الرفق | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث رحمة للعالمين، فكان الحصى يسبح في يديه وسمع الصحابة ذلك.
- •رفض أن يُطبق الجبال على أهل الطائف رغم إيذائهم له، طمعاً في إسلام ذريتهم.
- •حث على غرس الأشجار حتى في قيام الساعة، وجعل للزرع الذي يأكل منه الطير والحيوان والإنسان ثواب الصدقة.
- •أخبر أن امرأة دخلت النار لحبسها هرة دون طعام، بينما دخلت امرأة بغي الجنة لسقيها كلباً عطشاناً.
- •أكد أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.
- •تعامل برفق مع الجماد، فكان لا يدفع الباب دفعاً لأنه يسبح.
- •كان يعيد كلامه ثلاث مرات ليفهمه الناس، ويأمر أصحابه بالهدوء والدعوة الصحيحة.
- •دعا لقبيلة دوس بالهداية حين طلب منه الطفيل الدعاء عليهم لعصيانهم.
- •يجب أن يعامل الناس بعضهم بالرفق والرحمة في جميع علاقاتهم: الطبيب مع المريض، المعلم مع تلاميذه، الزوج مع زوجته.
معجزة تسبيح الحصى في يد النبي ﷺ ورحمته بالجماد والنبات
كان رسول الله ﷺ وهو صاحب المعجزة، إذا وضع الحصى في يديه سبَّح، وسمع الصحابة تسبيح الحصى في يديه؛ حتى يوقنوا بهذه المعاني، ونقلوا لنا هذا عبر الأجيال.
إذن فالرحمة والرفق تبدآن بالجماد والنبات، فالنبي ﷺ بُعث لهذه الأكوان رحمة، وكان يقول:
«إني لم أُبعث لعَّانًا، وإنما بُعثت رحمة»
كان ﷺ يرحم الخلائق ما وُجد منها وما لم يوجد.
موقف النبي ﷺ مع ملك الجبال بعد رفض أهل الطائف ورحمته بهم
ولذلك عندما ذهب [النبي ﷺ] إلى الطائف حتى يكلم ثقيفًا في شأن الإسلام بعد البيعة، وكان قد لاقى من المشركين أشد يوم عليه، رفضوه ونبذوه وتكبروا عليه ﷺ.
فذهب إلى [مكان بعيد] فظهر له ملك الجبال وقال له:
«يا محمد، إن الله قد أرسلني إليك، فإن أردت أن أُطبق عليهم الأخشبين -يعني جبل كذا وجبل كذا- لفعلته، قل لي فحسب أُطبق»
فقال رسول الله ﷺ وهو الذي بُعث رحمة وبالرفق:
«لا، فإني أرجو أن يخرج منهم من يوحِّد الله ويعبده»
يبقى إذا فرسول الله ﷺ في حكمته العالية يرى أن ليس الشديد بالصُّرَعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
حديث غرس الفسيلة عند قيام الساعة وثواب الزراعة في الإسلام
هذا رسول الله ﷺ يقول:
«إذا جاءتكم الساعة [يوم القيامة] وقد قامت وكانت في يد أحدكم فسيلة -تعني شجرة نبتة صغيرة، جذر صغير يمكن أن نضعه ليعمر الأرض وينبت فيها- ولكن الساعة قادمة وأنا أرى بعيني أن الدمار قد أتى وهو قادم عليَّ، فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها»
أي جعل [النبي ﷺ] غرس الفسيلة له ثواب قد ينجيني يوم القيامة.
والنبي ﷺ يتحدث عمن زرع زراعة، فلا يأكل منها طائر أو حيوان أو إنسان إلا كُتبت له بها صدقة، وكأنه تصدَّق بهذا.
صوامع الحبوب فوق المساجد لإطعام الطيور رحمة بالمخلوقات
في الزمن القديم كنا إذا مشينا بجانب المزروعات وطلبنا من صاحبها شيئًا أطعمنا منها.
في الزمن القديم كان هناك في مسجد محمد بك أبو الذهب بجانب الأزهر، إذا رأينا المئذنة فوق وجدنا صوامع حبوب أربعة بجانب المئذنة. كان مشايخنا يقولون إنه كان يضع في هذه الصوامع القمح لكي تأكل طيور السماء.
طيور السماء كانت تأتي وتأكل من هذا لله رب العالمين، أو رحمة بالطيور، أو رحمة بالحيوان، أو رحمة بالنبات.
قصة المرأة التي دخلت النار في هرة والبغي التي دخلت الجنة في كلب
ويقول [النبي ﷺ]:
«دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»
ويقول في المقابل:
«دخلت امرأة بغيٌّ من بني إسرائيل الجنة في كلب وجدته عطشان فسقته، فأدخلها الله به الجنة»
بغيٌّ ولكن لما جاءت الرحمة وغلبت، غلَّب الله سبحانه وتعالى الحسنة على السيئة، وسلَّط الحسنات على السيئات فأذهبتها.
﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]
وليست السيئات هي التي تُذهب الحسنات.
الرفق بالحيوان والإنسان والنبات أصل من أصول الإسلام وكرامة الإنسان
هذا الرفق أجدر بالمسلمين أن يفعلوه؛ فليفعلوا الرفق بالحيوان، والرفق بالإنسان، والرفق بالنبات، والرفق بالجماد.
ولذلك لما جاءت قضية كرامة الإنسان وحقوق الإنسان والإنسان يعيش كإنسان، وافق المسلمون على كل المبادئ التي تحمي للإنسان حريته، وتحمي للإنسان ماله، وتحمي للإنسان عرضه، وتحمي للإنسان نفسه وحياته، وتحمي للإنسان رفاهيته في هذه الحياة الدنيا.
فإن هذا هو أصل دين الإسلام؛ أنه جاء من أجل ذلك الإنسان الذي كرَّمه الله، الذي قال فيه:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
الإنسان المكلف الذي حمل الأمانة وشرف التكليف والإنسانية
هذا الإنسان المكلف الذي حمل الأمانة وقام بها:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]
الإنسان يجب عليه أن يخرج من الظلم والجهل بامتثال التكليف، وليعلم أن امتثاله للتكليف هو له تشريف، وأن تشريفه بالإنسانية هو أيضًا وجه آخر من وجوه التكليف.
حديث الرفق يزين كل شيء وأدب النبي ﷺ في التعامل مع الأبواب
النبي ﷺ قال:
«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه»
وكان [النبي ﷺ] إذا دخل إليها [الغرفة] أو خرج منها لا يدفع الباب دفعًا. سيدنا رسول الله قال إن هذا الباب يسبِّح؛ ولذلك ينبغي أن يُعامَل برفق.
نماذج من غياب الرفق في التعامل بين الناس وعكس ما ربانا عليه النبي ﷺ
فإذا وجدنا الطبيب لا يعامل المريض على أنه إنسان، وإذا وجدنا المعلم لا يعامل تلاميذه على أنهم بشر، وإذا [وجدنا الإنسان لا يعامل] جاره على أنه إنسان، وإذا وجدنا الزوج لا يعامل زوجته على أنها إنسان، وإذا وجدنا المرأة لا تعامل زوجها على أنه إنسان.
وإذا وجدنا الأب يتعامل مع أبنائه وكأنه قد امتلكهم من بقية تركة أبيه، وإذا وجدنا الأبناء يعاملون الآباء وكأنهم قد امتلكوهم وامتلكوا مستقبلهم، ويريدون أن يتسلطوا على ثروتهم في حياتهم وأن يمنعوهم من التصرف في حياتهم.
إذا وجدنا هذه الأمور فهي عكس الرفق وعكس الرحمة وعكس ما ربَّانا عليه رسول الله ﷺ.
تكرار النبي ﷺ كلامه ثلاثًا وأمره بالدعوة بالهدوء وقصة الطفيل بن عمرو الدوسي
كان رسول الله ﷺ يعيد مرارًا وتكرارًا ثلاث مرات كلامه؛ حتى يفهمه الناس مرة بعد مرة. كان رسول الله ﷺ يأمر أصحابه أيضًا بالهدوء وبأن يدعوا للناس الدعوة الصحيحة.
فكان الطفيل بن عمرو الدوسي قد أتاه وقال: يا رسول الله، إن دوسًا قد عصت وأبت، فادعُ الله عليهم. فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة ورفع يديه، والناس يقولون: هلكت دوس، [ظنوا أن] سيدنا رسول الله سيدعو عليهم.
فقال:
«اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم جميعًا»
فأسلمت دوس [كلها]. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
