السيرة النبوية - الحلقة التاسعة والعشرون - السيرة, سيدنا محمد

السيرة النبوية - الحلقة التاسعة والعشرون

19 دقيقة
  • في السنة الحادية عشرة للنبوة عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على قبائل عديدة، منها بنو حنيفة الذين أساؤوا الرد عليه.
  • ظهر بحيرة بن فراس من قبيلة عامر بن صعصعة الذي تعامل مع الدعوة من منطلق المصلحة السياسية، مشترطاً أن يكون الأمر له بعد النبي.
  • أوضح النبي أن الأمر لله، مبيناً الفرق بين دائرة السياسة ودائرة الدين، وأن دعوته دينية لا سياسية.
  • ضماد الأزدي، وهو طبيب يعالج من الجنون، جاء ليعالج النبي بعدما سمع أنه مجنون، لكنه عندما سمع كلامه أدرك أنه ليس بكلام مجنون ولا كهان ولا سحرة، فأسلم.
  • طفيل بن عمرو الدوسي، وهو من كبار النقاد والأدباء، وضع القطن في أذنيه ليمنع نفسه من سماع كلام النبي، لكنه سمع القرآن رغم ذلك وتأثر به وأسلم.
  • كلام النبي كان يؤثر في الناس لأنه أكبر مما في النفس، وكلما قرأه الإنسان اتضحت له معانٍ جديدة.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

مقدمة الدرس والصلاة على النبي ودراسة السيرة النبوية الشريفة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع أنوار الحبيب المصطفى والشفيع المجتبى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نعيش هذه اللحظات مع سيرته الشريفة المنيفة التي تحتاج منا إلى دراسة واعية، نقف فيها عند مواقفه ونرى كيف كان يعامل هذا الكون، يعامل الإنسان، ويعامل قبله الرحمن سبحانه وتعالى.

السيرة كنز لا يفنى، عسى أن تنال بركته في الدنيا وشفاعته في الآخرة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

عرض النبي الإسلام على القبائل في السنة الحادية عشرة من النبوة

في السنة الحادية عشرة من النبوة، عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام على القبائل، والإمام الزهري يعدد هذه القبائل التي عرض عليها الإسلام وهي كثيرة، وأغلبها لم يصدق برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان من هذه القبائل بنو حنيفة، وكانوا أشد الناس سوءًا في الرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبنو حنيفة ذهب إليهم [النبي صلى الله عليه وسلم] في منازلهم.

وكان أيضًا من القبائل التي عرض عليها الإسلام بني عامر بن صعصعة.

بحيرة بن فراس يفاوض النبي على الإسلام مقابل السلطة والمصلحة

وَلَدٌ ذكي اسمه بحيرة بن فراس [من بني عامر بن صعصعة]، عندما سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان تفكيره مبنيًا على المصلحة لا المبادئ ولا العقيدة ولا الحقيقة، المصلحة.

فقال له: والله يا محمد، لو اتبعناك لأكلنا بك العرب. المصلحة: لو اتبعناك لأكلنا بك العرب، فإذا اتبعناك ونصرناك يكون الأمر من بعدك لنا.

أي يعني مفاوضة سياسية راقية، دائرة السياسة ودائرة الدين. [فالنبي صلى الله عليه وسلم] أنا آتٍ لأدعوك إلى الله حتى أخرجك من ضيق الشرك إلى سعة التوحيد، ومن ظلم الدنيا وظلمتها إلى نور الآخرة. مالك بعدي أم ليس بعدي؟

رد النبي على بحيرة بن فراس بأن الأمر لله وعدم الخلط بين الدين والسياسة

فقال له [بحيرة بن فراس]: فتجعل لنا الأمر بعدك؟ يكون الأمر لنا بعدك. فقال له [النبي صلى الله عليه وسلم]: الأمر لله.

لِمَ الخلط بين دائرة السياسة ودائرة الدين؟ السياسة مكانها سياسة، ونتعامل فيها بسياسة جيدة، ونرى ما الأمر، ونتفاوض. لكنني لم آتِ إليكم الآن للسياسة، أنا أتيتكم للدين. أنت على حال وأريد أن أجعلك على حال آخر.

فقال له [بحيرة]: إذن لا حاجة لنا بك، نقاتل معك ونمكّن لك، ثم تجعل الأمر من بعدك لغيرنا؟ هذا لا ينفع في المصالح، لا ينفع.

الفرق بين منطق المصالح السياسية ومنطق العطاء في الدين

صحيح هكذا سياسيًا، لا ينفع. يجب عليّ أن أعطي وآخذ، والمصالح أخذ ورد. العدل هكذا، عندما نفعل شيئًا مع أمريكا نعطيها ونأخذ منها.

لكن أن نعطيك ولا نأخذ شيئًا؟ هكذا الدين فيه أنك تعطي ولا تريد منه جزاءً ولا شكورًا، لا تسأله عن ذلك أجرًا، تعطي فقط، حب في حب.

هكذا، أما إذا كنت تريد أن تعطي وتأخذ فحسن، لكن هذه دائرة أخرى. فنحن ماذا نفعل الآن؟ لا تختلطوا، هذه دائرة وتلك دائرة أخرى.

رفض بني عامر للإسلام لأنهم أرادوا المصلحة لا الحق

فقالوا له [للنبي صلى الله عليه وسلم]: لا حاجة لنا بك. صحيح هكذا، أي أنه [بحيرة بن فراس] لن يقول إنه لا إله إلا الله ومحمد رسول الله لأن هذا هو الحق، بل سيقوله لكي يأكل به العرب ثم يأكل به العالم، بشرط أن يكون الأمر سياسة.

وهو [النبي صلى الله عليه وسلم] ليس يلعب السياسة صلى الله عليه وسلم، بل يُبلِّغ دينًا.

نعم، فالرجل الذي اسمه بحيرة ابن فراس هذا كشف لنا عن شيء مهم جدًا، وهو [الفرق بين] دائرة السياسة الحزبية هذه والملك وما شابه ولا أعرف ماذا والنقابات، وما بين الدين الذي هو في لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفيه أحكام وفيه عطاء، تعطي حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، قم تكون من أهل ظل عرش الرحمن.

نصيحة حكيم بني عامر لقومه بالإسلام وتأسفه على تفويت الفرصة

حسنًا، عندما رجعوا [بنو عامر بن صعصعة] إلى كبيرهم، ذهبوا إلى قبيلتهم بني عمرو بن ضماد. عندما وصلوا، ذهبوا إلى حكيمهم وهو رجل كبير في السن، لم تذكر الكتب اسمه.

فعرضوا عليه الحال وقالوا له: ماذا نفعل؟ فقال لهم: لا شيء، كان ينبغي أن تُسلِموا، فهذا [الإسلام] لا يُعَوَّض. وقصة بعدك وليس بعدك تأتي لاحقًا.

فهو أيضًا كان يمارس السياسة لكن بشكل دقيق نوعًا ما، كان يمارس السياسة أيضًا. وقال لهم: الله، انتظروا، ادخلوا الإسلام وكل شيء، وكلوا به العرب، وبعد ذلك سيحلها الله. وتأسف كثيرًا عليهم لأنهم لم يدخلوا الإسلام.

ضرورة فهم السيرة بعمق والتفريق بين الدين والسياسة

لكن أيضًا أنت عندما تقرأ السيرة يجب أن تضع عينك على مثل هذه الأمور وتفهمها بعمق. انظر كيف أن هؤلاء الناس يمارسون السياسة، وسيدنا [النبي صلى الله عليه وسلم] يقول إن الدين لا يُلعب به، هذا لعب.

وإذا أردت أن تمارس السياسة فمارسها، ولكن بقواعدها، ولا تقحم الدين فيها.

قصة ضماد الأزدي الذي جاء مكة وسمع عن النبي أنه مجنون

نعم، سيدنا [النبي صلى الله عليه وسلم] أيضًا في السنة الحادية عشرة أخبرنا أنه دعا القبائل ودعا الأفراد. فمن ضمن الأفراد كان رجل اسمه ضماد، وهذا ضِمَادُ الأَزْدِيُّ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ.

فَضِمَادٌ لَمَّا جَاءَ مَكَّةَ سَمِعَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: نُحَذِّرُكَ. فَقَالَ لَهُمْ: تُحَذِّرُونَنِي مِنْ مَاذَا؟ قَالُوا لَهُ: إِنَّ هُنَاكَ رَجُلًا ظَهَرَ بَيْنَنَا مَجْنُونًا يُدْعَى مُحَمَّدًا، يَدْعُو إِلَى شَيْءٍ، وَيَقُولُ إِنَّهُ نَبِيٌّ وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، لَا نَدْرِي مَاذَا، فَعَلَيْكَ أَنْ تَحْذَرَ مِنْهُ.

قَالَ لَهُمْ: طيبٌ، حاضرٌ، خلاصٌ. لقد حذَّرنا من شخصٍ اسمه محمد، تقول عنه أنه مجنون. قال: نعم، إنه مجنون. سنرى الآن ما هي قصة ضماد مع سيدنا النبي بعد قليلٍ، والله أعلم.

ضماد الأزدي الطبيب يذهب إلى النبي ليعالجه من الجنون المزعوم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.

ضماد الأزدي عندما جاء وقالوا له: هذا النبي أو محمد مجنون. والرجل [ضماد] طبيب يعالج من الجنون، يجلس المرء أمامه ويأتي ليراه ويعالجه لأنه طبيب.

الطبيب دائمًا، الطبيب الأصيل يعني، يكون محبًا لتقديم خدمته للناس. فقال: الله، إنه مجنون، فلنجلس معه ونقدم له بعض الأشياء التي أعرفها، عسى الله أن يعفو عنه ويخلصه من هذا الجنون.

فذهب واحتك به [بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم] وقال له: يا محمد، يعني سمعت أنك بصحة جيدة قليلًا هكذا، فلماذا لا تأتي وأنا عندي علاج؟ قال له: حسنًا، اجلس.

خطبة النبي لضماد وطلبه إعادتها ثلاث مرات لبلاغتها

نعم، اجلس.

«إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»

قال له [ضماد]: نعم، أعد عليّ ما قلت. فأعادها عليه [النبي صلى الله عليه وسلم]. فقال: نعم، أعد عليّ ما قلت. فأعادها عليه ثلاثًا.

قال: يا محمد، سمعت كلام الكهان وهذا ليس بكلام الكهان، وكلام المشعوذين والسحرة وهذا ليس بكلام المشعوذين والسحر، وأعلم الهذيان من صحيح الكلام وهذا ليس بهذيان يا محمد. إن هذا كلام فصيح، من أين أتيت به؟

إسلام ضماد الأزدي بعد سماع القرآن ومعرفته أن النبي ليس مجنوناً

فتلا عليه [النبي صلى الله عليه وسلم] القرآن، فقال له ضماد: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

وعرف أنه ليس لديه رقية النملة التي معه ولا غيرها، وأنه ليس فيه سحر ولا شيء. كانوا يسمون المجنون عنده ريح، نُخرِج الريح. هذه الريح التي يُسمّونها الآن الكيميائيات التي في المخ، أي أن المخ يحتوي على كيمياء، هذه الكيمياء اضطربت، نُعالج هذا الاضطراب نعدله، فيعود الشخص مرة أخرى سليمًا لا يصيبه شيء.

وقد كانوا يسمونها في ذلك الوقت الريح. فقال [ضماد]: أردتُ أن أُخرِج الريح منه، واتضح أنه عاقل وأنه نبي وأنه كذا.

إسلام ضماد لأنه عالم كما أسلم سحرة فرعون مع موسى لعلمهم

وضماد الطبيب أسلم. لماذا أسلم؟ لأنه عالم، والله ما هو يعرف. إنهم يعرفون.

مثل ماذا؟ مثل السحرة الذين كانوا مع موسى [عليه السلام]. لماذا أسلموا مع موسى؟ لأنهم علماء. قالوا: هذا ليس سحرًا، نحن العلماء أكثر دراية بالعلم في العالم وفي السحر، وهذا ليس سحرًا. وأيضًا ليس هناك شيء آخر شبيه بالسحر تفعل هكذا، فهذا من عند الله، فذهبوا وأسلموا.

فالحكاية أن العالِم أقرب الناس إلى الإيمان إذا أراد.

إسلام ضماد بسبب نيته الصالحة وأهمية العلم والنية في الهداية

وضماد لما أراد [الهداية] ولأنه دخل بنية ليس فيها تحدٍ ولا صدام ولا ما شابه ذلك، وإنما دخل بنية للإصلاح، ولأنه يعالج من ظنه كذلك [مجنونًا]، قوم أسلموا لأن الله هداهم.

فنحن نحتاج أمرين: العلم والصدق أو النية الصالحة، فيهديه الله على الدوام.

شخص ألّف ثلاث مجلدات [بعنوان] والطب محراب الإيمان. نعم، لماذا؟ كل الجسم البشري بأكمله يشهد أن لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.

الطفيل بن عمرو الدوسي الناقد الأديب وتحذير قريش له من النبي

من ضمن الأشخاص الذين تحدث إليهم سيدنا [النبي صلى الله عليه وسلم] في هذا الوقت وهذه السنة الحادية عشرة، ونحن ما زلنا في الحادية عشرة، كان الطفيل بن عمرو الدوسي.

كان مثل أن يكون من كبار النقاد والأدباء، وكان من أشهر النقاد الذين كانوا يُستدعون إلى الأسواق ليحكم بين الناس في الكلام. كان ناقدًا فنيًا وشاعرًا وأديبًا وخطيبًا وسيد قومه. وداوس هذه منطقة قريبة من اليمن.

فأول ما دخل مكة، وحسب العادة، ذهبوا إليه وقالوا له: هذا لدينا شخص مجنون ساحر وما إلى ذلك، لا أعرف ماذا، احذر من الاستماع إليه لئلا يكون كذا وكذا.

الطفيل يضع القطن في أذنيه لكن الله يريد له أن يسمع القرآن

فوضعت في أذنيَّ القطن، الذي هو مثل هذا القطن، وضعته في أذني هكذا حتى لا أسمع. وذهبت إلى الكعبة وجلست.

فأراد الله لي أن أسمع بالرغم من أن القطن - أتعجب أو هذا القطن ضَعْهُ في ماذا؟ في أذني، بعض الألياف هكذا. كيف أسمع؟ من المفترض أنني لا أسمع.

فجاء النبي [صلى الله عليه وسلم] ودخل في الصلاة، سمعَ [الطفيل]. والنبي لم يكن يرفع صوته على فكرة. نعم، ولكن مَن يريد الله له خيرًا وهداية، يوفقه.

فالمهم، الحاصل أن سيدنا النبي دخل وصلى، ولم يكن يجهر بصلاته ويصرخ وهكذا. وصاحبنا [الطفيل] جالس هكذا واضعًا أذنه في ماذا، في أي شيء [من القطن].

الطفيل يسمع القرآن ويحلله كناقد أدبي فيجده أكبر من التحليل

فسمع شيئًا فأراد الاستزادة. قال: ما هذا؟ والناقد يمسك النص ويحلله، جاء ليحلله فوجده أكبر منه.

وهكذا يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: يقول إن القرآن عجيب جدًا، عندما تأتي لتتكلم ونكتب كلامك، قم أنت وستجد نفسك تريد أن تضيف شيءٌ آخر. فدائمًا أنت تكون أكبر من كلامك، كلنا هكذا.

ولذلك تقول ماذا تعني وأنت تتحدث، فتقول له: أقصد يعني، وتجلس تفسر نفسك وتعيد وتزيد. القرآن مختلف عن ذلك، القرآن عكس كلام البشر، فإنه أكبر مما يخطر في بالك.

القرآن أكبر من كلام البشر وكل عالم يكتشف فيه معنى جديداً

هل أنت منتبه؟ هو وحده هكذا، ولو قرأناه جميعًا، كل واحد [يفهم] شيء آخر وكله صحيح. كيف ذلك؟

فمصطفى صادق الرافعي رحمه الله قال: هذا هو، هذا هو الأساس لإثبات أن هذا كلام الله وليس كلام البشر، أنه أكبر مما في النفس. وكل يوم يتضح لك معنى جديد، وكلما قرأت تجد الرازي يقول شيئًا آخر والقرطبي يقول شيئًا ثالثًا، وابن عطية رابعًا، والطاهر بن عاشور خامسًا، والشيخ محمد عبده سابعًا، وهكذا.

ما هذا؟ لماذا هكذا؟ قال: هذا عكس كلام البشر، كلام البشر يكون أقل من هذا [أقل مما في نفس صاحبه].

إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي بعد تحليله النقدي للقرآن والخاتمة

اذهب معه [الطفيل] إلى البيت وقال له [النبي صلى الله عليه وسلم]: تعال الآن. لقد نهوني عنك لكنني أريد أن أسمع منك. وجلس [الطفيل] يحلل القرآن نقديًا، فأسلم الطفيل بن عمرو الدوسي.

هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعاني في الدعوة إلى الله.

فاللهم صلِّ عليه، إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.