الدروس الشاذلية | حـ 36 | أ.د علي جمعة - الصديقية الشاذلية, تصوف

الدروس الشاذلية | حـ 36 | أ.د علي جمعة

35 دقيقة
  • الذكر عبادة بنص الكتاب والسنة، والطريقة مبناها الشرع والتجربة؛ فالشيخ يضع برنامجاً مقدوراً عليه ومؤثراً بعد تجربته.
  • ينبغي اتباع المنهج النبوي في العبادة، حيث أمرنا بالديمومة في العمل وإن قلّ، وعدم تكليف النفس فوق طاقتها.
  • التزام المشايخ ببرنامج محدد يشبه الدواء المناسب للمريض، فلا يصح أخذ كل الأدوية دفعة واحدة.
  • يلزم المريد الالتزام بطريقة واحدة في البداية، وعدم التنقل بين الطرق؛ فالتعجل قد يؤدي إلى الحرمان.
  • الطريقة ليست ثقافة أو علماً للتكاثر، بل عبادة لله للوصول إلى القلوب الضارعة.
  • من أسباب النجاح في السير إلى الله: القلة في الطعام والمنام والكلام والأنام.
  • يجب تقديم الفكر على النشاط، واتصاف المريد بالحلم والأناة.
  • لا ينبغي المبالغة في جلد الذات إلى حد الوسواس، بل الندم في البداية للإقلاع عن الذنب، ثم نسيان الذنب ثقة بمغفرة الله.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

سبب التزام الطريقة الصوفية بأذكار معينة دون سواها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه.

يسأل بعضهم: أنه ما دام الذكر عبادة، وذلك بنص الكتاب والسُّنَّة:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35].

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

﴿فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 198].

هذه أمر، فلِمَ نلتزم في الطريقة بأذكارٍ معينة؟ ولماذا لا نأخذ كلَّ الأذكار؟

الطريقة مبناها الشرع والتجربة؛ فالشرع واسعٌ، جاءنا بأذكارٍ كثيرة، وبالتجربة والتأمل والتدبر وُضِع برنامج، كلُّ شيخ وضعه لنفسه بعد ما جرّبه، فوجد أن هذا البرنامج مقدور عليه، وأن هذا البرنامج مؤثر يترقى به الإنسان.

البرنامج الذكري يحقق نصيحة النبي بالديمومة وعدم تكليف النفس فوق طاقتها

وأن هذا البرنامج يحقق نصيحة رسول الله ﷺ، حيث أمرنا أن يكون عملنا دِيمةً، أي دائمًا،

فقال ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ»

وأمرنا ألا يكلف أحدنا نفسه إلا طاقتها،

فقال ﷺ: «فليعبد أحدكم ربه طاقته، فإن الله لا يمل حتى تملوا»

ونهى أن نفعل شيئًا أعلى وأكثر من المثال النبوي الرباني المعتبر، وقال ﷺ:

«ألا إني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني»

يعني الزيادة على ما كان يفعل ﷺ فوق الطاقة مرفوض، ويؤدي بالإنسان إلى نزول في طريق الله لا صعود؛ لأن المثال الأتم هو سيدنا ﷺ، وهو الذي أمر بحدود الطاقة وبالديمومة.

أهل الله اختاروا من أذكار النبي ما يحقق الديمومة والطاقة وفق البرنامج اليومي

لكل هذه الأسباب رأى أهل الله أن يلتزموا بمنهج سيدنا ﷺ، فاختاروا مما كان يقول ما يحقق كلَّ ذلك طبقًا لبرنامج الشخص اليومي، فكان لكلِّ شيخ طريقة، لكنهم

وكلهمْ من رسول اللهِ ملتمسٌ ... غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ

وواقفونَ لديهِ عندَ حَدِّهمِ ... من نقطةِ العلمِ أومنْ شكلةِ الحكمِ

فهْوَ الذي تَمَّ معناهُ وصُورَتُه ... ثمَّ اصطفاهُ حبيبًا بارئ النَّسمِ

إذن فأسوتنا والذي نتبعه رضًا لله هو رسول الله ﷺ:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

رسول الله تركنا على المحجة البيضاء وأمرنا بالديمومة وعدم تكليف النفس

رسول الله ﷺ تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، تركنا وترك لنا برنامجًا كاملًا شاملًا، وأمرنا في منهجه بأمور لا بد أن نراعيها وأن نلتزم بها:

  • كالديمومة وإن قلَّ العمل.
  • وكأننا لا نكلف أنفسنا فوق ما نطيق.
  • وكأننا نعلم أن الله لا يمل حتى نمل.
  • وكأننا نتخذ رسولنا ﷺ أسوة حسنة.

ونحوها من القواعد، التزموا بهذا، وأصبح ما تركه لنا سيدنا ﷺ مثل صيدلية الدواء؛ لا يجوز أن تدخل صيدلية الدواء فتأخذ كلَّ الدواء، هذا ليس من الحكمة في شيء، لكن تأخذ من هذا الدواء ما يناسبك.

الدواء النبوي يؤخذ بجرعات وشروط محددة لا بإطلاق

والحمد لله، مَنَّ الله على البشرية فعلّمها،

﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: 5].

كل هذا الدواء لكن بجرعات محددة وبأوضاع وشروط محددة، مثل هذه الشروط التي ذكرناها.

إذن فما دام الأمر في الكتاب والسُّنَّة فهو معتمد، لكن ليس كلُّ دواءٍ معتمد تأخذه هكذا بدون شروطه، بل بشروطه.

ومن هنا كان عدد الطرائق على أنفاس الخلائق، يعني كل واحد له طريقٌ إلى الله، وكأن الجميع يقفون في دائرة، مقصود الكل فيها في المركز هو الله، والطريق إلى الله واحد، والخلاف من جهلة المريدين؛ فالطريق من محيط الدائرة إلى مركزها واحد، نصف القطر متساوٍ، ولكن كل شيخٍ له طريقة.

الطريقة عبادة لله لا ثقافة ولا علماً، والمقصود منها القلوب الضارعة

وليس مِن الحكمة أن نجمع بين الطرق، ومن هنا ينبغي على مَن سلك على طريقةٍ معينةٍ أن يلتزم بها؛ ولأن الطريقة ليست ثقافةً، وليست علمًا أيضًا نتكاثر به أمام أنفسنا أو أمام الناس، بل الطريق عبادةٌ لله رب العالمين، تريد أن تصل بنا إلى القلوب الضارعة، تريد أن نترقى في السعي في طريق الله.

ليس المقصود هو كثرة المعلومات، ولا المقصود هو التعلم من غير عمل، بل المقصود هو أن نصل إلى القلوب الضارعة.

ولذلك خاصة لمن كان في أول الطريق عليه أن يلتزم بتلك الطريقة؛ كبار المشايخ جمعوا بين طرقٍ كثيرةٍ بعد أن اتسعت قدراتهم على أن يفعلوا هذا، ولكن قبل ذلك يكونُ سيئًا.

النبي ﷺ قام الليل حتى تتورم قدماه وأمر بالعبادة في حدود الطاقة

ولذلك كان النبي ﷺ وهو العبد الرباني يقوم الليل حتى تتورم قدماه، سَعتُه هكذا، قادر على هذا، فتقول له عائشة رضي الله عنها:

«أتفعل هذا وقد غفر الله ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر؟»

قال ﷺ: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»

لكن لما دخل على أم المؤمنين زينب بنت جحش عليها السلام، فوجدها تضع حبلًا حتى تستند إليه عندما تتعب وتدوخ مِن كثرة العبادة،

قال لها ﷺ: «فليعبد أحدكم ربه طاقته، فإن الله لا يمل حتى تملوا»

فهناك سنة ربانية في الكون: مَن تعجل الشيء قبل أوانه عُوقِب بحرمانه، لو قطفت الثمر قبل النضج فإنك ستراها مُرَّةً ولا لذة فيها ولا فائدة، لكن لو قطفت الثمر بعد ما نضج فحينئذٍ ستأخذ حلاوتها وفائدتها، فتنبه!

وجوب التأني في السير إلى الله والمداومة على الفعل في البدايات

فتنبه؛ فإن الله سبحانه وتعالى يشير بخلقه إلى كيفية معاملته، إذن يجب علينا أن نسير إلى الله خاصة في البدايات بالتأني، ملتزمين بما علمنا الله ورسوله في الكتاب والسنة، مداومين على الفعل.

إذن فبرنامج طريقتك لا يجعلك تلتفت إلى طرق أخرى؛ فلا يجوز لك أن تتناول كل الدواء، بل يجب عليك أن تتناول دواءً واحدًا حتى يتم الشفاء من التخلص من الدنيا، فتكون الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، فنصل إلى مرحلة التخلي والتحلي فالتجلي، وتكون الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، فنصل إلى مرحلة القلوب الضارعة.

فافهم فإنه يشكل على كثير من الناس، وقضية أن نأخذ من أي مصدر ومن أي مكان تحت عنوان الخير متاحة لمن لم يسلك الطريق، لكن الذي سلك الطريق يلتزم.

تعدد المقدمين في الطريقة لا يعني تعدد الطرق بل هو تعدد في الوحدة

فلا يجوز ما يفعله بعض المريدين في البدايات أنهم يستمعون إلى كلِّ أحدٍ، فيقول: لكن تضعون مقدمين للطريق، وكل مُقَدِّم له مَشْرَب.

نعم، كلُّ مُقَدِّم له مشرب وليست له طريقة أو برنامج مستقل، فتسمع من هذا غير ما تسمع مِن ذاك، وتجد قلبك عند هذا، ولا تجده عند هذا، هذا لا بأس به؛ لأن هذا هو التعدد في الوحَدة.

مثل المكعب، له ستة أوجه لكنه مكعبٌ واحدٌ، وهذا شأن الكعبة، حيث ما استقبلتها مِن أيِّ طرفٍ كان فأنتَ على الخير وأنت قد أديتَ مرادك.

إذن فالتعجل ليس سديدًا، وينبغي عليك أن تترك تَحويلَ نَفسِكَ في الترقِّي إلى اللهِ.

التواضع وترك الغرور شرط أساسي في سلوك طريق الله

بعضُ الناسِ يعتقد عند الانتهاء من ختم الأسماء أنه أصبح عبدَ القادرِ الجيلانيّ!

لا، أنتَ لستَ عبدَ القادرِ الجيلانيّ، ولا أنتَ أصلًا شيءٌ، كُنْ متواضعًا هكذا، وابتعدْ عن الذاتِ العاليةِ التي أنتَ فيها، وابتعدْ عن التعالي على نفسِكَ وعلى الخلقِ.

لا، بل ابقَ هنا هكذا: أنا تراب ابن تراب، هكذا علمنا مشايخنا بعد ما رأيناهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه، حتى أن الله أجرى على أيديهم الكرامات وكأنها شيء عادي، فظننا أنهم عرفوا هذا في أنفسهم فافتخروا بها.

يقول [الشيخ]: أنا تراب ابن تراب، فماذا أكون أنا إذن؟ حسنًا، إذا كنت أنت ترابًا بن تراب يا مولانا فماذا أكون أنا إذن؟! عدم.

وصية المشايخ بالقلة في الطعام والمنام والكلام والأنام للوصول إلى لذة العبادة

هكذا يبدو، ويقص الناس قصصًا لا يحبها هؤلاء الذين أغلق الله عليهم وأغلقوا على أنفسهم.

المشايخ قالوا: إذا أردتَ أن تُساعد نفسك في السعي إلى الله وفي الشعور بلذة العبادة فعليك بالقلة في:

  1. الطعام
  2. المنام
  3. الكلام
  4. الأنام [أي مخالطة الناس]

أربعة، واستدلوا على كلِّ واحدةٍ منها من سُنَّة سيدنا ﷺ؛ فهو الذي أمرنا بالصمت، حتى أن ابن أبي الدنيا ألَّف كتابًا كبيرًا طُبع في الصمت وفي فوائد الصمت، نهانا عن اللغو، ونهانا عن كثرة الكلام، ونهانا عن الهذَر، حتى قال ﷺ:

«إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتًا فإنه يُلقَّن الحكمة»

شخص هكذا صامت وعليه سمت الصالحين، تعرف أنه يُؤتَى الحكمة.

الفكر يجب أن يسبق النشاط وأزمة العصر تقديم النشاط على الفكر

لماذا [يُؤتى الصامت الحكمة]؟ لأن التفكر سبق النشاط، دائمًا يفكر قبل أن ينشط، قبل أن يعمل العمل يفكر في عواقب هذا العمل، هل هو صحيح أو قبيح؟

أزمة العصر الذي نعيش فيه أنهم قدموا النشاط على الفكر، يريد المرء دائمًا أن يعمل وليس أن يفكر، وكأن الفكرَ صار قبيحًا.

هذه أزمة العصر الذي نعيش فيه، بدأت من القرن التاسع عشر مع التنويريين، أنه يجب علينا أن ننشط حتى ولو لم نفكر، افعل ما شئت، وهو ما نسميه بالتفلت.

أبو السعود الإبياري رحمه الله تعالى كان مؤلفًا مسرحيًّا وغير ذلك، وكان يعمل مع نجيب الريحاني ومع ليلى مراد وهكذا، عندما ألَّفَ الأغنية تقول: اضحك كركر، أوعى تفكر.

أغنية أبو السعود الإبياري دعوة فلسفية مقلوبة إلى التفلت من التفكير

اضحك كركر، أوعى تفكر، انظر كيف؟ اضحك كركر، أوعى تفكر.

أندعو الناس إلى التفكير، ويكتب هذه الكلمات؟ والمغنية لا أعتقد أنها كانت تفهم بهذا العمق، لكنه ربما يكون فاهمًا، لماذا؟ لأن بقية الأغنية هكذا، أتفهم؟ هو يعرف ماذا يقول:

اضحك كركر، أوعى تفكر، ارقص هنكر.

ماذا يعني ذلك؟ افعل ما تريده. ما معنى هنكر؟ لا يوجد في اللغة العربية كلمة هانكر، هذه ماذا تعني هانكر؟ تعني الاشتياق إلى الشيء بالإنجليزية hanker، هانكر تعني تاقَ توقانًا وشوقًا شديدًا إلى الشيء، اشتياق.

فارقص وهانكر، انظر كل ما تتوق إليه، افعل ما تريد ولا تهتم.

عندما تجلس لتقرأ الأغنية ستتعجب: هل هذا الشخص فيلسوف؟ نعم فيلسوف، ولكن بالمعكوس، فيلسوف بالمعكوس، وارقص! هانكر.

رينيه جينو لاحظ أزمة تقديم النشاط على الفكر وأسلم مسلماً

انظر كيف أدخل كلمة إنجليزية في سياق عربي: هانكر، هانكر. هل هذه الكلمة ما زالت موجودة عندكم حتى الآن أم اختفت أم ماذا؟ موجودة، موجودة، هي في الإنجليزية حتى اليوم، لكن انظر متر استخدمها أبو السعود قبل عام 1949م، أي أنها قصة قديمة، كل هذا من تراث القرن التاسع عشر.

لكن انظر إلى العمق، أناس قارئون، أناس فاهمون، ماذا تفعل وإلى ماذا تدعو؟ ضدنا، ولكنهم فاهمون. فـالفاهم أفضل من الذي لا يفهم، فيجب علينا أيضًا أن نفهم حتى نستطيع أن نعرف المقصود من المسألة.

الفكر لا بد أن يسبق النشاط، مَن الذي لاحظ هذه المسألة؟ رينيه جينو قال: أزمة العصر أن النشاط قد سبق الفكر، أسلم وسمى نفسه عبد الواحد يحيى، وحسُن إسلامه ومات مسلمًا، أسلم سنة 1912م، مات سنة 1950م، إنهُ واعٍ، فهم ما هي القصة.

طريقنا التفكير قبل النشاط والتأني لا التعجل لأن العجلة من الشيطان

إذن طريقنا هو أن نفكر قبل أن ننشط، وعليه فلا نتعجل؛ لأن العجلة [من الشيطان]، افعل ما تريد وافعل بسرعة، دعنا ننتهي.

لا، فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة.

نعم، ها هو النبي ﷺ يقول لأشج عبد قيس:

«إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ» (صحيح مسلم)

يبقى الطيش والعجلة لا يحبهما الله ورسوله ﷺ أيضًا.

جلد الذات وحساب النفس حين يصل إلى الوسواس يخالف طريق الله

أيضًا مما ورد من أسئلة: جلد الذات وحساب النفس يصل في بعض الأحيان إلى ما يشبه الوسواس، فما الحكم؟

والنبي ﷺ علمنا في القرآن:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ * مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ * ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ * مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6]

سواء كان الذي يوسوس من الجن أو سواء كان الذي يوسوس من الناس، فأمرنا بالاستعاذة برب العالمين من الوسواس.

فيأتي شخص ويصل إلى الوسواس، يعني وأنت تفكر، فكر بهدوء، فكر ببساطة، فكر بتجاوز، لا تقف عند كلِّ كلمة وكلِّ حركة وسكنة وتسرح معها حتى تصل إلى الوسواس، ليس هذا المقصود من الفكر.

إذن جلد الذات وعدم الثقة بالنفس وعدم احترام النفس والتعمق والوقوف عند الذنوب -كل هذه الأشياء بخلاف طريق الله.

طلب العفو الكامل من الله يعني محو الذنوب كلها حتى لا يبقى منها شيء

لا، طريق الله يا عائشة، إذا لقيت ليلة القدر فقولي:

«اللهم إنك عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»

إذا طلب العفو، العفو ما معناه؟ عفا الشيء أي تركته كما هو أو أزلته كله، ولذلك يقول لك: أعفوا اللحى يعني اتركوها ليس لكم شأن بها، عفت الآثار يعني لا يوجد أي شيء موجود.

فعفى من الأضداد، كلمة واحدة لها معنيان متضادان؛ فعفى معناها لا تترك شيئًا، وهذا هو المقصود من طلب العفو من رب العالمين: ألا يترك لي ذنبًا، يعني: الصفحة بيضاء.

أو عفا بمعنى ترك ولم يمس، فيكون هنا العفو الذي نطلبه هو أن يزيل الله كلَّ الذنوب حتى لا يُبقِي ذنبًا، كما نسأله في المرض شفاءً لا يغادر سقمًا، أي يعفو عن كل الآثام وكل الأسقام، ويبقى الإنسان نظيفًا من الذنوب، نظيفًا من الأسقام الظاهرة والباطنة، شفاء لا يغادر، كلمة لا يغادر هذه تعني العفو.

التوبة الكاملة تبدأ بالندم والإقلاع وتنتهي بنسيان الذنب وثقة في مغفرة الله

إذن يجب عليك ألَّا تتمادى في الوقوف عند الذنب وبحثه؛ لقد قلنا إذا ما أصاب الإنسان ذنبًا فإنه يجب عليه:

  1. أن يقلع عن الذنب.
  2. وأن يستغفر على ذلك الذنب.
  3. وأن يندم على ما فعل.
  4. وإذا كان الذنب متعلقًا بحقوق الناس فيرد الحق لأصحابه.

ثم بعد ذلك تمام التوبة نسيان الذنب.

هكذا إذن، أندم في البداية؛ لأن الندم يساعدني على الإقلاع عن الذنب، ثم نسيان الذنب من فضل الله سبحانه وتعالى، وثقةً في أن الله قد غفر لنا.

ولذلك في حديث أورده ابن حجر في عموم المغفرة للحجاج: أن من حج البيت ثم اعتقد أن عليه ذنبًا فقد كفر، يعني ينبغي عليك بعد الحج، وطبعًا الحج يشمل العمرة، أن تعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله قد غفر لك؛ تصديقًا بموعود الله.

الشك في مغفرة الله بعد الحج كفران للنعمة والواجب قبول البشرى بالمغفرة

ستأتي وتقول: لكن ربما لم يغفر لي، فاحذر بأن ذلك من كفران النعمة، هو ليس سيكفر بمعنى أنه سيخرج عن الملة، إنما قد كفر بمعنى كفر نعمة الله عليه.

ربنا أعطاك فرصة ويقول لك: أنا غفرت لك، لأنك أنت ذهبت هناك في البيت الحرام وهكذا وفعلت ما يلزم، فتقول: الحمد لله قبلنا البشرى، لا أن تقول فقط: ربما.

لكن ربما نكون قد دخلنا فيما يشبه قلة الأدب مع الله، نعوذ بالله من قلة الأدب والحياء مع الله.

إذن في البداية ندم يحفزني للإقلاع وترك المعصية، وفي النهاية نسيان الذنب كأن لم يحدث: هل فعلت شيئًا؟ لم أفعل، أنت لم تفعل، لست متذكرًا. أتتغابى؟ نعم. ماذا أفعل؟ طبعًا لست متذكرًا، أنا لا أقلق، أي ذنب ارتكبت؟ صفحة بيضاء والحمد لله، لا يوجد أفضل من ذلك، فهذا يعطيك ثقة في نفسك.

جلد الذات والاكتئاب يحتاج علاجاً طبياً لا الطريقة الصوفية بديلاً عن الطب

دع عنك جلد الذات، واجعل ثقتك بنفسك هي الأساس.

يقول الإمام الزهراوي -خلف بن عباس أبو القاسم الأندلسي (٣٢٥-٤٠٤ هـ / ٩٣٦-١٠١٣م)- في كتابه في الطب أن كثيرًا من رواد التكايا - وهي أماكن للعبادة والخلوة - وكذا مصاب بالسوداوي [الاكتئاب]، يعني تجد الشخص من هؤلاء قادمًا ليدخل الطريقة ولكن ليس لفهم القضية؛ لأن الطريقة فيها تخلية من القبيح وتحلية بالصحيح، لأن الطريقة فيها قلوب ضارعة وترقٍ في السعي لمقصود الكل وهو الله، لأن الطريقة عبادة وطاعة.

بل هو دخل الطريقة هربًا من الاكتئاب الذي أصابه، وكيف يُعالج هذا الاكتئاب؟ فقال عنه: السوداوي [الإمام] الزهراوي يسمِّي الاكتئاب بـ "السوداوي"، فقال: إن كثيرًا من رواد التكايا مصاب بالسوداوي، يبقى جاء ليس عبادة وطاعة وفهمًا وسعيًا، لا، بل جاء هربًا من المرض الذي هو فيه.

هذا يجب أن يُعالَج عند الطبيب؛ هو داخل يظن أن الطريق سيعالجه، وأنه بلمسة سحرية سيقرأ أذكارًا فيذوب ما عنده من سوداوي، هذا الكلام لا يرضي الله ولا يرضي رسول الله ﷺ.

لا، بل أنت يجب أن تتعالج لأنك تحتاج إلى معونة طبية، لكن الترقي مع الله شأن آخر، والعبادة تُشعرك بالسعادة وتشعرك بالراحة وبالأمن، وليست هي من أجل أن تكون بديلًا عن الطب؛ الطب له أساليبه وأدويته، والطريق لها أذكارها وأحوالها.

ختام الدرس بالدعاء والتوجيه للقاء الأسبوع القادم

نكتفي اليوم بهذا القدر على أمل أن نلتقي مرة أخرى في الأسبوع القادم إن شاء الله.

فاللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا، ويسِّر لنا أمورنا وغَيبَنا، وأجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة، نوِّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ورُدَّ غائبنا يا رب العالمين.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا.

واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا مِن يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة مِن غير حسابٍ ولا سابقةٍ عذاب عقاب ولا عتاب.

اللهم كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا، فنحن في حاجة إلى رحمتك وعفوك وهدايتك، ولست في حاجة إلى مؤاخذتنا، فاعف عنَّا بعفوك وارض عنَّا برضاك، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنة الخلد يا أرحم الراحمين.