الدرس الثامن والأربعون | شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب الإقرار | أ.د. علي جمعة - شرح متن الزبد, فقه

الدرس الثامن والأربعون | شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب الإقرار | أ.د. علي جمعة

14 دقيقة
  • الإقرار هو الاعتراف بشيء، وينقسم إلى نوعين: إقرار في حق الله وإقرار في حق الأشخاص.
  • الإقرار في حق الله يمكن الرجوع عنه مثل الاعتراف بالسرقة، حيث يُفضل الرجوع لدرء الحد.
  • الإقرار في حق الأشخاص لا يجوز الرجوع فيه كالاعتراف بدين لشخص، إلا إذا تنازل صاحب الحق.
  • يشترط لصحة الإقرار أن يكون المقر بالغاً عاقلاً غير مكره.
  • الإرادة الحرة شرط أساسي للإقرار، فلا يصح إقرار المجنون أو النائم أو المكره.
  • يشترط الرشد في الإقرار المتعلق بالمال، وعند أبي حنيفة يكون بإتمام إحدى وعشرين سنة.
  • يُقبل الاستثناء المتصل في الإقرار كقول "علي ألف إلا مائة" في مجلس واحد، ولا يقبل المنفصل.
  • يصح الإقرار بالنسب للمجهول إذا كان ممكناً عقلاً، كمن أقر بأبوة شخص مجهول النسب.
  • تُقبل تصرفات المريض مرض الموت المخوف المتعلقة بالإقرار، بينما تُقيد تصرفاته الأخرى.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

حكم الرجوع عن الإقرار في حق الله وحق الأشخاص

ما إنه استدرك عن الإقرار، لا تقل يا كذاب يا ضلالي ما دمت قد اعترفت منذ قليل ستعترف أم لا، يقولون هكذا.

لماذا؟ لأن الإقرار كان في حق الله، فالإقرار معناه الاعتراف، اعترف بشيء لو كان هذا الشيء في حق الله.

طيب ما هو حق الله؟ قال: حق المجتمع، وحق المجتمع الذي نتحدث عنه الآن هو حق الله، أي شيء يرجع إلى التربية، تربية هذا الشخص نفسه، ولكنه لا يرجع إلى شخص معين، ولكن المجتمع يأبى أن يصدر منه هذا الفعل، فيقول له: انتبه ألا يصدر منك هذا الفعل حتى لا تشيع الفاحشة في الناس والخطيئة في الناس.

عدم جواز الرجوع عن الإقرار المتعلق بحقوق الأشخاص

أما إذا كان [الإقرار] متعلقًا بأحد الأشخاص فلا يجوز الرجوع، فالإقرار الذي هو في حق الأشخاص لا يُرجع فيه.

فلو أقرّ أن عليه دينًا لفلان ألف جنيه، ثم رجع بعد قليل قائلًا: لا لقد تذكرت، هذا ليس له شيء، فلا يجوز ذلك، فقد ثبتت في ذمته أمام حضرة القاضي الألف جنيه.

لماذا؟ لأنه حق تعلق بشخص معين، فأنا لا أضيع هذا الشخص، الله غفور رحيم، لكن الشخص ليس غفورًا رحيمًا. إذا تنازل الشخص عن الألف جنيه فهو حر، فيكون بذلك يتخلق بأخلاق الله، عفا وصفح، وهذا ما نسميه الصلح.

شروط صحة الإقرار من أهلية وعقل وبلوغ وعدم إكراه

ولذلك يجب أن يكون الإقرار صادرًا من ذي أهلية:

  • أن يكون عاقلًا.
  • أن يكون بالغًا.
  • أن يكون غير مُكرَه.

فلو صدر الإقرار من مجنون، أو من صبي صغير يخطئ ولا يقدّر عواقب الأمور، أو من شخص مُكرَه أُكرِه على هذا الإقرار، هدّده شخص وقال له: إن لم تعترف سأطلق عليك النار، فخاف فأقرّ، يكون الإقرار باطلًا.

لا بد أن يكون قاصدًا عالمًا مختارًا، لكي يكون الإنسان مكلفًا لا بد أن يكون لديه عقل، ولا بد أن تكون لديه إرادة حرة، والإرادة الحرة تعني ألا يسيطر عليها أحد وألا يؤثر فيها أحد بشيء.

شرط الرشد في الإقرار بالمال وسن الرشد عند أبي حنيفة والقانون المصري

ويُضاف إلى هذا أنه إذا تعلقت الأمور بالمال فلا بد من الرشادة. والرشد عند أبي حنيفة إحدى وعشرون سنة، والذي أخذنا به في مصر هنا في القانون: إذا كان الشخص أقل من واحد وعشرين سنة لا يستطيع أن يصرف شيكًا.

يذهب إلى البنك وهو في السابعة عشرة من عمره ومعه بطاقة، فيقول له: خذ اصرف، فيقول له: لا، هذا أنت لست في الواحدة والعشرين من العمر، الرشد يبدأ من الواحد وعشرين.

في حين أن الرشد عند غير أبي حنيفة نرى ونختبره: هل يعرف أن يتاجر أم لا، هل يعرف أن يحافظ على المال أم لا، ما دام وصل إلى حد المحافظة على المال فهو رشيد. إذن نحن ماضون على واحد وعشرين حتى يحلها الله، لا يجري شيء، لا يوجد شيء.

باب الإقرار وشرط التكليف وحالات بطلان الإقرار كالنوم والتخدير

باب الإقرار: وإنما يصح مع تكليف، الإقرار يجب أن يصدر من مكلف، فلو كان مجنونًا أو إرادته ليست حرة بالإكراه، أو لم يكن قاصدًا، أو غافلًا، أو نائمًا، أو هو في العملية الجراحية وهو تحت التخدير قال عرضًا: فلان يا إخواني له عندي ألف جنيه، لا يُعدّ إقرارًا.

بالرغم من أن ربما عقله الباطن الذي فيه الصحة هذا قد اشتغل، ولكنه لا يُعدّ إقرارًا، لزم أن يكون في حالة الصحو، لا يكون غافلًا، طوعًا ما ليس فيه إكراه، يبقى في تكليف بوجود العقل وجود كذا والطوع.

تعريف المرض المخوف وهو مرض الموت المتصل بالوفاة

ولو في مرض المخوف، الشخص عندما يقول المخوف، يعني ماذا؟ المرض المخوف هو مرض الموت.

هذا ما شكله؟ قالوا: أن يتصل بالموت، يعني دخل العناية المركزة وبقي فيها حتى مات. لكن لو دخل العناية المركزة يومين أو ثلاثة وخرج ونزل إلى العمل، وبعد يومين أو ثلاثة مات، فلا يكون هذا مرضًا مخوفًا.

المرض المخوف هو المرض الذي يُخشى منه الموت، ومرض الموت معناه المرض المتصل بالموت، يبقى متصلًا به في تصرفات المرض المتصل بالموت.

إبطال طلاق المريض مرض الموت لزوجته حفاظًا على حقها في الميراث

هذه [التصرفات في مرض الموت] عند الفقهاء يضعون عليها بعض علامات الاستفهام؛ لأن الإنسان لا يكون في حالته المتزنة.

ولذلك لو طلّق زوجته قائلًا: لقد خدمتني، وهذه الزوجة ليست أم أولاده، وخائف أن يذهب الميراث إليها، فطلّقها في المرض المخوف الذي هو مرض الموت، نُلغي الطلاق هذا ونجعلها ترث؛ لأن من تعجّل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه.

ونقول له: لا، أنت رجل يبدو أنك خرفت من أثر المرض، وأنت بهذا تظلم زوجتك التي خدمتك وبقيت معك. هل يجب أن يذهب ثمنها إلى الأولاد؟ فالمرض المخوف نُبطل فيه هذا [الطلاق].

إبطال التصدق بكل المال في مرض الموت حفاظًا على حق الورثة

افترض أنه جاء وخاف من الله، قال: والله إنني أريد أن أذهب إلى ربي سليمًا، ولذلك الثلاثة أو الأربعة ملايين التي جمعتها تصدقت بها جميعًا للجمعية الخيرية الفلانية.

قم فلنبطل هذا التصرف، ونقول له: لا، هذا نابع من رهبة الموت، وأنت بهذا ستخرب بيت الورثة، أي سيذهب ليموت وليس معهم شيء، مساكين، فلا تسلب منه هذا السلطان.

إذن التصرف في المال والتصرف في كذا إلى آخره يصبح عملية محدودة فيه.

قبول الإقرار في مرض الموت دون التصرفات الإيجابية لأنه نابع من خوف الله

إلا الإقرار، انظر الآن إلى الفرق: جاء وقال يا إخواننا إن عليّ مائة ألف جنيه لفلان، أو بالمناسبة يا إخواننا القضية التي رفعناها على فلان أنا الظالم فيها، إنه يخاف من الله الآن.

فعندما يقترب الموت من الإنسان أيضًا يقلّب في دفاتره، فهو الذي له حق فأعطوه له أو تنازلوا أو كذا.

الإقرار يُقبل، فالتصرفات الإيجابية هذه لا تُقبل منه، لكن الإقرار يُقبل منه. لماذا؟ من المنطقي أن هذا الرجل خائف، ومن خوفه بدأ يقول الحق، فهذا كلام فيه منطق.

شرط الرشد في الإقرار بالمال وحكم الاستثناء المتصل في الإقرار

والرشد إذ إقراره بالمال، يعني لو كانت المسألة متعلقة بالمال لا بد أن يكون راشدًا، وقلنا الراشد سنقلد أبا حنيفة واحدًا وعشرين سنة.

وصحّ الاستثناء باتصال: عندما يقول يا إخواننا هذا له عليه ألف إلا مائة، تمامًا كما كنا في الفلاحين قديمًا نعمل هكذا، نقول هكذا، نقول العشرات ونخصم منه، يقول لك: عشرة إلا واحد أي تسعة.

فهذا الاستثناء مقبول أم غير مقبول؟ بحيث أقول له عليّ ألف وبعد ذلك يقول إلا مائة، فأقول له: أنت تراجعت هكذا في مائة من الألف الذي أقررت بها؟ لا؛ لأن اللغة تحتمل هذا، اللغة فيها هكذا فأهلًا وسهلًا وأيهما.

الفرق بين الاستثناء المتصل المقبول والاستثناء المنفصل غير المقبول في الإقرار

فالاستثناء المتصل هو الذي نأخذ به، أما المنفصل بأن يقول: له عليه ألف، ثم في اليوم التالي يقول: على فكرة إلا مائة، هذا لا يجوز.

والمتصل والمنفصل هذا كم مقداره؟ قالوا: العرف أن يكون في مجلس واحد هكذا ولا يفصل بينهما زمن.

لكن لو مثلًا قال: يا إخواننا هذا له عليّ ألف (فاصل من السعال) إلا مائة، حسنًا فيبقى متصلًا أيضًا؛ لأن هذا السعال عارض مقبول. ولكن يقول ألف وبعد أن نناقشه ونفعل يقول إلا مائة بعد نصف ساعة، لا [لا يُقبل].

الأعذار المقبولة التي لا تقطع اتصال الاستثناء كالسعال والعطس والبكاء

فيمكن أن يكون عطس أو تثاءب أو أصابه السعال، استنثر، أصابته زغطة، لا بأس عليه.

نعم تقول ماذا؟ شرقة، يا سيدي حاضر، يا سلام! يجب أن يُعلّموا الشيخ، أبدًا يقول لك أيضًا ناقص الشرقة، حاضر.

زغطة، شرقة، سعال تتعلق بهذا الأمر، بكاء وبكاء، هذا شيء يجعل الإنسان يبكي [فكلها أعذار مقبولة لا تقطع اتصال الاستثناء].

عدم قبول الرجوع عن الإقرار في حق البشر وقبوله في حق الله تعالى

وانتبه جيدًا عن حقنا، ليس الرجوع مقبولًا؟ الرجوع لا يُقبل بشأن حقنا نحن بني البشر، فلن يُقبل أبدًا الرجوع في حضرة القاضي.

بل حق ربي فالرجوع أفضل، وأحدهم اعترف على نفسه وقال: أنا سرقت. كان سيدنا عثمان [بن عفان رضي الله عنه] عندما يأتيه رجل أمسكوه في سرقة يقول له: أسرقت؟ قل لا! انظر إلى هذه الرحمة، حتى لا يقطع يده، فيقول له: قل لا.

فلسفة الحدود في الإسلام بين الردع والرحمة وفتح باب التوبة

فيقول أحدهم: إنه يقول له اكذب! اسكت يا هذا اسكت، فأنت لا تفهم شيئًا على الإطلاق. إن الحدود لكي تخيف الناس إنها تسرق [أي تردعهم عن السرقة]، وليست الحدود مصنوعة لكي نؤكد أننا ننتقم من هذا الآثم.

هذا الآثم نفتح له التوبة ونعطيه فرصة وأخرى، قل لا! هكذا فعل أبو بكر وعمر وعثمان [رضي الله عنهم]؛ لأنهم فاهمون للدين.

يأتي أحدهم ليقول لك: والله يعني سنكذب؟ ونخدع لك الولد هكذا، الولد من هؤلاء الإخوة، هؤلاء بلوى! فلا، لن نكذب.

تلقين المتهم الإنكار في حد السرقة ودرء الحدود بالشبهات

وعندما قال لا، قال شيئًا؟ فعل شيئًا؟ قال: لا. أسرقت؟ قال: لا. يقول يا إخواننا ما هو يقول لا، هكذا مع السلامة، امضِ.

طبعًا الموقف الخاص بأنه داخل وستُقطع يده، يكفيه أن يتوب إلى الله، أيًّا كانت [العقوبة]، البشر بسيطة هكذا.

قال النبي ﷺ: «ادرءوا الحدود بالشبهات»

لكن انظر يقول ماذا: بحق ربي فالرجوع أفضل. هذا الرجوع! أستكذب هكذا؟ قال: نعم، أفضل أن يُقام عليك الحد وتدخل نفسك في إطار آخر تمامًا، ربنا لا يقصده ولكن جعله لأجل شيء آخر تمامًا، يا هذا كفّ يا ذا الأذنين، هكذا تمضي هذه وتلك.

رأي الإمام الشافعي في أن الرجوع عن الإقرار في حق الله أفضل من الصدق

وانتبه فإذن ليس هذا حسنًا، والشافعي قال إن الكذب أحسن [في باب درء الحدود]، فهو يقول إنه أفضل، فالرجوع أفضل.

افهم دينك واترك العنترة، وهذه العنترة [التشدد في إقامة الحدود دون فقه].

إقرار النسب لمجهول النسب وقصة الأب الذي استلحق ابنته بعد عشرين سنة

ومن بمجهول أقرّ قُبِل في إقرار النسب: واحدة اسمها فاطمة أنجبت واحدة اسمها زينب من زواج صحيح، كانت متزوجة من محمد، حسنًا محمد انسحب وطلّقها ومضى، لا تعرف له عنوان ولا تعرف له أصلًا من فصل من بلد من أي شيء.

الرجل تزوجها على سنة الله ورسوله وأنجب منها وطلّقها ومضى. بعد عشرين سنة كلما يقولون لفاطمة: من أبوك؟ تقول: والله لا أعرف. التي [أنجبتها هي] زينب يا فاطمة، لكن الرجل الذي تزوجك هذا فما اسمه كاملًا؟ تقول: لا أدري، لم يسجل عقلي ذلك. بهذا الشكل فهذا ما يسمونه مجهول النسب.

عودة الأب واستلحاقه لابنته مجهولة النسب وقبول إقراره شرعًا

عمك محمد جاء بعد هذه الفترة الطويلة وعاد، فوجد الفتاة زينب فقال لها: لا إله إلا الله يا فتاة، ما اسم أمك؟ فقالت له: فاطمة. قال لها: خمسة شارع محمد عبده خلف الأزهر؟ قالت له: نعم. الطابق الثالث؟ قالت: نعم. أتعرفنا؟ قال لها: يا ابنتي أنا أبوك!

لماذا؟ الفتاة تشبه في الخلقة لفاطمة، فتذكّر شيئًا من الزمان الماضي، فسأل فوجد هذا صحيحًا، فذهب إلى فاطمة. قالت له: أين كنت أيها المتعوس منذ عشرين سنة؟

فاستلحق الفتاة، استلحق الفتاة أي اعترف بأنه أبوها، يجوز. ومن بمجهول أقرّ قُبِل بيانه بكل ما تمول.

دعاء ختامي بالمغفرة والعلم النافع والثبات على الحق

فاللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا، واشرح صدورنا وعلّمنا العلم النافع، وثبّتنا على الحق وانصرنا به يا أرحم الراحمين، وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله.