السعادة والمرح | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •علّمنا الرسول الكريم كيف نسعد ونمرح في إطار من الالتزام والمسؤولية والتواضع والشريعة، ونهانا عن الغضب.
- •كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، ويمازح الأطفال كقوله لأبي عمير: "ما فعل النغير".
- •ألبس النبي أم خالد الصغيرة خميصة وقال: "ابلي واخلقي"، وكان يمازح الكبار كقوله للرجل: "سأحملك على ولد الناقة".
- •سمح النبي للجاريتين بالغناء في العيد عندما أراد أبو بكر منعهما.
- •كان يسمح للأحباش باللعب في المسجد ونهى عمر عن زجرهم قائلًا: "دعهم يا بني أرفدة".
- •وقف النبي يستر عائشة بردائه حتى تنظر إلى لعبهم، وسمح لها باللعب بالدمى مع صاحباتها.
- •ضحك النبي عندما رأى لعبة عائشة وكان فيها فرس بجناحين.
- •شجع النبي المتنافسين في الرمي والمبارزة، وسابق عائشة في الجري.
- •السعادة والفرح من أخلاق الإسلام.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين في رمضان
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة من حلقات مجالس الطيبين في شهر رمضان المعظم الكريم، كل عام وأنتم بخير.
منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم السعادة والمرح في إطار الشريعة
ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم علّمنا كيف نسعد وكيف نمرح، علّمنا هذا في إطار من الالتزام والمسؤولية، وفي إطار من التواضع والمحبة والمودة، وفي إطار من الشريعة والعقيدة.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يكون أحدنا مضطربًا؛ ولذلك نهانا عن الغضب وعن الغيظ وعن أن نفعل أفعالًا غير محسوبة.
قال صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب ولك الجنة»
السعادة والمرح قيمة في ذاتها [عند رسول الله صلى الله عليه وسلم].
حديث أنس عن مداعبة النبي للطفل أبي عمير وحسن خلقه مع الأطفال
عن أنس رضي الله تعالى عنه فيما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب قال:
«كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلُقًا، وكان لي أخٌ يُقال له أبو عُمير»
قال [أنس]: أحسبه فطيمًا، يعني ولدًا صغيرًا لا يزال مفطومًا. إذا جاء [النبي صلى الله عليه وسلم] قال: يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟ نُغَرٌ كان يلعب به [أبو عمير].
فربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيُكنَس ويُنضَح -يعني بالماء- ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا صلى الله عليه وسلم.
إدخال النبي السعادة على الأطفال ولطفه وبعده عن التشدد والاعتزال
يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟ يعني كأنه [صلى الله عليه وسلم] يُدخل السعادة على الطفل الذي يلعب بالنُّغَر، وهذا النُّغَر نوع من أنواع الطيور الصغيرة كالعصفور الصغير، ويُدخل السعادة عليهم.
لم يكن [صلى الله عليه وسلم] كئيبًا، ولم يكن متشددًا، ولم يكن له مشرب الاعتزال، لكنه صلى الله عليه وسلم كان لطيفًا حلوًا جميلًا، وكان صلى الله عليه وسلم يعلّمنا كيف نمرح وكيف نسعد.
قصة إلباس النبي الخميصة لأم خالد ومداعبته لها بالحبشية
فعن أم خالد بنت خالد [رضي الله عنها] أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال:
«من ترون أن نكسو هذه الخميصة؟»
أي ثوب، نوع من أنواع الملابس. فقال: ما رأيكم أن نعطيها لمن؟ من الذي تنفعه هذه؟ فسكت القوم. قال: ائتوني بأم خالد -التي هي راوية الحديث- فأُتي بها تُحمَل.
فأخذ الخميصة بيده فألبسها وقال: ابلي واخلقي. أم خالد كانت صغيرة، وأتى أحدٌ يحملها لأنها طفلة صغيرة، فأحضر هذه الخميصة التي هي الفستان وألبسه لها بيديه وقال: ابلي واخلقي، يعني أطال الله عمرك وأدامك في عافية؛ ابلي واخلقي معناها أدامك الله في عافية.
وكان فيه عَلَمٌ أخضر أو أصفر، فقال:
«يا أم خالد، هذا سَنَاه»
وسَنَاه بالحبشية معناها حسن.
دلالة قصة أم خالد على بساطة النبي ومداعبته للأطفال وإدخال الفرح عليهم
فهذا يرد على لسان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ليعلّمنا نحن هذه البساطة وهذه السعادة، وكيفية المرح، وأننا نداعب الأطفال ونخصّهم بالملابس الجديدة التي تُدخل الفرح على قلوبهم إلى آخره.
حديث ولد الناقة ومزاح النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجل الذي طلب مركبًا
وعن أنس بن مالك [رضي الله عنه] أن رجلًا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
«إني حاملك على ولد الناقة»
رجلٌ جاء وقال: يا رسول الله، إنني أريد أن أصل إلى بلدي أو كذا إلى آخره، فانظر لي مركبًا أركبه. فقال له: حسنًا، سأجعلك تركب ابن الناقة.
كلمة "ابن الناقة" بداهةً هكذا معناها الجمل الصغير الذي لا يتحمل الركوب، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد أن كل جمل هو ابن ناقة؛ ما هو صحيح أنه جاء من ناقة، كل الجمال جاءت من ناقة. ولد الناقة لا يبقى بالضرورة صغيرًا؛ لأن كل الجمال هي أولاد الناقة.
يمزح مع الرجل ويداعبه ويمرح معه. فقال: يا رسول الله، ماذا أصنع بولد الناقة؟ أنا أريدك أن تعطيني شيئًا جيدًا. فقال رسول الله:
«وهل تلد الإبلَ إلا النوق؟»
يعني هي الإبل آتية إلا من النوق [فكل جمل هو ابن ناقة].
تعليم النبي السعادة والمرح وإقراره الغناء والفرح في يوم العيد
فبعض الناس لا يمزحون، لا يعرفون المزاح، لا يمزحون أبدًا، ولكن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يعلّمنا السعادة ويعلّمنا المرح.
والعيد قادم علينا، وفي العيد كان [صلى الله عليه وسلم] يعلّمهم المرح ويعلّمهم ويتركهم في الغناء. ولذلك دخل مرة أبو بكر [رضي الله عنه] فوجد جاريتين تغنّيان بغناء بُعاث -يومٌ نصر الله فيه الأنصار في الجاهلية، أيام الجاهلية- ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُسدِلٌ وجهه.
وظنّ أبو بكر أن سيدنا رسول الله نائم وأنهما تسبّبان إزعاجًا، فنهاهما قائلًا: اسكتا أيتها الفتاتان، لا تُزعجا رسول الله. فكشف [النبي صلى الله عليه وسلم] عن وجهه وقال:
«دعهما يا أبا بكر، إنهما في يوم عيد»
حديث عائشة عن مشاهدة لعب الأحباش في المسجد بإذن النبي صلى الله عليه وسلم
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه البخاري في كتاب العيدين:
«رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد»
كان سيدنا رسول الله يأتي في المسجد، يجعل الأحباش يلعب بعضهم مع بعض، كأنهم يمارسون لعبة التحطيب التي لدينا في الصعيد؛ كأنها المبارزة بالسيف ولكن تكون بالعصي أو بشيء من هذا القبيل، كأنها لعبة المبارزة. هكذا كان يقوم بها الأحباش.
فزجرهم عمر [رضي الله عنه]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«دعهم، أمنًا بني أرفدة»
أي اتركوهم يطمئنوا، لا تخافوا من عمر ومن زجره. أتلعبون أمام رسول الله؟ سألهم سيدنا عمر. فقال لهم [النبي صلى الله عليه وسلم]: لا، العبوا لا يهمّكم، وأنتم في أمان ولا يهمّكم كلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
كل ذلك كانوا يفعلونه حبًّا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعملًا على راحته، ولكنه كان يعلّمهم الصواب ويعلّمهم الصحيح.
حديث عائشة عن وقوف النبي يسترها لتنظر إلى لعب الأحباش حتى تنصرف بنفسها
وعن عائشة [رضي الله عنها] أيضًا قالت كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، قالت:
«والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف»
فيصبر هكذا ويتركها تنظر من وراء كتفه إليهم، حتى إذا أخذت إرادتها في النظر إلى هذا اللعب دخلت إلى داخل البيت.
فاقدُروا قدر الجارية الحديثة السنّ الحريصة على اللهو. أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين. رضي الله تعالى عن الصدّيقة العظمى، الصدّيقة الكبيرة عائشة رضي الله تعالى عنها بنت الصدّيق.
حديث عائشة عن لعبها بالبنات وإقرار النبي لها ولصويحباتها باللعب
وعنها [عائشة رضي الله عنها] أيضًا قالت:
«كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمّعن منه، فيُسرّبهنّ إليّ فيلعبن معي»
كانت البنات لمّا تدخل على السيدة عائشة، كان [النبي صلى الله عليه وسلم] يتركها تلعب مع صُوَيحباتها بالبنات -هذا يعني العرائس التي مصنوعة من القطن وما إلى ذلك- فكان يسمح لها بأن تلعب مع ذوات سنّها.
قصة اكتشاف النبي لعب عائشة وضحكه من فرس له جناحان
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سَهوتها سِتر، فهبّت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة -لُعَب، أي الدُّمى-. هذه عبارة عن ألعاب، أي دمية أو عروسة أو ما شابه ذلك من القطن، تُسمّى "البنات" لأنها كانت تُصنع للّعب.
فهي مُخبّأة خلفها في كَوّة، أي فتحة أو شيء كهذا، مثل ما عندنا في الريف التي كانت توضع فيها المصباح أو غير ذلك إلى آخره، شيء يشبه النافذة لكنها مغلقة ومغطاة بستارة. فجأة هبّت الريح ورفعت هذه الستارة فظهر من ورائها لُعَب السيدة عائشة.
فقال: ما هذا يا عائشة؟ يداعبها. قالت: بناتي. ورأى بينهنّ فرسًا له جناحان من رِقاع. فقال: ما هذا الذي أرى وسطهنّ؟ ما هذا الفرس؟ قالت: فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان. قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟
فقالت [عائشة]: فضحك حتى رأيت نواجذه صلى الله عليه وسلم. والنواجذ هي أضراس العقل.
قبول النبي لمداعبة عائشة وضحكه من حجتها عن خيل سليمان المجنحة
وبعد ذلك وهي تكلّمه وتكلّمه بهذا، كأنها رفعت التكليف بينها وبين سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وهو يقبل هذا ويقبله منها. ألست تعرف أن سليمان [عليه السلام] كان عنده خيل لها أجنحة تطير هكذا في الأساطير؟ ولكنه يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقبل ذلك منها.
حديث سلمة عن تشجيع النبي لقبيلة أسلم على التناضل والرمي بالسهام
حدّثنا سلمة [بن الأكوع رضي الله عنه] فيما أخرجه البخاري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم -قبيلة اسمها أسلم- وهم يتناضلون بالسوق، يضربون يتمرّنون على السيف. يتناضلون يعني يعملون لعبة السيوف هذه.
فقال:
«ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا»
ويتناضلون أيضًا معناها أنهم يأتون بالسهم ويصوّبون على هدف، ويشكّلون فريقين يلعبان مع بعضهما البعض.
[فقال النبي صلى الله عليه وسلم]: وأنا مع بني فلان -لأحد الفريقين- فأمسكوا أيديهم. قالوا: الله، طيب أنت مع بني فلان، إذن نحن سنخسر! فقال: ما لهم؟ قالوا: وكيف نرمي وأنت مع بني فلان؟ قال:
«ارموا وأنا معكم جميعًا»
فهو يشجّع الفريقين معًا حتى لا يتوقفوا.
مسابقة النبي لعائشة في الجري ودعوته للفرح والسعادة كأخلاق إسلامية
وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي [صلى الله عليه وسلم] في سفر، قالت: فسابقته فسبقته جريًا معًا، وبعد ذلك هي سبقت النبي صلى الله عليه وسلم.
فلمّا حملت اللحم [أي زاد وزنها] وكبرت قليلًا في السنّ، سابقته فسبقني، فقال:
«هذه بتلك السابقة يا عائشة»
كل عام وأنتم بخير، افرحوا واسعدوا؛ فإن السعادة والفرح من أخلاق الإسلام. وإلى أن نلتقي على خير، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
