السيرة النبوية - الحلقة الأربعون
- •وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الجمعة وبدأ ببناء المسجد الذي كان مؤسسة جامعة للصلاة والتعليم والقضاء وقيادة الحروب.
- •بنى النبي المؤسسات أولاً ثم المجتمع من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم وضع وثيقة المدينة كأول دستور للدولة.
- •أسس مجتمعًا متعددًا ضم المسلمين والمشركين واليهود والمنافقين، ورسخ مبادئ العدل والمساواة بينهم.
- •أعطى النبي بعض المزايا لنفسه كفتح باب بيته على المسجد لتسهيل مهامه كقائد للدولة.
- •ركز في السنة الأولى على بناء الداخل قبل الالتفات للخارج وإعداد المجتمع.
- •علّم الصحابة مبادئ الأمن المجتمعي والتكافل والإخاء والعدل حتى مع غير المسلمين.
- •نجح النبي في التأسيس الجيد للدولة حيث زاد عدد الصحابة من 200 في مكة إلى 114 ألفًا عند وفاته بعد عشر سنوات في المدينة.
مقدمة الحلقة ووصول النبي إلى المدينة وبناء المسجد والبيوت
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع أنوار النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة نعيش هذه اللحظات.
وصل النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا المدينة المنورة، ووصلها يوم الجمعة بعد أن صلى في مضارب سالم بن عوف، ودخل المدينة وبنى المسجد، وبنى الصحابة بيوتهم بجوار بيوته، فكان لكل صحابي باب على المسجد.
المسجد النبوي كمؤسسة جامعة للصلاة والتعليم والقضاء والقيادة
إذن فأول ما أنشأوا الدولة بناء المؤسسات؛ لأن المسجد كان للصلاة، وكان للتعليم، وكان لقيادة الحرب فيما بعد، وكان للقضاء، وكان مؤسسات. فبنى مؤسسة الدولة، ولا بد في المؤسسة أن يكون لها مكان، فجاء هذا المكان [المسجد النبوي].
أمر النبي بإغلاق الأبواب على المسجد إلا باب علي وخوخة أبي بكر
بعد ذلك أمر [النبي صلى الله عليه وسلم] الصحابة الكرام بإغلاق الأبواب [المفتوحة على المسجد] إلا باب سيدنا علي. كان الباب فوقه ما يسمى بالخوخة، والخوخة هذه تعني نافذة صغيرة هكذا، فأغلق الأبواب.
أصبحوا يدورون من وراء البيت ويدخلون المسجد من مدخله الطبيعي، والخوخة تُرك الخوخ لكي تجلب لهم بعض الهواء. وبعد ذلك سدّ الخوخ إلا خوخة أبي بكر، أما سيدنا علي فلزيارة بنته [فاطمة رضي الله عنها].
مشروعية تمييز الرئيس بمزايا تسهيلية لمصلحة الدولة والرعية
وهنا يُؤخذ أن يكون للرئيس مزية على غيره من الرعية لمصلحة الدولة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي يقوم بالصلاة، لأنه هو الذي يقوم بالقضاء، لأنه هو الذي يقوم بالإفتاء، لأنه هو الذي يقوم بالتعليم، لأنه هو الذي يقوم بالقيادة.
يعني لأنه كانت تصرفاته متعددة كما يقول الإمام القرافي في كتابه [الفروق]، فلا بد أن نعطيه ميزة، نعطيه شيئًا يسهل ويوفر الأوقات.
ولذلك يُؤخذ من هذا أن بيوت النبي كانت مفتوحة على المسجد حتى بيت ابنته [فاطمة] لكي يزورها. إذن فالقضية هنا قضية التسهيل للرئيس.
تطبيق مبدأ التسهيل للرئيس في النظم الحديثة والفرق بين التمييز والتسهيل
فلنا أن نفعل هذا، أن نعطي الرئيس ما لا نعطيه لأحد. وهذا ما صارت عليه نُظُم العالم كله؛ تجد مثلًا الرئيس وهو ينتقل من مكان لمكان، يريدون توفير وقته فيوقفون المرور ويمشي هو.
بعض الناس يعترض قائلًا: أين المساواة؟ لا، ليس مكانها هنا. والدليل أنه بعد ترك الرئاسة مباشرة سيمشي مثل الناس العادية، ولن يفتح له أحد طريقًا ولا خلافه.
قصة زيارة رئيس سابق لدولة كبرى وتأكيد أن الميزة مرتبطة بالمنصب لا بالشخص
جاءني لزيارتي أحد الرؤساء السابقين لدولة كبرى؛ لأنه بعد هذه الرئاسة اشتغل في العمل الخيري. فاتصلت بي السفارة وقالت: على فكرة، هو لا يمثلنا ولا يمثل الدولة ولا أي شيء، خلاص أخذ فترته وركب الطائرة الرئاسية وفُتح له الطريق فقط من أجل تسهيل المهمة، ليس من أجل التمييز.
فبعد أن انتهى [من منصبه] السفارة تتصل قائلةً لي: ليس لنا علاقة به، إنه مواطن عادي وآراؤه لا تمثل الدولة.
سبب ميزة النبي هو رعاية الدولة مع تأكيده على مبدأ المساواة بين المسلمين
إذن، لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ هذه الميزة؟ من أجل رعاية الدولة، ومن أجل المسؤوليات التي أُلقيت عليه. وإلا فقد ساوى بين المسلمين وقال:
«يسعى بذمتهم أدناهم»
وقال:
«لينوا في أيدي إخوانكم»
وساوى بينهم، لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا بين أحمر وأبيض إلا بالتقوى.
مبدأ المساواة في الإسلام بين الرجال والنساء وتكريم الجميع
يبقى إذن مبدأ المساواة موجود، سواء كانت المساواة [بين الرجال والنساء]؛ قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«النساء شقائق الرجال»
وربنا يقول:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]
تنظيم بعد ذلك:
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]
هذا كلام واضح في قضية المساواة البشرية؛ كلاهما مكلف، كلاهما مشرف، كلاهما يقوم بخصائصه ووظائفه.
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار نموذج فريد في بناء المجتمع
إذن بنى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، وذكرنا أنه آخى بين المهاجرين والأنصار في صورة عجيبة غريبة لم ترد إلى اليوم في إنشاء الدول، وهي قضية المؤاخاة. وهذه المؤاخاة كانت في النموذج الأول من المدينة.
النماذج الأربعة التي تركها النبي للمسلمين في كيفية العيش في العالم
نحن لدينا أربعة نماذج تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعطي المسلم كيفية العيش في العالم:
- نموذج مكة: مسلمون يعيشون وسط كفار ومشركين يكرهون الإسلام ويحاربونه ويعذبون أهله، ولا يعرفون حقوق إنسان ولا حقوق أكوان.
- نموذج الحبشة: مسلمون يعيشون في نظام غير إسلامي، إلا أن الدولة تعرف حقوق الإنسان وترحمهم وتعينهم وتعطي جنسيتها لهم.
- نموذج المدينة أولًا: بلد إسلامي ولكن متعدد الديانات ومتعدد الأعراق ومتعدد المشارب؛ ففيهم المشركون وفيهم المسلمون وفيهم المنافقون وفيهم اليهود.
- نموذج المدينة ثانيًا [أخيرًا]: بعد ما طُرد بنو قينقاع وبنو النضير ثم بنو قريظة في الآخر، أصبحت المدينة خالصة للمسلمين. نموذج رابع: دولة إسلامية وليس فيها أحد من الكتل غير المسلمة.
قصة زيارة النبي لغلام يهودي مريض وإسلامه بإذن أبيه
فيها [في المدينة] واحد أو اثنان أو ثلاثة لا يحصل شيئًا [يعني لا يُشكّلون كتلة]. مات النبي كما في البخاري ودرعه مرهونة عند يهودي، إذن يوجد يهودي.
زار النبي صلى الله عليه وسلم غلامًا من اليهود [كان مريضًا]، فجاء عند رأسه فقال له:
«أسلِم»
فنظر الولد إلى أبيه: أأسلم أم لا أسلم؟ أدب! قال [الأب]: أطع أبا القاسم. إنه يهودي موجود وفي قلبه أنه [محمد] نبي.
فلماذا لا تسلم أنت أيضًا؟ قال له: أخشى أن تكون فضيحة أو شيئًا ما عند قومي، فيمنعه [الخوف]، يضحك عليه الشيطان. فقال [الغلام]: أسلم، فأسلم الولد. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
«الحمد لله الذي جعلنا سببًا لإنقاذه من النار»
يعني عطوف عليه، يعني هو يفعل هكذا ليس تكثيرًا للمسلمين بولد مريض، إنما هو يريد أن يحجزه عن المحاسبة ويخلصه عند الله سبحانه وتعالى.
ترتيب بناء الدولة النبوية: المؤسسة ثم المجتمع ثم الفرد
إذا [نلخص ما سبق]: بنى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما دخل [المدينة] المؤسسة [المسجد]، ثم بنى المجتمع. وبدأ المهاجرون في الوفود إلى المدينة.
هكذا لدينا في المدينة خمسة وأربعين مهاجرًا وفيها خمسة وأربعين أنصاريًا، وبدأوا في الزيادة. عندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه عشرون ألفًا.
صلاة عشرين ألفًا على النبي فرادى يومين متتاليين
نحن نقارن الآن بين بداية المدينة وبين نهايتها؛ عشرون ألفًا صلوا عليه، وصلوا عليه فرادى. صنعوا صفًا، كل واحد يدخل؛ لأن الصلاة هنا ليست من أجله فقط، وإنما من أجل أنفسهم ليتبركوا به.
فدخلوا يصلون فرادى واحدًا واحدًا، ظلوا يصلون عليه يومين؛ فقد انتقل إلى الرفيق الأعلى يوم الاثنين، واستمروا حتى يوم الأربعاء يصلون عليه ليلًا ونهارًا. عشرون ألفًا دخلوا صفًا، يدخل هنا ويخرجون من الناحية الأخرى.
خلاصة منهج النبي في بناء الدولة: المؤسسة ثم المجتمع ثم الفرد
إذا أول ما وصل [النبي صلى الله عليه وسلم المدينة] بنى المؤسسة، ثم بدأ في بناء المجتمع، ثم بدأ في بناء الفرد.
بعد الفاصل نتحدث عن كيف بدأ في بناء الفرد صلى الله عليه وآله وسلم.
إنشاء المؤسسات والمجتمع بالمؤاخاة ووضع وثيقة المدينة كأول دستور في العالم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. تكلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ في إنشاء الدولة، فبدأ في إنشاء المؤسسة بل المؤسسات التي كانت مجتمعة في المسجد، وبدأ صلى الله عليه وسلم في إنشاء المجتمع بالمؤاخاة.
أيضًا وضع الدستور، فوضع وثيقة المدينة وهي أول دستور في العالم. وهذه الوثيقة تعطي الحق لمن أقام [في المدينة]، سواء كان من المشركين أو من المنافقين أو من اليهود أو من المسلمين، سواء كان هذا المسلم من أصل المدينة أو كان ملحقًا بهم، سواء كان هذا الإلحاق بالهجرة أو كان بالموالاة.
أصناف سكان المدينة الخمسة في وثيقة المدينة ومقارنتها بالمجتمع المصري
إذن هناك أصناف: مشركون، وهناك منافقون، وهناك يهود، وهناك أصل المدينة الأوس والخزرج مسلمون، وهناك مسلم مهاجر، وهناك هذه الأصناف الخمسة ملحقة آتية من الموالاة، هذا موالٍ وهذا، ومن لحق بهم في الوثيقة كذلك.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يتحدث عن مجتمع متعدد مثل المجتمع المصري؛ فيه المسيحي وفيه اليهودي وفيه المسلم وما إلى ذلك.
تاريخ اليهود في مصر وأعدادهم القليلة وهجرتهم في الخمسينيات والستينيات
اليهود في مصر كانوا يمثلون قبل هجرة الستينيات والخمسينيات كانوا يمثلون كتلة. طوال زمن اليهود بمصر لم يكن اليهود كثيرين أبدًا؛ لأنهم في العالم كله لا يصلون إلى عشرين مليونًا، لكنهم كانوا موجودين وكانوا بضعة آلاف، يعني عشرين ألفًا أو ثلاثين ألفًا أو شيء من هذا القبيل.
لكن دائمًا كان المسيحيون يمثلون نسبة، يقال إن نسبتهم كذا في المائة، بينما عشرون ألفًا هذه نسبة بسيطة. يعني اليهود أخذوا بعضهم ورحلوا ولم يبقَ إلا طائفة قليلة كبروا في السن ومات أغلبهم، وربما لم يبقَ الآن إلا ستون شخصًا وقد كبروا في السن؛ لأنهم الذين ولدوا قبل أن يرحل أهاليهم أو قبل أن ترحل الطائفة، وهم موجودون حتى الآن، ستون أو سبعون شخصًا أو شيء من هذا القبيل.
بناء المجتمع بالمؤاخاة والتوثيق وتربية الأفراد على الأمن المجتمعي
النبي عليه الصلاة والسلام وضع الوثيقة، فتكون المؤسسة [ثم] المجتمع. وهذا المجتمع سنبدأ فيه بالمؤاخاة وسنبدأ فيه بالتوثيق؛ بناءً للمجتمع والأفراد والعلاقات ما بين الأفراد.
قوم يقول لهم [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جوعان»
ما هذا؟ هذه علاقة [اجتماعية].
«والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه»
aحذر أن يُزعل أحد جاره! فهذا ما نسميه الأمن المجتمعي. يُربي [النبي صلى الله عليه وسلم]، أصبح يربي الناس على مبادئ [التكافل والتراحم].
نور النبي وشوق إخوانه الذين لم يروه وثبات الصحابة على الإيمان
أمد الله النبي صلى الله عليه وسلم بالأنوار، كان نورًا هكذا هو. ولذلك مرة قال:
«إخواني إخواني»
قالوا: نحن إخوانك يا رسول الله. قال:
«أنتم أصحابي» [وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني]
كيف تكفرون وأنا فيكم؟ إنها أمر صعب، لا يفعل ذلك إلا من أصبح أعمى القلب. لكن واحد أو اثنان ثلاثة يحصل.
إنما هرقل سأل أبا سفيان في فترة الحديبية، قال له: هل يرجع أحد منهم سخطةً على دينه؟ قال: لا. أيزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون. فهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، وهو [هرقل] يفهم وهو يسأل لماذا. فكانوا يزيدون ولا ينقصون، ولم يرجع أحد منهم سخطًا على دينه.
قصة طعمة بن أبيرق الذي سرق درع اليهودي ونزول القرآن بالعدل
وحتى واحد ولا اثنين ولا ثلاثة رجعوا سخطة، رجعوا بسبب [آخر]. طعمة بن أبيرق هذا هو الذي نزل فيه قوله تعالى:
﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]
سرق من رجل يهودي درعًا وشوال دقيق، وأثناء سيره كان الدقيق يتساقط إلى بيته، فذهب ووضعه عند أحد زملائه حتى يتهموه.
وبعد ذلك ذهبوا يبحثون عن هذه الحكاية، قالوا هذا الذي انتهى [الأثر] هنا. قال: فتِّشوني، ليس عندي الدرع. وجدوا أيضًا أن آثار الدقيق مستمرة؛ بعدما دخل الدار خرج منها وذهب إلى أخينا هذا، الصحابي الثاني.
العدل أساس الملك ولا يجوز ظلم غير المسلم لصالح المسلم
حسنًا، أنت الآن ارتكبت مصيبة. وجاء أهله [أهل طعمة بن أبيرق] قائلين: يا رسول الله، أتأخذ هذا الرجل [المسلم] بدلًا من اليهودي؟ والله ما شأني بذلك! وما شأن يهودي ومسيحي؟ أين العدل؟
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
هل هذا الشاب سرق أم لم يسرق؟ سرق، فهو متهم فيها. اليهودي متهم فيها [ظلمًا]، أنه هو الذي سرق. لا يصح! لا يكون عدلًا، لا يكون حقًا. الله يغضب!
قال النبي ﷺ: «فاتقوا دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»
يعلمهم ويقول لهم: دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله [حجاب] ولو من كافر.
ما علاقة الكفر بالعدل؟ الكافر حسابه مع ربنا يوم القيامة، أما العدل فهو أساس الملك.
ردة طعمة بن أبيرق لم تكن سخطة على الدين بل لأسباب شخصية
ابن أبيرق هو الذي هرب وارتد، وهذا هو السبب [في ردته]، أي أنه لسبب ليس من سخطة [على الدين]. انظر إلى دقة كلام هرقل، كان عالمًا! قال له: سخطة على دينه.
أما ارتد لأنه أحب امرأة، أو ارتد لأنه سرق ويريد أن يهرب، أو ارتد لأنه لم يدخل الإسلام أصلًا وكان منافقًا، أو هذا موجود. إنما ارتد سخطة على دينه [فهذا لم يحدث].
قال: ما هذا الدين؟ هذا دين يأمرنا بالنجاسة ويأمرنا بالظلم؟ لا، هذا لم يحدث! إنه يأمرنا بالطهارة ويأمرنا بالعدل ويأمرنا بالرفق ويأمرنا بالرحمة ويأمرنا بالتسامح وبصلة الرحم. دينٌ جميل ليس فيه شيء غير جميل.
خلاصة بناء النبي للدولة: المسجد والمؤاخاة والفرد والوثيقة
هذا ما حدث: فبنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، وبنى الاجتماع عن طريق المؤاخاة، وبنى الاجتماع عن طريق الفرد، وبنى الاجتماع عن طريق الوثيقة.
إذن عندما يلتفت [مؤسس الدولة] إلى الداخل، تكون أول مهمة يقوم بها مؤسس الدولة هي البدء ببناء الداخل ولا يلتفت إلى الخارج؛ لأنه إذا صَلُحَ الداخل وقوي سيصلح الخارج، وسيعرف بعد ذلك كيف يتفاهم ويتعامل مع الآخرين. فلا يشغل نفسه بالخارج الآن.
السنة الأولى في المدينة كلها لتأسيس الدولة الداخلي قبل معركة بدر
حسنًا، الخارج لا يتركه، أو يتصدى له على قدر المستطاع. ولذلك حدثت مناوشات قبل بدر معدودة في الغزوات والسرايا وغيرها، لكن معركة بدر جاءت في السنة الثانية.
إذن، السنة الأولى هذه مضت في ماذا؟ كلها مضت في تأسيس الدولة في الداخل.
من مائتي صحابي في مكة إلى مائة وأربعة عشر ألفًا عند وفاة النبي بفضل التأسيس الجيد
عندما أسس [النبي صلى الله عليه وسلم] الدولة في الداخل بقوة، انتبه أن عدد الصحابة الذين قدموا من مكة كانوا مائتي شخص؛ خمسة وأربعون منهم هاجروا قبله، وحوالي مائة وخمسين هاجروا بعده تقريبًا، وبقي عدد قليل في مكة.
مائتا شخص! عندما توفي صلى الله عليه وسلم كان عدد الصحابة مائة وأربعة عشر ألف صحابي. مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا فجمع كم؟ مائتين. ومكث عشر سنوات في المدينة فجمع كم؟ مائة وأربعة عشر ألفًا.
وهذا هو [ثمرة] أنه أسس الدولة تأسيسًا جيدًا.
العنصر الأخير في بناء الدولة هو المال والختام
العنصر الأخير هو المال، فلما أتى المال أنشأ الدولة [بشكل متكامل].
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
