السيرة النبوية - الحلقة الثامنة والعشرون
- •وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى السنة الحادية عشرة من النبوة، بعد عودته من الطائف حيث رفضت ثقيف الإسلام.
- •اتصل النبي بالقبائل المختلفة كفزارة وكندة وغسان وعبس وبني حنيفة، وسافر إلى مضاربهم والتقى ببعضهم في مكة.
- •أسلم سويد بن صامت من يثرب بعد لقائه بالنبي، وعاد ليخبر قومه بظهور نبي، لكنه توفي في حرب بعاث قبل الهجرة بسنة أو سنتين.
- •وصل خبر النبي إلى أبي ذر الغفاري الذي أرسل أخاه للتحقق، فذهب أبو ذر بنفسه إلى مكة وأقام عند الكعبة أربعين يوماً يشرب من ماء زمزم.
- •ساعده علي بن أبي طالب في لقاء النبي سراً فأسلم، لكنه خالف أمر النبي بالكتمان وجهر بإسلامه عند الكعبة.
- •تعرض أبو ذر للضرب من قريش حتى أنقذه العباس بتحذيرهم من عواقب قتله.
- •رفض النبي تولية أبي ذر الإمارة لأنه ضعيف عليها، وأن هذا الأمر لا يُولى لمن طلبه.
مقدمة الدرس والوصول إلى أحداث السنة العاشرة من النبوة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع أنوار سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم نعيش هذه اللحظات، عسى أن تنالنا بركته في الدنيا وشفاعته في الآخرة.
وصلنا إلى السنة العاشرة وأتممناها، ورأينا النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الطائف كي يدعو ثقيفًا، ولكنهم أبَوْا أن يدخلوا في دين الله، ودخلوا بعد ذلك بمدة مديدة. ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة.
اتصال النبي بالقبائل المختلفة في السنة الحادية عشرة من النبوة
ودخلت سنة إحدى عشرة [من النبوة]، وفي سنة إحدى عشرة اتصل [النبي صلى الله عليه وسلم] بالقبائل والتقى بالوفود. إذن فقد سافر من مكة إلى مواطن القبائل المختلفة؛ منهم فزارة، ومنهم كندة، ومنهم غسان، ومنهم عَبس، ومنهم بنو حنيفة.
وبنو حنيفة مضاربهم قريبة من الرياض والقصيم، إذن فقد سافر - لأنه ذهب إلى بني حنيفة - إلى مضاربهم وإلى منازلهم. إذن، فرسول الله في هذه السنة سافر كثيرًا.
ومنهم من التقى به في مكة، إما في موسم الحج أو في بعض الأسواق وممرات التجارة إلى آخرها.
شدة رد بني حنيفة على النبي صلى الله عليه وسلم ولقاؤه بالأفراد
فكان [النبي صلى الله عليه وسلم] لا يجد قبيلة إلا وجلس مع أهلها، وكان أشد الناس ردًّا له بالرد القبيح هم بنو حنيفة قاتلهم الله حينئذٍ؛ لأنهم آذوا حبيبي صلى الله عليه وسلم.
ولم يقتصر اللقاء مع القبائل في منازلها أو مع الوفود في مكة، بل أيضًا تكلم مع الأفراد.
إسلام سويد بن صامت من يثرب ونشره خبر النبوة
ومن هؤلاء الأفراد سويد بن صامت، وسويد بن صامت من يثرب، من المدينة فيما بعد. وكان سويد بن صامت أديبًا شاعرًا نقّادًا.
وسويد رضي الله تعالى عنه جاء إلى مكة وجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه [النبي] إلى الإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقال [سويد]: والله إن هذا لخيرٌ، وإنها لدعوة خير. وأسلم سويد بن الصامت ورجع إلى المدينة وقال لأهله: إن نبيًّا قد ظهر في العرب، وإني قد آمنت به.
سويد رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان من أوائل من أسلم من المدينة المنورة فيما بعد.
وفاة سويد بن صامت في حرب بُعاث وفقه الدفاع عن الوطن
لكنه [سويد بن صامت] توفي في حرب بُعاث، وحرب بُعاث كانت في السنة الثانية عشرة من النبوة، أي قبيل الهجرة بسنة أو سنتين. توفي سويد بن الصامت وهو يدافع عن وطنه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ويُؤخذ من ذلك فقه وهو أن الإنسان في بلد غير مسلم يجوز له أن يدافع عن وطنه؛ فإن سويد بن الصامت دافع عن وطنه وهو على الإسلام، ومات في رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إسلام إياس بن أنس من الأوس ونشر خبر الإسلام في المدينة
جاء شاب غلام حدث، وكان من الأوس، وكانت الأوس أقل عددًا من الخزرج، إذ كان الخزرج كثيرين والأوس قليلين. وهذا الشاب هو إياس بن أنس، وكان ضمن وفد قد أتى من الأوس إلى مكة حتى يصنع تحالفًا بين قريش وبين الخزرج.
وهذا الغلام أسلم ثم رجع مسلمًا، لكنه ما لبث أن مات أيضًا في آخر السنة أو شيء من هذا.
سويد بن صامت وأنس بن معاذ أشاعوا خبر الإسلام [في المدينة وما حولها].
حرية العقيدة عند العرب وحقيقة حربهم للنبي دفاعًا عن مصالحهم
العرب حينئذٍ كانت عندهم عقائد حرية العقيدة، بمعنى لم يكن يهمهم أن تُسلم أو تُشرك أو تتهوّد أو تتنصّر، ليس عندهم مانع. إنما هم حاربوا النبي [صلى الله عليه وسلم]؛ لأنه جاء يدعو إلى العدل والقسط، وهذا يُضيع أوضاعهم القانونية ومصالحهم المادية التجارية.
فلم تكن حربهم حربًا على الدين ولا يهمهم الدين في شيء لا بالحق ولا بالباطل، بل كانت حربًا على المصالح الدنيوية.
لكن وجود النبي ودعوته إلى العدل الاجتماعي، ودعوته إلى العدل في القضاء، ودعوته إلى حرية الإنسان، وإلى التكافؤ والمكافأة، وإلى حرية وآدمية المرأة، كل ذلك كان ضد مصالحهم؛ لأنه يهدم هذه المصالح.
وصول خبر النبوة إلى قبيلة غفار وتفكّر أبي ذر الغفاري
سويد بن صامت أشاع الخبر [خبر النبوة]، فوصل الخبر إلى قبيلة بجوار المدينة، مرابضها بجوار المدينة المنورة، وهي مدينة غفار. ومن غفار سيدنا أبو ذر الغفاري فيما بعد.
كان أبو ذر مفكرًا يتأمل، فلما وصله الخبر أن نبيًّا قد خرج، أراد أن يعرف وأن يتعلم، فأرسل أخاه إلى مكة. فجاءها [أخو أبي ذر] والتقى النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع منه القرآن ودعوة الإسلام، وراقبه ورأى حاله.
عدم اكتفاء أبي ذر بوصف أخيه وشدّه الرحال إلى مكة بنفسه
ورجع [أخو أبي ذر] إلى أبي ذر يقول: والله يا أخي، إنه رجل يدعو إلى الخير ويكره الشر.
قال له [أبو ذر]: حسنًا، وبعد ذلك؟ هناك كثير من الناس يدعون إلى الخير ويكرهون الشر، فما الذي يميزه؟ يدعو إلى الخير وهو يكره الشر! هذه طبيعته هكذا.
قال أبو ذر له: لم تشفني [أي لم تُقنعني بما يكفي]. فشدّ رحاله وذهب كما ورد في البخاري إلى مكة.
مكوث أبي ذر أربعين يومًا عند زمزم لا يأكل سوى مائها
ونزل [أبو ذر بمكة] وقال: أريد أن ألقاه [النبي صلى الله عليه وسلم] سرًّا، أي دون أن يعلم أحد. فترصّده عند البيت الحرام أربعين يومًا، وجلس بجوار بئر زمزم، وفي زمزم جلس يشرب.
أربعين يومًا لا يأكل ولا يشرب سوى ماء زمزم. يقول [أبو ذر]: إلى أن نحفت هكذا وأصبحت جيدًا، أي أن جسمه أصبح صلبًا.
فوائد ماء زمزم الصحية وشهادة الأطباء والمحدثين بشفائها
وزمزم طعمة لمن طعم وسقية لمن سقى، وتستطيع أن تعيش عليها؛ لأنها يبدو أن فيها معادن تجعل هناك تلبية لحاجات الجسم، وتجعلك تعيش الأربعين يومًا بصحة جيدة.
ولذلك الأطباء في الطب القديم يقولون لك: امتنع عن الطعام أربعين يومًا واشرب ماء زمزم، وسوف تُشفى من كثير من الأدواء؛ فهي طعام طُعم وشفاء سُقم.
وبعض المحدثين فعل هذا، وقال: فوجدتها قد ذهبت بكثير من الأدواء ولم تذهب بأدواء أخرى، بمعنى أنها تنفع في بعض الأدواء ولا تنفع في بعضها الآخر، والله أعلم.
مراقبة سيدنا علي بن أبي طالب لأبي ذر الغفاري عند الكعبة
أبو ذر ترصّد [النبي صلى الله عليه وسلم عند الكعبة]، لكنه لا يعرف من هو محمد صلى الله عليه وسلم. لكن ربنا أرسل له سيدنا علي بن أبي طالب، فظل سيدنا علي يراقبه. وسنرى ما حدث أثناء مراقبة سيدنا علي لأبي ذر الغفاري بعد قليل، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله. تحدثنا قبل الفاصل عن سيدنا علي وأنه كان يراقب أبا ذر. راقبه اليوم والاثنين والثلاثة، وعرف أنه غريب وأنه كأنه يبحث عن شيء.
حوار سيدنا علي مع أبي ذر واكتشاف غرضه من القدوم إلى مكة
وبما عند سيدنا علي من شفافية، جاءه وقال سيدنا علي له: الرجل غريب؟ قال أبو ذر: نعم. قال: من أين؟ قال: من غفار. قال: اتبعني، وأخذه إلى البيت.
عندما أخذه إلى البيت، سيدنا علي في هذا الوقت قارب العشرين. أخذه إلى بيته، استضافه وبات عنده. وفي اليوم التالي مشى [أبو ذر] أيضًا وذهب وجلس عند الكعبة، ولم يرضَ أبو ذر أن يقول له [لعلي] ما الأمر.
فذهب علي بن أبي طالب إليه في اليوم التالي وقال: أما آن لأخينا أن يذكر منزله؟ أي منزل تريد؟ لِمَ أنت متحير؟
إفصاح أبي ذر عن غرضه واصطحاب علي له إلى النبي سرًّا
قال أبو ذر: أقول لك وتكتم خبري؟ قال [علي]: نعم، قل لي وأكتم خبرك. قال: جئت لرجل يدّعي أنه نبي. قال [علي]: إذن رشدت، يقصد إن الله قد قادك إليّ.
فاتبعني، فإذا رأيت ما أكرهه لك ذهبت إلى الحائط وكأني أصلح نعلي - وهي إشارة [متفق عليها بينهما] - تحركات الناس وهي تراقب، فيأتي المراقب إلى الحائط ويضع رجله هكذا كأنه يربط الحذاء.
يقول سيدنا علي: كأنني أصلح نعلي فتمر أنت، فلا يُعرف أنك تابعًا لي، ولا الرجل الذي أنا خائف عليك منه. فاتبعه أبو ذر على هذا.
إسلام أبي ذر الغفاري فور سماعه القرآن ودعوة الإسلام
فأوصله [علي بن أبي طالب] إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] ولم يشعر به أحد. فسمع [أبو ذر] منه القرآن، وسمع منه صلى الله عليه وسلم دعوة الإسلام، فأسلم مكانه - أي فورًا -.
لم يذهب ولم يقل له: أفكّر؛ لأنه مُفَكِّر ويحسن الفهم. أسلم فورًا رضي الله تعالى عنه.
وصية النبي لأبي ذر بكتمان إسلامه ورفض أبي ذر لذلك
والنبي صلى الله عليه وسلم شفيق بأمته رحيم بأتباعه، فقال:
«يا أبا ذر، اكتم هذا حتى إذا وصلت إلى قبيلتك فامكث، حتى إذا ما سمعت بظهورنا فأتنا»
الواحد منّا لو كان في مكان أبي ذر لظن أن النبي يأمره بذلك. لكن هؤلاء الناس كانت قلوبهم منيرة. فمثلًا لو أن النبي قال لي كذلك لقلت له: حاضر؛ لأن النبي الذي قال لي، كيف أعترض؟ سأذعن وأقول له: حاضر.
ولكن سيدنا أبو ذر لم يقل حاضر، بل قال له: والذي بعثك بالحق لأصرخنّ بها بجوار بيت الله الحرام! يا أخانا، لِمَ الدور [يقصد الاحتياط]؟
شخصية أبي ذر الثائرة ونبوءة النبي بأنه سيعيش ويموت وحيدًا
ارجع إلى بلدك واكتم الأمر، وعندما نظهر نحن تأتي بالقوة. وهذا هو الأصل؛ لأن الناس نفسيتها ضعيفة، على عكس نفسية سيدنا أبي ذر.
ولذلك سمّوه الثائر الحق، الذي هو سيدنا أبو ذر. كان ثائرًا، لم يكن يقبل الضيم، وله قصة طويلة في حياته. حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
«ستعيش وحيدًا وتموت وحيدًا وتُبعث يوم القيامة وحيدًا»
هذا الوحيد بمعنى ماذا؟ مثل الشخص المهم جدًّا (VIP)، يعني حالة خاصة بمفرده، شخص شديد الأهمية. هذا الوحيد لأنه شيء عظيم جدًّا يوم القيامة، فهذا ما جعلَ له مقصورةً منفردةً هكذا. يقول له [النبي صلى الله عليه وسلم]: تموت وحيدًا وتُبعث يوم القيامة وحيدًا.
تحقق نبوءة النبي في وفاة أبي ذر وحيدًا في الصحراء
وبالفعل عندما لم يُعطوا الخلافة لسيدنا علي، انحاز [أبو ذر] إلى سيدنا علي ضد معاوية. لم يُعجب معاوية ذلك، فذهب [أبو ذر] وتركه ومضى، ومات وحيدًا في الصحراء.
حتى قيل: من هذا؟ قال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فصدق فيه قول الرسول [صلى الله عليه وسلم].
فلم ينحَز إلى الباطل أبدًا، وكان وحيدًا في حياته، وحيدًا في مماته، حتى مات في الصحراء وحيدًا. إن شاء الله يكون في قبول الله له يوم القيامة.
جواز مخالفة وصية النبي إذا كانت على سبيل الرحمة لا الإلزام
سيدنا أبو ذر أسلم من مكانه (أي فورًا) وقال: والله والذي بعثك بالحق لأصرخنّ بها بجوار بيت الله.
إذن نستنتج من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يوصينا بشيء على سبيل الرحمة بنا وليس على سبيل الإلزام، فيمكن حينئذٍ أن يخالفه المرء.
لكن هنا المخالفة جاءت بزيادة التكليف ولم تأتِ بنقص التكليف، أي أنه [النبي] يقول له: اذهب سرًّا، فقال [أبو ذر]: بل سأذهب علانية وسأتحمل العواقب.
إعلان أبي ذر إسلامه جهرًا عند الكعبة وضرب قريش له
فخرج [أبو ذر] إلى الكعبة وقال: يا معشر قريش، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله بعلو صوته.
قالوا: ماذا يقول هذا الصابئ؟ قالوا: إنه أسلم. قال [أحدهم]: قوموا إليه فاضربوه، حتى لا ينفرط النظام العام لأهل الشرك. قوموا له فاضربوه.
فقاموا. قال [أبو ذر]: فضربوني ضرب موتٍ، أي يقصدون قتلي. فهناك نوع من الضرب للعقاب أو للمشاجرة، وهناك نوع آخر بهدف القتل. فضربوه ضربًا شديدًا.
تدخل العباس لإنقاذ أبي ذر بمخاطبة قريش بلغة المصالح
فيبدو أن سيدنا أبا ذر عندما شرب من ماء زمزم تقوّى وأصبح قويًّا وليس ضعيفًا، فقاومهم حتى جاء العباس وألقى بنفسه عليه وقال: يا معشر قريش، أين عقلكم؟ هذا من قبيلة غفار وهي تقع في طريقكم إلى الشام، والله لو قتلتموه ما تركوكم.
آه، يكلمهم بماذا؟ بالمصالح، باللغة التي يستخدمونها، بالمصالح وليس بالمبادئ. فلم يقل: لِمَ تقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ لكن لا، فهم لا علاقة لهم بقول ربي الله ولا غيره، إنما يعرفون فقط لغة المصالح.
أين المصالح؟ انتبهوا، لو قتلتم هذا الشخص فلن تكون هناك تجارة مرة أخرى، سيكون مصيركم الخراب. فتركوه على الفور؛ لأنهم يدركون أين مصالحهم.
إصرار أبي ذر على الجهر بإسلامه ثم عودته إلى غفار
ثم جاء [أبو ذر] في اليوم التالي ففعل مثلما فعل بالأمس - يبدو أنه مصمم، أي عنده إصرار -. فقاموا إليه فضربوه، لكن ليس ضربًا مميتًا كالسابق، بل ضربًا خفيفًا.
فجاء العباس ففعل مثلما فعل وقال لهم مثلما قال، فأجابوه بمثل ما أجابوه، أي تركوه في حاله.
أبو ذر شدّ رحاله وذهب إلى غفار ومكث بها إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلحق به في المدينة وكان فيها على هذا الشأن.
طلب أبي ذر الإمارة ورفض النبي وبيان أن الولاية بالكفاءة لا بالطلب
سيدنا أبو ذر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه إمارة، مثل إمارة جيش أو إمارة شيء ما. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
«يا أبا ذر، إنك ضعيف عليها»
(لا تعرف كيف تتعامل مع الناس، أي لست دبلوماسيًّا بما يكفي). إنك ضعيف، ليس ضعيفًا في نفسك، بل ضعيف عليها.
قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنك ضعيف عليها، وأن هذا الأمر لا نوليه لمن طلبه»
وأن هذا الأمر لا نوليه لمن طلبه، وذلك قبل أن تصل الديمقراطيات الحديثة إليه بعد؛ إذ أننا لا نوليه لمن يطلبه. ونفهم من ذلك أن هذا الأمر إنما يكون بالكفاءة وليس بالاستقواء، وليس بالصوت العالي.
فهناك فرق بين الاختيار المبني على الكفاءة (Selection) والانتخاب (Election). وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
