الدال على الخير كفاعله | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •يبين النص أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع منهجاً واضحاً للعلاقات بين الأفراد والحكومة والمجتمع.
- •جعل الدال على الخير كفاعله في الثواب، كما في حديث "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين".
- •يوضح قصة الرجل الذي طلب من الرسول أن يحمله، فاعتذر لعدم قدرته، فتطوع آخر بدلالته على من يحمله.
- •يشير إلى أهمية المجتمع المدني في سد حاجات الناس عندما لا تستطيع الحكومة تلبيتها.
- •يدعو إلى تحويل القيم الإسلامية إلى مؤسسات فاعلة تخدم المجتمع.
- •يصحح مفهوم المجتمع الإسلامي بأنه ليس مقتصراً على إقامة الحدود العقابية.
- •يبين أن الإسلام يدعو للرحمة والستر ودرء الحدود بالشبهات والتيسير على المعسرين.
- •يؤكد أن الإسلام دين راقٍ رقيق وليس ديناً عنيفاً كما يصوره البعض.
مقدمة حلقة مجالس الطيبين والاقتداء بأخلاق رسول الله ﷺ ومواقفه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها المشاهدون الكرام، أيتها المشاهدات الكريمات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر الكريم.
ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خُلُقه وفي مواقفه، نستنبط منه الهداية لحياتنا؛ في علاقتنا فيما بيننا، في علاقتنا مع رؤسائنا ومع حكامنا، في علاقاتنا مع الدول المحيطة بنا، في علاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم.
منهج النبي ﷺ في تربية الفرد والمجتمع وجعل الدال على الخير كفاعله
ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يربي الفرد ويربي الجماعة ويربي المجتمع ويربي الأمة، يصنع لهم طريقًا واضحًا ويأمرهم بأخلاق دقيقة يترتب عليها الخير في الدنيا والثواب في الآخرة.
من ذلك أنه جعل الدال على الخير كفاعله في الفضل؛ في القيام بما يجب أن نقوم به في الدنيا، في الثواب المترتب عليه في الآخرة.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين»
يعني هذا الحديث أن الدال على الخير كفاعله؛ فهذا الذي سنّ سنة حسنة دلّ الناس على الخير، وعلى ذلك فله ثواب كأنه فعل الخير، بالرغم من أنه لم يفعل إلا مرة واحدة.
حديث أبي مسعود الأنصاري وطلب الرجل من النبي ﷺ أن يحمله
وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
«إني أُبدِعَ بي فاحملني»
يعني يريد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائد الحكومة وزعيم الأمة أن يعطيه دابة حتى تصل به إلى غرضه أو إلى وطنه. فكلمة «احملني» معناها طلب المعونة.
وهنا يطلب أحد أفراد الناس المعونة من رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره إمامًا وباعتباره صاحب سلطان في هذه الأمة.
العلاقة بين الفرد والحكومة ومتطلبات المواطنين في العصر الحاضر
ولذلك عندما نستفيد من هذا الموقف فإن هذا الحديث يتحدث عن العلاقة بين الإنسان وحكومته؛ يطلب أحد الأفراد من الحكومة شيئًا ما.
وفي عصرنا الحاضر نطلب من الحكومة نفقات العلاج، في عصرنا الحاضر نطلب من الحكومة البعثات العلمية، في عصرنا الحاضر نطلب من الحكومة إصلاح الهياكل الأساسية.
ومن الهياكل الأساسية:
- •الطرق والشوارع والمصارف
- •بناء المستشفيات وبناء المدارس
- •الصرف الصحي
- •إدخال الكهرباء إلى القرى التي لم تدخلها بعد
وهكذا العلاقة ما بين الفرد والحكومة؛ طلب منها من فرد من رعاياها: يا رسول الله احملني.
رد النبي ﷺ بعدم القدرة وصدق الحاكم في بيان إمكانات الحكومة
فقال [رسول الله ﷺ]: ما عندي. الحكومة عجزت عن الوفاء بجميع متطلبات الأفراد، إذن فهذا أمر طبيعي، أمر لا غرابة فيه، أمر يتعلق بإمكانات الحكومة في زمن معين وبطريقة معينة.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حكومة تحكم بين الناس وتقود البلاد، صادق ويتحدث عن الواقع، ولا يَعِدُ بما يُكلّف نفسه ما لا يطيق.
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
فيرد عليه بمنتهى البساطة: ما لديّ.
الفرق بين عجز الحكومة وعدم استطاعتها المؤقت في تلبية الاحتياجات
إذن فعندما لا تستطيع الحكومة، لا نقول تعجز بل نقول لا تستطيع؛ لأن هذا مرتبط بزمن ما ثم بعد ذلك تستطيع، وبحالة ما وفي وقت في مكان معين وعند شخص معين.
لا تستطيع أن تقول لا؛ كلّفني تكلفة العلاج، قال: أعطني خمسين ألفًا، هي قالت: لكن العلاج يحتاج إلى ثلاثمائة ألف، قال: ليس لديّ ولا أستطيع. إذن لا تستطيع أفضل من كلمة عجزت.
فإذا لا تستطيع الحكومة أداء هذا، فلا بد للمجتمع المدني أن يتدخل وأن يقوم إن استطاع بما يستطيع؛ لدرء عدم قدرة الحكومة، ليس لدي [الحكومة] القدرة على المساعدة.
دور المجتمع المدني في سد عجز الحكومة والدلالة على الخير
فقال رجل: يا رسول الله، أنا أدلّه على من يحمله. هذا الرجل دالٌّ على الخير، هذا الرجل انتقل من قدرة الحكومة وعدم قدرتها إلى تشغيل وتفعيل المجتمع المدني.
أنا أدلّه على الجهة في المجتمع المدني التي لا يعرفها كثير من الناس وأنا أعرفهم، يستطيعون أن يقوموا بهذه العملية ويعطوه دابة ويحملوه حيثما أراد، بأي طريقة:
- •إما أن يُملّكوه هذه الدابة
- •وإما أن يكون عندهم خط للبريد فيحملوه عليها
- •وإما أي صورة من الصور
- •وإما أن يستأجروه
- •وإما أن يرسلوا معه أحدهم من أجل أن يصل به إلى مبتغاه ثم يعود
إلى آخر ما هنالك من صور.
حديث من دل على خير فله مثل أجر فاعله وتفعيل المؤسسات المجتمعية
يا رسول الله، أنا أدلّه على من يحمله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله»
لأنه هو الفاعل لما عجزت عنه الحكومة، والدالّ عليه والمرشد له أجر.
ومن هنا تأتي فكرة تحويل المبادئ والقيم التي أمرنا بها في ديننا إلى مؤسسات فاعلة في مجتمعنا من أجل الوصول إلى أحسن النتائج.
تحدثنا عن هذا المعنى ونعيد الحديث عنه مرات ومرات: كيف نفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نستخرج من الأحاديث معاني، نحوّل هذه المعاني إلى سلوكيات وإلى أفعال وإلى مناهج للتعليم والتربية والمؤسسات العاملة التي تفيد المجتمع.
مفهوم المجتمع الإسلامي لا يقتصر على إقامة الحدود العقابية فحسب
هذا هو مفهوم المجتمع الإسلامي؛ إن مفهوم المجتمع الإسلامي لم يقتصر أبدًا على إقامة بعض الحدود العقابية، ولا يكون في ذهن الإنسان مجتمعًا إسلاميًا إلا إذا قُطعت أيدٍ أو جُلدت ظهور.
في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بغير ذلك ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «من ستر مؤمنًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن فرّج عن مؤمن كربة في الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر في الدنيا يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة»
منهج النبي ﷺ في درء الحدود بالشبهات والستر على المسلمين
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «استر أخاك ولو بهُدبة ثوبك»، ويقول: «ادرءوا الحدود بالشبهات». ويأتيه الرجل ويقول: يا رسول الله زنيت، فيُعرض عنه كأنه لم يسمع؛ حتى لا نصل بالحدود إلى الحكّام.
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بيّن لنا ربنا في القرآن ورسولنا في السنة عقوبة هذه القاذورات والمعاصي استعظامًا لشأنها، وليس جعلها عنوانًا على المجتمع المسلم.
بحيث أنه لا يكون مسلمًا ولا يكون المجتمع المسلم أمام الناس أجمعين، أمام العالمين الذين ندعوهم إلى الله، إلا إذا قُطعت أيديهم أو ضُربت ظهورهم. لم يكن هذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الإسلام دين رقيق راقٍ يدرأ الحدود ويحول الأفكار إلى مؤسسات فاعلة
بل أراد [رسول الله ﷺ] أن نفهم أن هذه المعاصي كبائر وأنها أوساخ وأنها قذارات يجب أن نبتعد عنها، وأنها عظائم عند الله سبحان الله تعالى، وليس بها تستقر المجتمعات.
رسول الله صلى الله عليه وسلم درأ الحدّ بأي شبهة كانت، حتى أنه أجاز رجوع المجرم عن إقراره بذنبه وجريمته. رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ»
وبعده عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] أوقف الحدود في عام الرمادة.
ولذلك فنحن في إسلام رقيق عالٍ راقٍ، وليس في إسلام عنيف. يقول فيه رسول الله ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله»
كلام في منتهى الوضوح، كلام في منتهى التحديد، كلام يجعلنا نعرف الفرق ونعرف الطريقة ونعرف كيف نحوّل الأفكار إلى مؤسسات.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
