السيرة النبوية - الحلقة الثامنة عشر

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع أنوار الحبيب المصطفى النبي المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم نعيش هذه اللحظات نتبرك بذكره وذكر سيرته الشريفة المنيفة صلى الله عليه وسلم. أوحى الله إليه وهو في غار حراء وكانت أنواع الوحي. عند الجماهير سبعة وعند بعض السلف والخلف ثمانية، أولها
الرؤيا الصادقة. وكان سيدنا قد جاءته الرؤيا الصادقة لمدة ستة أشهر متتالية، ستة شهور في ثلاثين يوماً بمائة وثمانين يوماً، إلا مثلاً يومين أو ثلاثة لأن الشهر أحياناً يكون تسعة وعشرين يوماً. يعني مائة وسبعة وسبعين رؤيا على الأقل متصلة كلما يرى. رؤيا بالليل يجد برنامجها كله في النهار أي يحكي له ما حدث في اليوم ليثبت فؤاده صلى الله عليه وسلم، فهذا أوله. يكون أول نوع من أنواع الوحي للأنبياء إنما هو الرؤيا الصادقة. الرؤيا بالألف منامية التي في المنام، والرؤية
بالتاء المربوطة هكذا تكون البصرية، فتكون النقطة الأولى. واحدة من أشكال الوحي الرؤيا الصادقة، فهي نوع من أنواع الوحي. ثانياً أن يتمثل الملك له بشراً، فالملك يتمثل له في صورة بشرية كما حدث له في حراء، رأى شخصاً أمامه. كما حدث عندما جاء دحية الكلبي أو من تشبه بدحية. والأقرب أنه شبيه دحية الكلبي، وذلك حتى يعلّم المسلمين فسألهم: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ إلى آخره. ما
علامات الساعة؟ حديث قوي صدَّره مسلم في صدر صحيحه. جاء في صورة إنسان، قال: فدخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منا، وليس عليه أثر السفر. من هو؟ لا يعرفه أحد منا، يعني غريب، يعني... مسافر لكن هذا لم يؤثر عليه السفر، حتى في النهاية قال: "أتدرون من هذا؟" قالوا: "لا يا رسول الله"، قال: "هذا جبريل جاءكم ليعلمكم أمر دينكم". فتكون إذاً هذه الطريقة الثانية، والطريقة الثالثة أنه يكون أيضاً عن طريق الملك ولكن على هيئته الخِلقية، هيئة الملك الأصلية، وهذا رآه في. حراء كان يسد
بين الأفق ورآه مرتين بعد ذلك. رأى الملَك على هيئته الأصلية، وليس متشكلاً في صورة إنسان، بل على هيئته الأصلية، فرأى أجنحته ستمائة جناح تسد ما بين المشرق والمغرب. لم يستطع أن يرى نهايتها، فنظر هكذا في السماء هنا ليجد الأجنحة واصلة إلى هناك، وينظر شمالاً فيجد حتى هناك شيءٌ ضخمٌ حجب السماء، أصبح هكذا، رأى جزءاً منه، نعم هكذا يرى جزءاً منه، فإذا هو يكلمه. ولذلك قال أهل الله: لا يجوز لأحدٍ أن يدّعي أنه رأى الملَك على صورته فكلمه، لماذا؟
لأن هذا معدود من أنواع الوحي، هل انتبهت؟ معدود من أنواع الوحي. أما الصحابة ترى... جبريل في هيئة دحية الكلبي أو الصحابة يرون الثلاثة آلاف المرتدين الأثواب والخمسة آلاف المسوّرين هكذا، هذا لا إشكال فيه، لا مشكلة، لكنهم يرونه على هيئته وليس في هيئة أخرى، ويسمعون كلامه. لا يمكن، ولكن يمكن للمؤمنين أن يسمعوا أصوات الملائكة لكن لا يرونهم، مثل عبّاد مثل عمران بن حصين كان يسمع سلام الملائكة أخرجه البخاري، فعندما كان عمران بن حصين يسمع سلام الملائكة، كانت عنده حاجة تحتاج إلى علاج، فاكتوى، فتوقفت الملائكة عن
السلام عليه، فتوقف عن الكي. اعتبر أن الكي من الاعتماد على غير الله في العلاج فتوقف، فعادت الملائكة مرة أخرى تسلم عليه. والله! وعمران بن حصين يعني يسمع الملائكة، من أولياء الله الصالحين يسمعون فلو جاء ولياً أو أي شخص، وبعد ذلك قال لنا: "لا والله، إنني رأيته وسمعته". نقول له: "لا، لقد رأيت الشيطان، إياك أن تقول هكذا". لا يصح أن نجتمع بالرؤية الحقيقية التي هي على صورته الحقيقية وما بين السمع، لا يصح. لقد انتهى هذا ورُفع من الأرض بالنبي صلى الله عليه وسلم ختم النبوة. وكان يحصل له صلصلة الجرس، وصلصلة
الجرس هذه شيء غريب، وهي أشد أنواع الوحي على رسول الله، وكانت عندما تحصل له يعرق في الجو البارد، وعندما يكون على الإبل تبرك الإبل، وعندما كان فخذه الشريف على فخذ الصحابي كاد أن يخلعه، يعني إذا هذا... أيضاً يحدث ثقل في الجسم، وعليك أن تلاحظ أن الجمل - سيدنا راكبه - فنزل عليه الوحي؟ الجمل لا يستطيع أن يتحمل إذا زاد الوزن، فيعني كتر خير، هذا الجسد يتحمل كل ذلك. يأتي الوحي على هيئة صلصلة الجرس وهي
أشدها عليه. كان الملك يتصل بالجسم الشريف بشيء ما لا نعرفه، لا نعرف ماهيته إذاً، هل يدخل فيه؟ هل يتحد معه؟ هل لا نعرف؟ ولكنه يسمعه في صدره، فإذا انفصل عنه وذهب، فإذ به يحفظ ما قاله له وما طُبع في قلبه لا ينساه، فإذا قرأناه فاتبع القرآن، ثم إن علينا بيانه الخامس هو الوحي، يبقى جالساً ولا يحدث ذلك الاتصال الشديد. الذي نحن لا نعرف كنهه ماذا هو، الذي هو صلصلة الجرس، اسمه هكذا "صلصلة الجرس". بل يحدث نفث في الروح، يعني تحدث رسائل،
فإن روح القدس نفث في روحي. فيوحي، يسمونها النفث في الروح. نفث في روحه، ماذا يعني؟ يعني أوحى إليه. وأيضاً بنفس الطريقة الصلصلة فيها نوع من الاتصال الشديد لكن النفث من بعيد لبعيد، فنحن لدينا المنام. قلنا خمسة إلى الآن، والآن لدينا المنام، ولدينا تمثُّل أو ظهور الملَك على هيئته، وظهور الملك على هيئة رجل النفث في الروع، ولدينا صلصلة الجرس. أنواع الوحي ما بعد هذا أن الله سبحانه وتعالى يكلمه بالوحي، أيضاً الله يلقي
عليه الوحي. ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. تحدثنا عن أنواع الوحي وقلنا إنها سبعة عند الجماهير وثمانية اختلف فيها السلف. والاختلاف الثامن، أي ما اختلف فيه السلف والخلف، فتحدثنا حتى نؤكد على أن الرؤيا السابقة من الوحي، وأنه قد يرى الملك عيانًا على صورته الحقيقية،
وقد يرى الملك على هيئة رجل، وقد يُلقي الملك في روعه، وقد يتصل به اتصالًا شديدًا فيما يُسمى بصلصلة الجرس، وكانت أشد شيء على رسول يتصبب عرقاً وكان يدخل في معاناة، وكان إذا كان راكباً للجمل برك الجمل، وهكذا. السادس: أن الله سبحانه وتعالى يوحي إليه مثل نفث الروح لكن جاء من الله مباشرة. السابع: أن الله سبحانه وتعالى يكلمه من وراء حجاب كما هي موجودة في الآية، وهذا شأن موسى، فسيدنا موسى كلمه. الله من وراء
حجاب حتى قال الله وكلم الله موسى تكليماً، يعني تكليماً حقيقياً. فكذلك كلم النبي صلى الله عليه وسلم في حالة ثانية، وهذه اختلف فيها السلف والخلف منذ عهد الصحابة، أنه كلمه كفاحاً سبحانه وتعالى، يعني رأى الله وكلمه الله بلا حجاب. إذا ثبت هذا تكون هذه. ميزة لنبينا من دون الخلق، لكن بعض الصحابة أنكرت وبعض الصحابة أثبتت، وحتى حملوا عليه. ثم رآه نزلة أخرى عند سيدنا الذي رأى. ورأى من؟ وهل يجوز لبشر أن يرى الله في الحياة الدنيا؟
سنراه يوم القيامة بلا شك إن شاء الله. "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة". وإذا... ما كان قد رآه فكلمه رآه بعين رأسه أم رآه بهذا الوجه أو بالنفس أو بالروح، كيف كان، المهم هذا محل خلاف كبير بين الصحابة حتى قالت عائشة: "من ادعى أن محمداً رأى ربه فقد كذب"، ولكنه خلاف، هناك كثير من الصحابة يؤكدون ذلك وكثير من الصحابة ينكرونه. وهكذا السلف وهكذا الخلف ليوم الناس هذا، أن فيها أي خلاف الذين يحبون سيدنا كثيراً نعم هكذا يعني لأجل أن يكون مميزاً له يعني صلى الله عليه وسلم، لكن سيدنا ليس في حاجة إلى مزايا، وأي
مزاياه لا تعد ولا تحصى. ولا نهاية لها، فيفعل هذا ماذا؟ ليس موضعاً نقف عنده كثيراً لأنه فعلاً محل خلاف بين الأئمة الأعلام وبين الصحابة وبين السلف وبين الخلف. فهذه هي الثمانية التي يتحدث عنها العلماء في كتب العقيدة من أنواع الوحي، وكلها ملخصة في الاتصال أن الله جل جلاله إما بنفسه أو برسوله، إما... مباشرة أو بغير مباشرة إما بحجاب أو بدون حجاب بين النبي وبين الملك، اتصل بهذا البشر، وهذا الاتصال فيه علو مقام وفيه تهيؤ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في بني ساعدة تكلمنا عنه أنه قد شُقَّ صدره ومُلئ حكمة ونُزع منه نصيب الشيطان من الرحمة
لأنه كان رحيماً بالخلق. سيرحم إبليس هكذا، فذهبوا يزيلون له الجزء الخاص بإبليس حتى يبقى إبليس ملعوناً طوال العمر. فشق صدره هنا وشق صدره بعد ذلك مرتين، أي تهيئة لما سيحدث. فشق صدره قبل الإسراء حتى يتهيأ لهذا الموقف العظيم، لأنك كلما ارتفعت في السماء حدث ضغط على جسمك، حتى عندهم شيء يسمى... مرض الصندوق، مرض الصندوق أن تتعرق دماً، تتعرق دماً بضغط الهواء كلما ارتفعت في الهواء من غير بدلة الفضاء ولا من غير كذا ينزل دم منك، لأن الدم الذي لك الذي هو كأنه عرق سيخرج. فمرض الصندوق هذا يعني معناه أن جسم البشر لا يتحمل هذه الرحلة
إلا إذا أُعِدّ. وإلا إذا كان ذلك بإذن الله كن فيكون. ولذلك فالإسراء والمعراج كان بإذن الله وكان بعد التهيؤ، كما أن النبوة كانت بإذن الله وكانت بعد التهيؤ. النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه الوحي وقضى الدعوة في ثلاث وعشرين سنة مقسمة إلى قسمين: الدعوة في مكة والدعوة في المدينة في مكة ثلاث عشرة سنة وفي المدينة عشر سنوات. الثلاث عشرة سنة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ثلاث سنوات للدعوة السرية، وسبع سنوات للدعوة المحلية،
وثلاث سنوات للدعوة الإقليمية. نقدمها بمصطلحات عصرنا الحالي: ثلاثة وسبعة وثلاثة، ثلاثة أجزاء. ماذا كان في مكة إذاً؟ كان في مكة أعمال كبيرة جداً لأنها... مركز الديانة العربية لأن فيها الكعبة ولذلك هي مركز الديانة العربية، مركز الديانة. فتخيل الآن الذين بُعث في مركز الديانة، يعني في قلب المعارضة الأشداء. لم يُبعث في اليمن ولا في
كنعان ولا في أي مكان، بل بُعث في قلب الشرك، حيث ثلاثمائة وستون صنماً موجودون في الكعبة. وهذه الأصنام التي كان العرب ينفقون عليها من كهانة وسدانة وسقاية ورفادة وأنواع أخرى، فأصبحت ذات مكانة كبيرة. وكانت مكة هي قبلة العرب، ولذلك عندما جاء أبرهة الحبشي غضب، وأراد أن يهدم الكعبة حتى يزيل مركزية مكة، فلم يستطع، وقد دفع الله سبحانه وتعالى عن بيته، وإن كان المحيطون به هم المشركون فأرسل
النبي صلى الله عليه وسلم في وسط في مركز الدائرة لما اختاره، وقد صارت الجزيرة العربية صحراء جرداء. سليمان حزين رحمه الله عمل رسالة الدكتوراه الخاصة به، وكان من ضمنها فصل عن تأثير المناخ في بعثة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن من حكمة الله ومن إرهاصات النبوة أن كان الجو هكذا حاراً في هذه الديار وأن هذا قد دفع إلى ظهور النبوة. يعني عندما يأتي شخص ويقول لك: لماذا بالتحديد؟ يعني هناك أناس تسأل هكذا: لماذا
بالتحديد بُعث هنا؟ الذي بُعث هنا لأن مكة كانت مركز الشرك في العالم كله، فإذا نزل في مركز الشرك استطاع أن ينير الدنيا نزل لأن مكة كانت تتكلم اللغة العربية، واللغة العربية هي أقدر لغة على أداء ما هنالك وأداء معاني القرآن الكريم. نزل هنا لأن المناخ كان مناسباً، ولا بد من ظهور نبي في هذا المكان وأتم رسالته على هذا النحو. نزل هنا لأنها كانت بعيدة عن جحافل الجيوش التي كان يمكن أن تقضي عليها في لحظة. فارس والروم نزل هنا، وهكذا، يعني أسباب لنزول النبوة. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله. نستمر مع أنوار النبي المصطفى
والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم لنتعلم ولنتخذه أسوة حسنة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.