الحياء | أ. د علي جمعة | برنامج حديث الروح - حديث الروح

الحياء | أ. د علي جمعة | برنامج حديث الروح

7 دقائق
  • الحديث العشرون من الأربعين النووية يتناول الحياء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحياء خير كله".
  • الحياء يختلف عن الخجل، فهو شعور في العلاقة مع من تحب، ومبني على الحب والرحمة.
  • روى أبو مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت".
  • هذا القول من تعاليم الأنبياء السابقين وقد شاع بين الناس.
  • الحياء ضابط يمنع الإنسان من فعل ما يشاء دون مراعاة للزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
  • وصف النبي الحياء بأنه شعبة من شعب الإيمان، مع أن أعلى الإيمان قول "لا إله إلا الله" وأدناه إماطة الأذى عن الطريق.
  • ليس كل مجتمع تقع فيه المعصية قد تخلى عن كل جميل، فقد كان عند الجاهليين بعض مكارم الأخلاق.
  • الإنصاف يقتضي التمييز بين الخير والشر في المجتمعات.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الحديث العشرين من الأربعين النووية عن الحياء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ومع الحديث العشرين من الأحاديث الأربعين النووية، وهذا الحديث تحت عنوان الحياء. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: الحياء خير كله. فهذا الدين مبني على الحياء؛ الحياء مع الله، الحياء مع الناس، الحياء مع النفس.

الفرق بين الحياء والخجل وعلاقة الحياء بالحب والرحمة

الحياء أمر يختلف اختلافًا كبيرًا عن الخجل مثلًا؛ فالحياء شعور في العلاقة بينك وبين من تحب، فالحياء مبني أساسًا على الحب. والذي ليس عنده حياء لا يبالي بأحد، وهو مستهتر بكل أحد.

والذي ليس له حياء ليس عنده حب، والحب مبني على جذور من الرحمة. ولذلك فإن من ليس عنده حب لا تجد في قلبه -سبحان الله- الرحمة.

رواية حديث الحياء من كلام النبوة الأولى ومعناه

وهنا وفي هذا الحديث وهو يتكلم عن الحياء، يرويه أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال:

قال النبي ﷺ: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» رواه البخاري

النبي صلى الله عليه وسلم يقول لنا كلامًا يبدو أنه قد شاع في أوساط الناس في قريش، وهم يتحدثون ويقولون: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت.

تنبيه النبي على أن الحياء من تعاليم جميع الأنبياء

والنبي صلى الله عليه وسلم ينبه الناس وينبه الصحابة الكرام والأمة من بعدهم أن هذا الكلام الجميل المتين إنما هو من كلام النبوة الأولى؛ بمعنى أن كل نبي جاء قال لقومه وأمرهم وحثهم على الحياء، أمرهم بالحياء وحثهم عليه.

حتى شاع في أوساط الأنبياء، ومن ثقافة الأنبياء، ومن تعاليم الأنبياء: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت. وهذا هو سبب تمسك الأنبياء بطلب الحياء.

الحياء ضابط يمنع الإنسان من التصرف بحماقة واستهتار

الحياء ضابط يمنعك من أن تفعل ما شئت متى شئت؛ دون نظر إلى الزمان، دون نظر إلى المكان، دون نظر إلى الأشخاص، دون نظر إلى الأحوال. وبذلك يكون الإنسان منا أحمق، ليس هناك حمق فوق هذا.

فليس كل موقف يُقال فيه كل شيء، إلا إذا كان [الإنسان] غير مبالٍ ومستهترًا بجميع الناس. ولذلك يجب علينا أن نضع لأنفسنا ضابطًا ورابطًا، وهذا الضبط والربط يتأتى من الحياء.

الحياء شعبة من شعب الإيمان وعلاقته بضبط السلوك

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق الناس، والحياء شعبة من شعب الإيمان»

أعلى الإيمان لا إله إلا الله -القضية الكبرى للكون- وأدنى شعبة من شعب الإيمان أن تزيل الأذى، لا أن ترمي الأذى في طريق الناس.

ولكنه ينبه على مفتاح [الإيمان]، هذا المفتاح في منتهى الغرابة؛ لأنه تُبنى عليه أمور: هو يُبنى على الحب الذي يُبنى على الرحمة، ويخرج منه ضبط وربط للسلوك.

تفسير الحديث وبيان أن بعض أعراف الناس موافقة لكلام النبوة

ولذلك هذا هو تفسير الحديث الذي معنا، حيث يقول: إن مما أدرك الناس -أهل قريش وأهل العرب- من كلام النبوة، يعني النبوة الأولى التي ورثناها عن الأنبياء، حتى دون أن يشعر الناس أن هذا من كلام النبوة: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت.

وهنا نرى أن بعض أعراف الناس هي طيبة ومتوافقة مع كلام النبوة؛ فليس كل مجتمع تقع فيه المعصية ويحدث فيه كفر أو شرك بالله قد تخلى عن كل جميل أبدًا، فهناك أشياء جميلة [بقيت فيهم من إرث النبوة].

شواهد من السيرة على بقاء مكارم الأخلاق في الجاهلية

ولذلك كان الجاهليون المشركون الوثنيون يطوفون بالبيت العتيق ويسعون بين الصفا والمروة، وما زال عندهم بعض مكارم الأخلاق.

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ابنة حاتم [الطائي] قال: إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق. أهو في الجنة يا رسول الله؟ لا، ولكن كان يحب مكارم الأخلاق ويكره سفاسفها.

وهكذا [كان] الرسول [ﷺ يُنصف أهل الجاهلية فيما أحسنوا فيه]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب المطعم بن عدي ويقول: لو كان المطعم حيًّا وكلمني في هؤلاء النتنى -أسرى بدر- لوهبتهم إليه.

وجوب الإنصاف والتمييز بين الخير والشر في المجتمعات

ليس كل مجتمع خالصًا في الشر أبدًا، ونحن عندما نأتي [لتقييم المجتمعات] يكون لدينا إنصاف وتمييز بين هذا وذاك.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.