السيرة النبوية - الحلقة الثانية عشر
- •تزوجت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم أبا العاص بن الربيع قبل الهجرة، وكان عمرها ثلاثين عاماً عند الهجرة.
- •تزوجت رقية وأم كلثوم ابني أبي لهب ثم طلقهما قبل الدخول بهما، فتزوجت رقية بعثمان وهاجرت معه للحبشة.
- •توفيت رقية أثناء غزوة بدر وعثمان يرعاها، ثم تزوج أم كلثوم بعدها فسمي ذا النورين.
- •تزوجت فاطمة علياً بعد بدر وكان مهرها درعه الذي قدرت قيمته بأربعمائة دينار.
- •أسر أبو العاص في بدر، فأرسلت زينب قلادة خديجة لفدائه، فتأثر النبي عند رؤيتها وأطلق سراحه.
- •عندما أرادت زينب الهجرة للمدينة، كلف أبو العاص أخاه كنانة بمرافقتها.
- •اعترض المشركون طريقهما، وحاول كنانة حمايتها بتهديدهم بسهامه.
- •طعن أحد المشركين زينب وهي حامل، فأسقطت جنينها، وكان لها قبله ولد توفي وبنت اسمها أمامة.
مقدمة الحلقة والحديث عن بنات النبي صلى الله عليه وسلم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.
فَمَعَ أَنْوَارِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَعِيشُ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ مَعَ ذِكْرِ أَخْبَارِ بَنَاتِهِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ، وَنَفَعَنَا اللهُ بِهِنَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
زواج بنات النبي الأربع قبل تحريم زواج المسلمات من المشركين
قُلْنَا إِنَّ الْكُبْرَى [من بنات النبي ﷺ] كَانَتْ زَيْنَبَ، وَكُلُّهُنَّ مِنْ [السيدة] خَدِيجَةَ. وذكرنا أنَّ زينب تزوجت بابن خالتها هالة، وهالة كانت أخت خديجة، وهو أبو العاص ابن الربيع، وكان شهمًا صاحب أخلاق.
وأنَّ رقية تزوجت بعتبة ابن أبي لهب، وأنَّ أم كلثوم تزوجت بعتيبة ابن أبي لهب، وكل ذلك قبل أن يحرم الله سبحانه وتعالى زواج المسلمات من المشركين؛ إذ كان ذلك جائزًا حينئذٍ لأننا ما زلنا في مكة.
أعمار بنات النبي الأربع عند ولادتهن وعند الهجرة
جاءت زينب ورسول الله ﷺ عنده ثلاثون عامًا، والرابعة فاطمة. عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كان عمرها ثمانية عشر عامًا، وكان عمر النبي ﷺ ثلاثة وخمسين عامًا. فإذا طرحنا ثمانية عشر من ثلاثة وخمسين، كم يكون الناتج؟ يكون خمسة وثلاثين.
عندما وُلدت زينب عليها السلام كان [النبي ﷺ] في سن الثلاثين، ولما وُلدت فاطمة كان في سن الخامسة والثلاثين. فتكون رقية وأم كلثوم جئن وهو في سن الثانية والثلاثين أو الثالثة والثلاثين أو الخامسة والثلاثين، في حدود هذه الأعمار.
أي أن بناته الأربع عليهن السلام جئن حين كان النبي ﷺ في سن الثلاثين وخلال خمس سنوات قبل البعثة. فأصبح لديه أربع بنات: زينب عندما كان عمره ثلاثون، ورقية قُل عنده اثنان وثلاثون، وأم كلثوم قُل عنده ثلاثة وثلاثون أو ثلاثة وثلاثون ونصف، والسيدة فاطمة خمسة وثلاثون؛ لأنها عندما هاجرت كان عمرها ثمانية عشر عامًا.
خريطة أعمار بنات النبي عند الهجرة وزواجهن
السيدة فاطمة، ها قد رُسمت الخريطة. إذن عندما هاجرت السيدة زينب كان عمرها ثلاثة وعشرون، ورقية كان عمرها واحد وعشرون، وأم كلثوم كانت في التاسعة عشرة أو العشرين، وكانت فاطمة في الثامنة عشرة، عليهن السلام.
كانت البنات عند الهجرة في أعمار تتراوح من الثامنة عشرة إلى الثالثة والعشرين.
زواج زينب ورقية وأم كلثوم وقصة عثمان ذي النورين
تزوجت زينب أبا العاص وأنجبت له ولدًا توفي، ثم أنجبت له أمامة التي عاشت ولها قصة طويلة.
تزوجت رقية عتبة، وتزوجت أم كلثوم عتيبة، ثم طلقهما أبو لهب قبل الدخول بهما أبكارًا. فتزوجت رقية سيدنا عثمان وهاجر بها إلى الحبشة، وماتت في وقت نصر بدر.
يعني عندما كانت مريضة قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: «اقعد معها ولا تأتِ معنا في بدر، ابقَ معها»، فجلس معها يمرّضها. فماتت وهو يدفنها، فجاءه البشير أن المسلمين قد انتصروا وفتح الله عليهم في بدر. فوضعها في القبر هكذا حزينًا، وجاءت له البشرى فرحًا؛ يعني ربنا أراد أن يُفرحه.
بدر في سنة اثنين هجرية، فتزوج [عثمان] أم كلثوم في [سنة] ثمانية. حصل الفتح، ذهبوا إلى الفتح من دونه، ذهبوا إلى الفتح من دونه، وقبل أن يذهب ويرجع كانت قد توفيت في أوائل [سنة] تسعة. فمكثت معه حوالي سبع سنوات.
فقال له النبي ﷺ: «والله لو كان عندي ثالثة لزوجتكها». وسُمِّي من حينئذٍ عثمان بـذي النورين: نور التي هي رقية، ونور التي هي أم كلثوم.
الإسلام يكرم المرأة ويصفها بالنور لا بالشيطان
نعم، هي السيدة نور؟ نعم السيدة نور. نعم، والسيدة رقية نور، وأم كلثوم نور، وعثمان صاحب النورين، ذو النورين.
هل الإسلام إذن يقول عن النساء أنهن نور؟ نعم، يقول هكذا. يقول: خديجة عليها السلام، فاطمة عليها السلام، رقية عليها السلام، وأمه صدّيقة يقصد سيدتنا مريم عليها السلام. هكذا يقول في النساء.
هل هذه المرأة شيطان؟ لا، ليست شيطانًا، بل هي إنسان مكلف، تصلي وتصوم وستدخل الجنة وتذكر الله. وربما تكون أفضل منك، ليس فقط ربما، بل هي بالفعل أفضل منك إن أنت اعتقدت بهذه العقائد [المنحرفة عن المرأة] فهي ستكون أفضل منك.
إذن الإسلام علّمنا أشياء كثيرة ونحن غير منتبهين، بل نحن نصيخ السمع إلى أشياء أخرى.
ملخص زواج بنات النبي الأربع ومهر السيدة فاطمة
السيدة زينب تزوجت بأبي العاص، ورقية - الحمد لله - لم يدخل عليها عتبة فتزوجت بعثمان وماتت عنده، وأم كلثوم تزوجت عتيبة - الحمد لله - لم يدخل بها فتزوجت عثمان وماتت عنده.
وفاطمة تزوجت بسيدنا علي بعد أن عادوا من بدر، فأعطاها مهرًا لها درعه الدرع الخاص به، درع سيدنا علي. كان غاليًا جدًا، كان غاليًا عليه وكان غاليًا بالمال؛ كان بأربعمائة دينار، أي مائتي جنيه ذهب إنجليزي.
مائتا جنيه ذهب، اليوم الجنيه الذهب بكم؟ بألفين ومائتين. ألفان ومائتان في مائتين يساوي أربعمائة ألف، بأربعمائة وأربعين ألفًا. يعني دفع فيها مهر نصف مليون! سيدنا علي دفع في فاطمة نصف مليون. نعم، إنها ابنة الأكابر.
أزواج بنات النبي جميعهم أسلموا والحمد لله
كذلك زينب مع أبي العاص الذي أسلم بعد ذلك، ثم رقية مع عثمان، وأم كلثوم بعد وفاة رقية مع عثمان، وفاطمة مع علي. فيكون أزواج البنات كلهن مسلمين، والحمد لله.
حتى أبو العاص الذي عاند في البداية أسلم بعد ذلك في قصة سنذكرها الآن. البنات توفين، أي توفين وأزواجهن على الإسلام، الحمد لله. البنات الأربع كن على الإسلام، أسلمن مع خديجة وأزواجهن على الإسلام.
بقاء السيدة زينب في مكة مع زوجها المشرك بعد الهجرة
حسنًا، فلنتناول قصة زينب. زينب مكثت مع زوجها أبي العاص في مكة. سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم هاجر هو وأصحابه، وأخذ معه رقية وأم كلثوم. ورقية كانت لا تزال مع عثمان في الحبشة. أخذوا أم كلثوم وفاطمة وغيرها، أم رومان زوجة أبي بكر، يعني أناس كثيرون هاجروا ليلحقوا بالنبي ﷺ.
وترك زينب لأنها كانت تحب أبا العاص، وفي ذلك الحين كان يجوز للمسلمة أن تبقى مع المشرك ويجوز للمشركة أن تكون مع المسلم، وسيحدث التفريق بعد ذلك في المدينة، لا شأن لنا بذلك الآن.
فقد هاجر المسلمون إلى المدينة وتركوا السيدة زينب بمحض اختيارها. هل النبي ﷺ يُكره أحدًا؟ لا. هل النبي ﷺ يفرق بين الأحبة؟ لا.
أمر الله في التفريق بين المسلمة والمشرك لا دخل للنبي فيه
لم يكن عليه [النبي ﷺ] لوم، إن الله يريد هذا [التفريق بين المسلمة والمشرك]، إنه شأنه وفعله عندما يريد، بينما نحن لا نشكو أخلاقنا، وليس لنا علاقة، هذا أمر الله والله أعلم.
بقاء السيدة زينب في مكة وخروج المشركين لقتال بدر
بسم الله الرحمن الرحيم. بقيت السيدة زينب مع زوجها أبي العاص بن الربيع في مكة، بينما هاجر الناس، وهاجر سيدنا [النبي ﷺ] والعائلة كلها، وعائشة وسودة بنت زمعة، كل هؤلاء هاجروا إلى المدينة، وبقيت هي.
ثم جاء المشركون وكانوا سيذهبون إلى بدر لكي يقاتلوا محمدًا ﷺ. أبو العاص وجدهم جالسين في مجالس المشركين، قالوا له: غدًا سنذهب لقتال محمد، هل تأتي معنا؟ قال: طبعًا. وطنيّ، وطنيّ مشرك، يحب أهله، وأهله ذاهبون لقتال محمد ﷺ، فذهب معهم وقاتل المسلمين في بدر. حماه [النبي ﷺ] سيدنا النبي في طرف وهو [أبو العاص] مع أبي سفيان في طرف آخر.
أسر أبي العاص بعد انتصار المسلمين في بدر وأحكام الأسرى
حصل القتال وانتصر المسلمون، وقُتل من المشركين حوالي سبعين، وبعد ذلك أُسِر سبعون منهم، من بينهم أبو العاص. فأصبح أبو العاص أسيرًا في الأسر مع المسلمين.
ومعلوم طبعًا أن هؤلاء جيش، أي فرسان، أي عسكر يقفون هكذا بترتيب وانتظام؛ لأجل هؤلاء الأسرى يجب أن نقيم لهم معسكرًا، حتى إذا كان أحدهم مصابًا نعالجه ونطعمه ونسقيه. الأسير له حقوق. أوقفوهم هكذا، صفّوهم ودعوهم يجلسون بوضع القرفصاء، لا أعرف ماذا وغير ذلك، تحت السيطرة.
الأسير إما أن يفديه أهله بإرسال فدية نأخذها ونستفيد منها في بناء الدولة أو في تطوير المشاريع، أو نطلقه لوجه الله، أو نضرب عليه الرق.
حكم الرق في الإسلام وإلغاؤه وحكم قتل الأسير المدبر
كان [الرق] حينئذٍ قبل إلغاء الرق، قبل إلغاء الرق كان قانونًا دوليًّا أن الذي يُؤسَر يمكن أن يُضرب عليه الرق. تغيّر الحمد لله هذا الأمر، كان الشرع يتشوف إلى الإعتاق، حتى عام ألف وثمانمائة واثنين وخمسين وقّعنا جميعًا على اتفاقية تحرير العبيد، فلا عبيد ولا مساوئه، الحمد لله.
وأما إذا قُتِل [الأسير] فيكون قد أصبح مدبرًا. وما معنى مدبر؟ لو تركته سيعود إليّ مرة أخرى بحرب جديدة، وقتله يصبح بمثابة حكم قضائي بالإعدام.
زينب ترسل قلادة خديجة فدية لتحرير أبي العاص من الأسر
حسنًا، أبو العاص في المعسكر أسيرًا. وعندما ذهب المشركون وعدّوا أنفسهم، سألوا: أين فلان؟ هذا قد مات. طيب أين فلان وفلان وعلّان؟ إنهم قد أُسروا. بيانات، فأهلهم في مكة عرفوا بهذه القصة.
ومن ضمن المسلمين [الذين عرفوا] التي هي منهم [السيدة زينب]، وأنه [أبو العاص] الآن في معسكر الأسرى. ترسل إلى أبيه [النبي ﷺ] مثلًا وتقول له: من أجلي أطلق سراح هذا الولد.
حسنًا، إذا فعلت ذلك فستكون ضد القانون، لا تستطيع أن تفعل ذلك. والله ما... هل تعرفها يا سيدي؟ لا تعرفها؟ نعم، لا تعرفها. تستطيع أن ترسل له طلبًا أن يطلقوه هكذا، إن شاء الله حتى لو بالليل. لكن ذلك غير ممكن؛ لأنهم يراقبون الله سرًّا وعلانية، فهم لا يعرفون كيف يخالفون القانون.
ماذا يقول القانون؟ أن أهله يرسلون له فدية. فأرسلت [زينب] القلادة، هذه التي تخص خديجة، التي كانت قد أعطتها لها هدية في جهاز زواجها. أرسلت القلادة، هذه القلادة غالية جدًا، لكنها من ناحية أخرى عزيزة عليها جدًا؛ هذه من السيدة خديجة. أرسلت القلادة: خذوها وفكّوا لي أبو العاص.
النبي يتأثر برؤية قلادة خديجة ويعرض الأمر على أصحابه
فجاء الرجل ليأخذ الفدية، مسؤول المعسكر فهم أن هذا أبو العاص؛ لأنها جاءت من زينب بنت محمد ﷺ. ما هذا! الله الله الله، ما هذا؟ زينب بنت محمد! اللهُ! أيمكن أن يكون هذا أبا العاص؟ ما اسمك يا فتى؟ قال له: أبو العاص. قال له: حسنًا، اجلس.
وذهب مسرعًا إلى النبي ﷺ، قال له: يا رسول الله، هذه [القلادة] جاءت من عند السيدة زينب لتفك أسر أبي العاص. قالوا: ما هذه؟ أرني إياها. ففتحها ووجدها قلادة خديجة.
إنه يعرفها جيدًا، فهذه عِشرة طويلة مع خديجة. لقد كان متزوجًا وعمره خمسة وعشرون عامًا، وتوفيت وعمره اثنان وخمسون عامًا، أي أنهما قضيا معًا سبعة وعشرين عامًا من العِشرة. إنه يعرف القلادة جيدًا، ويعرف أن خديجة أعطتها لزينب في يوم زفافها.
رقة النبي لقلادة خديجة وعدم مخالفته للقانون رغم عاطفته
يقول الراوي إنه رقّ لها رقةً عظيمة، أي شعر نحوها بعاطفة رقيقة قوية. حدث له حالٌ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رأى قلادة حبيبته وقلادة ابنته.
فكان ينبغي أن يقول: اسكت يا ولد، أنت وهو، فكّوا أسر هذا الرجل وما إلى ذلك ومن هذا الكلام. إلا أن رسول الله ﷺ لا يعرف مخالفة القانون، والبكاء الذي بكاه، والرقة التي دخل فيها عندما رأى القلادة لم تحوّله عن الحق.
فقال لهم: ما أنتم فاعلون؟ خذوا القلادة واتركوا الرجل.
الصحابة يتأثرون بموقف النبي ويقررون إطلاق أبي العاص ورد القلادة
قالوا: يا رسول الله، والله لنتركنّ. انظر، هم الذين يقولون وهم أصحاب الحق، أي الشعب الذي أجرى استفتاءً. والله لنتركنّ ولنعيدنّ القلادة إلى صاحبتها؛ فقد أثّر فيهم موقف رسول الله وحاله، وأحسّوا بصعوبة الأمر.
أليس في هذا درس للحكام عندنا في أمور كثيرة؟ أنتم تعلمون عمن نتحدث؟ نحن لا نتحدث عن شخص عادي ذي خلق حسن، بل نتحدث عن سيدنا رسول الله ﷺ الذي يشرع لنا، الذي هو طريقنا إلى الجنة، الذي سيرينا ماذا نفعل وماذا لا نفعل في الدنيا. فانظروا وقرروا ما ستفعلون.
أنا لا شأن لي بما تفعلون. قالوا: ماذا سنفعل؟ هذا ليس مهمًا بالنسبة لهم، هم الآخرون. قالوا: والله لنطلقنّ ولنردّنّ القلادة إلى صاحبتها.
إطلاق سراح أبي العاص وعودته بالقلادة إلى زينب دون أن يسلم
عليه الصلاة والسلام، لا يربّيها [هذه الأخلاق النبوية] هذا الموقف. يا جماعة، نقف عنده سنوات طويلة حتى يفهم الذي لا يفهم، حتى يفهم الذي لا يفهم.
فأطلقوا أبا العاص. هيا اذهب، ألن تُسلم الآن؟ قال لهم: لا، لا أريد أن أُسلم. حسنًا، الله يهديك.
ذهب أبو العاص إلى زينب وأعطوه القلادة: خذ يا أخي أوصل القلادة إلى زينب. وما هذه الأخلاق التي تتحلى بها؟ أليس هذا ما نسمعه من النابتة [المتشددين]؟ لقد غيّرت النابتة الدين. اقرأ يا أخي عن سيدنا رسول الله ﷺ، دعك من هذه النابتة، فقد غيّرت الدين وأربكت الدنيا.
كنانة بن الربيع أخو أبي العاص وبراعته في رمي السهام
انظر إلى أبي العاص، موقف آخر، موقف آخر بعد بدر.
كان أخو أبي العاص هذا اسمه كنانة، كنانة بن الربيع أخوه. وكان كنانة هذا يحمل معه دائمًا السهام، ويعرف كيف يصيب جيدًا. يصيب رأس الرجل مباشرة، مائة من مائة، عشرة من عشرة. هذا هو كنانة، وكانوا يعرفونه في مكة بأنه يصيب بدقة.
زينب تريد الهجرة إلى أبيها وأبو العاص يأذن لها بكل احترام
بعد ذلك أرادت زينب أن تذهب إلى أبيها [النبي ﷺ]، وهي حامل من أبي العاص، وأبو العاص في تجارته خارج مكة. قالت له: سأذهب إلى محمد ﷺ.
قال: لا أستطيع أن أقول لا، هذا حقك. إنه رجل أكرمني وأنا ذهبت لمحاربته، وأنت مسلمة وأنا لا أريد أن أُسلِم. الحق يُقال، يعني أنتِ لكِ حق. والله إنه رجل عميق، هذا أبو العاص.
ها، لم يقل لها: لا وعلى رقبتي لا. إنما قال لها: لا خلاص، اذهبي الآن واذهبي، وسيوصلك كنانة؛ لأنه ماهر جدًا في رمي السهم. فأخذته وذهب كنانة.
كنانة يأخذ زينب جهارًا نهارًا أمام المشركين بثقة الفارس
الإنسان عندما يكون فارسًا يعرف إطلاق النار، ويعرف ركوب الخيل، ويعرف أشياء أخرى كهذه، فيصبح واثقًا من نفسه لا يهمه أحد ولا يحسب الحسابات الكثيرة. يعني لأنه يكون لديه شيء من الجرأة والإقدام هكذا، فهو لا يحسبها.
فكنانة أخذ السيدة زينب على جمل وفي وضح النهار، أخذها وسيمشي أمام المشركين هكذا. المشركون قالوا: ما هذا؟ من هذه؟ بنت محمد؟ إلى أين تذهب؟ قالوا: إلى المدينة. من الذي معها؟ كنانة.
غضب المشركين من خروج زينب ومطاردتهم لكنانة
قالوا: الله! أما يكفينا أنه [محمد ﷺ] قد ضربنا ضربة قاسية في بدر وقتل منّا سبعين وأسر سبعين وأذاقنا الويل، وبعد ذلك تخرج ابنته هكذا جهارًا نهارًا؟ حتى تشمت بنا العرب! يقولون إنه جعل كرامتنا في الحضيض، وأننا لا نساوي شيئًا، وأننا نُضرب على أقفائنا.
وعندما فعلوا ذلك بأنفسهم [أي أثاروا حميّتهم] قالوا: حسنًا، ماذا نفعل؟ قالوا: نجري وراء كنانة ونضربه ونُرجع البنت.
كنانة يهدد المشركين بسهامه ورجل نذل يطعن زينب فتسقط حملها
فذهبوا إليه، فأمسك الكنانة [جعبة السهام] الخاصة به، وفرد السهام وجهّزها. قال لهم: انظروا، من سيقترب من هنا سأضربه بالنار، كما نقول نحن سأضربه بسهم هكذا. والسهم بِرِجْلِ الرَّاوِيّ.
ماذا يقول [الراوي]؟ فتكركروا عنه، أي ابتعدوا وذهبوا إلى هنا وهناك، خافوا منه وهم يعرفون أنه سيضرب، سيضرب.
وإذا برجل نذل، لفّ من وراء الناقة وذهب فضربها بالحربة، حربة كبيرة هكذا. فنزلت من الجمل وكانت حاملًا، فوضعت حملها أي سقط.
سقوط حمل زينب الثالث وختام الحلقة
وهذا هو الحمل الثالث [للسيدة زينب]، كما ذكرنا أنها أنجبت له [لأبي العاص] ولدًا ومات، ثم أنجبت له أمامة وعاشت، وهذا الولد كان هو السَّقْط.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
