ما هي السنن الإلهية في القرآن الكريم وكيف يمكن توليد علوم جديدة من خدمته؟
السنن الإلهية هي قوانين ثابتة مستخرجة من القرآن الكريم تشمل سنة التوازن وسنة التدافع وسنة التعارف وغيرها، وقد بلغ المستخرج منها نحو تسعين سنة. القرآن نسق مفتوح يتيح توليد علوم جديدة كما فعل الزركشي بعلوم القرآن والشافعي بأصول الفقه. خدمة القرآن تقتضي استمرار توليد العلوم لأن ذلك دليل على حياة الأمة، وتوقفه دليل على نومها أو موتها.
- •
هل يمكن أن يكون القرآن الكريم أساسًا لعلوم اجتماعية وإنسانية جديدة تختلف جذريًا عن النماذج العلمانية السائدة؟
- •
تميّز التوثيق القرآني عن توثيق السنة النبوية بمراعاة الأداء الصوتي ومخارج الحروف والنبر، مما جعله نصًا واضحًا قلّ فيه الاختلاف.
- •
أسانيد القرآن موصولة متواترة إلى يومنا هذا، بينما انقطعت أسانيد السنة عند القرن الخامس الهجري مع البيهقي.
- •
الدراسات القرآنية نسق مفتوح لا ينتهي، أسّسه الزركشي في البرهان وأحياه السيوطي في الإتقان، ثم أُحيي في العصر الحديث من الزرقاني إلى اليوم.
- •
استُخرج من القرآن نحو تسعين سنة إلهية وثلاثة وثلاثين مبدأً عامًا، وتُمثّل أسماء الله الحسنى منظومة قيم تقوم على التخلق بالجمال والتعلق بالكمال.
- •
القرآن نص قصير يتحمل الأسقف المعرفية المختلفة عبر العصور، ولا يخالف أي اكتشاف علمي، وهي خاصية لا توجد في السنة النبوية.
- 0:00
الدراسات القرآنية تتميز عن سائر العلوم الشرعية بعمقها وشمولها في خدمة القرآن حفظًا وفهمًا واستنباطًا وتقسيمًا.
- 1:26
التوثيق القرآني تميّز بمراعاة الأداء الصوتي ومخارج الحروف والنبر، وهو ما غاب عن توثيق السنة النبوية.
- 2:39
حفظ القرآن على أرقى مستوى صوتي جعله نصًا واضحًا قلّ فيه الاختلاف، بخلاف الحديث الذي افتقر إلى هذا التوثيق.
- 3:42
أسانيد السنة انقطعت عند القرن الخامس الهجري مع البيهقي، وبدأت بعدها مرحلة أسانيد الدفاتر دون جرح وتعديل.
- 4:56
أسانيد القرآن موصولة متواترة حتى اليوم، بينما يُعطى سند الحديث تبركًا لا توثيقًا علميًا حقيقيًا.
- 5:54
التوثيق القرآني يقوم على منهج علمي بالنقد والجرح والتعديل، بينما اقتصر توثيق الحديث المتأخر على أسانيد الدفاتر.
- 6:25
الدراسات القرآنية نسق مفتوح لا ينتهي، أسّسه الزركشي بعلوم القرآن، بخلاف علوم السنة التي توقفت عند مؤلفات محددة.
- 7:25
الزركشي ابتكر علوم القرآن علمًا بنائيًا يجمع من فنون متعددة، لكن دعوته أُهملت قرنًا كاملًا قبل أن تُحيا.
- 8:06
السيوطي ألّف الإتقان مستقلًا عن البرهان، فلما اكتشف التوافق بينهما أصدر نسخة منقّحة ولفت النظر مجددًا لعلوم القرآن.
- 8:49
علوم القرآن أُحييت في العصر الحديث من الزرقاني إلى اليوم، دلالةً على أن القرآن ما زال فاتحًا أبوابه لعلوم جديدة.
- 9:20
رشيد رضا دعا لتأسيس علم السنن الإلهية المستقل المتولّد من التفسير والفقه والأصول، ليكون النموذج المعرفي للمسلم.
- 10:03
النموذج المعرفي الإسلامي يُثبت الألوهية والتكليف والآخرة، بينما النموذج العلماني ينحّيها جميعًا من العلوم الإنسانية.
- 10:28
توليد العلوم خدمةً للقرآن دليل حياة الأمة، وتوقفه دليل نومها أو موتها، لأن العلاقة بين القرآن والعلوم كانت دائمًا في ازدياد.
- 11:21
القرآن والسلف يدعوان لنسق مفتوح في توليد العلوم، ودعوة رشيد رضا في المنار أُهملت كما أُهملت البرهان والإتقان.
- 12:00
للعلوم مبادئ عشرة في توليدها، لكن الفكرة الجوهرية هي استمرار توليد العلوم الخادمة للقرآن رغم تغافل المسلمين.
- 12:49
محورية القرآن تعني أنه مرجع الحضارة الإسلامية ومعيار تقويمها، ومنه تنطلق الفنون والآداب والحياة.
- 13:48
حفريات القرآن بحث أثري مرتبط بنصوصه، وهو مجال أهمله المسلمون بينما نشط فيه الغرب وزوّر بعض نتائجه.
- 14:33
الرحلات الغربية إلى أرارات اكتشفت أن سفينة نوح على قمة الجودي، وهو ما يتوافق مع القرآن الكريم.
- 15:32
الهدف من البحث القرآني الأثري ليس المعلومات بل تحريك الحراك العلمي والتمكين في الحياة.
- 16:13
القرآن كتاب هداية يُطلب منه السنن الإلهية والمبادئ العامة والقيم والمقاصد والقواعد الكلية.
- 17:21
أسماء الله الحسنى أساس منظومة القيم الإسلامية، تقوم على التخلق بالجمال والتعلق بالكمال واستنباط المقاصد والقواعد.
- 18:22
استخراج السنن الإلهية بدأ بثلاثين سنة ثم خمسين بعد التعاون مع باحثين، ووصل بعد الدكتوراه إلى تسعين سنة.
- 19:28
ريادة تأليف كتب السنن الإلهية للشيخ محمد الصادق، لكن جميع هذه الكتب تفتقر لتحديد مفهوم السنة وهي في بداية طريقها.
- 20:21
الجامعات حاضنة للفكر ومولّدة للعلوم، لكنها جمدت وصارت كمدارس ثانوية بدلًا من أن تكون روافد لنهر العلم.
- 21:18
الشافعي نموذج في توليد العلوم إذ قوْلب الفكر المتفرق في أصول الفقه، والعلم يظل في حراك دائم لا يعرف الكلمة الأخيرة.
- 22:02
سنة التوازن وسنة التدافع من السنن الإلهية في القرآن، والتدافع أوسع من القتال ليشمل السلام والحراك الاجتماعي.
- 23:01
حصر التدافع في الحرب خطأ منهجي، والصواب توسيع المعنى ليشمل السلام وكل أشكال الحراك ما دامت اللغة تسمح.
- 24:00
سنة التدافع تتولّد منها مفاهيم الحراك الاجتماعي وتقسيم العمل والعلاقات البينية في المجتمعات.
- 24:53
سنة التعارف مستمدة من آية الحجرات، وتعني أن التنوع البشري للتواصل لا للتقاتل، ومنها تتولّد معانٍ ثرية.
- 25:36
سنة التعارف تقتضي تعلّم اللغات، وقد أثبت التاريخ أن الأزهريين كانوا يتقنون الفرنسية قبل الحملة الفرنسية.
- 26:28
نظم الأزهريين الشعر بالفرنسية بعد ستة أشهر يكشف استعدادًا مسبقًا وتعارفًا حضاريًا لم يُسجَّل.
- 27:23
المبادئ العامة في القرآن ليست حقائق ولا أحكامًا ولا أخبارًا، بل قواعد تكوّن العقل المسلم وتصلح لكل المجالات.
- 28:22
مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى مبدأ عام يصلح في القانون والسياسة والعقيدة، ويرفع مستوى التفكير عن العرف القبلي.
- 29:03
مبدأ لا تزر وازرة يردّ على الخطيئة الموروثة والأخذ بالجريرة والحرب الاستباقية، وهو مبدأ عام في العقيدة والسياسة.
- 29:35
مبدأ عفا الله عما سلف يُرسي فورية القانون وعدم الأثر الرجعي، وقد طبّقه الله في تحريم بعض الزيجات.
- 30:25
مبدأ عفا الله عما سلف يؤدي إلى التوبة في العلاقة مع الله، وإلى التغافل في التربية الذي قال عنه أحمد بن حنبل إنه كل التربية.
- 31:13
المواجهة المباشرة للمخطئ تبني نفسية المنافق، والتغافل مع التوجيه غير المباشر هو الأسلوب التربوي الأمثل.
- 31:55
استُخرج من القرآن ثلاثة وثلاثون مبدأً عامًا، وأسماء الله الحسنى في القرآن والسنة مائتان وعشرون اسمًا تمثّل منظومة قيم.
- 32:34
أسماء الله الحسنى تنقسم لصفات جمال وجلال وكمال، والأسماء المزدوجة لا تُذكر منفردة لأن المقصود يتم بذكرها معًا.
- 33:40
صفات الجمال تقتضي التخلق بالرحمة والنظافة والرفق، وصفات الجلال تقتضي التعلق بها والحذر من التشبه بها.
- 34:42
اسم الجبار اكتُشف أنه من صفات الجمال لأنه يجبر الكسر، وهذا نموذج على كيفية تولّد علوم جديدة من التأمل في أسماء الله.
- 35:58
علم المقاصد كتب فيه الشاطبي لكن أُهمل قرونًا، ثم أحياه ابن عاشور ومحمد عبده ورشيد رضا في العصر الحديث.
- 36:58
المقاصد والقواعد الكلية أيّدها عقلاء المسلمين وتمثّل التفكير المستقيم الذي ينظّم الفكر، ولا يجوز إهمالها.
- 37:26
القواعد الفقهية تطوّرت من ابن الوكيل إلى السيوطي وابن نجيم وابن عابدين، وتمثّل أبجدية عقلية للتفكير المستقيم.
- 38:18
موسوعة القواعد الفقهية وصلت إلى مائتي ألف قاعدة، دلالةً على تغلغل القواعد في الفكر الإسلامي كالأبجديات.
- 39:09
القواعد الفقهية الخمس الكبرى تشمل الضرر يُزال والعادة محكّمة والمشقة تجلب التيسير والشك والنية، وتنظّم الفكر الإسلامي.
- 39:53
قِصَر القرآن خاصية تُيسّر حفظه حتى لغير العرب، إذ يحفظه الأطفال والأجانب دون معرفة معناه.
- 41:03
القرآن يحتوي على ألف وثمانمائة وثلاثين جذرًا من ثمانين ألفًا عربيًا، والمعاجم تخدمه بكل الجذور لتكوين الملكة اللغوية.
- 41:57
الدلالة القرآنية تعمل على مستوى اللفظ والجملة والسياق، وتخدمها علوم البلاغة والمضمون والفقه والأخلاق.
- 42:40
القرآن يحتوي على ستة وستين ألف كلمة منها ألف وستمائة وعشرون لم تتكرر، وهو رقم يفوق عبقرية تولستوي بمراحل.
- 43:22
كلمات كضيزى وقسورة وتبيضّ وتسودّ لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة، دلالةً على ثراء النص وتنوعه اللغوي الاستثنائي.
- 44:02
القرآن يتحمّل الأسقف المعرفية المختلفة عبر العصور ولا يخالف أي اكتشاف علمي، وهذه خاصية غائبة عن السنة النبوية.
- 44:59
آية والشمس تجري لمستقر لها تغيّر معناها مع ارتفاع السقف المعرفي دون مخالفة النص، وهذا جوهر تحمّل القرآن للأسقف المعرفية.
- 45:39
اكتشاف حركة الشمس نحو نجم فيجا غيّر معنى الآية دون مخالفة النص، وهذا تحمّل القرآن للأسقف المعرفية لا إعجازًا علميًا.
- 46:39
السنة حصرت مفاتح الغيب في خمسة بينما القرآن لم يحصرها، لأن الراوي يروي بمعنى سقفه المعرفي والقرآن يتجاوز ذلك.
- 47:27
القرآن لم يحصر علم الأرحام والغيث في الله بصياغة مانعة، فتوافق مع السونار والمطر الصناعي دون مخالفة.
- 48:21
فشل التوقعات الاقتصادية وظاهرة نفسية السوق يُثبتان صدق القرآن في أن لا نفس تدري ماذا تكسب غدًا.
- 49:14
القرآن كجملة واحدة لا يصح تجزئته، وتجزئته سبب المشكلات كمن يستدل بآية مبتورة ويترك سياقها.
- 50:20
الدلالة الاستقلالية أخذ معنى من آية بمعزل عن سياقها، استعملها الفقهاء والمتكلمون والمتصوفة وتحتاج لمزيد دراسة.
- 51:08
الاستدلال بآية التهلكة على النهي عن الانتحار مثال على الدلالة الاستقلالية التي استعملها العلماء رغم اختلاف سياق الآية.
- 51:59
القرآن هدى للمتقين المخلصين لله، ومن اقتصر على حفظ رسمه دون وسمه لا ينتفع بهدايته.
- 52:58
حب الله ورسوله ضابط ذاتي للإخلاص، ومن أخلص فله أجر على الخطأ وعشرة على الصواب، ومن ابتغى غير الله فهجرته لما هاجر إليه.
لماذا تتميز الدراسات القرآنية عن سائر العلوم الشرعية الأخرى؟
الدراسات القرآنية تميّزت عن جميع العلوم الشرعية الأخرى لأن القرآن الكريم قامت حوله علوم متعددة تتعلق بحفظه وفهمه وتقسيمه والاستنباط منه وخدمته. هذه العلوم كانت أعمق وأشمل مما قامت به العلوم الخادمة للسنة أو الفقه أو الأخلاق الإسلامية. وهذا التميز يجعل الدراسات القرآنية في مكانة خاصة بين سائر العلوم الإسلامية.
كيف تميّز التوثيق القرآني عن توثيق السنة النبوية في مراعاة الأداء الصوتي؟
التوثيق القرآني تمّ على مستوى الأداء الصوتي بمراعاة مخارج الحروف والوقوف والنبر، وهو ما لم يحدث في توثيق السنة النبوية. فالسنة نُقلت نصوصًا دون هذا المستوى الدقيق من الأداء الصوتي. ومثال ذلك أن القارئ إذا فخّم حرفًا مرقّقًا في القرآن صُحِّح له، لأنه أخطأ في ترقيق الحرف لا في شكله.
لماذا قلّ الاختلاف في القرآن الكريم مقارنة بالحديث النبوي؟
القرآن الكريم حُفظ على أرقى مستوى صوتي شاملًا اللفظ والجملة والآيات والسور، مما جعله نصًا واضحًا جليًا قلّ فيه الاختلاف. أما الحديث النبوي فلم يُبيَّن لنا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم ينطق به، فوقع الخلاف لأن الكلمات المجردة تحتمل الاستفهام والاستنكار والتعجب وغيرها. والقرآن خلا من هذه الإشكالية فأصبح نصًا يمكن التنوع فيه لا الاختلاف عليه.
متى انقطعت أسانيد السنة النبوية وما علاقة ذلك بالبيهقي؟
التوثيق بالإسناد في السنة النبوية توقف تمامًا عند القرن الخامس الهجري، وكان البيهقي هو العلامة الفارقة بين مرحلة تدوين الأسانيد وعدم تدوينها. بعد وفاة البخاري بأربعمائة وخمسين سنة لم يعد أحد يُصدَّق إذا ادّعى حديثًا غير موجود في الكتب. ومن هنا بدأت مرحلة أسانيد الدفاتر التي لم يُجرَ عليها جرح وتعديل.
كيف استمرت أسانيد القرآن موصولة حتى اليوم بخلاف أسانيد الحديث؟
أسانيد القرآن الكريم موصولة بالتواتر إلى يومنا هذا، إذ لا يستطيع التلميذ أن يُجيز غيره بالقراءة إلا إذا أخذ الإسناد من شيخه. أما الحديث فلا يُؤخذ إسنادًا علميًا حقيقيًا، بل يُعطى من حضر سندًا للتبرك لا للتوثيق. وهذا الفارق يُبيّن عمق التوثيق القرآني مقارنة بتوثيق الحديث.
ما الفرق بين منهج التوثيق العلمي للقرآن ومنهج السند في الحديث؟
المنهج العلمي الحقيقي يقوم على النقد وبيان التجريح والتعديل وتحديد درجة المروي، وهو ما استمر في التوثيق القرآني. أما توثيق الحديث في مراحله المتأخرة فلم يتم عليه هذا المنهج العلمي الدقيق. وهذا ما جعل الدراسات القرآنية تتميز بكونها عميقة وشاملة ومستمرة.
لماذا تُعدّ الدراسات القرآنية نسقًا مفتوحًا بخلاف علوم السنة والمصطلح؟
علوم السنة انتهت وتوقفت عند مؤلفات ابن الصلاح والسخاوي والسيوطي ولم يأتِ أحد بجديد بعدها. أما الدراسات القرآنية فهي نسق مفتوح لا تنتهي عجائبه، وقد أثبت ذلك الزركشي المتوفى سنة 794 هجرية حين اخترع علم علوم القرآن اختراعًا لم يكن موجودًا من قبل. وهذا يتوافق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم إن القرآن لا تنتهي عجائبه.
كيف جعل الزركشي علوم القرآن علمًا بنائيًا جديدًا ولماذا لم يلقَ اهتمامًا فوريًا؟
الزركشي جعل علوم القرآن علمًا بنائيًا يأخذ من اللغة والأصول والتاريخ والحديث والتفسير، ليلفت النظر إلى أن التجديد في توليد العلوم ما زال مستمرًا. غير أن دعوته لم تلقَ آذانًا صاغية، وظل المسلمون نحو قرن أو قرنين لا يلتفتون إلى هذا العلم الجديد. وهذا النمط من الإهمال ثم الإحياء تكرّر في تاريخ العلوم الإسلامية.
كيف ألّف السيوطي الإتقان دون علم بالبرهان وما الذي اكتشفه بعد ذلك؟
السيوطي ألّف كتاب الإتقان في علوم القرآن دون أن يعلم بوجود البرهان للزركشي. فلما أنهاه وأُخبر بوجود البرهان اطّلع عليه فوجد أن ما كتبه كان موافقًا وشبيهًا بما كتبه الزركشي، وأن كلًا منهما زاد على الآخر أشياء. فألّف نسخة جديدة مزيدة ومنقّحة من الإتقان، ولفت النظر مرة أخرى إلى مادة علوم القرآن.
كيف أُحييت علوم القرآن في العصر الحديث وما الدلالة على استمرار انفتاح القرآن؟
بعد غفلة المسلمين عن علوم القرآن جاء العصر الحديث فأُحييت مرة ثانية، وبدأ المؤلفون يؤلفون فيها من أيام الزرقاني إلى يومنا هذا حتى صارت مكتبة كبيرة. والقضية ليست في الجزئيات بل في الدلالة على أن القرآن ما زال فاتحًا أبوابه لإنشاء علوم جديدة. وهذا هو المعنى الذي يُراد استيعابه من تاريخ هذه الدراسات.
ما الذي دعا إليه رشيد رضا بشأن علم السنن الإلهية وما أهميته للمسلمين؟
رشيد رضا دعا إلى إيجاد علم مستقل يُسمّى علم السنن الإلهية، يتولّد من التفسير والفقه والأصول معًا. والهدف من هذا العلم هو الالتفات إلى سنن الله في التاريخ والأنفس والكون، لتكون هذه السنن النموذج المعرفي للمسلم وأساسًا لدراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية. وهذا العلم يُقدّم بديلًا إسلاميًا عن النماذج المعرفية العلمانية.
ما الفرق بين النموذج المعرفي الإسلامي والنموذج العلماني في العلوم الإنسانية؟
النموذج العلماني في العلوم الإنسانية ينحّي قضية الألوهية والتكليف والآخرة، بينما النموذج المعرفي الإسلامي يجعل هذه القضايا أساسًا للفهم والتحليل. وهذا الاختلاف الجوهري في النماذج المعرفية هو ما يجعل العلوم الاجتماعية والإنسانية المبنية على الأساس الإسلامي مختلفة جذريًا عن نظيراتها العلمانية.
لماذا يُعدّ توليد العلوم دليلًا على حياة الأمة وتوقفه دليلًا على موتها؟
علاقة العلوم بالقرآن كانت عميقة ومستمرة وفي ازدياد، وهذا يُعطي مشروعية لتوليد علوم جديدة خدمةً للقرآن كما وُلّدت من قبل. وتوليد العلوم بهذه الصفة يدل على حياة الأمة، أما عدم توليدها فيدل على عكس ذلك، إذ عكس الحياة إما النوم وإما الموت. فالأمة إما أن تنام أو تموت إذا توقفت عن توليد العلوم.
كيف دعا القرآن ومنهج السلف إلى نسق مفتوح في توليد العلوم وما موقف المسلمين من دعوة رشيد رضا؟
القرآن ومنهج السلف الصالح يدعوان إلى أن يكون توليد العلوم نسقًا مفتوحًا يزيد ولا ينقص. ورشيد رضا دعا إلى ذلك في مجلة المنار في مطلع القرن العشرين، غير أن المسلمين ناموا عن هذه الدعوة كما ناموا عن البرهان والإتقان من قبل. ولكن لا يسقط حق وراءه مطالب، وهذه قضية أمة لا قضية فرد.
ما هي المبادئ العشرة لتوليد العلوم وما الفكرة الأساسية التي لا يجب أن تضيع؟
للعلوم مبادئ عشرة في توليدها تشمل: الحد والموضوع والواضع والنسبة والمستمد منه والفضل والحكم والاسم والفائدة والمسائل. غير أن الفكرة الأساسية التي لا يجب أن تضيع هي استمرار توليد العلوم الخادمة للقرآن الكريم، بالرغم من تغافل المسلمين ونومهم عن هذا الواجب.
ما معنى محورية القرآن الكريم للحضارة الإسلامية وما مقتضياتها؟
محورية القرآن تعني أنه الشيء الذي تدور حوله الحضارة الإسلامية، فعليه الخدمة ومنه الانطلاق وإليه المرجع وهو معيار التقويم. وفي ظلاله تنشأ الفنون بإبداعاتها والآداب بإلهاماتها والحياة بسياقها. ومعنى ذلك أنه لا بد من الاستمرار في خدمة القرآن وتوليد العلوم حوله مما قصّر فيه المسلمون.
ما المقصود بحفريات القرآن وما أهمية البحث الأثري القرآني مقارنة بأبحاث الكتاب المقدس؟
حفريات القرآن تعني البحث والتنقيب الأثري المرتبط بالنصوص القرآنية، وله شبيه في أبحاث الكتاب المقدس التي عملت معاجم وأبحاثًا عن كل كلمة فيه. وقد زُوّرت بعض هذه الأبحاث لأن الساحة خالية من المقابل الإسلامي الدارس. وليس من المعيب الاهتمام بمثل هذه العلوم بحثًا عن كهف أصحاب الكهف أو مكان سفينة نوح.
ما الذي اكتشفته الرحلات الاستكشافية الغربية بشأن سفينة نوح وكيف يتوافق ذلك مع القرآن؟
ابتدأت الرحلات الاستكشافية الغربية عام 1890 إلى جبال أرارات في تركيا بحثًا عن سفينة نوح. وكتب أحد الباحثين الغربيين غير المسلمين أنها على قمة جبل يسمّيه أهله الجودي، وهو ما يتوافق مع القرآن الكريم الذي ذكر الجودي. ويبقى الاثنان صادقين لأن الجودي قمة في سلسلة جبال أرارات.
لماذا القضية ليست قضية معلومات بل قضية حياة وتمكين؟
البعثات الاستكشافية التي بحثت عن سفينة نوح حرّكت مصانع وأنشأت أدوات ووسائل بحث ومناهج، وهذا هو المقصود الحقيقي. فالقضية ليست قضية معلومات بقدر ما هي قضية حياة وتمكّن في هذه الحياة، والسعي في الأرض هو ما يوصل إلى هذه الحياة والتمكين.
ما معنى أن القرآن كتاب هداية وما الذي يُطلب منه لتحقيق هذه الهداية؟
القرآن كتاب هداية بمعنى أنه يُطلب منه معرفة السنن الإلهية والمبادئ العامة والقيم ومنظومة القيم المرتبطة بأسماء الله الحسنى. ويُطلب منه أيضًا استنباط المقاصد العامة للشريعة والقواعد الكلية التي يمكن بها التحرك والفقه والحكم. وهذا الفهم مفتوح لمن أخلص النية، إذ يمكن أن يفتح الله على أحد ما لم يفتح على آخرين.
كيف تُشكّل أسماء الله الحسنى منظومة القيم الإسلامية وما مقتضيات التخلق والتعلق؟
الله سبحانه وتعالى سمّى نفسه وعرّفنا بصفاته حتى نتخلّق بالجمال ونتعلّق بالكمال ونؤمن بالكمال، وهذه تمثّل منظومة القيم. ويُضاف إلى ذلك استنباط المقاصد العامة للشريعة ومرادها منّا، واستنباط القواعد الكلية التي يمكن بها التحرك والفقه والحكم بالعدل والحق والخير والسلام.
كيف بدأت تجربة استخراج السنن الإلهية من القرآن وكيف وصل عددها إلى تسعين سنة؟
بدأت التجربة منذ أكثر من خمسة عشر سنة بأبحاث ابتدائية للتحقق من وجود ما يُسمّى بالسنن الإلهية، فاستُخرج أولًا ثلاثون سنة. ثم بعد لقاءات مع الدكتور فتح ملكاوي في الأردن أصبحت خمسين، ثم بعد رسالة ماجستير ثم دكتوراه وصل العدد إلى تسعين سنة إلهية موجودة في القرآن.
من كان الرائد في تأليف كتب السنن الإلهية وما الإشكالية التي تعاني منها هذه الكتب؟
الريادة الأولى في تأليف كتب السنن الإلهية كانت للشيخ محمد الصادق بكتابه السنن الإلهية في القرآن الكريم، ثم تبعه عبد الكريم زيدان وزينب عطية وغيرهم. غير أن هذه الكتب جميعها تفتقر إلى تحديد واضح لمعنى السنة، مما أدى إلى دخول ما قد يُختلف في كونه سنة وخروج ما قد يكون منها. والمسألة لا تزال في بداية الطريق.
ما وظيفة الجامعات في توليد الفكر العلمي وكيف انحرفت عن دورها الأصيل؟
الوظيفة الأساسية للجامعات هي توليد الفكر الذي يخدم العلم، فهي رافد من روافد نهر العلم وحاضنة للفكر. غير أن الجامعات جمدت قليلًا عمّا كانت عليه وبدأت تعمل كمدارس ثانوية. والمطلوب في بداية الطريق أن يضع الإنسان المعلومات في قالب علمي قابل للنقل حتى ينطلق الفكر حرًا، ثم يُقوْلَب بعد استقراره.
كيف يُمثّل الإمام الشافعي نموذجًا في توليد العلوم وكيف ينضج الفكر إلى علم مستقل؟
الإمام الشافعي ألّف الرسالة ووضع بذلك علمًا جديدًا اسمه أصول الفقه، وإن كان ما ذكره موجودًا من قبله فكرًا متفرقًا، فهو قوْلبه ونمّطه فصار علمًا. ثم يأخذ هذا العلم في النمو إلى أن يصل إلى غاية يُعدّ البقاء معها جمودًا، فيأتي الفكر فيغذّيه فينمو مرة أخرى. وهكذا في حراك لا نهاية له إلا بنهاية العالم.
ما سنة التوازن وسنة التدافع في القرآن ولماذا أخطأ المفسرون في حصر التدافع بالقتال؟
سنة التوازن تعني أن الله ألقى في الأرض من كل شيء موزون كما يُرى في القرآن. وسنة التدافع مستمدة من قوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، وقد أخطأ المفسرون حين حصروها في القتال. والصواب أن التدافع أوسع من ذلك، إذ يشمل التدافع بالحرب وبالسلام، والسلام أولى وأسبق.
كيف يؤدي خطأ حصر التدافع في الحرب إلى إعادة النظر في قراءة النص القرآني؟
المفسرون لم يخطئوا في أصل تفسيرهم لكنهم أخطأوا حين ظنوا حصر الكلام في الحرب وحده، لأن السلام أولى وأسبق وهو المقدّم. وهذا يؤدي إلى إعادة النظر في القراءة وإمكانية توسيع المعاني ما دامت اللغة العربية والقواعد المرعية وبقية الشرع تسمح بذلك. والخطأ يقع حين يُقوْلَب القرآن في زمن معين.
ما المفاهيم التي يمكن أن تتولّد من سنة التدافع في القرآن الكريم؟
سنة التدافع يمكن أن يتولّد منها مفاهيم الحراك الاجتماعي والانتقال من طبقة إلى طبقة. ويمكن أن يُفهم منها قضايا التخصص وتقسيم العمل، وقضايا العلاقات البينية في المجتمعات وكيفية تنشيطها. وهذا يُبيّن كيف أن القرآن لم يقل الحرب ولم يقل القتال بل قال التدافع الذي هو أوسع وأشمل.
ما سنة التعارف في القرآن وكيف يُولَّد منها معانٍ جديدة؟
سنة التعارف مستمدة من قوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم. والتعارف يعني أن الهدف من التنوع البشري ليس التقاتل بل التعارف والتواصل. ومن التأمل في هذه الكلمة يمكن توليد معانٍ واختبارها والبحث عنها كما نشط الأسلاف.
كيف يقتضي التعارف بين الشعوب تعلّم اللغات وما الدليل التاريخي على ذلك؟
التعارف بين شعوب وقبائل مختلفة يقتضي جسورًا من بينها تعلّم اللغات، لأن تعلّم اللغة يُحقق التعارف مع الآخرين. ويشهد على ذلك تاريخيًا أن الأزهريين كانوا يتحدثون الفرنسية حين دخل نابليون مصر، وأن الفرنسيين كانوا يأتون إلى أبي الجبرتي ليتعلموا الرياضيات بينما يتعلم الأزهريون منهم الفرنسية.
ما الذي يكشفه نظم الأزهريين الشعر بالفرنسية بعد ستة أشهر من بعثات محمد علي؟
نظم أبناء بعثات محمد علي الشعر بالفرنسية بعد ستة أشهر فقط يكشف أنهم لم يكونوا يبدأون من الصفر، بل كان لديهم استعداد مسبق واطلاع على الفرنسية قبل السفر. وهذا يدل على أن التعارف بين الحضارات كان قائمًا ومستمرًا لكن لم يُسجَّل. وهذا التعارف يقتضي أشياء كثيرة يمكن القياس عليها حتى تكتمل السنن الإلهية.
ما المبادئ العامة في القرآن وكيف تختلف عن الحقائق والأحكام والأخبار؟
المبادئ العامة في القرآن ليست حكاية للحقائق كأن الله غفور رحيم، وليست تكليفًا كإقامة الصلاة، وليست إخبارًا. بل هي قواعد تكوّن العقل المسلم وتصلح للاستعمال في أي مجال. وهذا ما يُسمّى مبدأً عامًا، وعمومه أنه ليس مختصًا بناحية دون أخرى.
كيف يُعدّ مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى مبدأً عامًا يصلح في القانون والسياسة والعقيدة؟
مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى مبدأ عام لأنه ليس مختصًا بناحية دون أخرى، فيصلح في القانون والسياسة والتاريخ والتعليل والدين والعقيدة. وقد كان العربي يقول الجار يُؤخذ بجريرة الجار، لكن القرآن جاء بهذا المبدأ العالي ليرفع مستوى التفكير. وهو يُطبَّق في مواجهة الخطيئة الموروثة والحرب الاستباقية وغيرها.
ما التطبيقات العملية لمبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى في العقيدة والسياسة والقانون؟
مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى يُطبَّق في مواجهة القائلين بالخطيئة الموروثة فيردّ عليهم بأن لا أحد يحمل وزر غيره. ويُطبَّق في مواجهة من يأخذ الجار بجريرة الجار فيرفض ذلك. ويُطبَّق في مواجهة الحرب الاستباقية والوقائية في السياسة فيردّ عليها بنفس المبدأ.
كيف يُعدّ مبدأ عفا الله عما سلف أساسًا لفورية القانون وعدم الأثر الرجعي؟
مبدأ عفا الله عما سلف مبدأ عام في القانون يقتضي فوريته، أي أنه لا يجوز إصدار قانون اليوم وتطبيقه على ما مضى لأن ذلك ضد عدالة القانون. وقد طبّق الله هذا المبدأ حين أنزل تحريم بعض الزيجات ثم قال إلا ما قد سلف، فلم يُحاسَب أحد على ما كان قبل التحريم. وهذا المبدأ يُطبَّق في القانون والعلاقة بين العبد وربه.
كيف يؤدي مبدأ عفا الله عما سلف إلى التوبة والتربية بالتغافل؟
مبدأ عفا الله عما سلف يؤدي في العلاقة بين العبد وربه إلى التوبة وتجديد الإيمان وقلب الصفحة. ويؤدي في مجال التربية إلى التغافل، وقد قال أحمد بن حنبل حين سُئل هل التغافل نصف التربية: بل كل التربية. فالتغافل عن أخطاء الولد وعدم محاسبته على كل شيء هو أساس التربية السليمة.
لماذا المواجهة المباشرة للمخطئ قد تبني نفسية المنافق وكيف يكون التغافل بديلًا؟
مواجهة المخطئ مباشرة بذنبه قد تُصيبه بالإحباط أو الخوف، أو تدفعه إلى إخفاء الذنب والاستمرار فيه، وهكذا كأنك تبني نفسية المنافق. أما التغافل فيعني أن تُلقي إليه كلمة من هنا أو من هناك دون مواجهة مباشرة، فيُصلح نفسه دون أن يشعر بالإحراج. وربما يظن فيك الولاية ومعرفة الأشياء الخفية.
كم مبدأً عامًا استُخرج من القرآن وكم اسمًا من أسماء الله الحسنى موجود في القرآن والسنة؟
استُخرج من القرآن ثلاثة وثلاثون مبدأً عامًا، وقد أخذ بها أحد الباحثين درجة الماجستير من كلية أصول الدين. وأسماء الله الحسنى في القرآن مائة واثنان وخمسون اسمًا، وفي السنة مائة وأربعة وستون اسمًا، فإذا حُذف المكرر أصبحت مائتين وعشرين اسمًا تمثّل منظومة متكاملة.
ما صفات الجمال والجلال والكمال في أسماء الله الحسنى وما قاعدة الأسماء المزدوجة؟
صفات الجمال تشمل الرحمن الرحيم الغفور الودود، وصفات الجلال تشمل المنتقم شديد المحال المتكبر، وصفات الكمال تُذكر مزدوجة كالأول الآخر والظاهر الباطن والنافع الضار. وقاعدة الأسماء المزدوجة أنه لا يجوز ذكرها منفردة، فلا يُقال ربنا هو الضار بل النافع الضار، لأن الضر بيده وحده.
كيف تُشكّل صفات الجمال والجلال منظومة قيم عملية في حياة المسلم؟
صفات الجمال تقتضي التخلق بها، فيجب أن يكون المسلم رحيمًا لأن الله رحيم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه. وصفات الجلال تقتضي التعلق بها والحذر من التشبه بها، فيُحذَّر من الانتقام والتكبر والتجبر. وهكذا تتشكّل منظومة قيم عملية من أسماء الله الحسنى.
كيف اكتشف الباحث أن اسم الجبار من صفات الجمال لا الجلال وما دلالة ذلك؟
باحث يُعدّ دكتوراه في القيم من أسماء الله الحسنى وجد اسم جبار وتساءل هل هو جمال أم جلال. وتوصّل إلى أنه جمال لأن الجبار يجبر الكسر ويجبر خاطر المساكين، فيصبح جبارًا للكسر لا جبارًا بالقهر. وهذا يعني أنه لا يجوز كسر خاطر الناس ولا كسر المسكين، وهكذا تتولّد علوم جديدة من التأمل في الأسماء.
كيف تطوّر علم المقاصد الشرعية من الشاطبي إلى ابن عاشور وكيف أُحيي في العصر الحديث؟
الشاطبي كتب في المقاصد لكن كتابه لم يُدرَس في معاهد المسلمين حتى أواخر القرن التاسع عشر. ثم ظهر في تونس من شرح الموافقات، وجاء بعده ابن عاشور فكتب المقاصد الذي سار به الركبان. ومحمد عبده ورشيد رضا نشرا هذه الكتب في المنار ودعوا إلى جعل المقاصد علمًا مستقلًا.
لماذا لا يجب إهمال المقاصد والقواعد الكلية وما دورها في تنظيم الفكر؟
المقاصد والقواعد الكلية أيّدها عقلاء المسلمين عبر التاريخ وبذلوا فيها الشيء الكثير، ولا يجوز إهمالها رغم بطء التقدم وسرعة الزمن. وهذه القواعد تمثّل التفكير المستقيم الذي ينظّم الفكر ويُمكّن من الفهم الصحيح. والبطء شديد والزمن يجري فلا يجوز التأخر في الاهتمام بهذا المعنى.
من وضع القواعد الفقهية وكيف تطوّرت من ابن الوكيل إلى السيوطي وابن نجيم وابن عابدين؟
ابن الوكيل الشافعي بدأ تأليف القواعد الفقهية لكنه مات في وسط الكتاب. ثم جاء ابن السبكي ثم السيوطي الذي لخّص ما قبله، ثم ابن نجيم الذي أخذ من السيوطي، وابن عابدين الذي شرح ابن نجيم. وهذه القواعد تمثّل أبجدية عقلية للتفكير المستقيم تُعلّم الناس كيف يقرأون.
كيف وصلت موسوعة القواعد الفقهية إلى مائتي ألف قاعدة وما دلالة ذلك؟
منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه في جدة أعدّا موسوعة للقواعد الفقهية، بدأت بخمس قواعد كبرى ثم توسّعت إلى خمسين ثم مائتين ثم مائتي ألف قاعدة. وهذا العدد الكبير يعني أن كل قاعدة لها عشرون أو ثلاثون صياغة، مما يدل على أن القواعد تغلغلت في الفكر الإسلامي والكتابة كالأبجديات.
ما القواعد الفقهية الخمس الكبرى وكيف تنظّم الفكر الإسلامي؟
القواعد الفقهية الخمس الكبرى في المذهب الشافعي هي: الضرر يُزال، والعادة محكّمة، والمشقة تجلب التيسير، والشك لا يُرفع به متيقَّن، وإنما الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها. وكل قاعدة عليها شرح طويل يُبيّن كيف يمكن بها الفهم وإخراج الأحكام من القرآن.
لماذا يُعدّ قِصَر القرآن من خصائصه التي تُيسّر حفظه حتى لغير العرب؟
القرآن نص قصير لو طُبع في جريدة الأهرام لصار ثلاث عشرة صفحة فقط، وهذا القِصَر يُيسّر حفظه. ولذلك يحفظه الأطفال والأجانب غير العرب الذين لا يعرفون معناه، كالملاويين وأصحاب الأردو والتركية والفارسية. ويقوم الحافظ في رمضان بالقرآن كله في التراويح دون تلعثم رغم عدم فهمه للغة.
كم جذرًا يحتوي القرآن من جذور اللغة العربية وما أثر ذلك على الملكة اللغوية؟
القرآن الكريم يحتوي على ألف وثمانمائة وثلاثين جذرًا فقط من أصل ثمانين ألف جذر في اللغة العربية، أي ما يعادل اثنين في المائة منها. غير أن معاجم اللغة كلسان العرب والقاموس المحيط تأتي بثمانين ألف جذر لخدمة هذا الكتاب، مما يُوسّع المدارك اللغوية ويُكوّن ملكة للفهم على مستوى دلالة الألفاظ.
ما مستويات الدلالة في القرآن الكريم وما العلوم المرتبطة بكل مستوى؟
الدلالة في القرآن تعمل على مستويات متعددة: على مستوى اللفظ توجد المعاجم، وعلى مستوى الجملة توجد علوم البلاغة، وعلى مستوى السياق والسباق توجد علوم المضمون والفقه والأخلاق. وهذا النص الصغير بألف وثمانمائة وثلاثين جذرًا يمكن استيعابه جيدًا لأن كل جذر له معنى أو معنيان أو ثلاثة.
كم كلمة يحتوي القرآن وكم كلمة لم تتكرر فيه وما دلالة ذلك مقارنة بتولستوي؟
القرآن الكريم يحتوي على ستة وستين ألف كلمة، منها ألف وستمائة وعشرون كلمة لم تتكرر. وللمقارنة فإن تولستوي حُكم له بالعبقرية الأدبية لأن روايته الحرب والسلام تحتوي على أربع كلمات فقط لم تتكرر. فالقرآن يفوق ذلك بمراحل بألف وستمائة وعشرين كلمة غير متكررة.
ما أمثلة الكلمات التي لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة وما دلالة ذلك؟
من الكلمات التي لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة: ضيزى، وقسورة، وتبيضّ وتسودّ في سياق يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه. وهذه الكلمات الفريدة تدل على ثراء النص القرآني وتنوعه اللغوي الاستثنائي، وهي من طبيعة هذا النص الذي يجمع بين القِصَر والثراء اللغوي.
كيف يتحمّل القرآن الأسقف المعرفية المختلفة عبر العصور ولماذا هذه الخاصية غير موجودة في السنة؟
القرآن نص واسع يتحمّل الأسقف المعرفية المختلفة، فكلما جاء سقف معرفي جديد للبشر وجدنا القرآن لا يعارضه. وكلما ارتفع السقف بثورات علمية كما يقول كوين في نظرية الثورات العلمية، يظل القرآن غير مخالف. وهذه الخاصية ليست موجودة في السنة النبوية إطلاقًا.
كيف تغيّر معنى آية والشمس تجري لمستقر لها مع ارتفاع السقف المعرفي البشري؟
البدوي بسقفه المعرفي فهم أن الشمس تتحرك من المشرق إلى المغرب وهذا مستقرها. ثم تطوّر البشر وعرفوا أن الأرض تدور حول الشمس وأن الشمس ثابتة، فارتفع السقف المعرفي. وفي كلتا الحالتين لم يخالف القرآن، بل تغيّر المعنى من الغروب إلى شيء آخر دون أن يتعارض النص مع المعرفة الجديدة.
كيف يُفسَّر اكتشاف أن الشمس تجرّ المجرة وراءها في ضوء الآية القرآنية؟
بعد كوبرنيكوس وجاليليو اكتُشف أن الشمس تجرّ المجرة والكواكب وراءها نحو نجم فيجا بسرعة اثني عشرة ميلًا في الثانية. فارتفع السقف المعرفي وتغيّر معنى والشمس تجري لمستقر لها من الغروب إلى هذه الحركة الكونية الهائلة. وهذا ليس إعجازًا علميًا بالمعنى الشائع بل هو تحمّل النص للأسقف المعرفية المختلفة.
كيف يختلف القرآن عن السنة في تناول مفاتح الغيب وتحمّل الأسقف المعرفية؟
الحديث النبوي يقول خمسة لا يعلمهن إلا الله ويحصرها، فأُغلق عليهن. أما القرآن فقال وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو دون حصر، ثم ذكر أمثلة كإنزال الغيث وعلم الساعة. والفرق أن الراوي يروي بالمعنى الذي فهمه وفق سقفه المعرفي، بينما القرآن يتجاوز ذلك ليتحمّل كل سقف معرفي.
كيف يتوافق القرآن مع اكتشافات السونار والمطر الصناعي دون مخالفة نصه؟
القرآن قال ويعلم ما في الأرحام دون أن يقول لا يعلمه إلا هو، فجاء السونار وعرف هل المولود ذكر أم أنثى دون أن يخالف النص. وقال وينزّل الغيث دون أن يقول لا ينزله إلا هو، فجاء المطر الصناعي دون مخالفة. وهكذا القرآن لا يخالف أي سقف معرفي لأنه لم يحصر العلم في الله بصياغة مانعة.
كيف يُثبت القرآن عجز البشر عن معرفة الغيب رغم كل أنواع التوقعات الحديثة؟
القرآن يقول وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت، وكل أنواع التوقعات في البورصات تفشل. وقد ابتكر الاقتصاديون مفهوم نفسية السوق ليفسّروا ظواهر كيوم الاثنين الأسود دون أن يعرفوا سببها الحقيقي. وهذا يُثبت أن القرآن لا يخالف أي سقف معرفي وأن الغيب الحقيقي لا يعلمه إلا الله.
لماذا القرآن كالجملة الواحدة ولماذا تجزئته سبب للمشكلات؟
القرآن كالجملة الواحدة لأنه نص متكامل لا يصح الاستدلال ببعضه دون بعض، وقد نهى الله عن ذلك بقوله أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض. وتجزئة القرآن سبب المشكلات، كمن يأتي بآية فاقتلوا المشركين ويترك بقية القرآن. وقد استغل أبو نواس هذه التجزئة ليستدل بآيات مبتورة على إباحة ما حرّمه القرآن.
ما الدلالة الاستقلالية في القرآن وكيف استعملها العلماء عبر التاريخ؟
الدلالة الاستقلالية هي أخذ دلالة من آية قرآنية بمعزل عن سياقها المباشر، وقد استعملها الفقهاء والمتكلمون والمتصوفة من جميع المذاهب والمشارب. ومنطلقها أن القرآن معجز ومحفوظ وأساس ونص قصير محسوب بالحرف. وهي تحتاج إلى مزيد من الدرس والعناية، وهناك من يرى ضرورة السياق والسباق واللحاق.
كيف استُدل بآية ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة على النهي عن الانتحار رغم اختلاف سياقها؟
آية ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة لم تأتِ في سياق النهي عن الانتحار أصلًا، لكن العلماء أخذوا منها دلالة استقلالية على هذا النهي. وهذا يُثير سؤالًا: هل لا بد من السياق أم يمكن أخذ دلالة استقلالية من القرآن عمومًا؟ والعلماء عبر التاريخ فعلوا ذلك، وبعضهم الآن يشترط السياق والسباق واللحاق.
ما شروط الانتفاع بالقرآن كتاب هداية وما معنى أنه هدى للمتقين لا للفاجرين؟
القرآن لا يفتح نفسه إلا للمتقين، والمتقي هو من أخلص النية لله، وقد قال تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله. فمن اقتصر على حفظ رسم القرآن دون وسمه لا يكون له هداية. وهذا أمر ذاتي غير موضوعي يقوم على حب الله ورسوله، وهو الضابط الداخلي للإخلاص.
كيف يكون حب الله ورسوله ضابطًا ذاتيًا للإخلاص وما ثمرة ذلك في العمل والأجر؟
حب الله ورسوله ضابط ذاتي يقوله الإنسان لنفسه، ويعني أنه يريد نصرة الله في نفسه ومحبة رسوله من قلبه. ومن كان كذلك فإن أخطأ فله أجر وإن أصاب فله عشرة أجور. أما من ابتغى بعمله غير وجه الله فهجرته إلى ما هاجر إليه كما في حديث النية، ولا يكون له من الأجر شيء.
السنن الإلهية في القرآن نسق مفتوح لتوليد العلوم يدل على حياة الأمة، وتوقفه دليل على نومها أو موتها.
السنن الإلهية في القرآن الكريم تمثّل النموذج المعرفي للمسلم وأساسًا لدراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية. وقد استُخرج منها نحو تسعين سنة تشمل سنة التوازن وسنة التدافع وسنة التعارف، فضلاً عن ثلاثة وثلاثين مبدأً عامًا يصلح كل منها للتطبيق في القانون والسياسة والتاريخ والتربية.
تميّز القرآن الكريم عن سائر النصوص بخصائص فريدة: توثيق صوتي بمخارج الحروف والنبر، وأسانيد موصولة متواترة بخلاف السنة التي انقطعت عند القرن الخامس الهجري، ونص يتحمّل الأسقف المعرفية المختلفة عبر العصور دون مخالفة. وهذه الخصائص مجتمعة تجعله محورًا لحضارة المسلمين ومصدرًا لا ينضب لتوليد العلوم.
أبرز ما تستفيد منه
- استُخرج من القرآن نحو تسعين سنة إلهية وثلاثة وثلاثون مبدأً عامًا.
- أسانيد القرآن موصولة متواترة بخلاف السنة التي انقطعت عند البيهقي.
- توليد العلوم دليل حياة الأمة وتوقفه دليل نومها أو موتها.
- القرآن نص يتحمّل الأسقف المعرفية المختلفة ولا يخالف أي اكتشاف علمي.
مقدمة حول أهمية الدراسات القرآنية وتميزها عن سائر العلوم الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم، شكرًا لهذه الدعوة الكريمة حول هذا الموضوع الذي هو في غاية الأهمية في الحقيقة سابقًا ولاحقًا.
القرآن الكريم له مزايا في الدراسات التي أُجريت حوله، تميّزت عن جميع الدراسات الأخرى الإسلامية التي اهتمت بأي منحى من مناحي العلوم الشرعية. لاحظنا أن القرآن الكريم قد قام بشأن حفظه وبشأن فهمه وبشأن تقسيمه وبشأن الاستنباط منه وبشأن خدمته علومٌ، وأن هذه العلوم كانت قاصرة وهي تخدم السنة، أو وهي تخدم الفقه، أو وهي تخدم الأخلاق الإسلامية، عمّا كانت عليه مع خدمتها للقرآن الكريم.
تميز التوثيق القرآني بالأداء الصوتي ومراعاة مخارج الحروف والنبر
فمثلًا التوثيق؛ نلاحظ أن التوثيق القرآني تمّ على مستوى الأداء الصوتي، ولم تكن السنة كذلك. فالسنة نقلوا نصوصًا ووثّقوها بطريقتها، ولكن ليس بهذه الطريقة، بل بطريقة الأداء الصوتي، بحيث أنهم راعوا مخارج الحروف وراعوا الوقوف وراعوا -رحمه الله تعالى- النبر.
ولم يكن كذلك في السنة. مثلًا إذا ما قرأنا على الشيخ "والضُّحى" صحّحنا وقال: "والضُّحى"؛ لأن هناك حرفًا مرقّقًا وهو الحاء، حقّها أن تُنطق هكذا. فإذا [فخّمها القارئ] سيكون قد أخطأ. في ماذا؟ لم يخطئ في الحرف ولم يخطئ في شكل الحرف، وإنما أخطأ في ترقيق الحرف.
حفظ القرآن على أرقى مستوى صوتي وغياب ذلك في توثيق الحديث النبوي
وهذا يعني أنه قد حُفظ على مستوى اللفظ والجملة والآيات والسور، حُفظ كله وعلى أرقى مستوى. لم يأتنا أحد من الناس ليبيّن لنا كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق بالحديث.
ولذلك وقع الخلاف؛ عندما تتجرّد الكلمات فيمكن أن يكون ذلك استفهامًا، ويمكن أن يكون استنكارًا، ويمكن أن يكون تعجّبًا، ويمكن أن يكون غير ذلك. ولكن القرآن الكريم خلا من هذه القضية، فأصبح نصًّا واضحًا جليًّا، قلّ الاختلاف فيه، وإن أمكن أن نتنوّع فيه لا أن نختلف عليه.
انقطاع أسانيد السنة بعد القرن الخامس الهجري واستمرار أسانيد القرآن
هذا التوثيق الذي يأخذ فيه التلميذ عن شيخه، في حالة السنة وقف تمامًا عند القرن الخامس الهجري، حتى قالوا إن البيهقي هو العلامة الفارقة بين تدوين الأسانيد وبين عدم تدوينها. فكان الشيخ يروي للتلميذ والتلميذ يتحمّل عن الشيخ، ويمكن أن تكون هناك روايات شفوية خارج الكتب.
إلى سنة أربعمائة وخمسين بعد وفاة البخاري، لم يعد هناك أحد يصدّق أنه معك حديث لا يوجد في الكتب. كل حديث معك لا بدّ أن يكون قد رُوي في الكتب. ومن هنا بدأت مرحلة أسانيد الدفاتر، وهذه المرحلة لم يتم عليها توثيق ولم يتم عليها جرح وتعديل، إنما كل رجال الجرح والتعديل كانوا في رواية الرواة إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم].
استمرار أسانيد القرآن متواترة إلى يومنا هذا مقارنة بأسانيد الحديث
وهنا نجد ألف سنة ونجد عشرين ألف راوٍ في هذه المساحة التي غطّت أربعمائة وخمسين سنة إلى البيهقي. في حين أن القرآن الكريم ليس كذلك، بل إن أسانيده موصولة وصل إسناد وتواتر إلى يومنا هذا.
وإلى الآن يذهب التلميذ إلى الأستاذ ولا يستطيع أن يُجيز غيره بالقراءة إلا إذا أخذ الإسناد، وإلى يومنا هذا. أما الحديث فلا نأخذه إسنادًا إجماليًّا؛ قرأنا البخاري ومسلمًا وأبا داود والترمذي والنسائي في الأزهر، وبعد كل كتاب نُعطي من حضر تبرّكًا لا توثيقًا سندًا يتبرّك به في صلته وسماعه لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الفرق بين منهج التوثيق العلمي للقرآن ومنهج السند في الحديث
ولكن هذا ليس هو المنهج. المنهج يتم بطريقة علمية فيها نقد، فيها بيان للتجريح والتعديل، فيها بيان لدرجة المروي.
ولذلك استمرّ [التوثيق القرآني]، وهذه هي الخاصية الثانية حول القرآن: فكما أنه كان عميقًا في دراسته، شاملًا في دراسته، أيضًا كانت دراسته مستمرة.
الدراسات القرآنية نسق مفتوح لا ينتهي بخلاف علوم السنة والمصطلح
ولاحظنا حول الدراسات القرآنية أن القرآن ليس كعلوم السنة التي انتهت ولخّصها ابن الصلاح من ناحية المصطلح في مقدمة ابن الصلاح، أو أبدع السخاوي فجمع كل ما هنالك في [فتح المغيث] في شرح ألفية العراقي، أو فعل مثله السيوطي في [تدريب الراوي] وانتهى، ولا يأتي أحد بجديد.
لكننا رأينا في الدراسات القرآنية أنها نسق مفتوح، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الردّ»
فوجدنا الزركشي المتوفّى سبعمائة وأربعة وتسعين هجرية يؤلّف [البرهان في علوم القرآن]، ولم يكن هناك مادة اسمها "علوم القرآن" من قبل، ويخترعها الزركشي اختراعًا.
الزركشي يبتكر علم علوم القرآن كعلم بنائي يجمع من فنون متعددة
ويجعلها [الزركشي] علمًا بنائيًّا يأخذ من اللغة ومن الأصول شيئًا، ومن التاريخ شيئًا، ومن الحديث شيئًا، ومن التفسير أشياء، يجمعها من أجل أن يلفت النظر إلى أن التجديد حتى في توليد العلوم ما زال مستمرًّا.
ولم تلقَ دعوة الزركشي آذانًا صاغية، فظلّ المسلمون نحو قرنين من الزمان أو قرنًا بحاله لا يلتفتون إلى علوم القرآن التي أظهرها أو لفت النظر إليها الزركشي.
السيوطي يؤلف الإتقان دون علم بالبرهان ثم يكتشف التوافق بينهما
حتى جاء السيوطي فيؤلّف [الإتقان] من غير علم بـ[البرهان]. ولمّا أنهى الإتقان قال له أحدهم: ماذا تفعل؟ إن هذا الكلام قد قيل منذ زمان من مائة سنة ولدينا نسخة.
فأراد أن يطّلع عليها فاطّلع، فوجد أن ما كتبه كان موفّقًا وشبيهًا بما كتب الزركشي، وأنه زاد عنه أشياء، وأن الزركشي زاد عنه أشياء. فألّف نسخة أخرى -طبعة جديدة مزيدة ومنقّحة- من الإتقان، فلفت النظر مرة أخرى إلى مادة تُسمّى بـعلوم القرآن.
إحياء علوم القرآن في العصر الحديث من الزرقاني إلى يومنا هذا
إلا أن المسلمين غفلوا عنها وتركوها حتى جئنا في العصر الحديث فأُحييت مرة ثانية، وبدأ المؤلّفون يؤلّفون فيها من أيام الزرقاني وإلى يومنا هذا، حتى صارت هناك مكتبة كبيرة في علوم القرآن.
القضية ليست في الجزئيات، وإنما في الدلالة على أن القرآن ما زال فاتحًا أبوابه لإنشاء علوم جديدة. هذه هي التي نريد أن نأخذها.
دعوة رشيد رضا لتأسيس علم السنن الإلهية المتولد من التفسير والفقه
هذه هي التي وجدناها عند رشيد رضا عندما دعا إلى أن يوجد ما يُسمّى بـعلم السنن الإلهية ويستقلّ بذاته، متولّدًا من التفسير، متولّدًا من التفسير والفقه، من الأصول مع الفقه مع التفسير ليولد حيث ما يولد.
لكن من أجل أن نلتفت إلى سنن الله الإلهية في التاريخ وفي أنفسنا وفي كوننا، وأن هذه السنن الإلهية تمثّل الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، وتكون النموذج المعرفي للمسلم، وتكون أساسًا لدراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية.
الاختلاف بين النموذج المعرفي الإسلامي والنموذج العلماني في العلوم الإنسانية
التي [العلوم الاجتماعية والإنسانية] انطلقت من نموذج آخر لا يرى للكون إلهًا أو ينحّي قضية الألوهية، ولا يرى للتكليف موضعًا أو ينحّي قضية التكليف، ولا يرى للآخرة وجودًا أو ينحّي قضية الآخرة، إلى آخر ما هنالك من اختلاف في النماذج المعرفية للبشر، خاصة بين الإسلام والعلمانية مثلًا.
مشروعية توليد العلوم الجديدة خدمة للقرآن ودلالتها على حياة الأمة
إذن نستطيع أن نقول إنه كما كانت الدراسات الإسلامية حول [القرآن]، إن علاقة العلوم بالقرآن عميقة وكانت مستمرة، إلا أنها كانت في ازدياد؛ أي مستمرة بحيث أن الماضي ظلّ موجودًا، لكن النقطة الجديدة أنها كانت في ازدياد.
وهذا يعطينا مشروعية لأن نولّد العلوم كما وُلّدت من قبل خدمةً للقرآن. وإن توليد العلوم بهذه الصفة يدلّ على حياة الأمة، وإن عدم توليد العلوم يدلّ على عكس ذلك، وعكس الحياة إما النوم وإما الموت؛ فإما أن تنام الأمة أو تموت.
القرآن ومنهج السلف يدعوان إلى نسق مفتوح في توليد العلوم
فالقرآن ومنهج السلف الصالح يدعوان إلى أن يكون هذا الأمر نسقًا مفتوحًا يزيد ولا ينقص.
والدعوة التي دعا إليها رشيد رضا في أوائل القرن في مجلته [المنار] ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعة وكذلك إلى آخره، أيضًا نام عنها المسلمون كما ناموا عن البرهان والإتقان وكذا إلى آخره. ولكن لا يسقط حقّ وراءه مطالب، فنحن نطالب الأمة؛ لأن هذه قضية أمة وليست قضية فرد من الأفراد أن تُولَّد العلوم.
المبادئ العشرة لتوليد العلوم وأهمية استمرار توليد العلوم الخادمة للقرآن
للعلوم طريقة في توليدها موجودة في مكانها ولها مبادئ عشرة: من رام فنًّا فليقدّم أولًا علمًا بحدّه وموضوع تلا، وواضع ونسبة وما استُمدّ منه وفضله وحكم معتمد، واسم وما أفاد والمسائل، فتلك عشر للمنى وسائل. وبعضهم فيها على البعض اقتصر، ومن يكن يدري جميعها انتصر.
[هذه المبادئ] موجودة وفي أشغال عليها، ولكن الفكرة الأساسية حتى لا تضيع هي استمرار توليد العلوم، بالرغم من أننا قد تغافلنا ونمنا عن توليد العلوم الخادمة [للقرآن الكريم].
القرآن الكريم محور الحضارة الإسلامية ومعنى المحورية في خدمته والانطلاق منه
القرآن الكريم لا يزال عبر التاريخ محورًا لحضارة المسلمين. ولذلك ما معنى المحور؟ عليه الخدمة، ومنه الانطلاق، وإليه المرجع، وهو معيار التقويم.
هذا معنى المحورية؛ المحور يعني الشيء الذي تدور حوله الحضارة الإسلامية، فتنشأ الفنون بإبداعاتها، والآداب بإلهاماتها، والحياة بسياقها في ظلال القرآن، من القرآن وإلى القرآن. ولذلك فهو المحور.
معنى ذلك أنه لا بدّ لنا أن نستمرّ في خدمة القرآن وفي توليد العلوم حوله مما قصّر فيه المسلمون.
حفريات القرآن وأهمية البحث الأثري القرآني مقارنة بأبحاث الكتاب المقدس
حفريات القرآن؛ حفريات القرآن لها شبيه في علاقة الآثار والبحث والتنقيب في الكتاب المقدس. عملوا معجم الكتاب المقدس وعملوا أبحاثًا عن كل كلمة فيه: أين سدوم وأين عمورية وأين كذا إلى آخره، وتوصّلوا إلى أبحاث.
ولقد زُوّرت أبحاث أخرى زُوّرت تزويرًا؛ لأن الساحة خالية من المقابل والدارس. وليس من المعيب أن نهتمّ بمثل هذه العلوم بحثًا عن كهف [أصحاب الكهف] أو عن مكان سفينة نوح.
الرحلات الاستكشافية الغربية للبحث عن سفينة نوح وتطابقها مع القرآن
ولكن لمّا وجدنا الناس عندما تحرّكوا للسعي في الأرض، ألف وثمانمائة وتسعين ابتدأت الرحلات الاستكشافية الغربية لجبال أرارات في تركيا بحثًا عن موطن سفينة نوح.
وواحد منهم يكتب كتابًا ويقول إنها على قمة جبل صغير يسمّيه أهله الجودي، وهو ليس مسلمًا ولا يعرف عن الإسلام شيئًا، وهي في الكتاب المقدس "أرارات". فيبقى الاثنان صادقين؛ لأنها سلسلة جبال أرارات على قمة الجودي. ولكن الجودي هذه ليست معروفة، وهنا تأتي أبحاث ومعانٍ كثيرة تحرّك العالم.
القضية ليست قضية معلومات بل قضية حياة وتمكين وحراك علمي
أي أن المقصود هو أن يتحرّك الناس وأن يسعوا؛ لأن البعثات التي ذهبت عددها حوالي أربع أو خمس حتى الآن، آخرها في عام ألف وتسعمائة وثمانين وكذا. هذه حرّكت مصانع وأنشأت أدوات ووسائل بحث ومناهج وما إلى ذلك.
ولذلك فإن القضية ليست قضية معلومات بقدر ما هي قضية حياة وتمكّن في هذه الحياة، وما الذي يوصل إلى هذه الحياة.
القرآن كتاب هداية ومعنى الهداية في استنباط السنن والمبادئ والقيم والمقاصد
يمكن أن نقول إن القرآن بالإضافة إلى أنه محور الحضارة هو كتاب هداية. وما معنى أنه كتاب هداية؟ فالذي ظهر لي بداهةً -وهذا ليس قيدًا على فكر أحد؛ لأننا نريد أن يفكّر الناس- ويقول سيدنا علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]: "إلا فهمًا يُؤتاه أحدنا في القرآن"، يبقى فالقرآن يمكن أن يفتح الله عليك فيه ما لم يفتح على آخرين.
وأن هذا الكتاب حتى نطلب منه هدايته، نطلب منه:
-
معرفة السنن الإلهية.
-
المبادئ العامة التي تحدّث عنها القرآن.
-
القيم ومنظومة القيم التي ربطها الله -في ظنّي- بأسماء الله الحسنى.
أسماء الله الحسنى أساس منظومة القيم والتخلق بالجمال والتعلق بالكمال
فهو [الله سبحانه وتعالى] قد سمّى نفسه وعرّفنا بصفاته حتى نتخلّق بالجمال ونتعلّق بالكمال ونؤمن بالكمال، وهذه تمثّل في حدّ ذاتها منظومة القيم.
رابعًا: استنباط المقاصد العامة لهذه الشريعة ومرادها منّا.
خامسًا: استنباط القواعد الكلية التي يمكن بها أن نتحرّك ونفقه ونحكم كما أرادنا الله سبحانه وتعالى بالعدل وبالحق وبالخير، بالسلام، بمنظومة القيم هذه.
تجربة عملية في استخراج السنن الإلهية من القرآن وبلوغها تسعين سنة
وفي هذا المكان بدأنا هذا الأمر منذ أكثر من خمسة عشر سنة، وعملنا أبحاثًا ابتدائية: هل هناك ما يُسمّى بالسنن الإلهية؟ واستخرجنا نحو تسعين سنة إلهية موجودة في القرآن.
ولكن ليس فجأة؛ نحن أول ما فعلنا وندوات ولقاءات أخرجنا ثلاثين، بذلنا جهدنا قليلًا وسافرنا إلى الدكتور فتح ملكاوي في الأردن فأصبحوا خمسين. عدنا -أنا أراه ولذلك أحيّيه يعني- عدنا إلى مصر، وهناك واحد حصل على الماجستير فيها، وبعد ذلك الدكتوراه، فوصل عدد السنن به إلى تسعين.
الريادة في تأليف كتب السنن الإلهية وإشكالية تحديد مفهوم السنة
وفي هذا الوقت ومن هذه الدعوات تقدّمت أناسًا وطبعوا كتبًا كثيرة. وكانت الريادة الأولى قبل عملنا للشيخ محمد الصادق: [السنن الإلهية في القرآن الكريم]، ثم بعد ذلك عبد الكريم زيدان، ثم بعد ذلك طبعتها الرسالة، ثم بعد ذلك زينب عطية في مجلّدين طبعتها دار الوفاء.
وكل هذه الكتب ليس فيها تحديد لمعنى السنة، ولذلك دخل فيها ما قد نختلف مع مؤلّفه في مسألة: هل هي سنة أم ليست سنة؟ وخرج منها ما قد نختلف معه في أنها من السنة؛ إذ أن المسألة لا تزال في بداية الطريق.
أهمية وضع المعلومات في قالب علمي قابل للنقل ودور الجامعات في توليد الفكر
وفي بداية الطريق يُستحسن أن يضع الإنسان المعلومات في قالب علمي قابل للنقل حتى ينطلق الفكر ويفكّر حرًّا عن القولبة. ثم عندما يستقرّ الفكر وتتّفق الجماعة العلمية على شيء نقوم بوضعه في قالب قابل للنقل.
وتلك كانت الوظيفة الأساسية للجامعات التي تركت الفكر وبدأت تعمل كمدارس ثانوية. لكن كانت الجامعات من المفترض فيها أنها تولّد الفكر الذي يخدم العلم، فهي رافد من روافد نهر العلم. وهذا في العالم كله وليس في بلد دون سواه.
الجامعات جمدت قليلًا عمّا كانت عليه في بداية الأمر باعتبارها حاضنة للفكر.
نموذج الإمام الشافعي في توليد العلوم وكيفية نضج الفكر إلى علم مستقل
وهكذا المسلمون كان لديهم فكر، وعندما ينضج هذا الفكر يظهر الإمام الشافعي ليؤلّف [الرسالة] ويضع بذلك علمًا جديدًا اسمه أصول الفقه، وإن كان هذا الذي ذكره موجودًا من قبله فكرًا اختلفوا فيها، ثم هو قولبه فنمّطه فصار علمًا.
ثم هذا العلم يأخذ في النمو إلى أن يصل إلى غاية يُعدّ البقاء معها جمودًا، فيأتي الفكر فيغذّيه فينمو مرة أخرى. وهكذا أبدًا في حراك لا نهاية له إلا بنهاية العالم، فالعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة.
سنة التوازن وسنة التدافع في القرآن وتوسيع معناها عن مجرد القتال
فالسنن مثل سنة التوازن؛ نرى في القرآن كلامًا عن الاتزان وأن الله قد ألقى في هذه الأرض من كل شيء موزون.
مثل سنة التدافع:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 251]
هذا التدافع، لمّا تذهب تقرأ في التفاسير ويقول لك: القتال. طيّب، ما هو ربنا قال القتال في القرآن مائة مرة، فلماذا هنا قال التدافع؟ ما هو ليس مستحييًا -يعني جلّ جلاله- أن يذكر القتال أو الحرب؛ لأنه ذكر هذه الألفاظ وذكرها بقوة في دستور واضح.
فلمّا قال التدافع؛ لأن التدافع قد يكون بالحرب وقد يكون بالسلام.
خطأ حصر التدافع في الحرب وأولوية السلام في فهم النص القرآني
يبقى أيضًا حتى المفسّرون هؤلاء لم يخطئوا، لكنهم أخطأوا عندما ظنّوا حصر الكلام في الحرب وحده. لا، بل إن السلام أولى وأسبق من الحرب وهو المقدّم علينا.
فهذا يؤدّي بنا إلى أمور منها: إعادة النظر في القراءة، وإلى إمكانية توسيع المعاني ما دام ذلك تسمح به اللغة العربية والقواعد المرعيّة وبقية الشرع الذي يدعو إلى السلام والأمان.
وهكذا هذا القصر وهذا الحصر هو الذي يقع فيه الخطأ؛ لأننا قد قولبنا القرآن في زمن معيّن كان فيه المسلمون يُهاجَمون، أو لأن بدرًا وأُحدًا والخندق كلها كانت في المدينة.
القرآن لم يقل الحرب بل قال التدافع وما يتولد منه من مفاهيم اجتماعية
فعندما يقول أحد: "ولولا دفع الله الناس" أنها عن الحرب، فله من حقّ؛ إنه يتعرّض للضرب من كل مكان. لكن القرآن لم يقل الحرب ولم يقل القتال، قال: دفع الله [أي التدافع].
سنة التدافع هذه يمكن أن يتولّد منها مفاهيم الحراك الاجتماعي والانتقال من طبقة إلى طبقة أو من مستوى إلى مستوى. يمكن أن يُفهم منه قضايا التخصّص وتقسيم العمل. يمكن أن يُفهم منه قضايا العلاقات البينية التي توجد في المجتمعات وكيفية تنشيطها، وأنها تحتاج إلى شيء من الدفع والحثّ، وأنها قد لا تتحرّك بذاتها.
التأمل في كلمات القرآن وتوليد المعاني منها كما في سنة التعارف
ونجلس فنتأمّل في الكلمة ونولّد منها معاني، ونختبر هذه المعاني ونجرّب هذه المعاني، ونبحث عن هذه [المعاني]، ننشط كما نشط آباؤنا وأجدادنا.
سنة التعارف:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجرات: 13]
فـ"لتعارفوا" هذه قضية؛ أي ليس لتتقاتلوا أو ليذبح بعضكم بعضًا، وإنما هذا للتعارف.
التعارف بين الشعوب يقتضي تعلم اللغات وجسور التواصل بين الحضارات
والتعارف هذا ما دامت شعوب وقبائل مختلفة، إذن لا بدّ فيها من جسور، من ضمنها تعلّم اللغات. إن الإنسان عندما يتعلّم اللغة يتعارف مع الآخرين.
وقضية تعلّم اللغات هذه أمر غريب جدًّا؛ لأن اللغات هذه كان الناس يتعلّمونها طوال العصور. فكيف كانوا يتواصلون مع بعضهم البعض وكيف سارت هذه التجارات؟ نابليون عندما دخل هنا [مصر] وجد أناسًا من الأزهر يتحدّثون الفرنسية.
ويحكي عبد الرحمن الجبرتي أن الفرنسيين كانوا يأتون إلى أبيه ليتعلّموا الرياضيات، فكانت العادة أن الفرنسيين هؤلاء يتعلّم الأزهريون منهم الفرنسية.
قدرة الأزهريين على تعلم الفرنسية ونظم الشعر بها في بعثات محمد علي
يقول [الجبرتي]: إذا كنّا قد حفظنا الشاطبية والطيبة وكل هذا، أفلا نحفظ قليلًا من الفرنسية؟ ويأتي حافظًا للفرنسية.
وعندما ذهب الناس من مصر في بعثات محمد علي، بعد ستة أشهر نظموا الشعر بالفرنسية. هل من المعقول ألا يكونوا على دراية مسبقة بالفرنسية إطلاقًا هكذا أم ذهبوا فتقوّوا؟ لكن ستة أشهر هذه ليست عبقرية، هذا استعداد. هناك شيء حدث من قبل هذا، ولكننا لم نسجّل هذا الكلام.
هذا التعارف يقتضي أشياء كثيرة، وقِس على هذا حتى ننتهي من التسعين سنة وننهي العلاقات البينية بين كل سنة والأخرى والسنن الأخرى، ونبني بذلك علمًا يمكن أن يكون أساسًا لشيء واسع كبير.
المبادئ العامة في القرآن ليست حقائق ولا أحكاما بل قواعد تكوّن العقل المسلم
لمّا أخلص -قولّي خلّصت أحسن- سنسرح ولن ينفع الباقي.
المبادئ العامة: ما هي المبادئ العامة؟ لاحظوا في القرآن أن هناك مبادئ عامة ليست هي حكاية للحقائق [مثل] أن الله غفور رحيم، خلق السماوات والأرض -يعني هذه حقائق أن الله غفور رحيم وأن الله خلق السماوات والأرض-.
وليست هي تكليف [مثل]:
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ﴾ [الإسراء: 78]
وليست هي إخبار. فما هذه إذن؟ هذا شيء كأنها قاعدة؛ ليست هي حقيقة وليست هي حكم وليست هذه أخبار، وإنما هي قاعدة تكوّن العقل المسلم.
المبدأ العام يصلح استعماله في كل المجالات لعمومه وعدم اختصاصه بناحية
هذا ما يسمّونه مبدأً عامًّا. والمبدأ العام يصلح استعماله في أي شيء: في القانون، في السياسة، في التاريخ، في التعليل، في الدين، في العقيدة؛ لأنه مبدأ عام، عمومه أنه ليس مختصًّا بناحية دون أخرى.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
هذا مبدأ عالٍ. "لا تزر وازرة وزر أخرى" هذا مبدأ عام. كان العربي يقول: الجار يُؤخذ بجريرة الجار، لكن هذا [القرآن] يقول: لا تزر وازرة وزر أخرى.
تطبيقات مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى في العقيدة والسياسة والقانون
هذا يعني مسائل كثيرة جدًّا:
- •
بعض الناس يقولون بـالخطيئة الموروثة، فهذا [المبدأ] يأتي يقول لي: لا تزر وازرة وزر أخرى.
- •
بعض الناس يقولون إنه يُؤخذ الجار بجريرة الجار، فهذا يقول لي: لا تزر وازرة وزر أخرى.
- •
بعض الناس في السياسة هنا يأتي يقول بـالحرب الاستباقية والوقائية، فهذا يقول: لا تزر وازرة وزر أخرى.
وهكذا، هذا مبدأ عام.
مبدأ عفا الله عما سلف وعلاقته بفورية القانون وعدم الأثر الرجعي
لمّا يقول:
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
هذا مبدأ عام في القانون. يبقى فورية القانون؛ ما ليس هناك اسمها أثر رجعي. هل أُصدر قانونًا اليوم وأطبّقه على السنة التي مضت؟ هذا كلام ضدّ عدالة القانون.
ولذلك القانون المشترط فيه ألا يكون مشتملًا على أثر الرجعية، يصدر اليوم نبدأ اليوم الحساب. وهذا الذي كان أن الله عندما أنزل ألا تتزوّج هؤلاء الناس الذين حرّمها:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]
ثم قال: "إلا ما قد سلف"، وهناك يقول: "عفا الله عما سلف"، "إلا ما قد سلف" و"عفا الله عما سلف".
مبدأ عفا الله عما سلف يؤدي إلى فورية القانون والتوبة والتربية بالتغافل
مبدأ [عفا الله عما سلف] يؤدّي إلى فورية القانون، ويؤدّي كذلك في حياتي مع ربنا إلى التوبة. عفا الله عما سلف، إلا ما قد سلف، يعني أبدًا جدّد إيمانك، اقلب الصفحة.
ويؤدّي إلى [أن] مع فورية القانون، وإن فورية القانون في مجال القانون، والتوبة في مجال العلاقة بين العبد وربه أمر شرعي ديني، كذلك نفسي.
ويؤدّي إلى التربية التي أحمد بن حنبل يقولون له: هل ترى التغافل نصف التربية؟ قال: بل كل التربية؛ أن تتغافل عن الولد ولا تحاسبه على كل شيء، اتركه.
التغافل في التربية وعدم المواجهة المباشرة حتى لا تُبنى نفسية المنافق
فهذا تغافل عنه، وبعد ذلك أرشده وألقِ إليه كلمة من هنا أو من هناك. ولكن عندما تواجهه بأنه ارتكب ذنبًا، فإما سيصيبه إحباط، وإما سيصيبه خوف، وإما أنه سيُخفي عليك ويفعل بعد ذلك الذنب. وهكذا فكأنك تبني نفسية المنافق.
ولكنك أنت غافل [أي متغافل]، كأنك لست منتبهًا، ولكن على فكرة هذا الأمر الفلاني خطأ. الله! هل عرف أم لا؟ وربما يظنّ فيك الولاية ومعرفة الأشياء الخفية، وأشياء من هذا القبيل.
استخراج ثلاثة وثلاثين مبدأ عامًا من القرآن وأسماء الله الحسنى ومنظومة القيم
ولكن على كل حال وجدنا ثلاثة وثلاثين مبدأً [عامًّا في القرآن]، وواحد أخذ بها أيضًا، وشجّعناهم حتى أخذ واحد بها الماجستير من كلية أصول الدين.
مائة واثنان وخمسون اسمًا من أسماء الله تعالى موجودة في القرآن، هذه المائة الاثنان والخمسون اسمًا، ومائة أربعة وستون اسمًا موجودة في السنة، تصبح مائتين وعشرين اسمًا. عندما نحذف المكرّر منها فإنها تمثّل منظومة.
صفات الجمال والجلال والكمال في أسماء الله الحسنى وقاعدة الأسماء المزدوجة
وعندما نتأمّل فيها نجد فيها صفات الجمال: الرحمن الرحيم الغفور الودود. ونجد فيها صفات الجلال: المنتقم شديد المحال المتكبّر. ونجد فيها صفات الكمال: الله، الأول الآخر، الظاهر الباطن، النافع الضار.
يسمّونها صفات الكمال لأنها تُذكر معًا فيتمّ بها المقصود. لا تقل: ربنا هو الضار، لا يجوز هذا. يجب أن تقول: النافع الضار؛ أي أن الضرّ بيده.
إذن هذا يسمّونها الأسماء المزدوجة، والمشايخ يقولون لك: لا تذكرها منفردة. هو الظاهر الباطن مع بعضهما البعض؛ فهو ليس غائبًا ولكنه ليس حالًّا في خلقه، فالربّ ربّ والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
التخلق بصفات الجمال والتعلق بصفات الجلال من منظومة القيم الإلهية
فالجمال والكمال والجلال يُشكَّل منها منظومة قيم: تتخلّق بالجمال؛ فيجب أن تكوني رحيمًا يا عائشة.
قال رسول الله ﷺ: «إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»
وأخرج الترمذي: «إن الله نظيف يحبّ النظافة»
أي كن نظيفًا داخليًّا وخارجيًّا، فإن ربنا يحبّ النظافة، وإن الملائكة الكرام تنفر من الرائحة الكريهة. فاجعل بيتك جميلًا وحلوًا وأبيض وجميلًا ونظيفًا، وقد أُمرنا بالطهارة، وكل هذا يصبّ في التخلّق.
وتُقال أشياء كثيرة في هذا الأمر. والتعلّق: احذر أن تنتقم، إياك أن تتكبّر، إياك أن تتجبّر، إياك كذا إلى آخره.
دراسة القيم من أسماء الله الحسنى واكتشاف أن اسم الجبار من صفات الجمال
ودراسة هذا فيها لطائف وعجائب وغرائب، ولم يُدرس بعد مثل هذا. ولذلك جعلنا أيضًا [طالبًا] في الأزهر -ليس ولدًا بل فضيلة شيخ كبير في الأزهر، هو في سنّ ابننا يعني، لكن هو فضيلة الشيخ- أخذ دكتوراه في القيم يحضّرها الآن، لم يكملها بعد، من أسماء الله الحسنى: وكيف تؤثّر وكيف تُستعمل في علم النفس وفي التربية وفي كذا وكذا من المناحي المختلفة.
من أجل أن نُبرز شيئًا، فهو يبحث. وجد "جبّار". قال له: هل هذا جمال أم جلال؟ قالوا: كيف؟ جبّار تعني جبّار! نحن لقد فهمنا أن هذا جلال. ولكنه قال: لا، هذا يجبر خاطر وكسر المساكين، فيصبح جبّارًا هنا أي جبّارًا للكسر، فيصبح جمالًا. فيجب ألا تكسر بخاطر الناس، ويجب ألا تكسر بالمسكين.
وهكذا ستخرج منها أشياء كثيرة، علوم تتولّد. فالفكرة هي استمرار ذلك التولّد.
المقاصد الشرعية من الشاطبي إلى ابن عاشور وإحياؤها في العصر الحديث
المقاصد: كتب فيها الشاطبي، وبعد أن كتب فيها الشاطبي لم تُدرس قطّ في معاهد المسلمين حتى أواخر القرن التاسع عشر.
فظهر في تونس أناس قليلون -واحد أو اثنان- وضعوا [المرافق على الموافق]، والمرافق على الموافق يعني أنه يشرح [الموافقات] للساوي، الشيخ الساوي. ولم يسأل عنه أحد.
ثم جاء بعد ذلك ابن عاشور -وهو من أساتذة ابن عاشور- وكتب [المقاصد] وما إلى ذلك، وهو الكتاب الذي سار به الركبان. ومحمد عبده ورشيد رضا هنا أيضًا نشروا هذه الكتب في المنار وعملوا أشياء يدعو إليها أحدهم الآن لأن تكون علمًا وما إلى ذلك.
ضرورة عدم إهمال المقاصد والقواعد الكلية التي أيدها عقلاء المسلمين عبر التاريخ
حسنًا، لا مانع منه، لكن البطء شديد والزمن يجري، ولا يجب علينا أن نهمل هذا المعنى الذي أيّده عقلاء المسلمين عبر التاريخ وبذلوا فيه الشيء الكثير.
هذه القواعد هي التفكير المستقيم الذي سينظّم لي فكري.
تاريخ تأليف القواعد الفقهية من ابن الوكيل إلى السيوطي وابن نجيم وابن عابدين
وأخيرًا بعد معاناة، من الذي وضع هذه القواعد؟ ابن الوكيل الشافعي ألّف ومات في الوسط، في وسط الكتاب. كتابه طُبع نصف هكذا.
وجاء بعده ابن السبكي ثم السيوطي، ثم من السيوطي جاء ابن نجيم، لكن أخذه السيوطي ولخّصه. وابن عابدين أخذ ابن نجيم وشرحه، ما أتوا بجديد.
السيوطي بذل الجهد مختلف عن السبكي، والسبكي مختلف عن ابن الوكيل. لكن هذه القواعد التي يمكن جدًّا من خلالها أن نعلّم الناس كيف تقرأ، هذه تمثّل أبجدية عقلية للتفكير المستقيم.
موسوعة القواعد الفقهية لمجمع الفقه الإسلامي وبلوغها مائتي ألف قاعدة
لم نهتمّ بها من هذا المدخل حتى جاءت منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه في جدة، فعملا الآن موسوعة للقواعد. ذهبوا فأحضروا كتبًا وعملوها هكذا.
هي القواعد هذه: خمسة [قواعد كبرى]، المنظّمة تزيد فتصبح خمسين، تزيد الخمسون فتصبح مائتين، وانتهى. فعملوا مائتي ألف قاعدة.
إذا كانت مائتا ألف قاعدة فما الدليل على ذلك؟ كل قاعدة لها عشرون أو ثلاثون صياغة، مما يعني أنها تغلغلت في الفكر الإسلامي وفي الكتابة كأنها مثل الأبجديات، مثل الخط؛ كل واحد له خطّ، وما إن تنظر هكذا حتى تقول: نعم هذا خطّي أنت. فأصبحت القواعد كهذه.
القواعد الفقهية الخمس الكبرى المحررة وأبيات نظمها في مذهب الشافعي
لكن هذه القواعد تقول: خمس محرّرة قواعد مذهبي [أي مذهب الشافعي] بها تكون بصيرة:
- •
ولغيره ضرر يُزال.
- •
وعادة قد حُكّمت.
- •
وكذا المشقّة تجلب التيسير.
- •
والشكّ لا يُرفع به متيقّنًا.
- •
وخلوص نية إن أردت أجورًا؛ أي إنما الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها.
خمسة تنظّم الفكرة، وكل واحدة عليها شرح طويل عريض يبيّن لك كيف تستطيع بها الفهم، وكيف تستطيع أن تُخرج عليها القرآن.
طبيعة القرآن كنص قصير يسهل حفظه حتى لغير العرب
وما دامت هذه هي المحاضرة الأولى، [فلنتحدث عن طبيعة القرآن]. نصّ قصير؛ من خصائصه أنه نصّ قصير، لو طبعناه في جريدة الأهرام يصبح ثلاث عشرة صفحة. وهذا بخلاف الكتب الأخرى.
هذا له طبيعة معيّنة منها الحفظ؛ تجد الأطفال يحفظونه، تجد الأجانب غير العرب يحفظونه وهم لا يعرفون ماذا يقولون، بلسان الملاوي والأردو والتركي والفارسي.
يحفظ الولد ويقوم لك في رمضان في التراويح بالقرآن كله لا يتلعثم، وهو لا يعرف ماذا يقول. وإذا خرجت عن القرآن أصلًا فلا يسمعك؛ أي لا يعرف عمّا تتحدّث. كلّمته بالفصحى أو بالشعر أو بغيرهما فلا، لا فائدة. ولكن إذا تلوت عليه شيئًا من القرآن ذكره وتلا ما بعده حافظ هو.
القرآن يحتوي على ألف وثمانمائة وثلاثين جذرًا من ثمانين ألف جذر عربي
فهذا النصّ الصغير فيه ألف وثمانمائة وثلاثون جذرًا. ألف وثمانمائة وثلاثون [جذرًا]، واللغة العربية فيها ثمانون ألف جذر. ألف وثمانمائة على ثمانين ألف يخرج اثنان ونصف، لا يأتي، يخرج اثنان في المائة من اللغة العربية.
انظر عندما يأتي [لسان العرب] أو [القاموس المحيط] ليخدم هذا الكتاب، لا يقتصر على هذين الاثنين في المائة، بل يأتي لك بثمانين ألف جذر ويوسّع مداركك اللغوية حتى تتكوّن لديك ملكة للفهم على مستوى دلالة الألفاظ.
مستويات الدلالة في القرآن من اللفظ إلى الجملة إلى السياق
وسنرى الآن أن هناك علومًا قد وُضعت على مستوى الجملة مثل علوم البلاغة، وهناك علوم أخرى على مستوى السياق والسباق مثل علوم المضمون وعلوم الفقه وعلوم الأخلاق. وهكذا.
إذن هذا نصّ من طبيعته أنه صغير، ألف وثمانمائة وثلاثون جذرًا. هذه ستتمكّن من استيعابها جيّدًا؛ كل جذر له معنى، له معنيان، له ثلاث، أحيانًا يصبح ستّ [معانٍ]. ووُضعت المعاجم لخدمة هذا المعنى.
القرآن ستة وستون ألف كلمة وألف وستمائة وعشرون كلمة لم تتكرر فيه
أن هذا النصّ ستة وستون ألف كلمة، عندما تجلس لتعدّ كلماته هكذا يصبح عددها ستة وستين ألف كلمة. وهذا نصّ صغير يحتوي على ألف وستمائة وعشرين كلمة لم تتكرّر.
يقولون إن تولستوي حُكم له بالأدب عندما وجدوا أن رواية [الحرب والسلام] الخاصة به تحتوي على أربع كلمات لم تتكرّر، فقالوا: هذا إعجاز! فهذا ألف وستمائة وعشرون وليست ثمانية ولا ثمانين. لا، هذا ألف وستمائة وعشرون. يعني ماذا؟ اصمت إذن!
أمثلة على الكلمات التي لم تتكرر في القرآن كضيزى وقسورة وتبيض وتسود
ألف وستمائة وعشرون كلمة. ماذا يعني أنها لم ترد إلا مرة واحدة؟ يعني مثلًا:
- •
"ضِيزى" هي مرة واحدة.
- •
"فرّت من قسورة" هي "قسورة" مرة واحدة.
- •
مثلًا:
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106]
"تبيضّ" و"تسودّ" في مرة واحدة هكذا كالقصر. هذا هو الأمر:
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106]
و"ابيضّت وجوههم"، "اسودّت" و"بيضت" هي مرة واحدة. وقِس على هذا وأنت تقرأ أيضًا. هذه من طبيعته كذلك.
القرآن نص واسع يتحمل الأسقف المعرفية المختلفة عبر العصور
هذه الطبيعة تعطي ماذا؟ تعطي أنه نصّ واسع، نصّ واسع يتحمّل الأسقف المعرفية المختلفة.
فكلّما جاء سقف معرفي لعموم البشر وجدنا أن القرآن لا يعارضه. فإذا ارتفع ذلك السقف بثورات علمية -كما يقول كوين أنه في الثورات العلمية تغيّر النموذج المعرفي- يرتفع السقف المعرفي أو يتغيّر، وأيضًا القرآن لا يزال بنصّه هكذا بهذه الطريقة غير مخالف.
وكلّما ارتفع السقف كلّما كانت النصوص غير مخالفة. هذه الخاصية ليست موجودة في السنة إطلاقًا.
مثال الشمس تجري لمستقر لها وتغير المعنى مع ارتفاع السقف المعرفي
عندما يقولون:
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: 38]
فالبدوي بسقفه المعرفي يرى الشمس تتحرّك من المشرق إلى المغرب وليس له إلا ذلك. تجري نعم، والشمس تجري نعم، ولمستقرّ لها الذي هو المغرب.
يتطوّر البشر قليلًا ويعرفون أن أبدًا الشمس ثابتة والأرض حولها تدور، وأن سبب الليل والنهار دوران الأرض حول نفسها. فيرتفع السقف المعرفي وتزداد المعرفة الكونية في جزئية معيّنة.
اكتشاف أن الشمس تجر المجرة وراءها وتغير معنى الآية دون مخالفة النص
وفي ذات الوقت ومن عند الله، بعد كوبرنيكوس الذي يقول هذا وبعد جاليليو الذي يقول هذا وهكذا إلى آخره، يكتشفون أن الشمس تجرّ المجرّة وراءها، تجرّ الكواكب وراءها نحو نجم فيجا بسرعة اثني عشرة ميلًا في الثانية. يعني هذه سرعة عظيمة جدًّا.
فيرتفع السقف المعرفي فيقول العارف: سبحان الله!
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: 38]
ولكن تغيّر المعنى، تغيّر المعنى من الغروب إلى شيء آخر. وقِس على هذا الذي يسمّونه الآن بعضهم الإعجاز العلمي ومش الإعجاز العلمي والكلام هذا. هذا ليس كذلك، إنما هو تحمّل النصّ للأسقف المعرفية المختلفة.
الفرق بين القرآن والسنة في تحمل الأسقف المعرفية مثال مفاتح الغيب
عندما يأتي في السنة يقول لك:
«خمسة لا يعلمهنّ إلا الله»
انتهى، أُغلق عليهنّ. ويأتي بالخمسة: علم الساعة وإنزال الغيث ويعلم ما في الأرحام وما إلى آخره الخمسة.
القرآن لم يقل هكذا، قال:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]
وينزل الغيث وعنده علم الساعة وينزل الغيث. ما قال: "لا يعلمها إلا هو" عن إنزال الغيث. هذه مثل السنة؛ لأن الراوي يروي بالمعنى الذي فهمه، أن هذه خمسة لا يعرفها غير الله؛ لأن السقف المعرفي لا يعرفها.
القرآن يقول يعلم ما في الأرحام ولا يحصر العلم فيتوافق مع كل سقف معرفي
لكن القرآن يقول:
﴿عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]
فإذا كان عنده علم الساعة وما قال: "لا ينزل الغيث إلا هو"، فيأتي المطر الصناعي ويضربونه ببعض الكيماويات فوق فينزل الغيث، فيكون ربنا صادقًا في خبره، والمنزل للغيث حقيقة هو الله. ما عليه، هذه عقيدة لن يفهمها الحسّي.
"ما في الأرحام" يعلم ما في الأرحام، وبعد ذلك السونار عرف هذا ولد أم بنت. أنا لا أعرف، هل أنا قلت لا يعلمه إلا أنا؟ يمكن بالسونار.
القرآن لا يخالف أي سقف معرفي وعجز التوقعات البشرية عن معرفة الغيب
ويمكن أن نكون لنا تأويل يعني ونقول إنه يعلم إذا كان شقيًّا أو سعيدًا ولا أعرف ماذا. ولكن لا، ابقَ على سقفك المعرفي، القرآن لا يخالفك. "ويعلم ما في الأرحام".
أما بالنسبة لليوم وغدًا:
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]
وكل أنواع التوقّعات التي وُضعت في البورصات تفشل، حتى أنهم ابتكروا شيئًا يُسمّى نفسية السوق. يقولون: يوم الاثنين الأسود من أين جاء؟ يقول لك: نفسية، لا نعرف لماذا هكذا. والجماعة الأمريكيون يقولون لك: لأن... أنا لست أعرف لماذا تعني؟ لأن هكذا. ما أنا لست أعرف لماذا جاء.
القرآن كالجملة الواحدة وخطورة تجزئته والاستدلال ببعضه دون بعض
وهكذا إن طبيعة القرآن أنه نصّ قصير ونصّ يتحمّل الأسقف المعرفية.
القرآن كالجملة الواحدة:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
وتجزئة القرآن سبب المشكلات؛ فواحد يأتي يقول لك: ها هو "فاقتلوا المشركين" ويترك بقية القرآن! والقرآن كله سياق واحد لا يصحّ [تجزئته].
ولذلك أبو نواس قال ما قال: "ربّك ويل للذين سكروا"، ولكن قال: "ويل للمصلّين"! فما هذا إلا خلط. يقول لك: ربنا لم يقل إن القرآن... إن الخمر حرام، ولا قال إن الزنا حرام. بل قال:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]
ولكن "حرام" حاء وراء وميم هذه لم يقل. فليس هكذا؛ القرآن كجملة واحدة.
الدلالة الاستقلالية في القرآن واستعمالها عند الفقهاء والمتكلمين والمتصوفة
ومع أنه جملة واحدة فهناك ما يُسمّى بـالدلالة الاستقلالية. هذه الدلالة الاستقلالية استعملها الفقهاء والمتكلّمون والمتصوّفة وكذا من جميع المذاهب والمشارب.
ولذلك هذه الدلالة الاستقلالية تحتاج إلى مزيد من الدرس والعناية. منطلقها أنه [القرآن] هذا معجز، ومنطلقه أنه محفوظ، ومنطلقه أنه أساس، ومنطلقه أنه قصير لا يحكي حكاية طويلة عريضة يدخل فيها الدخيل. لا، هذا شيء محسوب بالحرف.
مثال الدلالة الاستقلالية في آية ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
فلذلك يقول لك في دلالة استقلالية قوية: هو ينهاك عن الانتحار ويقول لك:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]
"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" هذه لم تأتِ هكذا هنا، لم تأتِ في هذا السياق [الذي يُستدلّ به عادة]، وإنما جاءت في سياق آخر.
فهل لا بدّ من السياق أم يمكن أخذ دلالة استقلالية من القرآن عمومًا؟ العلماء عبر التاريخ فعلوا ذلك، أخذوا دلالة استقلالية من القرآن. بعضهم الآن يقول: لا نريد أن نفكّر في الدلالة الاستقلالية هذه، إذا كانت [كذلك] ولا، لا بدّ من السياق والسباق واللحاق. مكان للنظر والتفكير والدرس والتأييد والتفكّر.
القرآن كتاب هداية للمتقين وشرط الإخلاص والتقوى لفتح أبوابه
إذا عدنا مرة أخرى كمسلمين لعلاقة كتاب الهداية [بنا]، سيكون هداية. وإذا اقتصرنا على حفظ رسمه دون وسمه لا يكون هداية.
إذن فعلينا حتى يكون لنا هداية أن نكون من المتقين؛ لأنه لا يفتح نفسه إلا للمتقين. والمتقي هو من أخلص النية لله:
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
هداية وأيضًا استقلالية.
﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
وليس هدى للفاجرين. ولذلك يجب علينا -وهذا أمر غير مقيس وغير موضوعي، هذا أمر ذاتي- حبّ الله ورسوله.
حب الله ورسوله هو الضابط الذاتي للإخلاص وثمرة ذلك في العمل والأجر
وبحبّ الله ورسوله هو الضابط الذاتي؛ لأن حبّ الله ورسوله يعني ماذا؟ فما دام كل واحد يقول لك بحبّ الله ورسوله، فهذا ضابط ما هو بموضوعي، لكنه ضابط ذاتي تقوله لنفسك.
بأنك تحبّ الله ورسوله يعني أنت تريد أن تنصر الله في نفسك وتحبّ رسول الله من قلبك. نعم، انتهى الأمر. ربنا يوفّقك؛ إن أخطأت فلك أجر، وإن أصبت فلك عشرة أجور.
إذا لم يكن كذلك وتريد أن تبعث لتهرب من جهة أو تأخذ شيئًا ولا كذلك، يبقى ابتغى بها غير وجه الله، كما في حديث النية:
قال رسول الله ﷺ: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»
شكرًا لكم.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الذي ميّز التوثيق القرآني عن توثيق السنة النبوية؟
مراعاة الأداء الصوتي ومخارج الحروف والنبر
من كان العلامة الفارقة بين مرحلة تدوين أسانيد السنة وعدم تدوينها؟
البيهقي
من ابتكر علم علوم القرآن لأول مرة كعلم مستقل؟
الزركشي
كم سنة إلهية استُخرجت من القرآن الكريم في التجربة العلمية المذكورة؟
تسعون سنة
ما المقصود بسنة التدافع في القرآن الكريم وفق الفهم الصحيح؟
التدافع بالحرب والسلام معًا
ما عدد المبادئ العامة التي استُخرجت من القرآن الكريم؟
ثلاثة وثلاثون مبدأ
ما عدد أسماء الله الحسنى الموجودة في القرآن الكريم وحده؟
مائة واثنان وخمسون اسمًا
ما القاعدة الفقهية التي تقتضي فورية القانون وعدم الأثر الرجعي؟
عفا الله عما سلف
كم جذرًا يحتوي القرآن الكريم من جذور اللغة العربية؟
ألف وثمانمائة وثلاثون جذرًا
ما الخاصية التي يتميز بها القرآن عن السنة في تعامله مع الاكتشافات العلمية؟
يتحمّل الأسقف المعرفية المختلفة دون مخالفة
ما الذي قاله أحمد بن حنبل عن التغافل في التربية؟
إنه كل التربية
ما عدد الكلمات التي لم تتكرر في القرآن الكريم؟
ألف وستمائة وعشرون كلمة
ما الفرق الجوهري بين توثيق القرآن وتوثيق السنة النبوية؟
التوثيق القرآني تمّ على مستوى الأداء الصوتي بمراعاة مخارج الحروف والوقوف والنبر، بينما السنة نُقلت نصوصًا دون هذا المستوى الدقيق.
لماذا قلّ الاختلاف في القرآن مقارنة بالحديث النبوي؟
لأن القرآن حُفظ على أرقى مستوى صوتي فأصبح نصًا واضحًا جليًا، بينما الكلمات المجردة في الحديث تحتمل الاستفهام والاستنكار والتعجب وغيرها.
ما الفرق بين أسانيد القرآن وأسانيد الحديث في العصر الحاضر؟
أسانيد القرآن موصولة متواترة حتى اليوم ولا يُجيز التلميذ غيره إلا بالإسناد، بينما سند الحديث يُعطى تبركًا لا توثيقًا علميًا.
ما الذي يعنيه كون الدراسات القرآنية نسقًا مفتوحًا؟
يعني أنها لا تنتهي ولا تتوقف عند مؤلفات بعينها، بل تستمر في توليد علوم جديدة كما فعل الزركشي والسيوطي وغيرهم.
ما الهدف من دعوة رشيد رضا لتأسيس علم السنن الإلهية؟
الالتفات إلى سنن الله في التاريخ والأنفس والكون لتكون النموذج المعرفي للمسلم وأساسًا لدراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية.
ما الفرق بين النموذج المعرفي الإسلامي والنموذج العلماني؟
النموذج الإسلامي يُثبت الألوهية والتكليف والآخرة أسسًا للمعرفة، بينما النموذج العلماني ينحّي هذه القضايا جميعًا.
ما سنة التعارف في القرآن وما مقتضياتها؟
مستمدة من آية الحجرات وتعني أن الله خلق الشعوب والقبائل للتعارف لا للتقاتل، ومقتضياتها بناء جسور التواصل وتعلّم اللغات.
ما المبدأ العام في القرآن وكيف يختلف عن الحكم والحقيقة والخبر؟
المبدأ العام قاعدة تكوّن العقل المسلم وتصلح للاستعمال في أي مجال، وليست حكمًا تكليفيًا ولا حقيقة عقدية ولا خبرًا.
ما تطبيقات مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى في الحياة المعاصرة؟
يردّ على القائلين بالخطيئة الموروثة، ويرفض الأخذ بالجريرة القبلية، ويعارض الحرب الاستباقية والوقائية في السياسة.
ما القواعد الفقهية الخمس الكبرى في المذهب الشافعي؟
الضرر يُزال، والعادة محكّمة، والمشقة تجلب التيسير، والشك لا يُرفع به متيقَّن، وإنما الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها.
كيف وصلت موسوعة القواعد الفقهية إلى مائتي ألف قاعدة؟
بدأت بخمس قواعد كبرى ثم توسّعت إلى خمسين ثم مائتين، وكل قاعدة لها عشرون أو ثلاثون صياغة مختلفة.
ما معنى محورية القرآن للحضارة الإسلامية؟
يعني أن القرآن هو الشيء الذي تدور حوله الحضارة الإسلامية، فعليه الخدمة ومنه الانطلاق وإليه المرجع وهو معيار التقويم.
ما الفرق بين القرآن والسنة في تناول مفاتح الغيب؟
الحديث حصر مفاتح الغيب في خمسة، بينما القرآن قال وعنده مفاتح الغيب دون حصر، لأن الراوي يروي بمعنى سقفه المعرفي.
ما شرط الانتفاع بالقرآن كتاب هداية؟
أن يكون القارئ من المتقين المخلصين لله، لأن القرآن لا يفتح نفسه إلا للمتقين، ومن اقتصر على حفظ رسمه دون وسمه لا ينتفع بهدايته.
كيف يُمثّل الإمام الشافعي نموذجًا في توليد العلوم؟
قوْلب الفكر المتفرق الموجود قبله في علم أصول الفقه بكتاب الرسالة، فصار علمًا مستقلًا، وهكذا ينضج الفكر إلى علم.
