية همتك إلى غير الله فالكريم لا تتخطاه الآمال
لا تتعدى نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال. الله كريم، فكن ذكيًا واقعيًا.
تطلب من غيره؟ ستطلب ممن؟ الناس الذين ستطلب منهم؟ إذا طلبت من العبد سيتلاعب بك ستين لعبة، وإذا طلبت من نفسك فأنت عاجز وأنت غير قادر أن تفعل شيئًا.
اطلب من الكريم الذي لا يرد من ترك بابه الواسع، سبحانه وتعالى، الجواد الذي يعطي بلا حدود وبلا محاسبة وبلا حساب. الله سبحانه وتعالى، لا تتخطاه همتك ونيتك ونية همتك إلى غيره؛ فإن الكريم لا تتخطاه الآمال.
معرفة حقيقة الوجود تدل على أن الله هو المعطي الواسع الكريم
إذا عرفت الحقيقة وأنه لا يكون في كون الله إلا ما يريد ما أراد، وأن هذا الوجود كله بإذن الله، عرفت ممن تطلب.
فإذا كان الله قد قدّر بعض الأرزاق فهو فعّال لما يريد، لكنه كريم. ولم يقل عن نفسه ومن أسمائه أنه المُضيِّق، بل هو الواسع الكريم الذي لا يرد من سأله ودعاه.
وقال [سبحانه]:
﴿ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
والله إذا حررنا، لو طهّرنا قلوبنا من السِّوى [أي ما سوى الله] واتجهنا إلى ربنا بالدعاء لاستجاب لنا.
معنى السِّوى وخطورة ميل القلب إلى غير الله عند الدعاء
لكن كثيرًا من الناس حين تدعو تتعجل، أو حين تدعو يميل قلبها إلى غير الله.
ماذا يعني سِوى؟ أي ما عدا الله. يميل قلبه إلى غير الله، فيصبح قلبه مائلًا هكذا، يقول: يا رب اجعله، أي يعطف قلبه على قلبه وما شابه، يا رب افعل كذا، هو على الفور.
تذكروا آية:
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]
قصة سيدنا موسى مع فرعون وإلقاء المحبة عليه من الله
إن سيدنا موسى صنع الله به أمرًا عجيبًا، حيث ألقى عليه المحبة:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
وهو في المهد وهو كبير وفي كل شيء.
ماذا فعل فرعون؟ فرعون كان يعلم أن هذا [الطفل] سيقتله. فرعون كان جبارًا، مما قيل عنه أنه كان يقتل بالنظرة، أي ينظر هكذا للحارس بعينه، فقط يحرك عينه، ولا يقول "اقتل هذا" ولا بنصف كلمة.
حديث النبي عن الإعانة على القتل بشطر كلمة وجبروت فرعون
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
قال النبي ﷺ: «من أعان على قتل أخيه ولو بشطر كلمة استوجب النار»
قالوا إن شطر الكلمة هي "اقْ" [أي نصف كلمة اقتل]. فبعض الجبابرة يكون بينه وبين السيّاف الخاص به وقتّال جنوده توجد مماثلة، فما يقول "اقتل فلانًا"، بل يقول "اقْ" فقط.
يُقال لك إن فرعون لم يكن يقول "اقْ"، بل كان ينظر فقط فيأتون على الفور قاتلينه. خلاص، عرفنا أن هذا الجبار هو جبار متكبر عاتٍ كافر.
فرعون يعاتب موسى كالأب ولا يقتله لأن الله حال بينه وبين قلبه
حين يرى [فرعون] سيدنا موسى يقول له ماذا؟
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [الشعراء: 18-19]
الله! أنت تتكلم أم ماذا؟ لماذا لا تقتله؟ ألست قادرًا؟
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ [طه: 39]
انظر إليه هكذا، إنه يحبه! لماذا تحبه؟ اقتله، فإنه سيقتلك! أنت جبار غير قادر [على قتله]!
كلام فرعون لموسى كلام أب يلوم ابنه لا كلام جبار يتوعد عدوه
يقول له [فرعون]: يا بُني، ليس هكذا، ما هذا؟
قال:
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: 18]
وهذا كلام فرعون! هذا كلام شخص يلوم ابنه. وأيضًا: "وفعلت فعلتك التي فعلت"، فأنت متهم بقضية، وأي قضية؟
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15]
قضية قتل عمد! والله يعني كان يجب [أن يقتله]. إذن أنا أيضًا معي قضية تستوجب قتلك يا موسى، بغض النظر عن قصة أنني خائف منك وأنك ستقتلني وأمور كهذه، لا أعرف ماذا. حسنًا، اقتل إذن!
محبة الله لموسى حالت بين فرعون وبين قلبه فعامله كابنه
لكن: ألم نربك فينا وليدًا، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ يقول له [فرعون]: يا أخي، العِشرة لا تهون إلا على ابن الحرام!
الله الله الله! ما هذا؟ ما هذا الكلام؟ من أين أتى هذا الكلام؟ من أين أتى؟ ممن حِيل بينه وبين قلبه، جاء من إلقاء حب الله عليه [على موسى].
يقول لك ماذا أيضًا؟ ربنا، ثق بالله ولا تتعدى نية همتك إلى غيره؛ فالكريم لا تتخطاه الآمال.
الشيخ ابن عطاء الله كان مفتوحًا عليه فصاغ الحقائق بتوفيق الله
يبدو أن هذا الرجل كان مفتوحًا عليه، الشيخ ابن عطاء [الله السكندري]، قلبه رأى الحقائق فصاغها بتوفيق الله.
حرام على من وحّد الله ربه وأفرده أن يستجدي أحدًا عطاءً.
ويا صاحبي قِف بي مع الحق وقفةً، أموت بها وَجدًا وأحيا بها وَجدًا. وقل لملوك الأرض تجهد جهدها، فهذا المُلك مُلكٌ لا يُباع ولا يُهدى.
لا ترفع حاجتك إلى غير الله فهو موردها عليك وأنت لا تملك إلا الذل
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
لا ترفعنّ إلى غيره حاجةً، هو موردها عليك. أنت ماذا تطلب؟ هذا قادم إليك، قادم إليك.
لكن ليس من نصيبك إلا الذل للعبد. فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعًا؟
هل هناك أحد يفعل شيئًا سيُفعل رغمًا عنه؟ اطلبه بعزة النفس وجمّله في الطلب.
عجز الإنسان عن قضاء حاجة نفسه فكيف يقضي حاجة غيره
لو سمحت أتوقع [أي أُوقّع] لي هذه، سأوقعها، لن يوقعها. فلنتجنب الذل إذن، إنه لن يوقعها، أنا أعمل له.
من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه، فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعة؟
إذا كانوا يسمونها قضاء الحاجة، فالإنسان إذا لم يستطع قضاء حاجته فإنه يموت من الضرورات. لو أن الله ابتلاه فمنع خروج حاجته منه لمات. فإذا كان هو لا يعرف أن يفعل ذلك هذا عن نفسه إلا بفعل الله فيه [فكيف يقضي حاجة غيره؟].
قصة أبي الحسن الشاذلي في أكله وشربه وأثر الذكر في حرق الطعام
كان سيدنا أبو الحسن الشاذلي يقول: نأكل بالأرطال ونشرب بالأسطال - الأسطال التي هي الجرادل [الدلاء الكبيرة]، ليست كوب ماء، بل هي سطل، الجردل الكبير - ونشرب بالأسطال ونذكر مع الرجال.
فكان الذكر يحرق الطعام في جسمه، فكان كل شهر أو شهرين يخرج منه مثل البعرة، شيء صغير هكذا. من ذهب إلى أين بإذن الله؟ فإن الذكر يحرق، فبإذن الله تُقضى الحاجات.
ولكن غير هذا يبقى، لم يحدث بعد لا شعاع ولا عين ولا بصيرة حصلت حق البصيرة.
أحسن ظنك بالله لأجل وصفه أو لأجل معاملته الحسنة معك
قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه:
إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه - أنه هو رب العالمين، لأجل وصفه أنه القادر على كل شيء -
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284]
فأحسِن ظنك به لأجل معاملته معك.
ما دمت لا تزال لا تعرف أن تعبده من أجل ما هو له وما هو أهله، اعبده لمصلحتك يا أخي. ما دمت مقيّدًا في الدنيا، هو لا يعرف الخروج [من قيود الدنيا]، فخُذها خطوة خطوة، فهذا هو الطريق والطريق خطوات، فواحدة واحدة خذها، واحدة واحدة.
التدرج في العبادة من عبادة المصلحة إلى عبادة الذات والاستحقاق
واعبده لمصلحتك أولًا، وبعد ذلك ترتقي إلى أن تعبده لذاته؛ لأنه يستحق العبادة.
فهل عوّدك إلا حسنًا؟ أليس طوال النهار جالسًا يُنعم عليك، وأنت طوال النهار تبارزه بالمعصية وبالتقصير وبالقصور؟
ومع ذلك سترك وغفر ذنبك ويسّر غيبك وأنعم عليك نعمًا لا تُعد ولا تُحصى. وهل أزدي إليك أن منّا، إذا فأنت تعلم.
التأمل في معاملة الله يكشف كرمه ويوجب حسن الظن به
تأمل وتتدبر في نفسك، ستجده كريمًا.
فإن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه، فحسّن ظنك به لأجل معاملته معك.
أليس يكرمك؟ أليس يؤيدك؟ أليس يسترك؟
تخيل هكذا لو أن كل ذنب فعلته افتُضحت فيه! فاللهم سلّم سلّم، ستكون الحالة سيئة، ستكون سيئة جدًا.
العجب ممن يهرب من الموت المحتوم ويطلب ما لا بقاء له معه
العجب كل العجب ممن يهرب مما لا فكاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء له معه.
أنت الآن شخص غريب جدًا، تفر من الموت والموت لا بد منه؛ لأنه يلقاك.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
كم عدد درجات البصيرة التي ذكرها ابن عطاء الله السكندري في الحكم العطائية؟
ثلاث درجات
ماذا يُشهد شعاع البصيرة العبدَ وفق الحكم العطائية؟
قرب الله منه
ما الذي تُشهده عين البصيرة العبدَ وفق الحكم العطائية؟
عدمه لوجود الله
ما الذي يُشهده حق البصيرة العبدَ وفق الحكم العطائية؟
وجود الله لا عدمه ولا وجوده
ما أول الطريق إلى الله وفق ما شرحه ابن عطاء الله السكندري؟
اليقظة من الغفلة
ما الذي قاله النبي ﷺ حين سُئل عن حمد الله؟
لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك
ما الحكمة من تكرار الركوع والسجود في الصلاة وفق هذا الشرح؟
التعبير عن عجز الإنسان عن شكر الله حق الشكر
ما معنى السوى في الحكم العطائية؟
ما عدا الله
لماذا لم يستطع فرعون قتل موسى رغم جبروته وعلمه بأن موسى سيقتله؟
لأن الله حال بينه وبين قلبه بإلقاء محبة موسى عليه
ما الركيزتان اللتان يقوم عليهما حسن الظن بالله في الحكم العطائية؟
لأجل وصف الله ولأجل معاملته الحسنة مع العبد
ما الذي كان يحدث لأبي الحسن الشاذلي بسبب كثرة ذكره لله؟
كان الذكر يحرق الطعام في جسمه
ما الذي قاله النبي ﷺ عن التدرج في الدين؟
إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق إن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى
ما الفرق بين شعاع البصيرة وعين البصيرة في الحكم العطائية؟
شعاع البصيرة يُثبت وجودين: وجود الله الحق ووجود العبد الفاني، ويُشهد العبد قرب الله منه. أما عين البصيرة فترقى بالسالك إلى إدراك أن وجوده مستمد من الله وحده فيستحي أن يسمي نفسه موجودًا.
ما معنى الغفلة في طريق السلوك إلى الله؟
الغفلة أن ينسى الإنسان حقيقته وأنه مخلوق لله، وأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله، وأن الأقلام جفت والصحف طُويت وانتهى الأمر.
ما معنى قول ابن عطاء الله: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان؟
يعني أن الله كان قبل الخلق ولا شيء معه، وحين خلق الكون بأمره كن فيكون لم تتغير حقيقته سبحانه. فالخلق كله بأمره وإرادته ولا يُضيف شيئًا إلى ذاته.
لماذا سمّى أهل الطريق السير إلى الله طريقًا؟
سمّوه طريقًا لأنه يُسار فيه خطوة خطوة بتدرج ورفق، وليس دفعة واحدة. والنبي ﷺ نفسه سمّى السير إلى الله الطريق وأوصى بالرفق فيه.
ما معنى الإمداد الإلهي وما أثر انقطاعه على الإنسان؟
الإمداد الإلهي هو استمرار خلق الله للإنسان لحظة بلحظة. لو انقطع هذا الإمداد لم يمت الإنسان فحسب بل يفنى ويتلاشى تمامًا ويصبح عدمًا.
ما الآية التي استشهد بها في بيان قرب الله من العبد؟
قوله تعالى: فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. [البقرة: 186]
ما الآية التي تدل على أن الله يحول بين المرء وقلبه؟
قوله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون. [الأنفال: 24]
ما الآية التي ألقى الله فيها محبته على موسى؟
قوله تعالى: وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني. [طه: 39]
ما معنى حكمة ابن عطاء الله: الكريم لا تتخطاه الآمال؟
تعني أن الله هو الكريم الجواد الذي يعطي بلا حدود ولا يرد من سأله، فلا ينبغي أن تتجاوز همة القلب إلى غيره من العباد العاجزين.
لماذا لا ينبغي رفع الحاجة إلى غير الله وفق الحكم العطائية؟
لأن الله هو الذي يُورد الحاجة على العبد ابتداءً، فكيف يرفعها غيره وهو لم يضعها؟ ومن يطلب من العباد لا ينال إلا الذل لأنهم عاجزون عن قضاء حاجاتهم أنفسهم.
ما الدرجتان اللتان يمكن للمؤمن أن يبدأ بهما في العبادة وفق هذا الشرح؟
يبدأ بعبادة الله لمصلحته أولًا، ثم يترقى إلى عبادته لذاته لأنه يستحق العبادة. وهذا التدرج هو الطريق الصحيح للسالك.
ما الذي يكشفه التأمل في معاملة الله للعبد عن حسن الظن به؟
التأمل يكشف أن الله يستر العبد ويغفر ذنبه ويُيسّر غيبه وينعم عليه رغم معصيته وتقصيره، مما يوجب حسن الظن به وشكره.
ما معنى حكمة ابن عطاء الله: العجب ممن يهرب مما لا فكاك له عنه ويطلب ما لا بقاء له معه؟
تصف حال الإنسان الذي يفر من الموت الحتمي الذي لا مفر منه، ويسعى وراء الدنيا الزائلة التي لا بقاء لها. فالعاقل من يستعد للموت ولا يغتر بالدنيا.
ما الآية التي استشهد بها على قدرة الله في الخلق الفوري؟
قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. [يس: 82]
ما الآية التي استشهد بها على وعد الله بالاستجابة للدعاء؟
قوله تعالى: ادعوني أستجب لكم. [غافر: 60]
