الدرس السابع والثلاثون | شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | الاعتكاف | أ.د. علي جمعة
- •الاعتكاف خلوة للعبادة مأخوذة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يختلي للعبادة في غار حراء.
- •الاعتكاف عند الشافعي يصح ولو للحظة دون اشتراط الصوم، بينما اشترط أبو حنيفة الصوم فيه ولا يقل عن يوم وليلة.
- •إذا كان الاعتكاف منذوراً وجب فيه الصيام وأقله أربع وعشرون ساعة.
- •يجب الاعتكاف في مسجد جامع تقام فيه الجمعة إذا كان الاعتكاف يشمل يوم الجمعة.
- •يجوز الخروج من الاعتكاف لقضاء الحاجات الضرورية كالوضوء وشراء الطعام والشراب.
- •في الاعتكاف غير المنذور يجوز الخروج لعيادة المريض وصلاة الجنازة وبر الوالدين ثم العودة.
- •أما المنذور فلا يصلح فيه الخروج إلا اضطراراً كبر الوالدين أو إنقاذ حياة، ويجب استئنافه.
- •يبطل الاعتكاف بالوطء واللمس والإنزال المتعمد، ولا يبطل بالاحتلام.
- •لا بأس بالخروج من الاعتكاف للنسيان أو الحيض أو الغسل من الاحتلام أو الخوف من سلطان.
افتتاح باب الاعتكاف وبيان أصل الخلوة في الشرع الشريف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى -ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين-: باب الاعتكاف.
والاعتكاف فيه خلوة، ومن أجل ذلك جعل أهل الله الطريقَ إلى الله يبدأ بالذكر، ويتوسط بالتربية، وينتهي بالخلوة. والخلوة مأخوذة من الشرع الشريف؛ بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبد الليالي ذوات العدد في غار حراء، يختلي فيها فيتزود ويذهب إلى هناك في تلك الأوقات حتى ينقطع ويتبتل صلى الله عليه وسلم للعبادة.
الاختلاء للعبادة سنة الأنبياء وتعبد النبي في غار حراء قبل الوحي وبعده
إذ إن الاختلاء للعبادة من سنة الأنبياء، ومن سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ كان [ذلك الاختلاء] قبل الوحي وكان بعده، حتى أن الوحي قد جاءه مرات في غار حراء.
ولما فتر الوحي كان ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكث في غار حراء ينتظر الوحي، كما ثبت في البخاري وغيره.
ومن أنواع الخلوة: الاعتكاف، وهو البقاء في المسجد.
مدة الاعتكاف عند الشافعي وأبي حنيفة واشتراط الصوم فيه
والاعتكاف عند الإمام الشافعي يكون ولو للحظة، يعني لا أقل من ذلك. ولذلك ترى الشافعية إذا ما دخلوا المسجد نووا الاعتكاف؛ لأنه يُعدّ له اعتزالًا للعبادة عن حياة الناس والأسواق وما يجري فيها من معاملات فترةَ بقائه في المسجد.
ولكن الإمام أبا حنيفة اشترط الصوم في الاعتكاف، ولذلك لا بد ألا يقل عن يوم وليلة يكون المعتكف صائمًا.
عند الشافعي لم يشترط الصوم في الاعتكاف إلا إذا كان منذورًا؛ إذا نذرته على نفسك وقلت: نذرت لله أن أعتكف، فإننا ندخل هنا في الاعتكاف الذي يحتاج المعتكف فيه إلى الصيام، أي أقله أربع وعشرون ساعة، أي يوم بليلته أو ليلة بيومها.
وجوب الاعتكاف في مسجد جامع إذا تخلل أيامه يوم جمعة
لكن إذا اعتكفت أكثر من يوم واحد وكان هذا الاعتكاف فيه يوم جمعة، فيجب عليك أن تعتكف في مسجد جامع، مسجد تُقام فيه صلاة الجمعة.
لأنك لو اعتكفت في مسجد لا تُقام فيه صلاة الجمعة -بأن كان مسجدًا صغيرًا ويُغلق يوم الجمعة حتى يجتمع الناس في المسجد الكبير- فإنه لا يجوز لك أن تبقى في المسجد فتفوتك صلاة الجمعة.
فإن الله سبحانه وتعالى لا نعبده بما يُغضبه، ولا بما يُنقص من شعائره التي فرضها علينا.
ما يجوز الخروج له أثناء الاعتكاف غير المنذور من الحوائج الضرورية
والاعتكاف في أساسه اعتزال للعبادة، ولذلك يجوز لك أن تقضي حوائجك التي لا بد منها أثناء الاعتكاف: بأن تخرج للوضوء، بأن تخرج لقضاء الحاجة، بأن تخرج لشراء الطعام والشراب وتعود مرة أخرى.
فهذه الأشياء أحوجنا الله إليها، فهو الذي أحوج الجسم البشري للأكل والشرب وقضاء الحاجة والنوم وغيرها من الحاجات التي لا يستقيم جسد الإنسان إلا بها. ولذلك إذا ما خرجت من المسجد خرجت لقضاء هذه الحوائج فلا بأس بذلك.
وفي الاعتكاف غير المنذور تخرج أيضًا لعيادة المريض، ولصلاة الجنازة عليه والعودة، وللعزاء، ولأمثال هذه الأشياء التي فيها تكافل بين المسلمين وبرّ ورحمة وصلة رحم.
حكم الخروج من الاعتكاف لطاعة الوالدين والفرق بين المنذور وغيره
وكذلك إذا أمرك أبوك أو أمك بشيء لقضائه، تخرج من الاعتكاف تقضيه ثم تعود إليه من غير انقطاع له.
أما المنذور فإنه لا يصلح فيه شيء من ذلك إلا إذا فعلته اضطرارًا؛ كبرّ للوالدين أو إنقاذ للحياة، فإنك تستأنف، يعني تعيد مرة أخرى ما نذرت إليه.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم -وإن قد شرع النذر لنا- يكره النذر؛ حتى لا تُضيّق نفسك ولا تعلم ما الذي سيحدث.
قال صلى الله عليه وسلم: «إنما يُستخرج به من البخيل»
كأنه يكره أن تفعل الخير بموجب ونذر تُقسم على نفسك، لا، أنت افعل الخير من غير القسم، وحينئذ ستكون قادرًا على أداء ما هنالك بيسر وعدم حرج.
رحمة النبي بأمته ورفع الحرج في الدين وحكم الاعتكاف سنة لا فرض
وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الرأفة والرحمة، وما جعل علينا في الدين من حرج، ورفع عنا الضرر والضرار.
قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»
وكان أرحم بأمته منا.
فقال صلى الله عليه وسلم: «أنا منكم مثل الوالد للولد»
صلى الله عليه وآله وسلم.
فالاعتكاف على كل حال سنة وليس فرضًا، إلا إذا نُذر فتعرض له الفرضية؛ من أنك قد أقسمت بالله العلي العظيم أن عليك كذا، فيكون من قبيل الوفاء باليمين.
ملخص أحكام الاعتكاف من حيث الصحة والسنية والصيام في نظم المصنف
فيقول [المصنف]: سنة -يعني سنة النبي صلى الله عليه وسلم- وإنما يصح بالنية بالمسجد للمسلم، بعد أن يمكث ولو لحظة، ويُسنّ يومًا يكمل، وجامعًا [أي في مسجد جامع]، وبالصيام أفضل.
يبقى إذن الذي قلناه كله قاله [المصنف] وهو في أي شيء؟ في بيتين لخّص الحكاية:
- •أنه مسنون.
- •وأنه يصح من المسلم في المسجد.
- •وأنه ولو لحظة.
- •وأنه يُسنّ أن يبقى يومًا كاملًا -هو [أي الاعتكاف] لم يكن منذورًا، ما هو مسنون بقى-.
- •وأن يكون في مسجد جامع حتى لا تضيع منه الجمعة.
- •ولكن ويكون صائمًا ما دام في يوم كامل أفضل، ماشي.
مبطلات الاعتكاف المنذور من الجماع والإنزال المتعمد وحكم الاحتلام
وأبطلوا [أي أبطل العلماء الاعتكاف] إن نُذر التوالي بالوطء واللمس مع الإنزال. أما لو نذرت بقى فسندخل في دور الواجب -أنت الذي أوجبته على نفسك-.
فيبطل الاعتكاف [المنذور]؛ أنت قد اعتزلت عن الدنيا، فيبطل بذلك الجماع -جماع النساء- وأيضًا الإنزال المتعمد.
طيب، افترض أن واحدًا نام واحتلم في المسجد وهو معتكف، فهل يبطل اعتكافه؟ لا شيء عليه؛ لأنه إذا نامت العينان انطلق الوكاء كما في الحديث، إذا لم يكن مالكًا لنفسه لا يملك نفسه [فلا يُؤاخذ].
حكم الخروج من الاعتكاف بالنسيان ولقضاء الحاجة والوضوء والاغتسال
لا بأس بخروجه منه [من الاعتكاف] بالنسيان؛ لو خرجت -وانتبه لئلا يغيب عن ذهنك أنك في الاعتكاف- فتنشغل وينشغل بالك فتخرج وأنت ناسٍ أن ترجع مرة أخرى، فلا ينقطع [الاعتكاف].
أو [يخرج] لقضاء حاجة الإنسان التي ذكرناها؛ هذه تقضي حاجتك وترجع. لأن هنا في المسجد الذي نحن فيه لا توجد دورة مياه، دورة المياه خارجة بجانبي هنا، فاخرج إليها وعُد مرة [أخرى].
حكم المعتكف المريض والحائض والخروج للاغتسال من الاحتلام
مريض مشقوق مع المقام، واحد بات لازمًا أن يذهب إلى المستشفى، لازم عنده حمى والدنيا باردة، هو سيكمل [الاعتكاف] حتى يموت؟! قتلوه، قتلهم الله!
﴿هَلَّا سَأَلُوا إِذْ جَهِلُوا﴾ [النساء:
- بالمعنى]
والحيض والغسل من الاحتلام [من أسباب الخروج المباح]؛ افرض أنه احتلم، يذهب يخرج خارجًا ويغتسل.
طيب، افرض واحدة معتكفة، أينفع [أن تستمر] إذا جاءها الحيض؟ بات [أي صار لازمًا أن] تأخذ بعضها وتمشي [أي تخرج من المسجد].
الاعتكاف عبادة لله والخروج منه عند الضرورة كالخوف من ظالم
إذن يصبح الأمر ليس من الضروري أن يفعل [المعتكف] ما في ذهنك هذا [من التشدد]، أنت تعبد ربك، والطعام والشراب أو الأذان من الراتب [أي الأمور المعتادة اللازمة يُخرج لها].
والخوف من سلطان؛ واحد يبحثون عنه لكي يقبضوا عليه وهو معتكف، يأتي مراوغًا على الفور! هو الذي يقول هكذا؟ الشيخ يقول هكذا: ليس لنا هذا، ولا نستطيع أن [نقول لهم لا]، أفراد الشرطة يغضبون منا أم لا؟ اهرب يا ولد على الفور هكذا، اهرب إلى البيت أو إلى هنا، المهم ألا تدعهم يقبضون عليك.
فاللهم يا ربنا اكفنا شر خلقك.
