السيرة النبوية - الحلقة الثانية والعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع أنوار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيش سويًا هذه اللحظات في كنفه وسرد سيرته الشريفة المنيفة فاللهم يا ربنا صلِّ وسلم على نور الأنوار وسر الأسرار ومفتاح باب. اليسار سيدنا محمد المختار وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين وجازه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته. في السنة الخامسة للهجرة،
في السنة الخامسة للوحي، نحن لم ندخل بعد في الهجرة. السنة الخامسة للوحي في مكة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة فهاجر منهم اثنا عشر نقيباً وعلى رأسهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها السلام في رجب من تلك السنة الخامسة ومكثوا هناك إلى أن سمعوا أن قريشاً قد دخلت الإسلام وظنوا الخبر صحيحاً وفرحوا بذلك فعادوا فوجدوا أن الخبر ليس بصحيح. فدخلوا ليلاً
إلى مكة في جوار المجيرين، كل اثنين أو ثلاثة منهم مع واحد، حيث وجد كل واحد منهم شخصاً يعرفه منذ زمن فدخل في جواره. وعندما وجدوا صلى الله عليه وسلم أن الحال كما هو ولم يكن هناك اختلاف وأن قريشاً لم تُسلم واشتد عليهم البلاء، نصحهم رسول الله مرة ثانيةً بالذهاب إلى الحبشة، أنتم أتيتم! ألا كان ينبغي أن ترسلوا مرسال يسأل سيدنا مثلاً، لكن من حبهم لسيدنا ومن حبهم للبقاء في معيته ومن فرحتهم بأن يكون قومهم قد هداهم الله، أيضاً هذه أمور نفسية
كلها، والغربة، كل هذه الأمور دافعة لهذا، قال لهم: حسناً على كل حال. سافروا مرة ثانية، فسافر ثلاثة وثمانون مسلماً رجلاً وامرأة. في المرة الأولى كانوا اثني عشر، وما معنى ذلك؟ معناه أمران: معناه أن الاثني عشر قالوا لهم إن هناك الجو جميل جداً، والدنيا صافية تماماً، والعدل مستتب، والأمن مستتب. عندما يأتي أحدهم ويقول لك: "إنني أعيش في البلد الفلاني وغير ذلك، فأت معنا والأمر الثاني أن قريشاً قد ازداد أذاها، لأنه بدلاً من أن تؤذي اثني عشر شخصاً، أصبحت تؤذي ثلاثة وثمانين شخصاً
يريدون ترك الأوطان. فهذا يعني أن الدافع للهجرة قد ازداد وهو الأذى، والحالة الموجودة في الحبشة حالة جاذبة. إذن هذا بين الطلب والهرب، كما يقولون: الطلب للأمن والهرب من العذاب العلماء مثل الشيخ القرطبي في تفسيره يسمي هذه هجرة الأمن، يعني الهجرة نوعان: هجرة أمن وهجرة إيمان. هجرة الإيمان هي التي ينتقل فيها الشخص من بلده إلى دار إيمان كاملة، كما كان الانتقال من مكة إلى المدينة، هذه سموها
هجرة إيمان. أنا في مكة أسلمت سيدنا في المدينة. مع جماعته إذا أنا أهاجر لهذه الجماعة المؤمنة لهذه الدولة المسلمة لهذه الدار التي يتحرك فيها الإسلام والإيمان تكون هذه هجرة إيمان، تركت دار الكفر إلى دار الإيمان، لكن هنا أنا لست ذاهباً لأن هناك النبي ولا ذاهباً لأن هناك جماعة المسلمين الذين سنقيم بهم دولة ولا الذين سنعمر بهم الأرض أم الذين سندعو بهم؟ لا، هذا ذاهب هنا هرباً من أيه، من العذاب. وإذا كان طلباً فهو طلب للاستقرار والأمن وليس طلباً لنشر الإيمان. إذن
هناك نوعان من الهجرة: هجرة أمن وهجرة إيمان. هجرة موسى إلى مدين هي هجرة أمن لأنه خاف، أما هجرة موسى إلى فلسطين هذه هجرة إيمان، وهكذا توجد هجرة أمن وهجرة إيمان. أما هجرة الأمن فيدخل فيها الهجرة من أجل العلم، والهجرة من أجل طلب الأرزاق، والهجرة من أجل الالتحاق بالأسرة وبر الوالدين وصلة الرحم. تحدث أمور كهذه يسمونها هجرة أمن، أي أريد الأمن في ديني وعرضي ومالي. في حياتي وفي نفسي هرباً من هذا، كل هذه الأمور تسمى هجرة أمن. أما
الهجرة من أجل الدعوة إلى الله، من أجل نشر الفضائل، فهي هجرة إيمان. هاجر المسلمون الهجرة الثانية كانوا ثلاثة وثمانين شخصاً، هاجروا إلى هناك أيضاً في سنة خمسة، في أواخر سنة خمسة، وكان قد حدث فيها. الهجرة الأولى التي استمرت أربعين أو ستين يوماً، وخلال ذلك دخل آخرون الإسلام أيضاً ومكثوا شهرين هناك، رمضان وشوال. وبعد ذلك في أواخر شوال أو في ذي القعدة ذهبوا جميعاً وسافروا مرة ثانية إلى الحبشة، لكن بدلاً من اثني عشر صاروا ثلاثة وثمانين، من بينهم أم سلمة وأبو سلمة. وفيهم عبيد ابن جحش،
وفيهم وفيهم يعني فيهم مجموعة هكذا. ولماذا نخص عبيد الله بن جحش بالذكر؟ لأنه ارتد هناك عندما ذهب إلى الحبشة. ارتد. ما هي قصة الارتداد؟ قصة الارتداد تحدث حتى يومنا هذا. فتنة ما هي الفتنة؟ إنها أنكم تُلقون بكل شيء على المرأة. مسكينة، لا شأن لها إن المرأة هي كانت سبب هذا، لا. عبيد الله بن جحش عندما ذهب، يبدو أنه قد أدركته ما أدركت المفكرين والأدباء. العقاد
له كتاب اسمه "الذين أدركتهم حرفة الأدب". أحياناً هكذا يكون المرء عنده رومانسية. عبيد الله هذا كان عنده هذه الرومانسية، فعندما ذهب هناك قال: "الله، حسناً ما..." دين المسيحية ها هو كامل، ها نحن نعرف كل شئ عنه سيدنا عيسى وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وبيننا وبينه ستمائة سنة وأكثر، فالقصة واضحة وكاملة. انتبه الآن إلى كلمة "كاملة"، فكلمة "كاملة" هي السبب، لكن "كاملة" هذه ليست اسم امرأة، بل هي شيء كامل، وهذا نبت صغير ما زال ينمو الذي هو الإسلام، وأنا لا أعرف ماذا سيأتي بعد ذلك ولا كذا.
لماذا آخذ الناقص الذي ما زال يكتمل وأترك الكامل؟ هذه النقطة هي التي أربكته، فذهب واعتنق المسيحية. بعد الفاصل نتحدث عن قصة عبيد الله بن الجحش. بسم الله الرحمن الرحيم، ذهب عبيد الله وانتقل من الإسلام إلى النصرانية ومات على النصرانية، ولكن هذه الفكرة، فكرة أنني لا أعرف هذا وأعرف ذاك، هي الفكرة التي
أوقعت كثيراً من الناس في العلمانية. بزعم أنها غير موجودة في الإسلام يريدون أن يقولوا: هذا كان الكلام في أوائل القرن العشرين، يريدون أن يقولوا: أين الفصل بين السلطات في الإسلام؟ أين البرلمان في الإسلام؟ أين الدستور في الإسلام ما رأيكم؟ كان المسلمون ما زالوا في مرحلة إصلاح الأمور، فقالوا: حسناً، وهل سنظل نصلح نفس ما حدث لعبيد الله ابن جحش؟ لدينا الآن النظام الديمقراطي الليبرالي العلماني الجيد من الألف إلى الياء، يخبرني بكل شيء. وفي خلال القرن العشرين، بذل المسلمون جهداً لإنتاج تاريخ يتوافق مع العقل والدستور والوثائق
الاجتماعية والجماعية. فخرجوا إليهم وقالوا لهم: "الله اما ليه اما ليه في مسلم هي تنطق هكذا المصريون يقولونها امال هي عربية صحيحة اما ليه؟ حسناً، فجاءت وثيقة المدينة. نحن نسميها طوال حياتنا وثيقة المدينة. حسناً إنه هو. هذا دستور، سمّه يا أخي دستوراً، ويتحدث عن المؤسسات، ويتحدث عن مفهوم المواطنة. يجب أن أخبرك هكذا لكي تفهم. قالوا: نعم، نريد ذلك، نريد إعادة صياغة، نريد إعادة صياغة بالألفاظ التي نفهمها. فبذل المسلمون جهداً كبيراً في هذا خلال
القرن العشرين، والحمد لله رب العالمين، إلا أننا وقعنا في... مشكلة أخرى أن هؤلاء لا يريدون أن يقرؤوا ما نُتِج، فهم لا يقرؤون كثيراً، والحمد لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون. هذه هي القصة. نعود بمرجعنا إلى الحبشة، حيث سُعِد الناس هناك حتى جاء في أواخر الهجرة النجاشي أسلم، أسلم هناك وهم يعيشون في الحبشة. حدث شيء غريب جداً. إن ابن عمه كان ينازعه الملك، ابن عم اصحمه ابن عم النجاشي، فحاربه. فقالوا له: "نحن نريد أن نحارب معك". أليست هذه مواطنة؟ يعني هم الآن يعيشون
في أمريكا، وأمريكا ستحارب، وهم يريدون أن يحاربوا معها. إنها المواطنة بعينها. فقال لهم: "لا، أنتم ضيوفنا، وأنا لن أعرضكم للخطر". لهذا الخطر فظلوا بعيدين عن النهر، وجعلوا ديدبان، ديديان يعني شخصاً على النهر هكذا، يراقب المعركة التي على الضفة الثانية وهم بعيدون مسافة كيلومتر. حتى إذا انتصر النجاشي، أشار لهم بالنصر، فكبّروا وهللوا وأقاموا الأفراح. أتفرح لشخص غير مسلم؟ النابتة... نعم، أفرح لشخص غير مسلم، وكنت سأقاتل. معه وكنت سأقتل في المعركة، انظر الفرق بين نور الصحابة
وظلام النابتة الذين سيقودوننا إلى الهلاك، انظر الفرق بين العقلين. وانتصر النجاشي ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً. أعوذ بالله، يفرحون في غير يوم عيد. نعم، "وذكرهم بأيام الله"، ذلك يوم نجّى الله فيه موسى فصامه وفرح به. ووسع على العيال وقال: "من وسع على العيال يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته". أخرجه الطبراني وصححه الشيخ أحمد بن الصديق والعراقي. لماذا لدينا هذا الدين المغشوش؟ هناك في الحبشة حدث
مرة ثانية أنه ماذا؟ إن أخانا هذا الرجل جاء يقاتله مرة أخرى، مرتين حصل ذلك. قاتله مرتين، فذهبوا إليه ثانية وقالوا له: "لنشترك هذه المرة، لنشترك". فقال لهم: "حسناً، تعالوا واشتركوا". فاشتركوا في قتال ابن العم هذا وانتصروا عليه. هؤلاء هم المسلمون مجهود يُذكر فيُشكر، تصرفات تُذكر فتُشكر، لا تُعيّر ولا تشوه صورة الإسلام والمسلمين في العالم، ولا تجعل الناس تنفر من المسلمين وتحاربهم، لا يسرقون الناس وينهبونهم بدعوى أن أموال الكفار مستباحة؟
لا، لم يحدث هذا الكلام. ضحى بحياته لكي يعطي شخصاً آخر. شكرا للرجل الذي آواه ونصره وحماه. إنه شهم وليس نذلاً. ماذا يريدون أن يقولوا لنا؟ لكن للأسف هم يقولون لنا ويقولون للعالم أن المسلم ليس شهماً. لا، المسلم شهم، وسيدنا هو سيد أهل الشهامة وهو علَّمنا الشهامة عليه الصلاة والسلام، وعلَّمنا الرجولة والمواقف، وعلَّمنا العقل والمنطق، هو علَّمنا صلى الله عليه وسلم، ولكن هكذا بهذا الشكل إذًا نحن أمام الحقيقة في
ورطة في كيفية قراءة السيرة عند هؤلاء، وعدم ضم السيرة إلى الأحاديث مصيبة كبرى. هؤلاء الجماعة يا جماعة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، أقاموا هناك وتزوجوا هناك وأنجبوا هناك وتكاثروا هناك. حدث بعد ذلك كانت لهم لهم تجربة، الأولى أخذوا بعضهم وانسحبوا ورجعوا بسرعة وهكذا. نحن هنا نتحدث في السنة الخامسة للوحي، أمامنا أيضاً ثماني سنوات في مكة وعشر سنوات في المدينة، أمامنا ثمانية عشر سنة إلى أن... ينتقل سيدنا إلى الرفيق الأعلى وهم مكثوا في هذه السنوات الثماني عشرة،
حضروا حربين انتصر النجاشي فيهما مرتين. شاركوا في إحدى هاتين الحربين، وفي المرة الثانية فرحوا وتزوجوا وأنجبوا وتكاثروا. بعد ثماني سنوات علموا أن سيدنا قد انتقل إلى المدينة، فرجع بعضهم وهم قليلون، وبقي الآخرون وسيدنا عايش نعم لماذا هؤلاء يقومون بواجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في هذا المقام، يقومون بواجب الدعوة مقيمين هناك، ثم إنه أصبح صاحب أسرة، وهذه الأسرة لها حساب آخر، وبعد ذلك
نكمل إن شاء الله تعالى.