السيرة النبوية - الحلقة التاسعة
- •ولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة بعد الفجر وقبل شروق يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، الموافق 20 أبريل 572م.
- •عاش في مكة 53 عاماً وأحبها حباً عظيماً لأنها وطنه ومحل نظر الله، ومن هنا استنبط العلماء أن حب الوطن من الإيمان.
- •لم يرَ النبي البحر في حياته قط، حيث كان طريق الشام يبتعد عن البحر بنحو 70 كيلومتراً.
- •أوحي إليه على رأس الأربعين، فبقي 13 عاماً نبياً في مكة و10 سنوات في المدينة.
- •قبل النبوة، كان مثالاً للطهر والعفاف والصدق والأمانة، وكان الناس يودعون عنده الودائع.
- •عرفته خديجة بأمانته وبركته فوكلته على تجارتها وتزوجته.
- •بدأت الإرهاصات قبل النبوة، حيث حُبب إليه الخلاء وسمع تسليم الأحجار عليه.
- •بدأ الوحي بالرؤيا الصادقة لمدة ستة أشهر، فكان يرى ما سيحدث في اليوم التالي.
مولد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة وتاريخه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع أنوار الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم نعيش هذه اللحظات. كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وُلِدَ في مكة المكرمة، وعرفنا أنه وُلِدَ بعد الفجر وقبل شروق يوم الاثنين، وكان العاشر من ربيع الأول ويوافق العشرين من أبريل سنة خمسمائة واثنين وسبعين من الميلاد.
وبعد نحو ستين يومًا من قدوم الفيل وحصره في وادي المحصر ما بين مزدلفة وبين مكة، حُصِر هنالك الفيل في الثاني عشر من المحرم، وهذا [المولد كان في] الثاني عشر من ربيع، فبينهما ستون يومًا.
إقامة النبي في مكة ثلاثًا وخمسين سنة وحبه العظيم لها
وعرفنا أنه عاش في مكة إلى سن الثالثة والخمسين، إذن هناك ثلاثة وخمسون سنة قضاها في مكة. وكان يحب مكة حبًّا عظيمًا؛ أولًا لأنها وطنه.
ومن هنا أخذ العلماء القاعدة الشائعة — وإن لم تكن حديثًا — «حب الوطن من الإيمان»؛ لأنهم لما رأوا سيدنا صلى الله عليه وسلم أحب وطنه، رأوا أن هذا من الكمالات، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الله له الكمالات.
مخاطبة النبي لمكة وتعبيره عن حبه الشديد لها
وقال [النبي صلى الله عليه وسلم] وهو يخاطبها [أي مكة]:
«ألا إنكِ أحب أرض الله»
انظر إلى [قوله] «أرض الله»، يعني أرض الله مستوية متساوية، لكن أنتِ أحب إليّ، أنتِ أحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني ما خرجت منكِ.
نزول الوحي وذهاب السيدة خديجة به إلى ورقة بن نوفل
ولما نزل الوحي وذهبت به السيدة خديجة عليها السلام — وقلنا قبل ذلك «عليها السلام» لأن الله بلّغها عن طريق جبريل السلام، فقالت: عليك وعليه السلام، فينبغي دائمًا أن نقول خديجة عليها السلام —
فلما ذهبت به إلى ورقة بن نوفل قال [ورقة]: يا ليتني كنت فيها جذعًا إذ أخرجوك من مكة. قال عليه الصلاة والسلام:
«أمُخرجيَّ هم؟»
أسيُخرجونني من بلدة أحبها وتربيت فيها وذكرياتي فيها ومال أبي وجدي فيها؟ صلى الله عليه وسلم.
مكة أم القرى ومحل نظر الله وروحانيتها وموقع الكعبة فيها
والأمر الثاني [في سبب حبه لمكة] أنها محل نظر الله؛ لأن الكعبة هذه محل نظر الله، فمكة هي أم القرى، فتجد فيها روحانية لا تجدها في غيرها.
وهي على صورة قمع، الجبال محيطة بها هكذا، والكعبة في رأس القمع هذا. ولذلك عندما تنزل السيول تغرق الكعبة، والكعبة عندما نزلت فيها سيول مرة هدمتها.
ومرة كان السيل ثلاثة أمتار، والكعبة ارتفاعها حاليًّا سبعة وعشرون ذراعًا، أي ثلاثة عشر مترًا تقريبًا، فثلاثة أمتار هذه عملية صعبة.
طواف عبد الله بن الزبير حول الكعبة سباحة عند غرقها بالسيول
فطاف ابن الزبير حولها عائمًا، ومن خصائص سيدنا عبد الله بن الزبير هكذا أنه طاف حول الكعبة سابحًا، أخذ السبعة أشواط فقط سِباحةً؛ لأن المياه لو أنك جلست على القاع إذا سوف تغرق، فطاف حولها سابحًا.
يصنعون أشياء ومسارب وما شابه ذلك لكي لا تتكرر هذه الحكاية، لكنها تتكرر عندما يكون السيل شديدًا أكثر من المسارب التي صنعوها.
حب الوطن من الكمالات التي أجراها الله على قلب النبي
أولًا لأنها وطنه، وثانيًا لأنها محل نظر الله، فيكون إذن حب الوطن صحيحًا من الإيمان؛ لأنه من الكمالات التي أجراها الله على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم.
ثم تأتي وتقول له: يا أخي، إن حب الوطن من الإيمان، فيقول لك: لا، هذا حديث موضوع. طيب، افترض أنه حديث موضوع، افترض أنه ليس حديثًا على الإطلاق، من الذي قال لك أنه حديث؟ لا، إنه حديث موضوع.
طيب، ماذا نفعل إذن؟ هل يجب علينا أن نكره الأوطان؟ هل يجب أن نسبّ وطننا؟ هل يجب أن ننتقده ونقول إنه بلد سيء؟ هل هذا كلام يرضي الله؟ إن حب الأوطان يا أخي من الكمالات، إن حب الأوطان من الذي أجراه الله على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الرد على العقلية المنحرفة في التعامل مع الأحاديث والحقائق
الله! ما هذا؟ لكن العقلية المنحرفة هكذا: لقد سمعت أن حب الوطن من الإيمان، هذا حديث موضوع، هو ليس حديثًا أصلًا. حسنًا، ماذا يترتب على ذلك؟ ماذا يترتب على ذلك؟ أننا يجب أن نخالفه!
الله، يعني عندما يأتي شخص ويقول لك: قال رسول الله: «قل لا إله إلا الله»، وهو لم يقل «قل لا إله إلا الله»، هذا الحديث فقط هكذا يعني، وهذا الحديث ليس حديثًا، فلا تقل هيا الآن نقول أنه ليس هناك إله، أو ماذا يعني؟
أيضًا فعلوا ذلك الجماعة النابتة، يقولون لك: «نعم المذكر السبحة» هذا حديث ضعيف، ويقولون لك: هذا الحديث موضوع. حسنًا، إذا كان موضوعًا فتكون السبحة بدعة؟ ما هذه المصيبة؟
التفكير المستقيم في التعامل مع الحقائق المنسوبة خطأ إلى النبي
لذا يجب علينا أن ننتبه أن التفكير المستقيم ليس هكذا. التفكير المستقيم [يقتضي أنه] أحيانًا تكون هناك حقائق، وعندما يجدها بعض الناس حقائق، ينسبونها إلى النبي، لكنها حقائق.
عندما يقول لك مثلًا: إنّ المعدة بيت الداء، المعدة بيت الداء — هذا كلام جالينوس — قالوا إنّ رسول الله قال: «المعدة بيت الداء»، لم يقل [ذلك]، لكن المعدة بيت الداء، هي أول الداء، هي المعدة.
وإنما النبي قال ماذا؟
قال النبي ﷺ: «بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»
نعم، إنه قال هكذا.
أمثلة على قواعد صحيحة نُسبت خطأ إلى النبي وضرورة عدم رد الحقائق
يقول لك: «يوم صومكم يوم نحركم»، يوم سنتكم الجديدة — هذه قاعدة فلكية — يقول: قال رسول الله. لا، لم يقل رسول الله هذا، لكن هذه قاعدة إذا طبقتها هكذا ستجدها صحيحة في الغالب، أي أنها الأغلبية.
فإذن ليس كل شيء نسمعه ويكون بالفعل ليس حديثًا، فلا نفتري ونقول: قال رسول الله، ولا أيضًا نرد الحقائق.
حب النبي لمكة وعدم رؤيته البحر في حياته قط
سيدنا رسول الله مكث في مكة ثلاثة وخمسين عامًا فأحبها حبًّا شديدًا.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرَ البحر في حياته قط. نعم، لم يرَ البحر في حياته قط. ولذلك تعجب العلماء من وصف البحر في القرآن الكريم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يركب البحر قط ولم يشاهده.
الطريق إلى الشام لم تكن تمر عبر البحر، فطريق البحر كان طريقًا مخيفًا، وكان الطريق إلى الشام يبتعد عن البحر بحوالي ستين أو سبعين كيلومترًا.
الرد على ادعاء رؤية البحر من غار حراء وإثبات استحالة ذلك
ادّعى بعضهم أن البحر يُرى عندما تصعد إلى غار حراء وتنظر للأسفل، من المفترض أن ترى البحر أمامك هكذا. فذهبت وصعدت ونظرت فلم أجد لا بحرًا ولا شيئًا مما ذُكر.
إذن هذا الكلام غير صحيح، ولا يوجد بحر ولا يُرى البحر من هنا. الإنسان يستطيع أن يرى لمسافة خمسة وثلاثين كيلومترًا، أما البحر فيبعد سبعين أو ثمانين أو تسعين، فكيف يراه؟ سيراه كيف والأرض قد دارت بالفعل.
أما الذين يقولون إن الأرض ليست كروية، فربما هم الذين يروّجون لهذه الكذبة. فالنبي عليه الصلاة والسلام، كما ورد في كتب الأقدمين، لم يرَ البحر في حياته قط صلى الله عليه وسلم.
مدة إقامة النبي في مكة والمدينة وسنوات الوحي وعمره عند الوفاة
سيدنا الرسول جلس نحو عشر سنوات في المدينة، ثلاثة وخمسين سنة في مكة، عشر سنوات في المدينة. ثلاثًا وخمسين سنة أُوحي إليه على رأس الأربعين، بعدما أتم أربعين سنة بدأ الوحي.
فبقي ثلاثة عشر عامًا في مكة، وعشرة في المدينة، مجموع الوحي وهو نبي ثلاثة وعشرين سنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كانت وفاته عليه الصلاة والسلام وهو ابن اثنين وستين وقليل، يعني نقول ثلاثة وستين سنة، والله أعلم.
صفات النبي قبل البعثة من الطهر والعفاف والصدق والأمانة
بسم الله الرحمن الرحيم، عندما جلس سيدنا صلى الله عليه وسلم أربعين سنة في مكة من غير وحي، كان مثالًا للطهر والعفاف والصدق والأمانة والذكاء، وكان يحب مكارم الأخلاق.
وكان صلى الله عليه وسلم تميل نفسه إلى شيء من العزلة والتفكر والتدبر. ولذلك كان أهل مكة يرونه قد استوفى صفات الملك، أي أنه يصلح ليكون ملكًا؛ لأنه كريم، ولأنه ذكي، ولأنه هادئ النفس، ولأنه لا يؤذي أحدًا، ولأنه أمين.
أمانة النبي في حفظ الودائع وثقة الناس به حتى عند الهجرة
وكانوا يودعون عنده الودائع، فكل واحد منهم يودِع ودائعه عند الشرفاء الكبار، فيودعونها عند أبي لهب وعند أبي جهل، وتأتي لتطالبه يتلاعب بك: حسنًا، مُرَّ عليَّ غدًا، الأمر أن مفتاح الخزانة ضائع، وأنا لديَّ موعد الآن.
أما محمد [صلى الله عليه وسلم] فكان يُسلِّم الشيء كما هو، بربطته، مُقفلًا كما هو. فوثق فيه الناس، وثق الناس فيه جدًّا، حتى أنه كان مخصصًا مكانًا للودائع.
حتى عندما جاء وقت هجرته — انظر بعد هذا الأذى كله الذي رآه من المشركين — أقام علي بن أبي طالب مكانه حتى يرد الودائع إلى أهلها، فهو لا يعرف الخيانة صلى الله عليه وسلم.
زواج السيدة خديجة من النبي بعد إعجابها بأمانته وبركته في التجارة
صفات كهذه جعلت السيدة خديجة حين علمت بأمانته وبركته أقامته على تجارتها، فحقق لها أرباحًا غير معتادة؛ فإذا كانت تحقق ألفًا، حقق لها عشرة. كذلك في السنة التالية أصبحت الألف عشرة.
وكان هناك شخص اسمه ميسرة، خادم السيدة خديجة، وكانت قد أرسلته مع النبي ليساعده. قالت له: أخبرني عن هذا الرجل، كيف هو؟ فقال: لم أرَ مثله قط، إنه شيء مختلف تمامًا، أخلاقه لا مثيل لها، وما أدراكِ ما أمانته، وما أدراكِ ما سماحته، وما أدراكِ ما [حسن خلقه] صلى الله عليه وسلم، الصلاة والسلام [عليه].
فتعلقت به فخطبته لنفسها، والنبي عليه السلام بتوفيق الله رضي بذلك.
السيدة خديجة التي سلّم الله عليها ومواساتها للنبي بمالها
وهي [السيدة خديجة] متزوجة قبل ذلك ومنجبة وعمرها أربعون سنة، وهو عمره خمسة وعشرون. ولكن هذه السيدة التي سلّم الله عليها — أأنت منتبه أم ماذا؟ — فكل ذلك بتوفيق الله صلى الله عليه وسلم.
وقد واسته بمالها؛ إذ كانت من الأغنياء، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن من الأغنياء، وكان يرعى الغنم، ورعايته للغنم علمته الصبر. فصلى الله عليه وسلم، جلس أربعين سنة على هذه الحالة.
تحبيب الخلاء إلى النبي وجلوسه في غار حراء وظهور الإرهاصات
ثم حُبِّب إليه الخلاء، فأصبح يجلس في غار حراء، ومكث في غار حراء مدة سنتين أو ثلاثة أو أربعة يتعبد.
وبعد ذلك عندما بلغ الأربعين بدأت تظهر عليه علامات يسميها العلماء إرهاصات.
ما معنى هذه الإرهاصات؟ معناها تمهيد، أي الأشياء التي تسبق الحدث الكبير سمّوها إرهاصات. عندما تجد اضطرابًا هنا واضطرابًا هناك واعتراضًا هنا، تقول: هذه إرهاصات الثورة. الإرهاصات تعني علامات تشير إلى أن شيئًا ما سيحدث، هذه هي الإرهاصات في اللغة العربية.
إرهاصات النبوة: تحبيب الخلاء وتسليم الحجر عليه وتهيئته للوحي
فهناك أحداث ستحدث، فحُبِّب إليه الخلاء، هذه رقم واحد.
رقم اثنين: بدأت كائنات وجمادات يسمع صوتها، يسمع صوتها. [قال النبي ﷺ]:
«إني أعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ» عليه الصلاة والسلام
ربنا يهيئه حتى لا يفزع؛ لأن مسألة الوحي هذه صعبة جدًّا، حتى يرفع الحاجز الذي بين الحياة الدنيا وبين ما وراء المنظور عند الله، فلا يفزع ولا تحدث له أزمة قلبية أبدًا.
المرة الأولى [من التهيئة] كانت شق الصدر عند حليمة.
تسليم الحجر على النبي كلما مرّ به تهيئةً له لتلقي الوحي
وهذا حجر يُسلِّم، ويَنظر [النبي] هكذا — حجر يرى — ربما شخصًا يكون مختبئًا أو شيئًا ما ليعمل فيه نكتًا أو غيرها؟ لا يوجد [أحد]، حجر!
فيمشي وهو عائد يُسلِّم عليه مرة أخرى. الله، يعني هو الذي [يُفترض أنه] مختبئ، يختبئ منذ ذلك الوقت؟! وهكذا فهو [الله] يعطي له ما يشبه التهيئة والإرهاصات.
الرؤيا الصادقة ستة أشهر قبل الوحي وتفاصيل ما كان يراه النبي في منامه
ذهب [النبي صلى الله عليه وسلم] وجلس ستة أشهر. ستة في ثلاثين، بكم؟ بمائة وثمانين، أخصم منها ثلاثة لأن الشهر أحيانًا يكون تسعة وعشرين، وأحيانًا هكذا، يكون مائة وسبعة وسبعين.
كل يوم على الله أن يرى في المنام شريطًا لما سيحدث غدًا. غدًا السبت، ماذا سيحدث لي؟ سأقوم لأصلي الفجر، ثم سأذهب إلى العمل — لا أدري بالضبط — ثم سأعود، ثم سألتقي مع فلان وعلان وتِركان وسَلان، ثم سأفعل كذا، ثم سأنام، وسآكل كذا، وسأشرب كذا، إلى آخره.
ثم يرى هذا الكلام في المنام، فيستيقظ ليجده كما هو. ما هذا؟! لقد رأيت هذا الشيء، ماذا عن ذلك؟
الفرق بين ظاهرة الديجافو والرؤيا الصادقة المتكررة مائة وسبعًا وسبعين مرة
فقد يقول شخص ما: أظن أنني رأيتك من قبل، أو أظن أن هذا الحدث وقع من قبل. ويقولون إن في الدماغ فصين، فص يدرك قبل الفص الثاني، فتحدث لك هذه الحالة.
لكن إذا حدثت مرة أو مرتين أو عشر مرات، نقول إن هذا الفص وذاك الفص وهكذا. لكن مائة سبعة وسبعين مرة وكلها تأتي بالضبط؟ نعم، لا، هذه مسألة أخرى، هذا أعداد [مختلفة تمامًا].
حديث الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة وتفسيره
ولذلك كان [النبي ﷺ] يقول:
قال النبي ﷺ: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»
انتبه إلى هذا الكلام، إنه كلام لا يمكن أن يصدر إلا من شخص أوحى الله إليه. جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
ما العجب في ذلك! يعني لماذا ستة وأربعون؟ لِمَ لم تكن خمسة وأربعين؟ ولماذا لم تكن ثمانية وأربعين؟ لأن النبي مكث ثلاثة وعشرين سنة [نبيًّا]، والثلاثة وعشرون سنة فيها كم نصف سنة؟ أليست الستة أشهر نصف سنة؟ حسنًا، الثلاثة وعشرون سنة فيها كم نصف سنة؟ ستة وأربعون.
التسليم بأن النبي لا ينطق عن الهوى وأن علمه وحي من الله
وهل سيجلس [النبي] ثلاثة وعشرين [سنة]؟ فهو ليس له علاقة [بتحديد ذلك]، إنه الله الذي يقول له ذلك. ستظل تفكر: هل كان يعلم أم لا يعلم؟ حرر نفسك وسلّم روحك لسيدنا، سلّم روحك لسيدنا؛ لأن المسألة ليس لها حل، إنه نبي، أي نبي صلى الله عليه وسلم.
من الذي قال لك أنه ستة وأربعون جزءًا من النبوة؟ فلماذا لا يكون خمسة وأربعين؟ هل تعلم أنك ستجلس ثلاثة [وعشرين]؟ لا والله ما هو عالم، هذا أمر بإرادة الله.
ولكن القضية أن هذا:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ [النجم: 3-5]
هكذا تسير الأمور معنا.
بداية الوحي بالرؤيا الصادقة ستة أشهر ثم مجيء الوحي في غار حراء
إذا نصف سنة وهو جالس يرى رؤى كل يوم حتى أصبح مسلّمًا [بالأمر]، فقال: حسنًا، أنا اليوم سأعرف في الليل أثناء النوم ما سيحدث غدًا.
وبدأ الوحي بالرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت واضحة كفلق الصبح.
فبعض الناس يقول لك: ماذا رأى؟ لقد رأى ما سيحدث، وليس رؤية معينة — يعني مثل السبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف — لا، إنه رأى ما الذي سيحدث غدًا لمدة ستة أشهر.
نعم، ثم بعد ذلك جاءه الوحي وهو في غار حراء.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
