الدرس الثامن والثلاثون | شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | كتاب الحج | أ.د. علي جمعة
- •الحج في اللغة هو القصد، وشرعاً قصد البيت الحرام محرماً لأداء الفريضة المفروضة على المسلمين القادرين جسدياً ومالياً مرة في العمر.
- •يجمع الحج العبادات المختلفة كالصلاة والنفقة والذبح والذكر والتلاوة والطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت.
- •يمثل الحج وحدة للأمة ومؤتمراً إسلامياً، لكن ما يحدث اليوم من تدافع وزهوق للأرواح يخالف مقصود الحج الذي شُرع للحفاظ على الأرواح.
- •للحج ميقات زماني يبدأ من أول شوال وينتهي بأيام التشريق، فلا يصح الإحرام بالحج قبل ذلك أو بعده.
- •للحج ميقات مكاني عبارة عن دائرة حول مكة لا يجوز تجاوزها دون إحرام، وهي تشمل أبيار علي والجحفة وينبع وذات عرق وقرن الثعالب ويلملم.
- •اختلف العلماء في ميقات القادم عبر الطائرة، فمنهم من جعله جدة تيسيراً، ومنهم من احتاط بالإحرام في الطائرة.
تعريف الحج لغة وشرعًا وبيان فرضيته على المسلمين القادرين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
كتاب الحج: الحج لغةً القصد، وشرعًا هو قصد البيت الحرام مُحرِمًا قاصدًا أداء الفريضة التي فرضها الله علينا وجعلها ركنًا من أركان الإسلام، وهي فرض على المسلمين القادرين جسديًّا وماليًّا، سواء أكانوا من الذكور أو الإناث، من الرجال أو النساء البالغين، مرة واحدة في العمر.
الحج يجمع كل العبادات من صلاة ونفقة وذبح وذكر وطواف
فالحج إلى بيت الله الحرام يجمع كل العبادات؛ ففيه الصلاة، وفيه النفقة المالية، وفيه الذبح لله، وفيه الذكر، وفيه التلاوة، بالإضافة إلى الطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت في الأماكن الطاهرة.
[وذلك كله] إحياءً لسنة سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا بِٱللَّهِ﴾ [الحج: 78]
الحج مؤتمر لوحدة الأمة وما يخالف حفظ الأرواح يبطل مقصوده
لأن الحج فيه وحدة للأمة، وهو مؤتمر كان ينبغي على المسلمين أن يجتمعوا فيه، لا لما نشاهده اليوم من خروج عن حدود الطهارة والنظافة واختلاطهم، وما نشاهده من زهوق الأرواح.
فإن الحج لأنه شعيرة إنما شُرع للحفاظ على الأرواح؛ فكل ما خالف الحفاظ على الأرواح فهو يكرّ على مقصود الحج بالبطلان.
وعلى ذلك فيجب على المسلمين أن يتخذوا من الأحكام ومن التدبيرات ما يُخرجهم من هذا المأزق الذي هل فيه [وقعوا]؛ أجاز طاووس ومجاهد الرمي بالليل والنهار في جميع الساعات [تيسيرًا على الناس ومنعًا للزحام].
ذكر شيخ المقارئ المصرية وقراءة ابن كثير حتى سورة الروم
هذا [الشيخ المذكور هو] شيخ المقارئ المصرية الذي علّمني القرآن، وقرأتُ عليه [قراءة] ابن كثير حتى سورة الروم. كلما أقول: قرأتُ عليه ابن كثير، يخاف أن أنحرف قليلًا [عن الدقة]، أنه قرأتُ عليه ابن كثير مباشرة، ويقول: حتى سورة الروم.
صحيح يا مولانا؟ سنختتم إن شاء الله. هذا الكلام منذ عشرين سنة ولم نختتمه بعد، طالب بليد! من الأول إلى الروم على ابن كثير.
حسنًا، وابن كثير مكّي [أي قراءته قراءة أهل مكة]، وهذا نحن هنا في ماذا؟ في الحج.
الشرائع شُرعت لحفظ النفس لا لقتلها وإنكار التدافع في الحج
حسنًا، إذا شُرعت هذه الشرائع لحفظ النفس لا لقتلها، وحدّثني بعضهم وهو يكاد يبكي أن بعض الناس لقد اعتلى جثث الموتى ليرمي!
أهذا مسلم؟ أهذا يعني فقه الإسلام أو عرف شيئًا عنه؟ أم أن همّه أن يرمي فحسب، وما شأني [بغيري]؟
لا يجوز هذا يا إخواننا، إن الحج أمر عظيم، لكن هؤلاء حوّلوه إلى شيء لا يوصف، إلى مقتلة ومذبحة.
وجوب العودة إلى الدين الصحيح ونبذ التخلف الذي يسيء للإسلام
فلا بدّ لنا أن نعود سريعًا إلى ديننا. لا تظن أن الله سينصرنا ونحن في هذه الحالة من التخلف؛ لأن الإسلام لم يتخلف.
وهم الآن يقولون: المسلمون متخلفون، إذن الإسلام متخلف. انظروا أنتم! نحن نؤذي الإسلام بأيدينا؛ هو الإسلام عالٍ، نحن الذين لسنا صحيحين. لكن هو [غير المسلم] يقول: لا، هؤلاء ليسوا صحيحين، إذن الإسلام ليس صحيحًا.
إذن سبب تخلفنا هو الإسلام؟ لا، سبب تخلفنا أننا لم نجد شيئًا يأمرنا به الله ورسوله إلا وفعلنا عكسه.
أمثلة على مخالفة المسلمين لأوامر الدين في حياتهم اليومية
ربنا يقول بسم الله الرحمن الرحيم [أي يأمرنا بالرحمة]، وانظر كيف يضرب الناس الأطفال في المساجد من البداية! انظر كم واحد اضطرّ أن يجعل زوجته تذهب إلى القاضي لتتطلّق، ولو كان مسلمًا [حقًّا] كان ذهب ليراضي زوجته بالحسنى ويحلّ المشكلة الزوجية بالعقل.
فأين سنأخذ الأولاد؟ فماذا سنفعل؟ فماذا سنصنع؟ لكن لا، هذا [يرى أن زوجته] فكرها قطعة لحم ملكه، فشوّهوا صورتنا في العالمين.
وجوب المسارعة إلى الدين والدعاء بالثبات في هذه الأيام الصعبة
وهكذا، لا صلاتنا فيها خشوع، ولا ذكرنا فيه خشية ولهج بسم الله تعالى، ولا نحن مرضيّين [عند الله]. فينبغي علينا أن نسارع [إلى الله]، ولكن لا نسارع هناك [أي لا نفرّ من ديننا]، لا نسارع ونفرّ من ديننا، [بل] نسارع إلى ديننا؛ لأنه هو الحصن الحصين.
فاللهم يا ربنا فهّمنا مرادك وأقمنا في دينك وانصر دينك بنا؛ لأن هذه أيام سوداء لا تحتمل، عندما يُفرض عليك الزنا والشذوذ، أو عندما يُفرض عليك التخلف الذي يعيش فيه هذا، والمهم حريتك.
ملعون أبو هذه الحرية (أي نحن لا نريدها ونحن في غنى عنها) التي تميت الإنسان أمام الإنسان بعد أن أماتته أمام رب الإنسان.
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]
لا بدّ، وليس هناك وقت. فاللهم تب علينا حتى نتوب إليك.
الميقات الزماني للحج يبدأ بعيد الفطر وينتهي بعيد الأضحى
الحج أشهر معلومات، وفيه ميقات مكاني، والأشهر المعلومات يسمّونها الميقات الزماني.
تبدأ هذه الشهور بيوم العيد؛ أوّلنا عيد وآخرنا عيد. هذه الأشهر المعلومات أوّلها عيد الفطر [الأول من شهر شوال]، اليوم هذا يبدأ فيه جواز الإحرام بالحج.
فلو أحرمتَ قاصدًا البيت الحرام في يوم الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من رمضان، لا ينعقد حجًّا. لماذا؟ لأنني خارج الميقات الزماني، كأنني أريد أن أصلي المغرب الآن فلا يجوز. لماذا؟ لأن الوقت لم يدخل.
وقت الحج يبدأ بعيد الفطر وينتهي بانقضاء أيام التشريق
فالحج له وقت، ووقت الحج يبدأ بالعيد [عيد الفطر] ويستمر في أركانه حتى يوم العيد.
أيّ عيد إذن؟ العيد الكبير [عيد الأضحى]. فلماذا سُمّي كبيرًا؟ لأنه أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق.
فإذا انقضى العيد الكبير تمّت أشهر الحج؛ فلا يصحّ أن أُحرم بالحج بعد أيام التشريق. إن أردتَ أن تُحرم من الآن حتى السنة القادمة فلا يصحّ، أليس كذلك؟
هنا في الحجاز، وبالمناسبة لا يجوز؛ أنت لا يزال الوقت لم يحن، الوقت لم يحن. فهذا معنى المواقيت الزمانية: أنه لا يجوز أن تُحرم بالحج إلا في وقته الذي يبدأ [بالعيد الصغير] لكي نحتفل بالعيد، وينتهي بالعيد، ولكن هذا العيد الصغير وهذا العيد الكبير.
الميقات المكاني دائرة حول مكة لا يجوز تجاوزها بلا إحرام
هل يمكن أن أُحرم من هنا من مسجد السلطان حسن أو من بيتنا؟ لا يوجد مانع، المهم ألّا تتجاوز الميقات إلا وأنت مُحرِم.
الميقات هذا شكله كيف؟ عبارة عن دائرة مرسومة حول مكة على الخريطة، لكن من سيرسمها بيديه بالقلم الرصاص [فهي واضحة]. لا تدخل هذه الدائرة من أيّ جهة إلا وأنت مُحرِم.
فلو أحرمتَ وأنت في سوريا، أو وأنت في مصر، أو وأنت في تركيا، لا بأس، ولكن المهم أن تبقى مُحرِمًا حتى تدخل هذه الدائرة.
حدود الميقات المكاني من أبيار علي وذات عرق ويلملم وغيرها
هذه الدائرة أين حدودها؟ أبيار علي، أو الجحفة، أو ينبع، كلها أماكن قريبة من بعضها البعض. ذات عِرق للقادم من الشرق هكذا، وهو قرن الثعالب [الطائف]. يلملم للقادم من اليمن.
حسنًا، هذه كلها مرسومة على الأرض. إذن أين باقي الدائرة؟ باقي الدائرة البحر؛ أصبحت الدائرة [مكتملة بـ] البحر.
فأين الشيء الخاص به [أي ميقات البحر]؟ قال: لا يوجد؛ النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يقل. النبي قال ماذا؟ قال على البرّ فقط.
ميقات القادم من البحر جدة كما نص عليه النووي وبيان السبب
ولذلك البحر لا يوجد [ميقات منصوص عليه]. قال: فافترض أن واحدًا يسكن في سواكن — هذه مدينة أمام جدة — هذه ما هذه؟ جدة.
نقول لها جدة، هذه جدة؛ لأنها جدة البحر [أي شاطئ البحر]. يعني ساكن أمامها وركب سفينة وذهب داخلًا عليها هكذا. قال: فيكون ميقاته جدة، الميقات الخاص به يكون جدة.
سواكن نصّ عليها النووي [في كتبه].
ميقات القادم بالطائرة جدة عند الشيخ عطية صقر وبيان الخلاف فيها
ودخلنا هكذا [في المسألة]، لمّا جئنا فإذا شيء جديد لم تكن موجودًا أيام الفقهاء القدماء: الطائرة.
فالشيخ عطية صقر — من كبار الشافعية عندنا هنا، كان رئيس لجنة الفتوى — قال: الطائرة أيضًا جدة. أيضًا ما هي جدة؟ إذن أنا أقول جدة وأنتِ تقولين جدة أيضًا.
هذه التي هي جدة، يعني ما لعلّ أحدًا يقول لي: جدة يعني ماذا؟ ما هو شارد [عن الموضوع]!
لماذا يا مولانا [جدة هي الميقات]؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحدّث عن البرّ ولم يتحدث عن البحر، والجوّ أخو البحر [في عدم النصّ عليه].
كل راكب طائرة ميقاته جدة والخلاف بين العلماء في المسألة
قلنا له: حتى الذي يأتي من الهند؟ قال: حتى الذي يأتي من الهند، حتى الذي يأتي من روسيا، حتى الذي يأتي من اليمن؛ ما دام راكبًا طائرة فإن إحرامه في جدة.
وهذه كثير من الناس مختلفون فيها من العلماء. تذهب تسأل العالم فيقول لك: لا، ليس من الضروري أن تلبس [الإحرام] في الطائرة. ولكن الشيخ عطية قال ماذا؟ قال: من جدة يجب أن يُحرم.
طيّب، أنا واقف مع من؟ مع الشيخ عطية؛ لأن فيها تخفيفًا وفيها تنظيمًا لهذا الأمر الذي لم يكن موجودًا من قبل. إنما بعض المجامع [الفقهية] قالت: لا، احتياطًا يجب أن تلبس [الإحرام] في الطائرة وتفعل [ذلك].
جواز التقليد عند الخلاف والأصل في الشريعة عدم التكليف وتيسير الرمي
فلننتقل من هذا الكلام، وأنّ أيّ خلاف بين العلماء يجوز للمسلمين أن يقلّدوا من شاؤوا. هذا ما نريد قوله تخفيفًا؛ ولأن الأصل في الشريعة عدم التكليف، هذا التكليف [الزائد لا أصل له].
ولذلك نأتي في الرمي ونقول: له أربع وعشرون ساعة؛ لأن طاووس ومجاهدًا وعطاءً والباقر والناصر من الهادوية قالوا بذلك. وأبو حنيفة حتى قال: فإن فعل [الرمي] قبل الزوال فيجزئه، يعني فلا مانع. يعني إذا نصّ عليها ابن الهمام في [كتابه] فتح القدير.
يبقى الحج له ميقات زماني وميقات مكاني، وبعد ذلك تُحرم، وسنقول المرة القادمة: تُحرم أين؟ والله تعالى أعلى وأعلم.
