السيرة النبوية - أنوار النبي بتاريخ 28/06/2013
- •حدثت أحداث بعد غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، حيث بدأ اليهود بإثارة المكائد ضد المسلمين.
- •كان اليهود في ثلاث مناطق: بنو قينقاع داخل المدينة، وبنو قريظة وبنو النضير خارجها.
- •مارس بنو قينقاع عدة استفزازات ضد المسلمين منها مضايقة النساء وإهانة المسلمين وإثارة الفتن.
- •حدثت حادثة في سوقهم حين قاموا بكشف عورة امرأة مسلمة، فقتل مسلم اليهودي المعتدي، ثم قتل اليهود المسلم.
- •حاصر النبي ﷺ بني قينقاع خمسة عشر يوماً حتى استسلموا.
- •تدخل عبد الله بن أبي بن سلول وأمسك بالنبي ﷺ وطلب منه العفو عنهم.
- •عفا النبي ﷺ عن القتل لكنه أمر بنفيهم من المدينة، فخرج سبعمائة محارب وعائلاتهم (حوالي أربعة آلاف نسمة) إلى أذرعات بالشام.
- •انقطع نسل بني قينقاع ولم يبق منهم أحد.
- •كان النفي والتغريب من العقوبات الشرعية التي تحفظ كرامة الإنسان وتمنع ضرره.
مقدمة الدرس وبداية أحداث ما بعد غزوة بدر مع اليهود
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلِه وصحبِه ومن والاهُ.
مع أنوارِ النبيِّ المصطفى والحبيبِ المجتبى صلى اللهُ عليه وسلم، نعيشُ هذه اللحظاتِ في سيرتِه الشريفةِ الكريمةِ، ومنها ما حدثَ بعد بدرٍ في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ، حيثُ بدأ اليهودُ وقد اغتاظوا من نصرِة المسلمين [في غزوة بدر]؛ لذا بدؤوا في إحداث المكائد والفتن والمحن والإحن والاصطدام مع المسلمين.
وكان اليهود في ثلاث مناطق: منطقة داخل المدينة في قلبها وهم بنو قينقاع، وخارج المدينة بنو قريظة وبنو النضير.
ذهاب النبي إلى بني قينقاع والتزام المسلمين بصحيفة المدينة
ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم زيادة الوتيرة وعلو الصوت من بني قينقاع، ذهب إليهم في مضاربهم، أي في حيِّهم وجمعهم.
فعندما نرى صحيفة المدينة، لم يحدث ولو لمرة واحدة، ولو على سبيل الخطأ، أن خالف المسلمون حينئذٍ صحيفة المدينة، بل التزموا بها تمامًا. وكانوا يتعرضون للبلاء منهم [من اليهود] بين المشاكسة والمعاكسة؛ كانوا يعترضون طرقهم، وكانوا يأتون قائلين: السام عليكم (أي الهلاك عليكم)، والمسلمون صابرون ساكتون.
شكوى المسلمين للنبي من أذى اليهود وتهدئته لهم بالصبر
ويذهبون [المسلمون] إلى النبي يشتكون: يا رسول الله، يفعلون بنا ويصنعون كذا، ونحن لم نعتدِ على أحد. هذا الذي كان يفعل بنا هكذا، كنا نضربه [في الجاهلية]. فالنبي عليه الصلاة والسلام يهدئ بالهم: فصبرٌ جميل، ويسلّي قلوبهم.
وهذا كثير من الناس لا يدركونه إلا أن يضعوا الروايات كلها سويًّا حتى يكتشفوا أنهم [اليهود] اضطروهم [المسلمين] إلى أضيق الطرق.
لماذا كان اليهود يفعلون ذلك؟ لأنهم مشاكسون، ويخشون [المسلمون] أن يتهور أحدهم فيضرب اليهود فيُقتل وتحدث مذبحة.
نصيحة النبي للمسلمين بتجنب استفزاز اليهود في الطرقات
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم] لهم: حسنًا، لا بأس، عندما تأتون، ماذا يفعلون بكم؟ يسبقونكم؟ اسبقوهم أنتم! يعني مثلما بالضبط عندما نهدئ الأولاد كي لا يضربوا بعضهم ويلعبوا مع بعضهم.
فعندما يكونون في حارة، إما أن نمشي وإما أن نجري: اجرِ هكذا. لماذا يعترض الطريق عليه؟ كما يفعل الشباب في السيارات، ويأتي ضاغطًا عليه هكذا حتى ينسحب.
ماذا سنفعل إذن؟ إن الآخر يتعمد الإثارة لكي تتحول إلى مشاجرة.
ثقة بني قينقاع بقوتهم العسكرية وامتلاكهم صناعة السلاح
ولماذا كانوا [بنو قينقاع] يفعلون هكذا؟ لأنهم كانوا يثقون في أنفسهم أنهم أهل حرب وقتال وقوة وسلاح.
بنو القينقاع هؤلاء كانوا يعملون صاغة، والصائغ عنده شيء يذوب به الذهب، فلديه فرن وحدادون. الحداد لديه سندان، ولديه كير، ولديه أدوات أخرى ومنفاخ. فأصبحوا يمتلكون السلاح، وهو سلاح محلي يُصنع؛ لأن السلاح يحتاج أيضًا أن تُدخله في النار لكي تصنع سيفًا، ولكي تحدّه وتجعل له حدًّا من الجهتين وهكذا.
فأصبح لديهم سلاح كثير من هذا الأمر؛ لأنهم أصحاب الصناعة في هذا الوضع.
ذهاب النبي إلى بني قينقاع بعد بدر وتحذيرهم من عاقبة المشركين
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يهدئ البال حتى لا يحدث ما لا يُحمد. فذهب إليهم بعد غزوة بدر ودخل عليهم بعدما اجتمعوا، وقال لهم: استحيوا الآن، إنه أمر عيب! لا تغرنّكم قوتكم، وها أنتم رأيتم ما فعل الله بالمشركين في بدر، والمشركون بلا شك أقوى من اليهود عشرات المرات.
دعوه [النبي صلى الله عليه وسلم] ينهي الخطبة، وقالوا له: يا محمد، لا يغرنّك قوم لا يحسنون القتال، فنحن أشد بأسًا! أتظن أنك تهددنا بلا سبب؟ سترى، سنصطادكم واحدًا تلو الآخر! هكذا كان بالكلام فقط، ولم يفعلوا شيئًا. بعد ذلك [قال لهم النبي]: حسنًا، أنتم أحرار.
فتنة شاس اليهودي بين الأوس والخزرج وتهدئة النبي للأمور
كان بينهم [بني قينقاع] رجل اسمه شاس، وهذا الشاس كان من اليهود، وكان يُحدِثُ فتنًا، وكان يجعل أولاده يعملون فتنًا بين الأوس والخزرج.
فقال له [شاس لأولاده]: اذهب يا ولد وذكّروهم بيوم بُعاث الذي تقاتلوا فيه مع بعضهم، وبالأشعار التي تقاولت بها الأنصار؛ لكي تُهيّجوا الأمور.
فخرج إليهم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وهدّأ الحال بعدما كادت أن تحدث فتنة.
حادثة الاعتداء على المرأة المسلمة في سوق بني قينقاع
وامرأة من المسلمين دخلت لتشتري شيئًا من السوق عندهم [عند بني قينقاع]، وكانت منتقبة. فقالوا لها: اكشفي وجهك هكذا، دعينا نرى وجهك! فقالت لهم: لا، بما أنني ألبس النقاب، لماذا تريدون أن تخلعوا عني النقاب؟
فقالوا: حسنًا، وذهبوا وربطوا ذيل جلبابها في ظهرها، أي أنها كانت طويلة في ذلك الوقت؛ جلابيب النساء تصل إلى نصف متر وتجر خلفها. فقاموا بربطها بحيث إذا قامت المرأة تنكشف وينقطع الفستان.
مقتل اليهودي والمسلم وإعلان بني قينقاع التمرد على صحيفة المدينة
كان هناك رجل مسلم في السوق يعمل بائعًا ويرى هذا المشهد، وعندما قامت المرأة فانكشفت، هجم المسلم على ذلك اليهودي فقتله. وحيث إن اليهود كانوا كثيرين في السوق، فقد أمسكوا بالمسلم وقتلوه، وحدثت مشاجرة أدت إلى قتله.
فسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى الموقع الذي فيه بنو قينقاع، وقد أعلنوا التمرد، أي أنهم خرجوا من الصحيفة [صحيفة المدينة]، يعني خرجوا عن النظام.
حصار النبي لبني قينقاع خمسة عشر يومًا ونزولهم على حكمه
فذهب [النبي صلى الله عليه وسلم] وحاصرهم خمسة عشر يومًا. ومعنى الحصار أنه لا يخرج منهم شيء ولا يدخل إليهم شيء. وأخيرًا حُبسوا بالداخل، صاروا محتاجين للماء، ومحتاجين للطعام، ويريدون الذهاب إلى هنا وهناك. توقفت تجارتهم وحوصروا لمدة خمسة عشر يومًا.
قالوا له: لقد تعبنا، وألقى الله الوهن في قلوبهم وخافوا. فقال لهم: حسنًا، سنقيم محكمة لنرى حق هؤلاء القتلى الذين قُتلوا، وما هي القصة، ومَن الذي أخطأ، والذي قتل أو اشترك أو هكذا يُقتل. كل الفتنة التي حدثت في السوق هذه، نقتلهم بسببها أم ماذا نفعل؟
تدخل عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين لحماية بني قينقاع
فتدخل عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان وقتها قد أسلم منذ شهر، ثلاثين يومًا فقط، وهو رأس المنافقين في المدينة.
بنو قينقاع كانوا الموالي الذين يتبعونه، يعني بينهم حلف في الجاهلية ومصالح؛ يُسيِّرون تجارته ويأخذون أموالًا ويتاجرون بها، يأخذ المال ويتاجر به. هناك المصالح [المشتركة بينهم].
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يرتدي جبة، فذهب عبد الله بن أبي وأدخل يده في الجبة وأمسك به وخنق النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا محمد، اتركهم لي!
مشهد خنق عبد الله بن أبي للنبي وحلم النبي الشديد عليه
قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: أرسلني، يعني دعني أذهب. قال له [عبد الله بن أبي]: والله لن أرسلك أبدًا حتى تتركهم لي. قال له: أرسلني.
وهو النبي عليه الصلاة والسلام أقوى مائة مرة من عبد الله بن أبي، يعني لو دفعه سيقتله، إنما هو حليم عليه الصلاة والسلام.
أرسلني! لا، لن أرسلك إلا عندما تتركهم. حسنًا، لا عليك يا سيدي. يا الله! أمسكه، أمسك عبد الله بن أبي ابن سلول واقطع عنقه! ما هو قادر على هذا؟ فمعه عمر ومعه حمزة ومعه علي، يشير فقط بعينه هكذا، كان يُؤخذ وتُقطع عنقه وينتهي الأمر.
حكمة النبي في عدم قتل عبد الله بن أبي وتعليمه الأمة خلق الحلم
لكن كمسلم لا يُقال أن محمدًا يقتل أصحابه. سنرى بعد قليل كيف كان خُلقه [صلى الله عليه وسلم].
النبي المصطفى والحبيب المجتبى الذي علّم العالم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع أنوار النبي المجتبى والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقفنا عند مشهد عجيب غريب لا يتحمله إلا النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يعلمنا الصبر: فصبرٌ جميل والله المستعان.
تفاصيل خنق عبد الله بن أبي للنبي وإصراره على ترك بني قينقاع
وذلك أن عبد الله بن أبي بن سلول، وكان رأس المنافقين في المدينة، أمسك بالنبي صلى الله عليه وسلم وخنقه، أدخل يده في جبة النبي وخنقه هكذا، يعني وضع يده هكذا وهو يقول: أرسلني! فلا يرسله إلا أن يعطيه بني قينقاع.
وكان حليفًا لهم عبد الله، ولم يُسلم إلا من شهر. أنه ما دام قد نطق بالشهادة وأسلم، فقد أصبح محميًّا، حتى لو فعل هذا بسيد الخلق.
إنه [النبي صلى الله عليه وسلم] يعلمنا أنه نعم، حتى لو فعل هذا بسيد الخلق. فقال: أرسلني، فقد جعلتهم لك.
موقف القوة الحقيقية في حلم النبي وضبط نفسه عند الغضب
إذن هذا موقف قوة؛ لأن الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب، والحليم هو الذي يفعل هذا. يعطي، فإذا أعطى أعطى عن قوة؛ لأن هذا فرد واحد، فكان يستطيع أن يسيطر عليه وأن يقضي عليه.
لكن لا، هذا الحلم هو الذي بنى أمة الإسلام. لو كان قتل عبد الله بن أبي ابن سلول، كان سيقع دم لا يندمل إلى يوم الدين، لم يكن للإسلام قوم.
ولكن سجل الإسلام لرسول الله العفو والصفح والحلم وسعة الصدر والوقوف في المواقف الشديدة الصعبة.
الدرس المستفاد من حلم النبي لمن يعمل في القيادة والسياسة
هذا موقف غير حكيم من عبد الله بن أبي بن سلول، ولكن مع عدم حكمته إلا أنه استوعبه صلى الله عليه وسلم.
فإذن عملت أنت بالسياسة أو القيادة أو شؤون الناس، فيجب أن تكون هكذا: واسع الصدر، تعفو وتتجاوز وتترك ولا تلتفت، وسِرْ في طريقك حتى تصل إلى منتهاه أو إلى غرضه.
فتركهم [النبي صلى الله عليه وسلم]، ترك بنو قينقاع لعبد الله بن أبي. قال له: حسنًا، تركناهم لك.
قرار طرد بني قينقاع من المدينة بسبب فتنهم المتكررة
نريد أن [نحل المشكلة]، هكذا لن ينفع والدنيا ملتهبة، وفي كل حين يفتعلون لنا فتنة: مرة بالإيقاع بين الأوس والخزرج، ومرة بالعدوان على النساء، ومرة بالكلام والسام عليكم، وبهذه الطريقة تشتعل الأمور.
فدعهم يخرجوا خارج البلد. فهاجروا، مشى بنو قينقاع، وكان فيهم سبعمائة فارس، سبعمائة من أهل الحرب.
تقدير عدد بني قينقاع الإجمالي من خلال عدد المحاربين
يعني إذا اعتبرنا أن هؤلاء السبعمائة يمثلون أربعين في المائة من الرجال، فعليك أن تضرب في اثنين ونصف. تحسب هكذا: فيكون سبعمائة وسبعمائة وثلاثمائة وخمسين، يصبحون ألفًا وسبعمائة وخمسين رجلًا، ومثلهم من النساء يصبحون ثلاثة آلاف وخمسمائة.
هؤلاء السبعمائة يشكلون ثلاثة آلاف وخمسمائة نسمة، والأطفال عشرون في المائة، فيصبح المجموع أربعة آلاف.
إذن، كان بنو قينقاع أربعة آلاف؟ هل ورد أنهم كانوا أربعة آلاف؟ لا، ولكن ورد أنهم كانوا سبعمائة محارب، فعند ضربها بالنسبة تصل إلى رقم أربعة آلاف تقريبًا. فتكون السبعمائة من أصل أربعة آلاف نسمة، بما فيهم الأطفال والنساء والرجال وغير القادرين على الحرب وغيرهم.
طريقة حساب التركيبة السكانية لبني قينقاع وخروجهم إلى أذرعات
وبالتقدير أن الرجال يشكلون نصف المجتمع، والرجال والنساء معًا يشكلون النصف والنصف، يعني هذا نصّ وهذا نصّ، ونضيف العشرين في المائة للأولاد، فسيصل إلى أربعة آلاف كما شرحنا.
خرجوا وذهبوا إلى مدينة في الشام يذكرونها في علم النحو اسمها أذرعات. في كتب النحو يقولون أذرعات، وهي مدينة في الشام يذكرونها في باب جمع المؤنث السالم وما شابه ذلك.
وأذرعات هذه بقي فيها بنو قينقاع، فهم أغضبوا النبي وفعلوا هذه الأفعال، فلم يبقَ منهم أحد.
انقراض نسل بني قينقاع بالكامل في أذرعات وعدم بقاء ذرية لهم
انتبه الآن، فقد تتبعوهم: أين أبناء نسل بني قينقاع؟ قال: إن الذي كان يموت لم يكن ينجب، والذي كان منجبًا لم ينجب بعد ذلك، وظلوا يموتون ويموتون حتى ذهبوا جميعًا. ليس هناك نسل لبني قينقاع يبقى.
الذي سيأتي ويقول لك الآن: والله أنا من بني قينقاع ونريد تعويضًا — فاليهود بارعون في المطالبة بالتعويضات، فعلوا ذلك مع ألمانيا وفعلوا ذلك مع غيرها — نحن كنا هنا ونريد تعويضًا.
نقول لهم: أولاد مَن أنتم؟ سيخطئون ويقولون: بنو قينقاع. نقول لهم: بنو قينقاع لا ولد له، كل بنو قينقاع هلكوا وذهبوا في أذرعات. هذه هي حقيقة الأمر.
التأريخ الدقيق لحصار بني قينقاع وطردهم في شوال من السنة الثانية
توقفنا عند هذا الحد. إذا خالف اليهود وارتكبوا الجرائم وخرجوا عن النظام، فاستحقوا عقوبة قضائية. وهذا حدث ما بين السنة الثانية [من الهجرة].
بالطبع نحن الآن نعلم أن غزوة بدر كانت في السابع عشر من رمضان. عندما رجع النبي [صلى الله عليه وسلم] وقاموا [اليهود] بهذه الفتن كلها، أصبحنا في الثاني من شوال.
فبدأ الحصار يوم الاثنين من شوال واستمر خمسة عشر يومًا، أي حتى يوم السابع عشر من شوال. كل هذا ونحن ما زلنا في السنة الثانية من الهجرة، ووصلنا فيها إلى السابع عشر من شوال. أخذت هذه المفاوضات ذهابًا وإيابًا عشرة أيام، فأصبحنا سبعة عشر إلى أواخر شوال.
مشروعية عقوبة النفي والتغريب في الشريعة الإسلامية وفوائدها
طُردوا من المدينة إقرارًا للاستقرار. وكذلك نتعلم منها جواز النفي.
أما الحبس فلم يكونوا يزيدونه عن ثلاثة أيام. والحبس يكلف الآن؛ فالناس المحبوسون هؤلاء يكلفون الدولة ألفي جنيه كل شهر للطعام والشراب والعلاج والرياضة وغير ذلك. فالحبس مكلف.
لذا كان النفي والتغريب نوعًا من أنواع العقوبة. فعندما طردهم [النبي صلى الله عليه وسلم]، كان ذلك عبارة عن نفي وتغريب جزاءً وفاقًا لما ارتكبوه من جريمة. فالتغريب هو نوع من أنواع العقوبة المقررة في الشرع.
إنسانية عقوبة التغريب مقارنة بالحبس وحفظها لكرامة الإنسان
وهذا التغريب والنفي يحافظ أيضًا — أعني أفضل قليلًا من الحبس — على كرامة الإنسان. فعندما ننفيه إلى مكان بعيد أو غير ذلك، يشعر بالغربة ونُبعد شره عن الناس، ويشعر المرء بجرمه وارتكابه.
لكنه ليس مقيد الحرية؛ فلم نقيده في قفص مثل القرد ولا مثل السبع ولا غير ذلك. فالتغريب عقوبة إنسانية تُشعر بالذنب، ولكنها لا تقيد الحريات إلى درجة تتنافى مع الإنسان.
خاتمة الدرس والدعوة إلى التدبر في سيرة النبي المصطفى
إلى لقاء آخر مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتدبر سيرته الشريفة الكريمة، ونقف عند كل موقف منها، لعل الله أن يهدينا إلى الصواب من كل باب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
