السيرة النبوية - الحلقة التاسعة والأربعون
- •تناول النص سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وموقفه بعد غزوة بدر، حيث كشف مؤامرة عمير بن وهب وصفوان بن أمية لاغتياله.
- •أسلم عمير بن وهب وعاد إلى مكة يدعو للإسلام، بينما بقي صفوان على شركه.
- •بعد فتح مكة خاف صفوان وهرب إلى جدة ليركب السفينة إلى الحبشة، فطلب عمير من النبي تأمينه.
- •أعطى النبي عمامته لعمير علامة الأمان لصفوان، وعندما حضر صفوان عرض عليه النبي الإسلام فأسلم وحسن إسلامه.
- •كذلك أسلم فضالة الذي كان يخطط لاغتيال النبي أثناء الطواف.
- •حاول اليهودي شاس بن قيس إثارة فتنة بين الأوس والخزرج بتذكيرهم بخلافاتهم السابقة.
- •استمرت مضايقات بني قينقاع للمسلمين بأشكال مختلفة حتى خالفوا صحيفة المدينة.
- •حاصر النبي بني قينقاع بعد غزوة بدر بأسابيع، وأخذ سلاحهم وأموالهم وأجلاهم إلى أذرعات بالشام.
مقدمة في سيرة النبي المصطفى وتنزل الرحمات عند ذكرها
سيرة الحبيب المصطفى والنبي المجتبى، وأنوار تلك السيرة نعيش فيها ونلتمس منها ونقتبس. نعيش هذه اللحظات مع سيرة سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم؛ فعند ذكر سيرته المشرفة تتنزل الرحمات، ونكون في نظر الله سبحانه وتعالى وفي نوره سبحانه وتعالى.
تدبير قريش لاغتيال النبي وإسلام عمير بن وهب ودعوته في مكة
وقفنا فيما بعد بدر، ورأينا كيف دبّر بعض قريش - صفوان بن أمية وعمير بن وهب - لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أسلم عمير وحسُن إسلامه.
لما رجع [عمير] إلى مكة من المدينة، وعندما عرف صفوان بن أمية بإسلامه قال: والله لا أفيده أبدًا. ويبدو - والله أعلم - أن عميرًا جلس يدعو إلى الإسلام في مكة، وأسلم على يديه قوم وهم ما زالوا في مكة لا يعرفون كيف يسافرون [إلى المدينة].
وظلت الصداقة بينه وبين صفوان أيضًا قائمة، وعمير على الإسلام وصفوان على غير الإسلام.
فرار صفوان بن أمية إلى جدة خوفًا من النبي يوم الفتح
وذلك أنه بعد ذلك بسنين، في سنة ثمانية [للهجرة]، عندما حصل الفتح [فتح مكة]، ظن صفوان أن النبي سيقتله من شدة الأذى والتدبير الذي كان يفعله ضد النبي صلى الله عليه وسلم، ففرّ إلى جُدّة.
التي نسميها اليوم ماذا؟ جَدّة. جدة. لماذا؟ لأنها ساحل البحر، الساحل الخاص بالبحر. يعني من الممكن أن جدة هذه التي فرّ إليها لا تكون هي جدة التي لدينا الآن، كانت جنوبًا قليلًا، يبدو هكذا، جنوبًا بحوالي أربعين أو خمسين كيلومترًا هكذا من جدة التي لدينا الآن. لكن لا بأس.
ففرّ إلى جدة، جدة البحر يعني الساحل، ليذهب إلى الحبشة. يريد أن يركب مركبًا ويهرب إلى الحبشة؛ لأنه قدّر هكذا في ذهنه اجتهادًا أن النبي سيقتله، مع أن النبي لم يضعه ضمن الأشخاص الذين حُكم عليهم بالإعدام ولا شيء من هذا القبيل. لكن هذا كان تقديره، قال: أمعقول بعد كل ما فعلته سيتركني؟ وهرب.
شفاعة عمير عند النبي لتأمين صفوان وموقف الإسلام من الشهامة والأخوة
فجاء عمير - [الذي] أسلم سنة اثنتين بعد بدر - إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله، هب لي صفوان [أي أمِّنه لي].
يعني عندما يقول له: هب لي واحدًا مشركًا، لماذا؟ الأخوة والصداقة هكذا يا أخي. إذن الإسلام يحب الشهامة والرجولة والأخوة والجوار أم لا يحبها؟ يقول: ابقَ هكذا مثل البَرص تجلس تنفخ فيمن حولك؟ لا، هذا [الدين] يحب الشهامة والرجولة.
مرة أعطى سيدنا النبي لعمر ثوبًا من الحرير جميلًا، فذهب عمر وارتداه تأنقًا وشيئًا جميلًا، فرآه النبي وقال له: ما هذا يا عمر، أترتدي الحرير؟ فقال له: ألست أنت يا رسول الله الذي أهديتني إياه؟ قال له: أهديتك ولم أقل لك البسه، أي أنني أعطيتك إياه هدية.
فأهداه عمر لأخيه المشرك، حيث كان لدى عمر أخ مشرك، فقال له: خذ هذا الثوب هدية لك. وهو مشرك؟ نعم، كانت هناك علاقات بينه وبين المشرك، كانت هناك علاقات، وكانت هذه العلاقات مهمة وقائمة ويقرها الإسلام.
تأمين النبي لصفوان وخلع عمامته الشريفة علامة على الأمان
والحاصل أن الإسلام فعل هكذا، جاءه عمير قائلًا: يا سيدي يا رسول الله، هب لي صفوان وأمِّنه. فقال: أمَّنتُه. كان بسهولة هكذا، لا يوجد أخذ وردّ ولا انتقام ولا أعرف ماذا.
هذا هو الذي بنى الدنيا: التسامح والمحبة والانفتاح والعفو والتجاوز.
﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [البقرة: 109-110]
هذا ما عليكم أن تفعلوه.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: 110]
افعلوا الخير لعلكم تفلحون. لا تجلس لتحاسب الناس على أمور أنت لا تعرفها.
عفو النبي يوم الفتح عن أهل مكة وبداية عصر جديد من التسامح
ونقول هكذا يغضبون؟ لا، نريد الانتقام. انتقام ممن؟ افعل مثلما فعل سيدنا [رسول الله ﷺ]:
قال النبي ﷺ: «ماذا تظنون أني فاعل بكم؟»
قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.
قال ﷺ: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»
وانتهت القصة، وبدأنا عصرًا جديدًا.
من كلمة "هب لي صفوان يا رسول الله"، وهبته لك، أمِّنه، أمَّنتُه. وخلع [النبي ﷺ] عمامته الشريفة وأعطاها لعمير؛ حتى إذا ما لاقى صفوان يعرفها. كانت علامة هكذا عند العرب أنك عندما تأتي بعمامته فهذا يعني أنه في أمان لا يُمس، [أي] لن يفعل لي شيئًا.
لحاق عمير بصفوان في جدة وإبلاغه بأمان النبي له
فأخذها عمير وجرى مشوارًا وراء مَن؟ صفوان، قبل أن يصل إلى جدة لكي يركب السفينة. طبعًا هذه السفينة يعني سينتظر في جدة يومين أو ثلاثة أو أربعة، فيكون ماذا؟ عمير وصل إليه.
فوصل إليه وقال له: النبي أمّنك. قال له: أمعقول؟ قل كلامًا آخر. قال: نعم والله، والعمامة التي له ها هي، هذه عمامته. صحيح، معروفة.
وصف عمامة النبي صلى الله عليه وسلم وشبهها بعمائم الأفغان والسودانيين
كانت عمامة النبي ﷺ سبعة أمتار، تبدو أقرب ما تكون إلى عمامة إخواننا السودانيين، تجدها ذات لفّات عديدة هكذا. وأقرب شيء إلى عمامة سيدنا النبي هي عمامة الأفغان، انتبهوا إلى عمامة الأفغان، فهذه كانت عمامة سيدنا النبي.
نعم، تجدها بالفعل حوالي خمسة ستة سبعة متر، ويرتديها كبيرة هكذا، ويجعل العَذَبة إلى نصف ظهره تقريبًا. الأفغان حتى اليوم يصنعون العَذَبة، أما السودانيون فلا يصنعون هذه الهيئة التي للعمامة. هذه العمامة هي التي للنبي ﷺ.
خلع النبي عمامته لتأمين صفوان وأهمية سماحة النبي في دخول الناس الإسلام
خلع النبي عمامته، ما هذه الحلاوة! حسنًا، افترض أنه أضاعها، فلنحضر عمامة أخرى يا أخي، لكن المهم اجعل الرجل يأمن.
افترض أنه لم يسلم، لم يسلم، لم يسلم، ها نحن قد فعلنا معه خيرًا. وسنخرجه من بلده هكذا؟ إذن ما الفرق بيننا وبينه؟ دعنا نجد له حلًّا هنا أو نفعل شيئًا.
هذا هو ما جعل الناس تدخل الإسلام، وهو سماحة سيدنا النبي ﷺ.
إسلام صفوان بن أمية بعد سعة صدر النبي ومنحه مهلة أربعة أشهر
بعد الفاصل نرى ما الذي حدث مع عمير ومع صفوان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله. ذهب صفوان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه [النبي] الإسلام. قال [صفوان]: يا محمد، دعني شهرين أتدبر وأتفكر، فالإسلام في الحقيقة غير مستساغ لي.
أي انظر كيف، وانظر لسعة صدر النبي ﷺ! فقال: أربعة أشهر يا صفوان، نحن لسنا مستعجلين على شيء. أنت تريد شهرين، خذ أربعة أو خذ ما تريده، أربعة يا صفوان.
فأسلم صفوان، ولم يتأخر هكذا في التفكير ولا أربعة أشهر ولا غير ذلك، بل أسلم على الفور. أسلم صفوان وحسُن إسلامه. الاثنان اللذان كانا في ظل الكعبة يدبران لرسول الله الاغتيال، هذان الاثنان أسلما.
قصة فضالة الذي أراد اغتيال النبي أثناء الطواف فأسلم بلمسة منه
وربما كان هناك شخص آخر فعل [شيئًا مشابهًا]، كان يريد أن يغتال النبي وغير ذلك إلى آخره. كان اسمه فضالة.
وفضالة هذا، والنبي يطوف بالبيت [الحرام]، جاء ليتموضع بجانبه هكذا ومعه سيف يريد أن يضرب النبي. فنظر إليه النبي وقال له: كيف حالك يا فضالة؟ فقال له: أهلًا وسهلًا. فوضع [النبي ﷺ] يده على صدره، فقال [فضالة]: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
قال له [النبي ﷺ]: أتريد أن تقتلني يا فضالة؟ فقبل [ذلك] النبي صلى الله عليه وسلم مؤيدًا [من الله تعالى].
تدبير بني قينقاع للفتنة بين الأوس والخزرج بعد نصر بدر
بعد نصر بدر في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، دبّرت قريش عن طريق عمير بن وهب اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم. وفي نفس الوقت دبّرت بنو قينقاع فتنة.
فكان هناك شخص اسمه شاس بن قيس، هذا يهودي من بني قينقاع. وبعد ذلك مرّ على الأوس والخزرج وهم فرحون جالسون يضحكون ويتذكرون يوم بدر وما حدث فيه وكيف نصرنا الله، وهكذا كانوا يتحدثون معًا.
فاغتاظ [شاس] وقال: ما هذا؟ لا، هكذا لا بقاء لنا في المدينة. وأحضر شابًّا يهوديًّا وقال له: اذهب واجلس معهم.
إثارة الفتنة بين الأوس والخزرج بتذكيرهم بيوم بعاث وخصوماتهم القديمة
تخاصم الأوس والخزرج خصومة شديدة في بُعاث [يوم حرب بين القبيلتين في الجاهلية]، وكادوا أن يُفنوا بعضهم بعضًا. ثم أصلح بينهم عبد الله بن أبيّ بن سلول الذي كان سيصبح ملكهم.
وعندما جاء النبي ﷺ [إلى المدينة]، غضب عبد الله، وصار من المنافقين حتى هلك ومات. أما سيدنا النبي فقد وحّد بين قلوبهم، فأصبحوا إخوانًا على سُرُر متقابلين، الحمد لله.
فقال لهم [الشاب اليهودي]: هل في أحد منكم يتذكر الشعر الذي قاله إخواننا الأوس يا جماعة؟ ماذا كنتم تقولون؟ ويذكر لهم بيتًا يشتمون فيه الخزرج. ثم يقول: لكنكم لم تسكتوا، أنتم أيضًا رددتم. ماذا كنتم تقولون؟
فقالوا: كنا نقول كذا وكذا وكذا. قال: لكنكم رددتم عليهم. الحقيقة يجب أنتم! أنتم أهنتموهم. فقالوا: نعم، لقد قلنا كذا. قالوا: كان بينكم شخص يقول هكذا الكلام، يا سلام! قال كذا. فقالوا: نعم، لكننا رددنا كذا. قالوا: أنت تشتمني وتشتم أبي. فقال له: لا، أنت الذي تشتم أبي. فثار الأوس والخزرج مع بعضهم مرة أخرى.
استفزازات يهود بني قينقاع المتواصلة للمسلمين في المدينة بالديون والمطالبات
كان يهود بنو قينقاع يفعلون هذا الأمر منذ وصول النبي ﷺ [إلى المدينة]. فيأتون إليه [إلى المسلم] قائلين: أين الدين الذي عليك؟ فيرد عليهم: نعم، لقد حان موعده، وسنؤديه بعد ثلاثة أشهر في موسم البلح أو في موسم القمح أو موسم [آخر]. فيقول له: لا، أريده الآن. فيجيبه: حسنًا، لكن أعطني فرصة فقط. نحن غير متفقين، لكنني أريد الآن.
جاء إليه في اليوم التالي يقول له: هل أحضرت؟ فقال له: لا، إنني أقول لك ليس معي. فقال له: لا، لكنني أريد الآن.
حسنًا، أقول لك: أعطني ولدًا من أولادك وأعطيك ولدًا من أولادي. لماذا؟ ما يقول [أي يكون] رهنٌ عندي يا أخي. تقول له: لا، هذا عار أن أعطيك واحدًا من أبنائي وأنا مستدين منك، يعني هذا لا يصح يا أخي.
ثم يأتي في اليوم التالي أو اليوم الثالث: حسنًا، أعطني واحدة من نسائك، أختك أو زوجتك أو أمك. فيقول له: يا أخي، هذا عيب، لا يصح. هذا استفزاز يومي!
رفض اليهود سداد الديون للمسلمين بحجة تغيير دينهم واستفزازهم المتواصل
وإن كان لي أنا دَيْنٌ عند يهودي، فذهبت إليه وقلت: لو سمحت، الدَّيْنُ حَلَّ. فقال: أيُّ دَيْن حَلَّ يا سيدي؟ أنا أعطيتُكَ إياه وأنتَ كنتَ تعبدُ الأوثان، أما اليوم فأنتَ تعبدُ الله الواحد القهار، ليس لك عندي شيء.
لقد غيَّرتَ دينك! ذاك كان فلانٌ الوثني، وأنتَ لستَ فلانًا الوثني، فكيف أعطيك الدَّيْنَ إذن؟
يا إخواننا، فقط احضروا يا جماعة، تعال يا يهودي، تعالوا اشهدوا، إنه يريد أن يأخذ مني الدين الذي في ذمتي بالرغم من أنه أسلم. أهذا كلام يرضي ربنا؟ استفزاز طوال الليل والنهار، والنبي صابر، والمسلمون صابرون، وأطالوا بالهم وموسّعون صدورهم ومتحملون هذا البلاء.
استفزاز اليهود للنبي بقولهم السام عليك وصبره عليه الصلاة والسلام
استفزاز! يمشون هكذا فيجدون النبي جالسًا مع اثنين أو ثلاثة من أصحابه، [فيقولون]: السامُ عليك يا محمد، ويشير لهم بيده هكذا. السام عليك، يعني الهلاك عليك يا محمد.
فيقوم النبي ﷺ ويقول لهم: وعليكم - عليه الصلاة والسلام - ويصبر ويطيل باله.
كل يوم، انتبهوا! نحن مهاجرون متى؟ في ربيع [الأول]. الثاني عشر ربيع وصل سيدنا [النبي ﷺ إلى المدينة]. ها هي سنة: وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان - الذي تحولت فيه القبلة - إنها ثمانية عشر شهرًا. لقد أصبحنا في التسعة عشر شهرًا، كل يوم في هذه التسعة عشر شهرًا كان نكدًا.
سبب طرد النبي لبني قينقاع وصبره تسعة عشر شهرًا على أذاهم
فقط لكي يفهم الناس: عندما تقرأ الحادثة أن النبي طرد بني قينقاع، ماذا يعني هذا؟ أهذا جبار؟ لا، ليس جبارًا. لا، ليس جبارًا. إنه حبيبي، إنه عطوف.
إنه تسعة عشر شهرًا كل يوم يضايقونك أنت وأتباعك، وأنت تضبط الذين معك وتقول لهم: لا يهم، حسنًا فلنوسّع صدورنا، حسنًا فلنصبر، حسنًا لا يهم هذه المرة، حسنًا لا يهم هذه المرة.
ضاق بهم الحال يا إخواننا. اقرأ السيرة، اقرأ السيرة، هذه السيرة فيها أشياء عجيبة. في سورة آل عمران يا جماعة ذكر المفسرون مضايقات كثيرة جدًّا. أنا أعطيك مثالًا واحدًا فقط لضيق الوقت: عشرات من المضايقات ضايقت المسلمين حتى خنقتهم.
تدخل النبي لحل فتنة شاس اليهودي بين الأوس والخزرج وتحذيره من الجاهلية
وجاءت هذه الفتنة [التي أثارها شاس بن قيس]، فقام النبي عليه الصلاة والسلام وحلّ المشكلة وقال لهم: يا جماعة، أتفعلون هذا وأنا بينكم؟ فكفّوا ولا تفعلوا هكذا. أتريدونها جاهلية؟ يعني جاهلية!
aحذروا أن تفعلوه هكذا. دائمًا التفّوا واحتضنوا بعضكم بعضًا. وانتهت الفتنة التي أثارها شاس اليهودي، شاس هذا هو ابن قيس.
محاصرة النبي لبني قينقاع بسبب مخالفتهم لصحيفة المدينة وتهديدهم للأمن
النبي عليه الصلاة والسلام قال هكذا: لا يجوز أن تصل الأمور إلى أن نحمل السلاح على بعضنا. لا يجوز هكذا. أنتم بهذا خالفتم صحيفة المدينة.
أليس مرةً أو مرتين، أو خطأ أو خطأين؟ هذا أصبح خطة لا يوجد فيها عهد ولا ذمة ولا أدب ولا أي شيء.
ولذلك حرّك الجيش إلى حيّ بني قينقاع. هؤلاء كانوا أخطر اليهود؛ لأن عندهم سلاحًا أكثر من غيرهم، عندهم سبعمائة مقاتل وهم موجودون في قلب المدينة، مما يعني فتنة داخلك [داخل المدينة]، ليس هناك مفرّ.
حصار بني قينقاع خمسة عشر يومًا واستسلامهم وطردهم إلى أذرعات بالشام
ذهب [النبي ﷺ] وحاصرهم، وحاصر القلعة التي لهم خمسة عشر يومًا. متى فعل ذلك؟ في يوم الخامس عشر من شوال، أي بعدما رجع بحوالي أسبوعين أو ثلاثة، بعدما رجع من ماذا؟ من بدر بأسبوعين أو ثلاثة.
حرّك الجيش وأحاط بهم، وعرف أن هناك اتفاقات: أولًا لاغتياله، وثانيًا للفتنة بين المسلمين. فبادر بمحاصرة بني قينقاع، فاستسلموا.
وأخذ سلاحهم وأموالهم وطردهم خارج المدينة، فذهبوا إلى قرية في الشام اسمها أذرعات - التي يذكرونها في النحو. فأذرعات هذه، نعم، أذرعات قرية، هي التي ذكرها ابن مالك [في ألفيته]، وهي التي نزل فيها بنو قينقاع.
وبذلك انتهت فتنة بني قينقاع هؤلاء، وانتهينا منها، وهجرتهم إلى الشام بحكم قضائي.
طرد بني قينقاع كان حكمًا قضائيًا عادلًا لمخالفتهم القانون والدستور
بحكم قضائي، يعني أن هذا حكم قضائي وليس افتراءً على خلق الله. إنه مخالفة للقانون والدستور وأمن البلاد، مما جعلهم يستحقون هذا الحكم.
حكم مثل حكم النفي.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
